Indexed OCR Text
Pages 141-160
وَآَسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ))(١). ١٤٩ - وما قد حدثنا محمدُ بنُ علي بنِ داود، حدثنا مُثَنّ بنُ معاذٍ بن معاذٍ، حدثنا ليثُ بنُ داود البغدادي، قال مبارك بن فضالة: حدثنا عن الحسنِ قال عمرانُ بنُ حصين خرجتُ يوماً فإذا أنا برسولِ اللَّهِ عليه السَّلامُ فقال لي: ((يا عِمْرَانُ إِنَّ فَاطِمَةَ مَرِيضَةٌ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَعُوَدَها؟))، قال: قلتُ: فِداك أبي وأمي، وأيُّ شرفٍ أشرفُ من هذا؟ قال: ((انْطَلِقْ))، فانطلق رسولُ الله عليه السلام وانطلقتُ معه حتى أتى البابَ، فقال: ((السَّلامُ عَلَيْكُم، أَدْخُلُ؟))، فقالت: وعليكم، ادْخُلْ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((أَنَا وَمَن مَعِي))؟ قالت: والذي بعثك بالحقِّ ما عليَّ إلا هذه العباءةُ، قال: ومَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مُلاءة خَلَقَة فرمى بها إليها، فقال لها: ((شُدِّيهَا على رَأْسِكِ)) ففعلت ثم قالت: ادخُلْ، فدخل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ودخلتُ معه، فَقَعَدَ عند رأسها، وقعدت قريباً منه، فقال: ((أيْ بُنيَّةُ كَيْفَ تَجِدِينَكِ؟))، قالت: واللَّهِ يا رسولَ الله إني لَوَجِعَةٌ، وإنه ليزيدُني وجعاً إلى وجعي أنَّه ليس عندي ما آكُلُ، فبكى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ويَكَتْ فاطمةٌ عليها السلامُ، وبكَّيْت معهما، فقال لها: ((أيْ بُنيّةُ، تَصَبَّرِي)) مَرّتين أو ثلاثاً، ثم قال لها: ((أيْ بُنَيَّةُ، أما تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ (١) إسناده صحيح. علي بن عثمان اللاحقي: وثقه أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في ((الجرح والتعديل)) ١٩٦/٦، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٤٦٥/٨، وباقي رجاله رجال الصحيح . ورواه أحمد ٢٩٣/١، والطبراني (١١٩٢٨)، والحاكم ٥٩٤/٢ و١٦٠/٣ و١٨٥ من طريق داود بهذا الإسناد. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. ١٤١ العَاَلمينَ؟))، قالت: يا ليتها ماتت، وأينَ مريمُ بنتُ عِمران؟، فقال لها: ((أَيْ بُنَّةُ، تِلْكَ سَيِّدَةُ نِسَاءٍ عالَمِهَا، وَأَنْتِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ عَلَكِ والذي بَعَثَنِي(١) بالحَقِّ لَقَدْ زَوْجْتُكِ سَيِّداً في الدُّنيا، سَيِّداً في الآخِرةِ، لا يُبْغِضُهُ إلا مُنَافِقٌ))(٢). قال أبو جعفر: ففي ما قد روينا ما قد دَلَّ أنَّ سِنَّ فاطمةَ كان في الوقتِ الذي قَدِمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فيه المدينةَ، وأَمَرَ زيداً بالذهاب إلى زينبَ، والمجيءِ بها إليه، كان بضعَ عَشْرَةَ سَنَةٌ، وهو سِنَّ قد يجوزُ أن يكونَ لم تَبْلُغْ فِیهِ . وعقلنا بما رَوَيْنَا مِن خبرِ عائشة عن الوقتِ الذي ماتت فيه، وأنَّه كان بعدَ وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بستة أشهُرٍ، فكان ذلك مما قد دَلّ على أن بلوغَهَا ولزومَ الأحكام إيَّها كان بعدَ ما قال النبيُّ عليه السلام لِزيدٍ في زينبَ ما قال، ثم صار ما فَضَّلَ اللَّهُ تعالى فاطمةَ مما ذكرنا يُوجِبُ فضلَها على زينبَ، وعلى مَنْ سِواها مَّنْ فَضَّلَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الآثارِ التي رويناها في هذا الباب. فإن قال قائل: فقد روي في ذكر مَنْ فَضَّلَه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسَلّم، وذكره بالكمال مِن النساء نساء ذكرهن ليست فاطمة فيهِنّ وذكر في ذلك: (١) في الأصل: ((بعثك))، وهو خطأ. (٢) ليث بن داود: مترجم في تاريخ بغداد ١٤/١٣، وقال: روى عنه يوسف بن محمد بن صاعد، ومقاتل بن صالح، وأحمد بن علي الخراز أحاديث مستقيمة، وذكره الإِمام الذهبي في ((الميزان)) ٤٢٠/٣، فقال: ليث بن داود القيسي، عن مبارك بن فضالة أتى بخبر منكر جداً في معجم ابن الأعرابي. وهو يعني هذا الحديث. والحسن: هو ابن أبي الحسن البصري، لم يسمع من عمران بن حصين، كما في (المراسيل)» ص ٣٨. ١٤٢ ١٥٠ - ما قد حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، حدثنا وَهْبُ بنُ جریرِ، حدثنا قَبِيصَةُ، عن شُعْبَةً، عن عمرو بنٍ مُرَّةَ، عن مُرة، يعني ابن شَرَاحيل عن أبي موسى قال: قال رسولُ اللَّهِ عليه السَّلامُ: ((كَمُلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إلَّ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَآَسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وإنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ على النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ على سَائِرٍ الطَّعَامِ)) (١). قيل له: قد يَجْتَمِلُ أن يكون ما في هذا الحديث كان قبلَ بلوغِ فاطمة، واستحقاقها الرُّتْبَةَ التي ذكرها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بها، فعاد بحمد الله جميعُ ما رويناه في هذا الباب إلى أن لا تَضَادّ فيه، ولا إيجاب كشفِ معانيه عن ما ذكر مما يُوجِبُه، وأن كُلَّ فضلٍ ذُكِرَ لغيرِ فاطمة مما قد يَحْتَمِلُ أن تكونَ فضلت به فاطمةُ محتملاً لأن يكونَ، وهي يومئذٍ صغيرة ثم بلغت بعد ذلك فصارت بالمكانِ الذي جعلها الله به، وذَكَّرَهَاَ به، واختصَّها بما اختصها به فيه على لسانٍ رسوله صلى الله عليه وسلم، واللَّة نسأله التوفيق. (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. قبيصة: هو ابن عقبة. ورواه البخاري (٥٤١٨)، ومسلم (٢٤٣١)، والترمذي (١٨٣٤)، وابن ماجه (٣٢٨٠)، وأحمد ٣٩٤/٤ و٤٠٩، والبغوي (٩٣٦٢) من طرق عن شعبة بهذا الإِسناد. ٢٤ - بابُ بيانٍ مُشكلٍ ما روي عن رسول الله عليه السلام مما كان أُمَرَ به عُمَرَ بنَ أبي سَلَمَةً من الأكل مما يليه من الطعامِ دون(١) ما سواه منه وما يدخُل في هذا المعنى سواه ١٥١ - حدثنا محمد بنُ عمرو بنٍ يونس الكوفي أبو جعفر المعروف بالسُّوسي، حدثنا أبو معاوية الضَّرِيرُ، عن هشامِ بنِ عروة، عن أبي وَجْزَة، عن رَجُلٍ مِن مُزينة عن عُمَّرَ بنِ أبي سلمة قال: دخلتُ على النبي عليه السلامُ، وهو يأكل في بيتِ أمي، فقال: (اجْلِسْ يا بُنِيَّ، سَمِّ اللَّهَ تعالى وكُلْ بِيَمِينِكَ، وكُلْ مِمَا يَلِيكَ))، قال: فما زَالَتْ إِكْلَتِي بَعْدُ(٢). (١) سقطت لفظة ((دون)) من الأصل، واستدركت من (ر) ومن المطبوع. (٢) الرجل من مزينة مجهول، وباقي رجاله ثقات. وأبو وجزة: هو يزيد بن عُبيد السعدي. وهو في ((السنن الكبرى)) للنسائي، كما في ((التحفة)) ١٣٢/٨ من طرق عن هشام بن عروة، بهذا الإسناد. ورواه الطبراني في ((الكبير)» (٨٢٩٨) من طريق ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن هشام، به. ورواه أحمد ٢٧/٤، وأبو داود (٣٧٧٧)، والطبراني (٨٣٠٠) من طريق سليمان بن بلال، والطيالسي (١٣٥٨) من طريق عبدالله بن المبارك، وابن حبان (١٣٣٨) من طريق محمد بن سواء، ثلاثتهم عن هشام بن عروة، عن أبي وجزة، عن عمر بن أبي سلمة. ورواه عبدالله بن أحمد في زوائد ((المسند)) ٢٧/٤ من طريقين عن سليمان بن بلال، به. وفيه التصريح بسماع أبي وجزة من عمر بن أبي سلمة. ١٤٤ ١٥٢ - حدثنا فهدُ بنُ سليمان، حدثنا هِشَامُ بنُ عبدالواحد، حدثنا يزيدُ بنُ عبدالعزيز، عن هشامٍ، عن أبي وَجْزَةَ، عن جارٍ لعمر بنِ أبي سَلَمَةَ، عن عُمَرَ بنِ أبي سلمة، ثم ذَكَرَ مثلَه(١). قال أبو جعفر: فكان هذا الحديثُ عندنا فاسدَ الإِسناد، إذ كان من رواية جارٍ عمر بن أبي سلمة الذي لم يُسَمَّ لنا فيه، ولم نعرفه فطلبناه من رواية غيرِ أبي معاوية، وغير يزيد بن عبدالعزيز، عن هشام ١٥٣ - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا قال: حدثنا عبدُالله بنُ الصباح بن عبدالله، قال: حَدَّثنا عبدُالأعلى - يعني ابنَ عبدِ الأعلى - قال: حدثنا مَعْمَرٌ، عن هشامٍ ، عن أبيه عن عُمَرَ بن أبي سلمة أنَّه دخل على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وعنده طعام، فقال: ((ادْنُهْ يا بُنيَّ، فَسَمِّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ))(٢). قال أبو جعفر: فكان ظاهرُ هذا الحديثِ لولا ما قد عارضه بما قد رويناه قَبْلَهُ مستقيمَ الإِسنادِ، ولكن لما عارضه في إسنادٍ ما رويناه قَبْلَه، كافأه ووجب تنافيه وإياه لذلك، ثم طلبناه مِن غيرِ حديث هشامٍ . ١٥٤ - فوجدنا أبا أمية قد حدثنا قال: حدثنا خالدُ بن ◌َخْلَدٍ القَطَّوَاني، قال: حدثنا مالكٌ، عن أبي نُعيم وهبِ بنِ كَيْسانَ (١) هو مكرر ما قبله. (٢) إسناده على شرط الشيخين، وهو في ((السنن الكبرى)) كما في ((التحفة)) ١٣٢/٨. ورواه أحمد ٢٦/٤، وابن ماجه (٣٢٦٥) من طريق سفيان، والترمذي (١٨٥٧) من طريق معمر، وابن السني (٣٥٦)، والطبراني (٨٣٠٢) من طريق روح بن القاسم، ثلاثتهم عن هشام، بهذا الإسناد. ١٤٥ عن عُمَرَ بنِ أبي سَلَمَةَ أنَّ النبي عليه السَّلامُ قال له: ((سَمِّ اللَّهَ، وكُلْ مِما يَلِيكَ))(١). ١۵۵ - ووجدنا إبراهيم بن أبي داود قد حدثنا، قال: حدثنا يحيى بنُ صالحٍ الوُحَاظِي، حدثنا مالكٌ، عن وهبٍ بن كيسانَ عن عُمَرَ بنِ أبي سَلَمَةَ أن النَّبيَّ عليه السَّلامُ قال له: ((اذْنُ فَسَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ))(٢). فكان هذا الحديثُ حَسَنَ الإِسنادِ غير أنا قد وجدناه مِن رواية ابن وهب، عن مالك في ((موطئه))، عن وَهْبِ بنِ كَيْسانَ موقوفاً: ١٥٦ - كما حدثنا يونس، حدثنا ابنُ وهب أن مالكاً حدَّثه عن وهبٍ بن كيسان أنه قال: أُتِيَ رسولُ الله عليه السَّلامُ بطعامٍ ، ومعه رَبِيبُهُ عُمَرُ بنُ أبي سلمةٍ، فقال له رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم: (سَمِّ اللَّهَ، وكُلْ مما يَلِيكَ))(٣). ثم طلبناه من غير حديث مالك، عن وهب. ١٥٧ - فوجدنا روح بن الفرج أبا الزُّنباع قد حدثنا قال: حدثنا (١) إسناده صحيح على شرطهما. وخالد بن مخلد: قد توبع عليه. ورواه البخاري (٥٣٧٦) و(٥٣٧٧)، ومسلم (٢٠٢٢)، والنسائي في ((الکبری» كما في ((التحفة)) ١٣١/٨، والدارمي ١٠٠/٢، وابن ماجه (٣٢٦٧)، وأحمد ٢٦/٤، وابن أبي شيبة ٢٩٢/٢، والبيهقي ٢٧٧/٧، والطبراني (٨٢٩٩) و (٨٣٠٤) و (٨٣٠٥)، والبغوي (٢٨٢٣) من طرق، عن وهب بن كيسان، بهذا الإسناد. (٢) إسناده صحيح، وهو مكرر ما قبله. (٣) إسناده صحيح لكنه مرسل، وهو في ((الموطأ)) ٩٣٤/٢، ومن طريقه أخرجه البخاري (٥٣٧٨). قال الحافظ في ((الفتح)) ٥٢٤/٩: كذا رواه أصحاب مالك في ((الموطأ)) عنه، وصورته الإرسال، وقد وصله خالد بن مخلد، ويحيى بن صالح الوحاظي، فقالا: عن مالك، = ١٤٦ حامدُ بن يحيى البَنْخِي، حدثنا ابنُ عُيَيْنَةَ(١)، حدثنا الوليدُ بن كثير المديني أنه سَمِعَ وَهْبَ بنَ كَيْسانَ قال: سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ أبي سلمة يقول: كنتُ غلاماً يتيماً في حجْرٍ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فأكلتُ معه، فكانت يدي تطيشُ في الصَّحْفَةِ، فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم: ((يا غُلامُ إذا أَكَلْتَ فَسَمِّ اللَّهَ، وإذا أَكَلْتَ فَكُلْ بِيَمِينِكَ، وإذا أَكَلْتَ فَكُلْ بِمَّا يَلِيكَ))، قال: فما زالَتْ تلكَ طُعمتي بَعْدُ(٢). ١٥٨ - ووجدنا أحمدَ بن شعيب قد حدثنا قال: حدَّثنا محمدُ بنُ منصور الجَوَّاز، حدثنا سفيانُ بنُ عُيينة، حدثنا الوليدُ بنُ كثيرٍ، قال: سَمِعْتُ وهب بن كيسان قال: سمعتُ عُمَرَ بنَ أبي سلمة يقول: كنتُ غلاماً في حَجْرِ رسولِ الله عليه السَّلامُ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي النبي عليه السلام: ((يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك))(٣). فاستقام لنا إسنادُ هذا الحديث من هذه الجهة، ثم تأملنا بعد ذلك عن وهب بن كيسان، عن عمر بن أبي سلمة ... وإنما استجاز البخاري إخراجه وإن = كان المحفوظ فيه عن مالك الإِرسال، لأنه تبين بالطريق الذي قبله صحةُ سماع وهبٍ بن كيسان، عن عمر بن أبي سلمة، واقتضى ذلك أن مالكاً قصر بإسناده حيث لم يصرح بوصله، وهو في الأصل موصول، ولعله وصله مرة، فحفظ ذلك عنه خالد ويحيى بن صالح، وهما ثقتان، أخرج ذلك الدارقطني في ((الغرائب)) عنهما، واقتصر ابن عبدالبر في ((التمهيد)) علی ذکر رواية خالد بن مخلد وحده. (١) تحرف في الأصل إلى ((ابن عبدالله)). (٢) إسناده صحيح. ورواه الطبراني (٨٣٠٤) من طريقين، عن سفيان بن عيينة، بهذا الإِسناد. (٣) إسناده صحيح، وهو في ((السنن الكبرى)) (٦٧٥٩) للنسائي، وكما في ((التحفة)) ١٣١/٨، وقد تحرف في الأصل و (ر) ((محمد بن منصور)) إلى ((أحمد بن منصور))، و(الجَوَّاز)) إلى ((الجراز)). ١٤٧ حديثاً رُوِيَ عن رسولِ الله عليه السَّلامُ مما يدخل هذا المعنى. ١٥٩ - وهو ما قد حدثنا أبو أمية، حدثنا قَبِيصَةُ بنُ عقبة، عن سفيان الثوري، عن عطاء بنِ السَّائِبِ، عن سعيد بن جُبیر عن ابنِ عباسٍ قالَ: قالَ رسولُ الله عليه السَّلامُ: ((إِنَّ الْبَرَكَةَ وَسْطَ القَصْعَةِ، فَكُلُّوا مِنْ نَواحِيَها، ولا تَأْكُلُوا مِنْ رَأْسِها))(١). ١٦٠ - ووجدنا محمد بن خُزيمة قد حدثنا قال: حدثنا حجاجُ بنُ مِنهال، قال: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، أخبرنا عطاءُ بنُ السائب، عن سعيد بن جُبيرٍ - ولم يَذْكُرِ ابنَ عباس - أن رسولَ اللَّهِ عليهِ السَّلامُ قال: «كُلُوا مِنْ أَسْفَلِ الصَّحْفَةِ، فإن البَرَكَةَ تَنْزِلُ أَعْلاها))(٢). فاختلف الثوريُّ، وحَمَّدُ بنُ سلمةٍ على عطاء، وكلاهما حُجَّةٌ فيه في إسنادٍ هذا الحديثِ، فوصله الثوريُّ، ووقفه حماد على ابنِ جُبير. (١) إسناده حسن، فإن سفيان الثوري سمع من عطاء قبل الاختلاط. ورواه أبو داود (٣٧٧٢) من طريق شعبة، والترمذي (١٨٠٥) من طريق جرير، وابن ماجه (٣٢٧٧) من طريق محمد بن فضيل، والحميدي (٥٢٩) من طريق سفيان بن عيينة، أربعتهم عن عطاء، بهذا الإِسناد. وصححه ابن حبان (١٣٤٦)، والحاكم ١٦/٤، ووافقه الذهبي، وهو كما قالوا، فإن سفيان بن عيينة سمع من عطاء قبل الاختلاط، ثم اتقى حديثه لما اختلط، فقد روى الحميدي كما في ((التهذيب)) ٢٠٥/٧ - ٢٠٦، و((الكواكب النيرات)) ص ٣٢٧ عنه قال: كنت سمعت من عطاء بن السائب قديماً، ثم قدم علينا قدمة، فسمعته يحدث ببعض ماكنت سمعت، فخلط فيه، فاتقيته، واعتزلته، وبه يتبين وهم الشيخ الفاضل ناصر الألباني في ((صحيحته)) (١٥٨٧) في قوله: وابن عيينة إنما سمع من عطاء بعد اختلاطه. (٢) رجاله ثقات، لكنه مرسل، وحماد بن سلمة: روى عن عطاء قبل الاختلاط، وبعده. وانظر ما قبله. ١٤٨ ١٦١ - ووجدنا محمدَ بنَ خُزيمة قد حدثنا قال: حدثنا حجاجُ بنُ مِنهال، قال: حدثنا هَمَّامُ بنُ يحيى، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبیر عن ابنِ عبّاسٍ أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلم قال: ((كُلُوا مِنْ حافاتِ القَصْعَةِ، فإنّ البَرَكَةَ تَنْزِلُ مِنْ وَسَطِها))(١). قال أبو جعفر: وإنما أدخلنا في هذا البابِ ما رواه همَّام، عن عطاء وإن كانَ الذين يَعُدُّونهم الحُجَّةَ في عطاء بنِ السَّائب ـ أهل العلم بالإِسناد - إنما هُم أربعةٌ دونَ مَنْ سواهم: شعبة، والثوري، وحمادُ بن زيد، وحمادُ بن سلمة، لأن سماعَ هَمَّام من عطاء إنما كان بالبصرة لما قَدِمَها عليهم، وقدكان أيوب السختياني لما قَدِمَها عليهم عطاء، قال للناسِ : إيتوه وسَلُوه عن حديثه، عن أبيه، عن عبد الله بنِ عمرو ((في التسبيح في دُبُرِ الصلاة)). كما قد: حدثنا محمدُ بن علي بن داود، حدثنا عُبَيْدالله بنُ عمر القواريري، حدثنا حمادُ بن زيد، قال: قَدِمَ علينا عطاءُ بنُ السائب البصرةَ، فقال لنا أيوب: إيتوه، فاسألوه عن حديثٍ التسبيح(٢)، قال القواريري: يعني حديثَ أبيه عن عبد الله بن عمرو. (١) رجاله ثقات. وقد رجح أبو جعفر سماع همام بن يحيى من عطاء قبل الاختلاط، وهي فائدة عزيزة تضاف إلى ترجمة عطاء في كتب الرجال. (٢) حديث التسبيح رواه أبو داود (١٥٠٢)، والترمذي (٣٤٨٦)، والنسائي ٧٩/٣ من طرق عن عثمان بن علي، عن الأعمش، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح. وقال ابن قدامة شيخ أبي داود فيه: ((بيمينه)). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث الأعمش، عن عطاء بن السائب. ١٤٩ قال أبو جعفر: فقوي في قُلُوبِنا سَماعُ همَّامٍ منه، إذ كان بالبصرة، 1 لأنه إنما كان اختلاطُه بعدَ رجوعه إلى الكوفة. وتأملنا حديثَ ابنِ عباس هذا: هل ضَادَّ حديثَ عمر بن أبي سلمة الذي رويناه عنه إذ كانَ في حديثِ ابنِ عباس كُلُوا مِن نواحي الصحفةِ، فلم يُوجَدْ في ذلك ما يُوجِبُ تضادّ حدیثٍ عمر إذ كان قد يحتمل قوله عليه السَّلام ((كُلُوا مِنْ نَواحِي الصُّحْفَةِ) أي: يأكل كُلُّ واحدٍ منكم مما يليه من نواحيها لا يخرج عنه إلى ما سواه مِن نواحيها. وقد يحتمل أيضاً أن يكون ما في حديث ابن عباس هذا يُراد به الأكل وحدَه لا الأكل مع غيرِه، إذ كان تعديه في أكله مع غيره إلى غير ما يليه من القَصعة التي يَأْكُلُ معه فيها سوءَ أدبٍ عليه، وإذا كان يأكل وحدَه لم يكن في أكله مِن حيث أَكَلَ مِن الصحفة سوى وَسَطِها سوءُ أدبٍ على أحد. ثم تأملنا ما رُوي عن رسولِ الله عليه السلامُ في هذا الباب غير هذين الحديثين، هل فيه ما يَدُلَّ على شيء مما طلبناه في حديث ابن عباس منهما؟ ١٦٢ - فوجدنا أحمدَ بن شعيب قد حدثنا قال: حدثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ، عن مالك بن أنس، عن إسحاق بنِ عبد اللَّهِ بن أبي طلحة أنه سَمِعَ أنسَ بن مالك يقول: إن خياطاً دعا رسولَ الله عليه السلامُ لِطعام صَنَعَهُ، قال أنس: فذهبتُ مع رسولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى ذلك الطعامِ ، فقرَّب إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم خبزاً مِن شعيرِ، ء وقَدِيداً فيه دُبَّاء، قال أنس: فرأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَتْتَبَّعُ ١٥٠ الدّبّاء مِن حول الصحفةِ، فلم أزل أُحِبُّ الدّباء مِن يومئذٍ(١). فکان في هذا الحدیث ذکرُ أکل رسول الله صلَّى الله عليه وسلم من غيرِ ما كان يليه مِن القصعةِ التي كان يأكُلُ فيها ذلك الطعامَ، فَعَقَّلْنا بذلك أن ما في حديثٍ عُمَرَ بنِ أبي سَلَمَةً، مما نهاه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فيه عن الأکل من غير ما يليه مِن القصعة التي کان یأكُلُ معه فيها، إنما كان لأكله مع غيرِهِ، وأنّ ما في حديث أنسِ بنِ مالك مِن أكلِ رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن غيرما يليه مِن القصعة التي كان يأكلُ فيها، إنما كان لأكلِه وحدَه(٢)، فخرج بذلك جميعُ ما رويناه عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب عن التضاد، وعَقَّلْنا أنه على معنيين، كُلَّ واحدٍ منهما خلاف المعنى الآخرِ، واللَّهَ نسألُه التوفيق. لله تعالى لله (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو في ((السنن الكبرى)) (٦٦٤٢) للنسائي وكما في ((التحفة)) ٨٨/١، ورواه مالك ٥٤٦/٢، ومن طريقه رواه البخاري (٥٣٧٩) و (٥٤٣٦) و (٥٤٣٩)، ومسلم (٢٠٤١)، والترمذي (١٨٥٠). وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح. (٢) فيه نظر، لأن أنساً أكل معه، وقال ابن بطال: إن المؤاكل لأهله وخدمه يباح له أن يتبع شهوته حيث رآها إذا علم أن ذلك لا يكره منه، فإذا علم كراهتهم لذلك، لم يأكل إلا مما يليه ... وإنما جالت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطعام، لأنه علم أن أحداً لا يتكره ذلك منه، ولا يتقذره. انظر ((الفتح)) ٥٢٤/٩ - ٥٢٥. ١٥١ ٢٥ - باب بيان مشكل ما رواه جابرٌ عن النبي عليه السلام أنه استأذن عليه، فقال له: ((مَنْ هذا؟))، فقال جابر: أنا، فقال له النبي عليه السَّلامُ: ((أَنا أَنا!))، وكأنَّه كَرِهَ ذلك ١٦٣ - حدثنا عبدالملك بن مروان الرَّقي، حدثنا حجاجُ بن محمد، عن شعبة، عن محمد بنِ المنكدر عن جابرِ بنِ عبد الله، قال: استأذنتُ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلّم، فقال: ((من هذا؟))، فقلتُ: أنا، فقال: ((أَنا أَنا))، وكأنّه كَرِهَ ذلك(١). م ١٦٤ - وحدثنا يزيدُ بنُ سِنان، حدثنا بِشرُ بن عُمَرَ الزهراني، ووهبُ بن جرير، قالا: حدثنا شعبةُ، عن محمد بنِ المنكدر عن جابرٍ، قال: أتيت النبيَّ عليه السَّلامُ في دَيْنِ كان على أبي، فضربتُ البابَ، فقال: ((مَنْ ذَا؟)) فقلت: أنا، فقال: ((أَنا أَن)) كأنَّه كَرِهَ ذلك(٢). قال أبو جعفر: فكان معنى هذا - والله أعلم - أنَّ رسولَ الله عليه (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه البخاري (٦٢٥٠)، ومسلم (٢١٥٥)، والبغوي (٣٣٢٣) و (٣٣٢٤) من طرق عن شعبة، بهذا الإسناد. (٢) إسناده صحيح، وهو مكرر ما قبله. ١٥٢ السلام لما قَرَعَ جابر عَليْه الباب، فقال له: ((مَنْ هذا؟)) إذ كان لم يعرفه، ليعرفَهُ فأجابه جابر بما أجابه به، فلم يعرفه بذلك، فكان سؤالُه عليه السّلامُ إِيَّاه من هذا يقتضي جواباً لم يكن مِن جابر إلى حينئذٍ، فَكَرِهَ ذلك مِنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأراد منه جواباً يُفِيدُه علمَ الذي دَقْ البابَ مَنْ هُوَ(١)؟ وبالله التوفيق. الله تعالى (١) وقال الخطابي: قوله: (أنا)) لا يتضمن الجوابَ ولا يفيد العلمَ بما استعلمه، وكان حقُّ الجواب أن يقول: أنا جابر، ليقع تعريف الاسم الذي وقعت المسألة عنه. ١٥٣ ٢٦ - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله عليه السلام من نهيه عن الجلوسِ بالصَّعُداتِ(١)، ومن إباحته ذلك على الشرائط التي اشترطها في إباحته ذلك ١٦٥ - حدثنا يزيدُ بنُ سِنان، حدثنا عبدُالله بنُ سِنان الهروي، حدثنا عبدُالله بن المبارك، عن جريرِ بنِ حازِمٍ ، قال: سمعتُ إسحاقَ بنَ سُويدٍ يحدث عن ابنِ حُجَيْرِ العَدَوي، قال: سمعتُ عُمَرَ بنَ الخطاب يقول: أتى علينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ونحن جلوسٌ على الطريق، فقال: ((إِيَّكم والجلوسَ على هذه الطَّرُقِ، فإنّها مجالسُ الشيطانِ، فإن كُنْتُمْ لا محالَةَ، فأَدُّوا حقَّ الطريق))، ثم مضى رسولُ الله عليه السَّلامُ، فقلتُ: قال رسولُ الله عليه السَّلام: ((أَدُوا حَقَّ الطَّرِيقِ))، ولم أسأله ما هو؟، فلحقتُه، فقلتُ: يا رسولَ الله إنك قلتَ كذا وكذا، فما حقُّ الطريق؟، قال: ((حَقُّ الطريق: أن تَرُدِّ السلامَ، وَتَغُضَّ البَصَرَ، وَتَكُفَّ الْأَذَى، وَتَهْدِيَ الضَّالَّ، وتُعِينَ المَلْهُوفَ))(٢). (١) الصعدات: هي الطرق، وهي جمع صُعُدٍ، وصُعُدّ: جمع صعيد كطريق وطُرُق، وطُرُقَاتٍ، وقيل: هي جمع صُعْدَةٍ، كظلمة وهي فِناء باب الدار، وممر الناس بين يديه . ((النهاية)) ٢٩/٣. (٢) حديث حسن عبدالله بن سنان - وقد تحرف في الأصل إلى: ((عبدالملك)) -: مترجم عند ابن أبي حاتم ٦٨/٥، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وابن حجير - وقد تحرف في الأصل إلى: ((حجيرة))، وكذا في ((زوائد البزار)) -: لم يسم، وهو مستور. ورواه البزار (٢٠١٨) من طريق محمد بن المثنى، عن عبدالله بن سنان، بهذا الإسناد . = ١٥٤ ١٦٦ - وحدثنا محمدُ بنُ خُزيمة، قال: حدثنا حجاجُ بنُ مِنهال، قال: حدثنا حمادُ بن سَلَمَةَ، عن إسحاقَ بنِ سويد، عن يحيى بن يَعْمَر، عن النبي عليه السلام بهذا الحديث منقطعَ الإسناد كما ذكرنا وبدونٍ الكلام الذي في حدیث یزید بن سنان. ١٦٧ - حدثنا إبراهیمُ بنُ مرزوق، حدثنا عفانُ بنُ مسلم، حدثنا عبدُالواحد بن زياد، حدثنا عثمانُ بنُ حكيمٍ، حدثنا إسحاقُ بنُ عبدالله بن أبي طلحة، حدثني أبي قال: قال أبو طلحة: كنا جلوساً بالْأَفْنِيَةِ، فمرَّ بنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ما لَكُمْ وَلَجالِسِ الصُّعُداتِ؟))، فقُلنا: اجتمعنا لِغير مراب(١) نتذاكر، ونتحدَّث، قال: ((فَأَعْطُوا المَجالِسَ حقَّها))، قالوا: وما حَقُّها يا رسولَ الله؟ قال: ((غَضُّ الْبَصَرِ، وَرَدُّ السَّلامِ، وطِيبُ الكَلامِ))(٢). وقال البزار: لا نعلم اسنده إلا جرير، ولا عنه إلا ابن المبارك. = ورواه حماد بن زيد، عن إسحاق بن سويد مرسلاً. وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٦٢/٨ عن البزار، وقال: رجاله رجال الصحيح غير عبدالله بن سنان، وهو ثقة. كذا قال: ولعله التبس عليه ابن حجير هذا المستور، فظنه عبدالرحمن بن حجيرة الخولاني المصري الثقة الذي خرج له مسلم. ورواه أبو داود (٤٨١٧) عن الحسن بن عيسى النيسابوري، عن ابن المبارك بهذا الإسناد. ويشهد له ما بعده فيتقوى به . (١) كذا الأصل، ولعله من الريبة، وفي ((المسند)) ومسلم: ((لغير ما بأس)). (٢) إسناده صحيح على شرط مسلم. ورواه مسلم (٢١٦١)، وأحمد ٣٠/٤ من طريق عفان بن مسلم، بهذا الإِسناد. ورواه النسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٢٤٩/٣ من طريق محمد بن إبراهيم، عن الفضل بن العلاء، عن عثمان بن حكيم، به. ١٥٥ ١٦٨ - حدثنا عليّ بنُ معبد، حدثنا الأسودُ بنُ عامر، حدثنا هُرَيْمُ بن سفيان البَجَلِي، عن عبدِالله بن سعيد المقبري، عن أبيه عن أبي شُرَيحِ الحُزَاعِي عن النبي عليه السَّلامُ قال: ((إِيَّاكُمْ والجُلُوسَ فِي الصُّعُدَاتِ، فَمَنْ جَلَسَ فِي صَعِيدٍ فَلْيُعْطِهِ حَقَّهُ))، قالوا: وما حقُّه يا رسولَ الله؟ قال: ((إِغْضَاضُ البَصَرِ، وَرَدُّ التَّحِيَّةِ، والْأُمْرُ بِالَعْرُوفِ، والنّهْيُ عَنِ الْنْكَرِ)) (١). ١٦٩ - حدثنا يونس، حدثنا ابنُ وهبٍ، حدثني حفصُ بن ميسرةَ عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسارٍ عن أبي سعيد الخُدري أن رسولَ الله عليه السلام قال: ((إِيَّاكُمْ والجُلُوسَ بالطَّرُقَاتِ))، قالوا: يا رسولَ الله، لا بُدَّ من مجالسنا نتحدَّثُ فيها، فقال رسولُ الله: ((فإذا أبيتُم إِلَّ المَجَالِسَ(٢)، فَأَعْطُوا الطريقَ حقُّه))، قالوا: وَمَا حَقُّ الطريقِ يا رسول الله؟، قال: ((غَضَّ البَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، ورَدُّ السَّلامِ، والْأُمْرُ بالَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الَّكَرِ»(٣). ١٧٠ - حدثنا محمد بن خزيمة، حدثنا حجاج بن مِنْهال، حدثنا شُعْبَة، حدثني أبو إسحاق قال: (١) إسناده ضعيف. عبدالله بن سعيد المقبري: متروك. ورواه أحمد ٣٨٥/٦ من طريق صفوان، عن عبدالله بن سعيد، به. وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٦١/٨، وزاد نسبته للطبراني، وقال: وفيه عبد الله بن سعيد المقبري، وهو ضعيف جداً. (٢) في الأصل: ((فإذا أتيتم المجالس)). (٣) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ابن وهب: هو عبدالله بن وهب. ورواه البخاري (٢٤٦٥) و (٦٢٢٩)، ومسلم (٢١٢١)، وأبو داود (٤٨١٥)، وأحمد ٣٦/٣ و٤٧، والبغوي (٣٣٣٨) من طريق زيد بن أسلم بهذا الإسناد. ١٥٦ سمعت البراءَ(١) بن عازب يقول: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، مَرَّ بناسٍ من الأنصارِ، فقال: ((إِنْ كُنْتُمْ لَاَ بُدَّ فَاعِلِينَ، فَأَفْشُوا السَّلامَ، وَأَعِينُوا الْمَظْلُومَ، واهْدُوا السَّبِيلَ))(٢). ١٧١ - حدثنا فهد، حدثنا أبو الوليد الطيالسيُّ، حدثنا شُعبةُ، حدثنا أبو إسحاقَ عن البراءِ، أن النّبيَّ عليه السَّلامُ مرَّ بناسٍ جلوسٍ من الأنصارِ، فقال: ((إنْ كُنْتُمْ لا بُدَّ فاعِلِينَ)) ثم ذكرَ مثلَه سواء غير أنَّه قال فيه: قال شعبة: ولم يَسْمَعْ هذا الحَديثَ أبو إسحاق مِن البراءِ(٣). قال أبو جعفر: وهذا اختلافٌ شديدٌ على شعبة في هذا الحديث، لأن حَجَّاجاً يذكر (٤) فيه سماعَ أبي إسحاق إيَّهُ من البراء، وأبو الوليد ينفي ذلك والله أعلمُ ما الصَّوابُ فيه. ١٧٢ - حدثنا فهد، حدثنا أبو غسان النَّهديُّ مالك بنُ إسماعيل، (١) كذا جاءت هذه الرواية مصرحة بسماع أبي إسحاق من البراء، وعامة المصادر التي خرجت هذا الحديث ليس فيها التصريح بسماعه هذا الحديث من البراء، وسينقل المصنف عن شعبة في الرواية التي تلي هذه قوله: لم يسمع هذا الحديث أبو إسحاق من البراء. (٢) رجاله ثقات. شعبة من أصحاب أبي إسحاق القدماء، وروايته عنه في البخاري (٤٣١٦) و(٤٣١٧)، ومسلم (٥٧٦). ورواه أحمد ٢٨٢/٤ و٢٩١ و٣٠١، والترمذي (٢٧٢٦)، والدارمي ٢٨٢/٢ من طريق شعبة، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. (٣) رجاله ثقات، وهو مكرر ما قبله، وقول شعبة مذكور في المصادر التي ذكرتها في السند المتقدم. (٤) في الأصل: لم يذكر، والصواب حذف ((لم)). ١٥٧ حدثنا إسرائيلُ بن يونس، عن أبي إسحاق عن البراء قال: مَرَّ النَّبِيُّ عليه السلامُ على مجلسٍ للأنصار، فقال: (إِنْ أَبْتُمْ إِلا أَنْ تَجْلِسُوا، فَرُدُّوا السَّلامَ، واهْدُوا السَّبِيلَ، وأَعِينُوا المَظْلُومَ))(١). قال أبو جعفر: فتأملنا ما في هذه الآثار، فوجدنا فيها نهيَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلَّم عن الجلوس بالصُّعُدَاتِ، ثم أباحَ بَعْدَ ذلك ما أباحه من الجلوسِ فيها على الشرَائِطِ التي اشترطها على مَنْ أباحه ذلك منها . فوقفنا بذلك على أنَّ نهيه كان على الجلوس فيها، إنما كان على الجلوسِ الذي ليسَ معه الشرائطُ التي اشترطها عند إباحته الجلوس فيها على من آثر أن يَجْلِسَ فيها، وعلى أن إباحَتَه الجلوسَ فيها مُضَمِّنٌ بالشرائط التي اشترطها في إباحته الجلوسَ فيها على من أباحه ذلك منها. وفي ذلك ما قد دَلَّ على تبايُنِ نهيه صلَّى الله عليه وسلم، وتبايُنِ إباحته، وأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما لمعنى ليس في الآخر منهما. وفي هذه الآثار ما يَدُلُّ على إباحةِ الناسِ الاستعمال من طرقهم العامةِ ما لا ضررَ فيه على أحدٍ من أهلها، وإذا كان ذلك كذلك، كان معقولاً أن الجلوسَ فيها إن كان مما يُضَيِّقُ على المارِّين بها جلوسُ الجالسين بها إِيَّها غيرُ داخلٍ فيما أباحه عليه السَّلامُ منها، وأن ذلك راجعٌ إلى ما في حديث سهلِ بنِ معاذ الجُّهَني، عن أبيه، أن رسولَ الله عليه السلام، أمر منادياً في بعض غزواته لما ضَيَّقَ الناسُ المنازلَ، وقطعوا الطَّرُقَاتِ، فنادى: (١) رجاله ثقات. ورواه ابن حبان (١٩٥٣)، وأحمد ٢٨٢/٤ و٢٩١ و٢٩٣ من طريق إسرائيل بن يونس، بهذا الإسناد. وانظر ما قبله. ١٥٨ (أَنْ مَنْ ضَيَّقَ منزلاً، وقَطَعَ طَرِيقاً، فلا جِهَادَ لَهُ))(٢). وقد ذكرنا هذا الحديثَ فيما تقدم منَّا في كتابنا هذا، والواجب على ذوي اللب أن يَعْقِلُوا عن رسولِ اللَّهِ عليه السلام ما يُخاطب به أمته، فإنَّه إنما يُخاطبهم به ليوقفهم على حدودٍ دينهم، وعلى الآداب التي يستعملونها فيه، وعلى الأحكامِ التي يحكمون بها فيه، وأن يَعْلَمَ أنه لا تَضَادَّ فيها، وإن كُلَّ معنى منها يُخاطبهم به يُخالِفُ ألفاظهُ فيه الألفاظَ التي قد كان خاطبهم فيما قبله من جنس ذلك المعنى، وأن يطلُبُوا ما في كُلُّ واحدٍ من ذينك المعنيين إذا وقع في قلوبهم أنَّ في ذلك تضادّاً أو خلافاً، فإنهم يجدونه بخلاف ما ظَنُّوه فيه، وإن خفي ذلك على بعضهم، فإنما هو لتقصير علمه عنه، لا لأن فيه ما ظَنَّه مِن تَضاد أو خلافٍ، لأن ما تولَّه الله بخلافٍ ذلك كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء: ٨٢]، واللَّهَ نسألُه التوفيق. لله تعالى (٢) تقدم تخريجه برقم (٤٤) ص ٣٦ - ٣٧، فراجعه. ١٥٩ ٢٧ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عن رسولِ الله عليه : السَّلامُ في اسمِ اللَّهِ الأعظمِ أيُّ أسمائِه هُوَ ١٧٣ - حدثنا أبو أمية، حدثنا أسودُ بنُ عامرِ، قال: حدثنا شَرِيكُ بنُ عبدِ الله، عن أبي إسحاق، ومالك بن مِغْول، عن ابْنِ بُريدةً عن أبيه: سَمِعَ النَّبيُّ عليه السَّلامُ رجلً يقول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بأنِّ أَشْهَدُ أن لا إله إلا أنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ الذي لم يَلِدْ ولم يُولد ولم يَكُنْ لَهُ كُفُواْ أَحَدٌ، فقال: ((لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وجلَّ بِاسْمِهِ الَّذي إذا دُعِيَ به أَجَابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أُعطى))(١). ١٧٤ - حدثنا إبراهيم بن أبي داود، حدثنا محمدُ بنُ عبدالله بن نُمیر الهمداني قال: حدثنا یونُس بن بُکیر، حدثني محمدُ بنُ إسحاق، حدثني عبدُ العزيز بنُ مسلمٍ، عن إبراهيم بنِ عُبيدِ بنِ رِفاعة عن أنسٍ قال: مَرَّ النبي صلَّى الله عليه وسلم بِرَجُلٍ يُصلي، وهو يقولُ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ لا إلهَ إلَّ أَنْتَ، يا مَنَّانُ يا بَدِيعَ السَّماواتِ (١) حديث صحيح. شريك بن عبدالله - وهو القاضي -: سيىء الحفظ، لكنه توبع، وباقي رجال السند ثقات. ورواه أبو داود (١٤٩٣) من طريق يحيى بن سعيد، والترمذي (٣٤٧٥)، وابن ماجه (٣٨٥٧)، وابن أبي شيبة ٢٧١/١٠، وأحمد ٣٦٠/٥ من طريق وكيع، والبغوي (١٢٥٩) من طريق عمرو بن مرزوق، ثلاثتهم عن مالك بن مغول، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حسن غريب، وصححه ابن حبان (٨٩١)، والحاكم ٥٠٤/١، ووافقه الذهبي. ١٦٠