Indexed OCR Text

Pages 401-420

سَمِعْتُ النعمانَ بن راشدٍ يُحَدِّثُ عن الزهري، عن سالمٍ، عن أبيه، عن
النبيِّ صلى الله عليه وسلم .. ثم ذكر مثله(١).
٤٦١ - وما قد حدثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، أخبرنا محمدُ بن نصرٍ
المروزي، حدثنا أيوبُ بن سليمان بن بلال، حدثنا أبوبكر - يعني:
ابن أبي أَويس - عن سليمان - وهو ابنُ بلالٍ- عن صالح بنِ كَيْسَانَ،
عن إسماعيل بن محمد بن سعد، أن سالم بن عبدالله، ونافعاً قد حدثاه أن
عَبدَالله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر
مِثْلَه(٢).
٤٦٢- وما قد حدثنا أبو أمیة، حدثنا عُبَيْدُاللَّهِ بنُ موسی، حدثنا
شيبانُ، عن الأعمش، عن أبي صالح
عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّهِ عليه السَّلامُ: ((لا حَسَدَ إلاَّ
في اثْنَتَيْنْ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ القُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ
آتَاهُ اللَّهُ مَالاً، فَهُوَ يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ)) (٣).
٤٦٣ - وما حدثنا إسحاق بنُ إبراهیم، حدثنا أبو کریب، حدثنا
(١) النعمان بن راشد: سيىء الحفظ، وقد توبع عليه، وباقي السند رجاله ثقات رجال
الشيخين، فهو صحيح .
(٢) إسناده صحيح. محمد بن نصر المروزي: إمام ثقة حافظ، وأيوب بن سليمان: ثقة من
رجال البخاري، ومن فوقه، من رجال الشيخين. أبو بكر بن أبي أويس:
هو عبدالحميد بن عبدالله الأصبحي.
(٣) إسناده صحيح على شرط الشيخين. شيبان: هو ابن عبدالرحمن التميمي مولاهم
النحوي .
ورواه البخاري (٥٠٢٦) و (٧٢٣٢) و (٧٥٢٨)، وأحمد ٤٧٩/٢، والنسائي في
((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٣٥٧/٩ من طريق الأعمش، بهذا الإسناد.
٤٠١

يحيى بنُ آدم، حدثنا يزيد بن عبدالعزيز، عن الأعمش، عن
أبي صالح
عن أبي سعيد الخدري، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عليه السَّلامُ:
(لا حَسَدَ إِلاَّ في اثْنَيْنْ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ القُرْآنَ، فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ
النِّهَارِ، فيقول رجلٌ: لو آتاني اللَّهُ مثلَ ما آتى فلاناً، فعلت فيه مثل
ما فعل، ورجلٌ آتاه اللَّهُ مالاً، فهو ينفقه في حقه، فيقول رجلٌ: لو آتاني
اللَّهُ مثل ما آتى فلاناً، فعلت فيه مثلَ ما فعل))(١).
فكان جوابُنا له: أن الحسدَ ينقسمُ قِسْمَيْنْ: فَقِسْمٌ منهما حَسَدٌ لمن
أُوتي شيئاً على ما أُوتيه منه، وثَمَنٍّ من الحاسدِ أن يكونَ ذلك الشيء له
دون الذي آتاه اللَّهُ إياه، فذلك(٢) ما هو مذمومٌ ممن يكون منه.
وقِسمٌ منهما حسدٌ لمن آتاهِ اللَّهُ شيئاً، وَمَنٍّ مِن الحاسد أن يُؤْتِى مِثْلَ
ذلك الشيءٍ، لا أن يُنْقَلَ ذلك الشيءُ بعينه مِن المحسود حتى يَخْلُوَ منه،
ويكونَ للذي حسده دُونَهُ، وقد بَيْنَ اللَّهُ هذين المعنيين في كتابه، فقال:
﴿وَلَا تَتَمَنُّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿واسْأَلُوا اللَّهَ
مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] أي: حتى يُؤْتِيكم مِثْلَه، ويبقى مَنْ حَسَدْتُوه معه
ما آتاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ غيرَ مُسْتنقصٍ منه شيئاً.
فكان الحسدُ الذي فيه تمني نقلِ الشيء المحسودِ عليه عمن آتاه
اللَّهُ إيّاه إلى حاسِده عليه مذموماً، والحسد الذي ليس فيه ذلك التمني، وإنما
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو كريب: هو محمد بن العلاء بن كريب.
قال الهيثمي: ١٠٨/٣: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.
(٢) في الأصل: ((فكذلك)).
٤٠٢

فيه حَسَدُ الحاسِدِ المحسود على ما آتاهُ اللَّهُ حتى يُؤْتِيه اللّهُ مِنْ فضله مثلَه
ليس بمذموم(١).
وقد بَيْنَ ذلك رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم في حديث أبي كبشة
الأنماري (٢) الذي رويناه فيما تَقَدَّمَ منا في كتابنا(٣) هذا الذي حكاه عن
رسولِ الله صلّى الله عليه وسلم من قولِهِ: ((مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ أَرْبَعَةٍ: رَجُلٌ
آتَاهُ اللَّهُ عِلْماً وَآتَاهُ مالاً، فَهُوَ يَعْمَلُ في مالِهِ بِعِلْمِهِ، وَرَجُلٌ آتَهُ اللَّهُ عِلْماً
وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْكَانَ لِي مِنَ المَالِ مِثْلُ مَا لِفُلَانٍ، لَفَعَلْتُ فِيهِ
الَّذِي يَفْعَلُ - أي في مالِهِ-)) قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((فَهُمَا في
الْأَجْرِ سَوَاءٌ» .
وقد ثبت أيضاً في حديث يزيد بنِ عبدالعزيز، عن الأعمش، عن
أبي صالح، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي
قد رويناه في هذا الباب.
فقد بَانَ بحمدِ الله ونعمته أن لا تَضَادٌّ في شيءٍ لما قد رويناه عن
رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وأَنَّ كُلَّ واحدٍ من الحسدين - مما قد
ذكرناه في هذا الباب اللذين ذكرهما فيه، فَذَمُّ على أَحَدِهما، ولم يَذُمَّ على
الآخر - مَتباينانٍ، في أحدِهما ما ينبغي للنَّاسِ أن يكونوا عليه، وفي الآخر
ما ينبغي للناس أن لا يكونُوا عليه، وبالله التوفيقُ.
(١) وقد سمى العلماء الحسد الذي يقصد صاحبه أن يكون له مثل ما أوتي غيره من غير أن
يتمنى زوال ذلك عنه غبطة.
(٢) تعرف في الأصل إلى الأنصاري.
(٣) انظر الحديث (٢٦٣) من الصفحة ٢٣٨.
٤٠٣

٦٧ - بابُ بيانِ مشكلٍ ما رُوِيَ عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم في الرُّوَنْيِضَةِ الذي ذكره في
وصفه السنين التي أمامَ الدَّجَّال مَنْ هُوَ من الناس؟
٤٦٤ - حدثنا إبراهيمُ بن أبي داود، حدثنا أبو كريبٍ، حدثنا
يُونُس بنُ بُكير، عن ابنِ إسحاق، عن إبراهيمَ بنِ أبي عَبْلَةً، عن أبيه
عن عوف بنِ مالكِ الأشجعيِّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه
وسلَّمَ: ((إِنَّ أَمَامَ الدَّجَّالِ سِنِينَ خَوَادِعَ يَكْثُرُ فِيهَا المَطَرُ، ويَقِلُّ فيها
النُّبْتُ، ويُصَدَّقُ فيها الكَاذِبُ، ويُكَذَّبُ فيها الصَّادِقُ، ويُؤْتَنُ فيها
الخَائِنُ، ويُخَوَّنُ فيها الْأُمِينُ، وَيَنْطِقُ فيها الرُّوَيْبِضَةُ)). قيل: وما الرُّوَيْبِضَةُ،
يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: «مَنْ لاَ يُؤْبَهُ لَهُ))(١).
(١) والد إبراهيم بن أبي عبلة - واسمه شمر بن يقطان -: ذكره ابن حبان في ((الثقات))
٣٦٧/٤، وأورده ابن أبي حاتم ٣٧٦/٤، ولم يذكر فيه جرحاً، وباقي رجاله ثقات.
أبو كريب: هو محمد بن العلاء.
ورواه الطبراني ١٨ / (١٢٥) من طريق أبي كريب، بهذا الإسناد.
ورواه أيضاً (١٢٣) و(١٢٤) من طريق مسلمة بن علي، وإسماعيل بن عياش، كلاهما
عن إبراهيم بن أبي عبلة، به.
ويشهد له حديث أنس الآتي عند المصنف، وحديث أبي هريرة عند أحمد ٢٩١/٢،
وابن ماجه (٤٠٣٦) من طريق يزيد بن هارون، عن عبدالملك بن قدامة، عن
إسحاق بن بكر أبي الفرات، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه ((عن أبيه))
لم ترد عند ابن ماجه)، عن أبي هريرة. وصححه الحاكم ٤٦٥/٤ - ٤٦٦، ووافقه
الذهبي مع أنه قال في ((الكاشف)) عن إسحاق بن بكر أبي الفرات: مجهول، وكذا قال
مسلمة بن قاسم، وعبدالملك بن قدامة: ضعيف.
=
٤٠٤

٤٦٥ - وبه عن ابن إسحاق، عن عبدِالله بن دينار، عن أنسٍ
مثلَه، غير أنه قال: قيلَ يا رسولَ اللَّهِ: ومَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قال: ((الفُوَيْسِقُ
يَتَكَلِّمُ فِي أَمْرِ العَامّةِ))(١).
٤٦٦ - حدثنا ابنُ أبي دَاودَ، حدثنا عَمْرو بنُ محمد الناقد، حدثنا
عَبْدُ الله بن إدريس، عن ابنٍ إسحاق، عن عبدالله بنِ دينار
عن أنسٍ ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسَلَّمَ: ((إِنَّ بَيْنَ
يَدَيِ السَّاعَةِ سِنِينَ خَدَّاعَةٌ، يُصَدَّقُ فيها الكَاذِبُ، ويُكَذَّبُ فيها الصَّادِقُ،
ويُؤْثَنُ فِيهَا الَخَائِنُ، ويُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، ويَتَكَلِّمُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ)) [قيل]:
ومَا الرُّوَنِبِضَةُ؟ قال: ((الفُوَيْسِقُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ العَامَّةِ)(٢).
فلم يكن فيها رويناه مِنْ هذه الآثارِ مِن ذكر الرُّويبضَةِ ما يُوجِبُ
اختلافاً فيه مَنْ هُوَ مِن الناس على لسانٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم،
= ورواه أحمد أيضاً (٨٤٤٠) من طريق يونس وسريج، عن فليح، عن سعيد بن
عبيد السباق، عن أبي هريرة ... فليح: هو ابن سليمان الخزاعي، كثير الخطأ، وباقي
رجاله ثقات.
(١) رجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق، وهي مغتفرة في الشواهد. وتابع عبدَاللهِ بن
دينار عليه ابنُ المنكدر عند أحمد ٢٢٠/٣.
والرويبضة: قال الزمخشري في ((الفائق)) ٤٤٨/١: كأنه تصغير الرابضة، وهو العاجز
الذي رَبَضْ عن معالي الأمور، وجَثَمَ عن طلبها، وزيادة التاء للمبالغة.
ورواه أبو عبيد في ((غريب الحديث)) بلفظ: ((التّافِه يتكلم في أمر العامة))، ثم قال:
والتافه: الخسيسُ الخامل من الناس، وكذلك كل خسيسٍ تافه، قال أبو عبيد: وهذا
مثل الحديث الآخر: ((لا تقومُ الساعةُ حتى يكونَ أسعدَ الناس بالدنيا لُكَعُ بنُ لُكَع))
وهو العبد والسفلة، ومنه قيل للأمة: بالكاعٍ .
وفي ((الفائق)) للزمخشري ١٣٣/١: هو من تفه الطعام: إذا سَنِخَ، وتفه الطيب:
إذا ذهبت رائحته بمرور الأزمنة .
(٢) هو مكرر ما قبله. ورواه أحمد ٢٢٠/٣ من طريق عبدالله بن إدريس، بهذا الإسناد.
٤٠٥

لأنَّه قد يجوز أن يكونَ وصفُه إياه بالفِسْقِ الذي يمنع مثله مِن الكلام في أَمْرِ
العامة، يَنْطَلِقُ له في الدَّهْرِ (١) المذمومِ الكلامُ في أمرِ العامة كما يَكُونُ فيه
تصديقُ الكاذب، وتكذيبُ الصادقِ، وائتمانُ الخائن، ويكونُ وصفه إيّاهُ
بأنه لا يُؤْبَّهُ له لِعَلَنِهِ بفسقه، ولأنه ممن لا حاجة بالناس إليه، فيكون بذلك
خاملاً لا يُوَبَّهُ له، فاتفق بحمد الله المعنيان اللذان روينا في تفسير
الرُّويِضَةِ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلَّم في هذا البابِ، ولم يختلفا،
واللَّهَ نسألُهُ التوفيقَ.
وقف
لله
٠
(١) في المطبوع: ((ينطق في الدهر)).
٤٠٦

٦٨ - بابُ بيانِ مشكلٍ ما رُوي عنه عليه السَّلامُ
في تأويلِ قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنْ يَوْمَئِذٍ عَنٍ
النّعِيمِ﴾
٤٦٧ - حدثنا أحمد بنُ داودَ، حدثنا محمدُ بنُ أبي سَمينة، أخبرنا
سفيانُ، عن عمرو بن دينارٍ، عن يحيى بنِ عبدِالرحمن، عن عبدِ اللهِ بن
الزبير
عن الزبير، قال: لَمَّا نزلت ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾
[التكاثر: ٨] قُلنا: يا رسولَ الله، وأيُّ نعيم، وإَما هُمَا الْأُسْوَدَانِ! قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّه سَيَكُونُ))(١).
فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدنا فيه قولَ أصحابٍ رسول الله صلى الله
عليه وسلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند نزول هذه الآية عليه:
أيُّ نعيمٍ؟ أي: ما هُمْ فيهِ وإنما هما الأسودان، وجواب رَسُولِ اللَّهِ صلى
الله عليه وسلم إياهم عندَ ذلك: ((إِنَّ سَيَكُونُ)) أي: سيكونُ لكم عَيْشٌ
سِوى الأسودینِ، فَتُسألون عنه.
(١) إسناده صحيح. أحمد بن داود: ثقة، ومن فوقه من رجال الصحيح. محمد بن
أبي سمينة: هو محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة، ويحيى بن عبدالرحمن: هو ابن
حاطب بن أبي بلتعة.
ورواه أحمد ١٦٤/١، والترمذي (٣٣٥٦)، وابن ماجه (٤١٥٨)، وابن أبي حاتم
كما في تفسير ابن كثير ٤٩٧/٨ من طريق سفيان بن عيينة، عن محمد بن عمروبن
علقمة، عن يحيى بن عبدالرحمن، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حسن.
٤٠٧

فعقلنا بذلك أنَّ الذي يُسألون عنه هو الفضلُ عن الأسودين
مما يتجاوزُ ما تَقُومُ أنفسُهم به، وأنهم غَيْرُ مسؤولينَ عما لا تقَومُ أنفسُهم إلا به.
ووجدنا ما قد ذَلَّ على ذلك مروياً عنه عليه السَّلامُ في غيرِ هذا
الحدیث:
٤٦٨ - كما حدثنا ابنُ مرزوق، وابنُ أبي داود قالا: حدثنا
أبو الوليد الطيالسي، حدثنا حَشْرَجُ بنُ نُبَاتَةَ، حدثنا أبو نصيرةً
عن أبي عَسِيبٍ، قال: خَرَجَ رسولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسَلَّم
لیلاً، فَمَرْ بأبي بکر، فدعاه فخرج إلیه، ثم مرٌ بِعُمّر، فدعاه فخرج إليه، ثم
انطلق يمشي ونَحْنُ معه حتى دَخَلَ بعضَ حوائِط الأنصارِ، فقال: أَطْعِمْنا
بُسْراً، فأتاهم بِعِذْقٍ، فأكلُوا منه، وأَتَاهم بماءٍ فشربوا، فقال رسول الله
عليه السلام: ((هذا مِنَ النَّعيمِ الذي تُسألونَ عنه)). فقال عُمَرُ: إِنَّا
لَمَسْؤُلُونَ عَنْ هَذا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قال: ((نَعَمْ، إلا مِنْ ثَلاثٍ: كِسْرَةٍ يَسُدُّ بِهَا
الرَّجُلُ جُوعَهُ، وخِرْقَةٍ يُوارِي بِهَا عَوْرَتَهُ، وحجْرٍ يَدْخُلُ فِيهِ مِنَ الحَرِّ
والبَرْدٍ))(١).
٤٦٩ ۔ وکما قد حدثنا أبو أمية، حدثنا محمد بن سابق، حدثنا
حشرج بن نُباتة ثم ذكر بإسناده مثله وزاد فأخذ عمر العذق، فضرب به
الأرض حتى تناثر البُسر ثم قال: يا رسول الله: إنا لمسؤولون عن
هذا؟(٢).
(١) إسناده حسن. حشرج بن نباتة: صدوق بهم، وباقي رجاله ثقات. أبو نصيرة (وقد
تصحف في الأصل إلى أبي بصيرة): هو مسلم بن عُبيد الواسطي، وأبو عَسيب:
هو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهور بكنيته .
ورواه أحمد ٨١/٥ من طريق سريج، والطبري ١٨٥/٣٠ و١٨٦ من طريق سعيد بن
سليمان، وبقية، ثلاثتهم عن حشرج، بهذا الإِسناد.
(٢) إسناده حسن، وهو مكرر ما قبله.
':
٤٠٨

فكان في هذا الحديثِ تبيانُ ما ذكرنا، لأنَّ فيه أنهم مسؤولون عن
البُسْرِ الذي أكلُوه، وعن الماءِ الذي شربوه، لأنهما فَضْلٌ عن الكِسْرَةِ التي
يَسُدُّونَ بها جُوعَهم، وعن الخِرِقَة التي يُوارُون بها عورَاتِهِم، وعن الحِجر
الذي يقيهم الحرِّ والبَرْدَ.
٤٧٠ - كما حدثنا أحمدُ بن داود، حدثنا عُبَيْدِ اللَّهِ بن محمد التَّيمي،
أخبرنا حمادُ بنُ سَلَمَة، عن عَمَّارِ بنِ أبي عَمَّارٍ
عن جابرٍ، قال: أتانا رسولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم فَأَطْعَمناه
رُطَباً، وسَقَيْنَاه ماءً، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((هَذا مِنَ
النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ))(١).
٤٧١ - كما حدثنا فهدٌ، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حمادٌ، عن عمارٍ،
سَمِعْتُ جابراً يقولُ: جاءَ رسولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم إلى بيتنا فذكر
مثلَه، غير أن أبا الوليد شك، فقال: أطعمناه رُطَباً أو بُسْراً (٢).
٤٧٢ - وكما قد حدثنا أبو أمية، حدثنا عبيدالله، حدثنا شَيْبَان،
وحدثنا أبو أمية، حدثنا الحسن الأشيب، حدثنا شيبان، جميعاً عن
5
عبدالملكِ بنِ عُميرٍ، عن أبي سَلَمَةَ
(١) إسناده صحيح. ورواه أحمد ٣٣٨/٣ و٣٥١ و٣٩١، والنسائي ٢٤٦/٦، وأبو يعلى
(١٧٩٠)، والطبري في ((التفسير)) ١٨٥/٣٠ من طرق عن حماد، بهذا الإسناد.
وصححه ابن حبان (٢٥٣١).
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٢٨٨/٦، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن مردويه،
والبيهقي في ((الشعب)).
وأخرجه أبو يعلى أيضاً (٢١٦١) بزيادة في أوله من طريق هدية بن خالد، عن حماد بن
سلمة، به.
(٢) إسناده صحيح، وهو مكرر ما قبله.
٤٠٩

عن أبي هُريرة، قال: خرج رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسَلَّم في
سَاعَةٍ لا يَخْرُجُ فيها ولا يلقاه فيها أَحَدٌ، فأتاه أبو بكر، فقال: ((مَا أَخْرَجَكَ
يا أبا بكر)»؟ قال: خَرَجْتُ لِلِقَاءِ رَسُولِ الله صلَّى الله عليه وسَلَّم، والنّظَرِ
في وجهه، والتسليم عليه، فلم يَلْبَثْ أن جاء عُمَرُ، فقال: ((مَا أَخْرَجَكَ
يا عُمَرُ)»، قال: الجُوعُ، قال: ((وَأَنَا وجَدْتُ بعضَ الذي تَجِدُ، انْطَلِقْ بِنَا
إلى أبي الهَيْثَم بن التِّّهَانِ))(١). وذكر الحديثَ بطوله، وقال فيه: ((فإنَّ
المُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ)). هكذا حدثناه أبو أمية، وهو لسياقته(٢).
٤٧٣ - كما قد حدثنا يوسفُ بنُ يزيد، حدثنا سعيدُ بنُ منصور،
حدثنا هُشَيْمٌ، حدثنا عُمَرُ بن أبي سلمة
عن أبيه، أن رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلم خرج ذاتَ يومٍ،
(١) هو مالك بن النّيِّهان بن مالك بن عبيد الأوسي الأنصاري، كان أحد الستة الذين لقوا
رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما لقيه الأنصار، وشهد العقبة الأولى والثانية،
وهو أول من بايعه ليلةَ العقبة في قول بني عبد الأشهل، وكان نقيب بني عبدالأشهل
هو وأسيد بن حضير، وشهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها، وتوفي بالمدينة في خلافة عمر
سنة عشرين، وقيل: سنة إحدى وعشرين.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. الحسن الأشيب: هو الحسن بن موسى الأشيب،
وقد تصحف في الأصل إلى: الأشنب.
ورواه البخاري في ((الأدب المفرد)» (٢٥٦)، والترمذي (٢٣٦٩) و(٢٨٢٢)، وأبو داود
(٥١٢٨)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٤٦٧/١٠، وابن ماجه (٣٧٤٥)،
والحاكم ١٣١/٤، والترمذي في ((الشمائل)) (١٣٤)، وابن جرير ١٨٥/٣٠ من طريق
عبدالملك، بهذا الإِسناد. قال الترمذي: حسن صحيح غريب، وقال الحاكم: صحيح
على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وانظر ((تحفة الأشراف)) ٤٦٧/١٠ - ٤٦٨.
قلت: ((المستشار مؤتمن)) له شاهد من حديث أبي مسعود الأنصاري عند الدارمي
٢١٩/٢، وابن ماجه (٣٧٤٦)، وأحمد ٢٧٤/٥، وابن حبان (١٩٩١).
ومن حديث سمرة عند أبي نعيم في ((الحلية)) ١٩٠/٦، والترمذي (٢٨٢٣) من حديث
أم سلمة .
٤١٠

فجلس ثم إنَّ أبا بكر جاءَ، فجلسَ إلى النبيِّ عليه السلامُ، قال :.
(مَا أَخْرَجَكَ هذِهِ السَّاعَةَ؟)) قال: الجُوعُ، قال: ((يا أبا بكرٍ، وأنا
ما أخرجَني إلا الجُوعُ))، ثم جاء عُمَرُ، فقال مِثْلَ ذلك، فقال رسولُ اللَّهِ
عليه السلامُ: ((انْطَلِقُوا بِنَا إلى مُنْزِلِ أَبي الهَيِّثَمِ، فلم يُوافِقُوهُ، وأذِنَت لهم
امرأتُه، فلم يَلْبِثُوا إلا قليلاً حتى جاءَ أبو الهيّثَمِ، فَصَرَمَ لهم مِنْ نخلة عِذْقاً
فوضعه بَيْنَ أيديهم، فجعلوا يأكلونَ مِنَ الرُّطَبِ والْبُسْرِ، ثم شَرِبُوا مِنَ
الماء، وأمر أن تُذبح لهم شاةً، فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم:
(لا تَذْبَحْ ذَاتَ ذَرِّ)، فَذَبَحَ لَهُمْ، ثُمَّ أُتُوا بِاللَّحْمِ، فأكلوا مِن الرُّطَبِ
واللَّحْمِ حتى شبعوا، فقال رَسُولُ الله صلَّى الله عليه وسلم: ((لَتُسْأَلُنَّ عَنْ
هذا، وإنَّ هذا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ)) فلما انصرف النبيُّ عليه
السَّلامُ، قال لأبي الهيثم: ((إِذَا أَتَانَا رَقِيقٌ، فَأْتِنَا حَتَّ نَأْمُرَ لَكَ بِخَادِمٍ))،
فَلَبِثَ ما شاء اللَّهُ، ثم أُتي بِسبيٍ ، فأتاه أبو الهيثمِ ، فقال له النبيُّ عليه
السَّلامُ: ((اخْتَرْ مِنْهُم أَيُّهُمْ شِئْتَ))، قال: يا رسولَ الله خِرْ لي، قال النبيُّ
صلِّى الله عليه وسلَّم: ((المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنُ)) مرتين أو ثلاثاً، قال: ((خُذْ هذا
واسْتَوْصِ بِهِ خَيْراً، فإِّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّ، وإِنِّ نُهُيَتُ عَنِ المُصَلِّينَ)) فانطلق
به أبو الهيثم، فلما أتى أهله، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد
أوصاني بك خيراً، فأنت حرُّ لوجه الله تعالى(١).
(١) هو مرسل. وعمر بن أبي سلمة: هو ابن عبدالرحمن بن عوف الزهري المدني، قال
البخاري: صدوق إلا أنه يخالف في بعض حديثه، وقال ابن عدي: حسن الحديث،
لا بأس به.
ورواه أحمد في ((الزهد)) ص ٣٢ مختصراً من طريق عمر بن أبي سلمة، عن أبيه مرسلاً،
به .
وقوله: ((نهيت عن المصلين)) أي: عن ضربهم، وروى أحمد في ((المسند)» ٢٥٠/٥ و ٢٥٨
من حديث أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل من خيبر ومعه غلامان، =
٤١١

٤٧٤ - وکماحدثنامحمدبن سنان ،حدثناعیسی بنُ سلیمان، حدثنا
خَلَفُ بنُ خلیفةً، عن یزید بنِ کیسان، عن أبي حازمٍ.
عن أبي هُريرة، أن رسولَ اللَّهِ عليه السَّلامُ خرج يوماً فإذا
هُوَ بأبي بكرٍ وَعُمَرَ، فقال: (ما أخرجكما هذه الساعةَ؟)) قالا: الجُوعُ
يا رسولَ الله، قال: «وأنا والذي بعثني بالحَقِّ أخرجني الذي أخرجَكُما
فَقُومَا))، فقاما معه، فأتى رجلاً مِنَ الأنصارِ، فلم يَكُنِ الرَّجُلُ ثَمَّتَ، وإذا
امرأتهُ، فلما نَظَرَتْ إلى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلم وأبي بكر وعُمَرَ،
قالت: مرحباً وأهلاً، قال نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم: ((أَيْنَ فُلانٌ؟))
قالت: انطلق يَسْتَعْذِبُ لَنَا الماءَ، قال: فبيناهُمْ كذلك إذ جاء الأنصاريُّ،
وعليهِ قربة مِن ماءٍ، فلما نظر إلى النبيِّ صَلَّى الله عليه وسلم وإلى صاحبيه
كَبِّرَ، ثم قال: اللَّهُ أَكْبَرُ، مَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ ذَكَرٍ وأُنْثَى أَكْرَمَ أضيافاً
مني اليوم، فعلق القِرِبة بِكُرْنَافَةٍ(١) فانطلق، فجاء بِعِذْقٍ فيه تَمْرٌ ورُطَبٌ
وبُسْرٌ، فوضعه بَيْنَ أيديهم، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((لَوْلاً
اجْتَنَيْتَه)»، قال: تَخَيَّروا على أعيُنِكُم يا رسولَ الله، ثم أخذ المُدْيَةَ، فقال
له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إيَّاكَ والَحُلُوبَ)» فذبح لهم شَاةً،
فأكلوا، فلما شَبِعُوا، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((والَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذِهِ النِّعْمَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ الْجُوعُ، ثُمَّ
فقال علي رضي الله عنه يا رسول الله أخدمنا، فقال: خذ أيهما شئت، فقال: خر لي،
=
قال: خذ هذا ولا تَضْرِبْهُ، فإني قد رأيته يصلي مقبلنا من خيبر، وإني قد نهيت عن
ضرب أهل الصلاة.
وله شاهد من حديث أنس عند البزار وأبي يعلى كما في «المجمع» ٢٩٦/١.
(١) الكُرنافة: أصل السعفة الغليظ الملتصق بجذع النخلة.
٤١٢

لَمْ تَرْجِعُوا حَتّى أَصَبْتُم هذا النَّعِيمَ))(١).
فقد اتفق بحمد الله ونعمته هذه الآثارُ التي رویناها عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم في هذا الباب، وانتلفَتْ معانيها، وانتفى عنها الاختلافُ
والتضادُّ، واللَّهَ نسألُهُ التوفيق.
(١) حديث صحيح. عيسى بن سليمان، قال ابن حبان في ((الثقات)) ٤٩٤/٨: عيسى
ابن سليمان الشيزري الذي يقال له: الحجازي، كان أصله من الحجاز، سكن
حمص، وقال أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه ٢٧٨/٦ : شيخ يدل حديثه على الصدق،
ومن فوقه على شرط مسلم، وهو في ((صحيحه)) (٢٠٣٨) من طريق أبي بكر بن أبي
شيبة، حدثنا خلف بن خليفة، عن يزيد بن كيسان، بهذا الإسناد.
ورواه أيضاً من طريق إسحاق بن منصور، عن المغيرة بن سلمة، عن عبدالواحد بن
زیاد، عن یزید، به.
ورواه الطبري ٢٨٧/٣٠ من طريق الحسن بن علي الصدائي، حدثنا الوليد بن
القاسم، عن یزید بن کیسان، به.
ورواه بأطول مما هنا: أبو بكر المروزي (٥٥)، وأبو يعلى (٧٧) من طريق يحيى بن
عبيد بن عبدالله بن موهب التيمي، عن أبيه، عن أبي هريرة، حدثني أبو بكر الصديق
رضي الله عنه فذكره .. .
وهذا السند لا يفرح به، فيحيى: متروك، وأبوه: لم يوثقه غير ابن حبان، والعمدة
السند السابق. وقد وقع في المطبوع من ((مسند أبي يعلى)) تحريف شنيع في لفظة يُؤخذ
صوابها وتفسيرها من «مسند أبي بكر)» للمروزي الذي حقّقْتُهُ منذ خمسَ عشرةَ سنة.
والعِذْق: من التمر بمنزلة العنقود من العنب، والمُذْيَة: السكين، والحلوب: ذات
اللبن، فعول بمعنى مفعول، كركوب ونظائره.
٤١٣

٦٩ - بابُ بيانِ مُشكلٍ ما رُوي عنه عليه السَّلامُ
في جوابٍ من سأله عن السّاعةِ
٤٧٥ - حدثنا يونس، حدثنا سفيانُ، عن الزهريِّ
عن أنسٍ ، أن رجلاً سأل النبي عليه السَّلامُ عن السَّاعَةِ، فقال:
(مَا أَعْدَدْتَ لَمَا؟))، قال: حُبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، قال: ((أَنْتَ مَعَ مَنْ
أَحْبَيْتَ))(١).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه البخاري (٣٦٨٨) و (٦١٦٧) و (٦١٧١) و(٧١٥٣)، ومسلم (٢٦٣٩)،
والترمذي (٢٣٨٥)، وأحمد ١٠٤/٣ و١١٠ و ١٦٥ و١٦٧ و١٦٨ و١٧٢ و١٧٣
و ١٧٨ و١٩٢ و٢٠٠ و٢٠٢ و٢٠٧ و٢٠٨ و٢١٣ و٢٢٦ و٢٢٧ و٢٢٨ و٢٥٥
و٢٧٦ و٢٨٣ و٢٨٨ من طرق عن أنس، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حسن
صحيح .
وزاد البخاري في روايته الأولى بعد قوله: ((إنك مع من أحببت))، فقلنا: ونحن كذلك؟
قال: (نعم))، ففرحنا يومئذٍ فرحاً شديداً، فمر غلام للمغيرة، وكان من أقراني، فقال:
(إن أخر هذا، فلن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة))، والمراد بقوله: ((حتى تقوم الساعة))
ساعة الذين كانوا حاضرين عند النبي صلى الله عليه وسلم، وأن المراد موتهم، وأنه
أطلق على يوم موتهم اسم الساعة لإفضائه بهم إلى أمور الآخرة. ووقع في رواية
الباوردي في الصحابة بدل قوله: ((حتى تقوم الساعةُ)): ((لا يبقى منكم عينٌ تطرف)» وله
في أخرى: ((ما من نفسٍ منفوسةٍ يأتي عليها مئةُ سنةٍ))، وهذا نظير قوله صلى الله عليه
وسلم في الحديث الذي رواه البخاري في «صحيحه)) في العلم: أنه قال لأصحابه في
آخر عمره: ((أُريِتَكُم ليلتَكم هذهِ، فإنْ على رأسٍ مئة سنةٍ منها لا يبقى على وجهِ
الأرضِ ثمّنْ هو اليومَ عليها أحدٌ)).
٤١٤

٤٧٦ - حدثنا محمد بن عمرو(١) بن يونس الثَّعلبي السُّوسي(٢)،
حدثنا أبو معاويةً، عن هشام، عن أبيه
عن عائشة، قالت: كانَ الْأَعْرابُ يجيئون يَسْأَلُونَ رَسُولَ الله صلَّى
الله عليه وسلَّم: مَتَى السَّاعَةُ؟ مَتَى السَّاعَةُ؟ فَنَظَرَ إلى أَحَدِهِم فقال: ((إِنْ
بَقِي هُذَا لَمْ يَقْتُلْهُ الْهَرَمُ حتى تَقُومَ عَلَيْهِ سَاعَتُهُ))(٣).
وفي هذا البابِ آثار كثيرة اكتفينا منها بهذين، لأن الآثارَ التي رُوِيَتْ
فيه سِواهما مخلوطةٌ بغير هذا المعنى، فأخَّرِناها لِنَجْعَلَ كُلِّ حديث منها في
موضعٍ هو أولى بِهِ من هذا الموضع إن شَاء اللَّهُ.
وكان الذي كان مِن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِن الجوابِ
عندما سُئِلَ عنه في هذين الجواب الذي أمره اللَّهُ إذا سُئِلَ عما سُئِلَ عنه
(١) تحرف في الأصل إلى: ((عمر)).
(٢) جاء في الأصل زيادة قبل السوسي، وهي ((حدثنا))، ولا معنى لها، فإن السوسي
هو الثعلبي، وليس راوياً آخر.
ومحمد بن عمرو بن يونس الثعلبي السوسي: يعرف بالزاهد، كوفي قدم مصر، وحدث
بها، وصفه الحافظ في ((اللسان)) بأنه محدث مكثر، وقال الصلاح الصفدي في ((الوافي)):
وكان ثقة، وقال العقيلي في ((الضعفاء)): حدث بمناكير. حج سنة ثمان وخمسين ومئتين،
وعاد سنة تسع، فدخل في الصلاة، وتوفي وهو ساجد وقد بلغ مئة سنة، روى عنه
الطحاوي فأكثر. وقد توبع على حديثه هذا، وباقي رجاله ثقات من رجال الشيخين.
(٣) رواه البخاري (٦٥١١) من طريق صدقة، عن عبدة، ومسلم (٢٩٥٢) من طريق
أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، حدثنا أبو أسامة، كلاهما عن هشام بن عروة،
بهذا الإِسناد.
وقوله: ((حتى تقوم عليه ساعته)) كذا الأصل، ولفظ البخاري: ((حتى تقوم عليكم
ساعتكم)) قال هشام: يعني موتهم. ولفظ مسلم: ((فقال: إن يعش هذا لم يدركه الهرم،
قامت عليكم ساعتكم)) أي: موتكم، ومعناه: يموت ذلك القرن، أو أولئك المخاطبون.
قال عياض: وتبعه القرطبي: هذه رواية واضحة، تفسر كل ما ورد من الألفاظ المشكلة
في غيرها.
٤١٥

ما ذكرنا فيهما قولُهُ تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ إلى قوله:
﴿قُلْ إِنّمَا عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجُلِّيَهَا لِوَقْتِها إلَّا هُوَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلا بَغْتَةٌ﴾
[الأعراف: ١٨٧]، وبقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّنَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ
مِنْ ذِكْرَاهَا إِلى رَبِّكَ مُنْتَهَاها﴾ [النازعات: ٤٢ -٤٤] أي إنهم لمَّا سألوه عن
ذلك، سألوه عما قد أخفى اللَّهُ عنه حقيقته.
فكان جوابُه لهم عن ذلك الجواب الذي ذكر عنه في هذين الأثرين
منتهياً فيه إلى ما أمره الله تعالى بالانتهاء إليه في ذلك المعنى.
الله تعالى
٤١٦
:

٧٠ - بابُ بيانِ مُشْكِلِ ما رُوِيَ عنه عليه السَّلامُ
مِن قوله: ((فصل ما بَيْنَ صِيامِنَا وصِيَامِ أَهْلِ الكتاب
أكلة السحر)»
٤٧٧ - حدثنا يونس، والربيعُ المرادي، قالا: أخبرنا ابنُ وهب،
أخبرني موسى بنُ عُلِيٍّ، عن أبيه، عن أبي قيس مولى عمروبن العاص
عن عمرو أن رسولَ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلّم، قال: ((فَصْلُ ما بَيْنَ
صِيَامِنَا وَصِيَامٍ أَهْلِ الكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحْرِ))(١).
فتأملنا هذا لِنَقِفَ على المعنى الذي أُرِيد به ما هو؟ فوجدنا أهلَ
الكتابِ من شريعتهم أنهم إذا ناموا في ليلهم حَرُمَ عليهم بذلك في بقيته
ما يَحْرُمُ على الصائم من إتيان النساءِ، ومن الأكلِ، ومن الشرب إلى
خروجهم مِنْ صومِ غد تلك الليلة، وكذلك كان أَهْلُ الإِسلامِ في صدر
الإِسلام حتى نسخ اللَّهُ ذلك بما نسخه مِن كتابه. ورُوِيَ في ذلك:
٤٧٨ - ما قد حدثنا بَكَّارٌ، حدثنا أبو داود الطيالسيُّ، حدثنا
المسعوديُّ، عن عمروبنٍ مرة، عن عبدالرحمن بنِ أبي ليلى
عن معاذ بن جبل، قال: أُحِيلَتِ الصَّلاةُ ثلاثةَ أحوالٍ، والصيام
(١) إسناده حسن على شرط مسلم.
ورواه مسلم (١٠٩٩)، وأبو داود (٢٣٤٣)، والترمذي (٧٠٩)، والنسائي ١٤٦/٤،
والدارمي ٦/٢، وأحمد ١٩٧/٤، والبغوي (١٧٢٩) من طرق عن موسى بن عُلي بن
رباح، بهذا الإِسناد.
والآكلة - بفتح الهمزة -: المرة الواحدة من الأكل، والْأكلة - بضمها -: اللقمة
الواحدة .
٤١٧

ثلاثةَ أحوال، فذكر أَحْوَالَ الصَّلاةِ الثلاثة، ثم قال: وأما أحوالُ الصيامِ،
فإنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَدِمَ المدينةَ، فصامَ مِن كل شهر ثلاثةَ
أيّامٍ، وصام يومَ عاشوراء فصامها كذا ستة عشرَ شهراً أو سبعةَ عشر
شهراً، ثم أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ على الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٥٨]
وكان مَن شاء صام، ومن شاء أطعم مسكيناً، وأجزأ ذلك عنه حتى أنزل
اللَّهُ تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أَنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ
مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وإلى قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمْ
العُسْرَ﴾ ففرضَه اللَّهُ، وأثبتَ صيامَه على الصحيح المُقِيمِ، ورخّص فيه
للمريضِ والمسافر، وثبتِ الإِطعامُ للشيخ الذي لا يستطيعُ صِيامَهُ، وكانوا
يأكلون ويشربون ويأتون النساء، فإذا ناموا امتنعوا مِن ذلك، فجاء رجلٌ
يُقَالُ له: صِرْمَةُ، قد ظَلَّ يومَه يعمل، فجاء فصلَّى العشاء ووضع رأسه،
فنام قبل أن يَطْعَمَ، فأصبح صائماً، فرآهُ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسَلَّم،
مِن آخِرِ النهار، وقد أَجْهَدَ، فقال: إني أراك قد أجهدتَ، فقال: يا رسولَ
الله، ظللتُ يومي أَعْمَلُ، فجئتُ صلاةَ العشاء، فنمت قَبْلَ أَن أَطْعَمَ،
وجاء عُمَرُ وقد أصاب مِن النساء، فَنَزَلَتْ هذه الآية ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ
الصِّيَامِ الرَّفَتُ إلَى نِسَائِكُم﴾ إلى قوله ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧](١).
(١) المسعودي - وهو عبدالرحمن بن عبدالله بن عتبة -: صدوق إلا أنه اختلط بأخرة،
وعبدالرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ بن جبل، كما جزم بذلك علي بن المديني،
والترمذي، وابن خزيمة، لأنه ولد سنة وفاة معاذ أو قبلها أو بعدها بقليل.
وأخرجه أبو داود (٥٠٧)، وأحمد ٢٤٦/٥ - ٢٤٧، والطبري (٢٧٢٩) و (٢٩٣٧)،
والبيهقي ٤ /٢٠٠ من طرق عن المسعودي، بهذا الإسناد. وقال البيهقي: وهذا مرسل،
عبدالرحمن لم يدرك معاذ بن جبل.
=
وصححه الحاكم ٢٧٤/٢، ووافقه الذهبي، فأخطآً.
٤١٨

٤٧٩ - وما قد حدثنا محمدُ بنُ علي بن داود، حدثنا سعيدُ بنُ
يعقوب الطالقاني، حدثنا هُشَيْمٌ، أخبرنا حُصينُ بنُ عبدالرحمن، عن
عبدالرحمن بن أبي ليلى
عن رجلٍ من الأنصار، يُقال له: صرمةُ بنُ مالكٍ(١)، وكان شيخاً
وذكره السيوطي في ((الدر)) ١٧٥/١ - ١٧٦، وزاد نسبته لابن المنذر، وابن أبي حاتم.
وقال البخاري في «صحيحه)) ١٨٧/٤: وقال ابن نمير: حدثنا الأعمش، حدثنا عمرو بن
مرة، حدثنا ابن أبي ليلى، حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: نزل رمضان،
فشق عليهم، فكان من أطعم كل يوم مسكيناً، ترك الصوم ممن يُطيقه، ورخص لهم في
ذلك، فنسختها: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ فأمروا بالصوم.
ووصل هذا التعليقّ البيهقيُّ في ((سننه)) ٢٠٠/٢، فقال: حدثنا أبو عبدالله الحافظ،
أخبرني أبو أحمد - يعني الحاكم - أخبرنا الحسين بن محمد بن عفير، حدثنا علي - يعني
ابن الربيع الأنصاري - حدثنا عبدالله بن نمير، عن الأعمش، حدثنا عمروبن مرة،
حدثنا عبدالرحمن بن أبي ليلى، حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: أحيل
الصوم على ثلاثة أحوال، قدم الناس المدينة، ولا عهد لهم بالصيام، فكانوا يصومون
ثلاثة أيام من كل شهر حتى نزل شهر رمضان، فاستكثروا ذلك، وشق عليهم، فكان
من أطعم مسكيناً كل يوم ترك الصيام ممن يطيقه رخص لهم في ذلك، ونسخه ﴿وأنْ
تَصُومُوا خيرٌ لكم إنْ كنتُم تَعْلمون﴾.
ورواه أبو داود (٥٠٦) من حديث شعبة مطولاً .
قال الحافظ في ((الفتح)) ١٨٨/٤ بعد أن وصل تعليق البخاري من طريق أبي نعيم في
((المستخرج))، والبيهقي: وهذا الحديث أخرجه أبو داود من طريق شعبة، والمسعودي،
عن الأعمش مطولاً في الأذان والقبلة والصيام، واختلف في إسناده اختلافاً كثيراً،
وطريق ابن نمير هذه أرجحها.
(١) اختلف في اسمه، فقيل فيه: صرمة بن مالك، كما هنا، وصرمة بن قيس، وصرمة بن
أنس، وقيل فيه: قيس بن صرمة، وأبو قيس بن صرمة، وأبو قيس بن عمرو. وقد أطال
الحافظ في ((الفتح)) ١٣٠/٤ في بيان الاختلاف في اسمه والروايات في ذلك، ورجح أنه
أبو قيس صرمة بن أبي أنس قيس بن مالك بن عدي ...
ثم قال: فمن قال: قيس بن صرمة قلبه، ومن قال: صرمة بن مالك نسبه إلى جده،
ومن قال: صرمة بن أنس حذف أداة الكنية من أبيه، ومن قال: أبوقيس بن عمرو =
٤١٩

كبيراً، جاء إلى أهلِهِ عِشَاءً وهو صَائِمٌ، وكانوا إذا نامَ أَحَدُهُم قبل أن يَطْعَمَ
لم يأكل شيئاً إلى مِثْلِهَا، والمرأة إذا نامت لم يَكُنْ زوجُها يَقْرَبُها حتى جاء
مثلها، فلما جاء صِرمَة إلى أهله، فدعا بعَشائه، فقالوا: أَمْهِلْ حتَّ نَتَّخِذَ
لك طعاماً سخيناً تُفْطِرُ عليه، فوضع الشيخُ رأسَه فنام، فجاؤوا بطعامِهِ،
فقال: كنتُ نائماً فلم يَطْعَمْهُ، فبات ليلته، فَلَصِقَ ظهراً لِبطن، فلما أصبح
أتى النبيَّ عليه السَّلامُ فأخبره فنزلت هذه الآية ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيْنْ
لَكُمُ الخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]
فَرَخَّصَ لهم أن يأكلوا مِنْ أَوَّلِ الليل إلى آخره.
وجاء عُمَرُ فأتى أهلَه، فقالت: إنها نامت، فظنَّ عُمَرُ رضي الله عنه
أنها اعتلَّت عليه، فواقعها فأُخبر أنها كانت نامت، فذكر ذلك لرسول اللَّهِ صلَّى
اللّه عليه وسلم، فنزلت فيه؛ ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ
فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَّا عَنْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٨٧](١).
أصاب كنيته، وأخطأ في اسم أبيه، وكذا من قال: أبوقيس بن صرمة، وكأنه أراد أن
=
يقول: أبو قيس صرمة، فزاد فيه ((ابن)).
(١) إسناده صحيح. سعيد بن يعقوب الطالقاني: ثقة، ومن فوقه من رجال الشيخين.
وهشيم: روى عن حصين بن عبدالرحمن قبل تغيره.
وروى البخاري (١٩١٥)، وأحمد ٢٩٥/٤، والترمذي (٢٩٦٨)، والطبري (٢٩٣٩)
من طرق عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق السبيعي، عن البراء، قال: كان
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً، فحضر الإفطار، فنام قبل
أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه، حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً،
فلما حضر الإِفطار أتى امرأتُهُ، فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق أطلب
لك؛ وكان يومه يعمل، فغلبته عينه، وجاءته امرأته، فلما رأته، قالت: خيبة لك، فلما
انتصف النهار، غشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية:
﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ ففرحوا بها فرحاً شديداً ﴿وكلوا واشربوا
حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾.
٤٢٠
=