Indexed OCR Text

Pages 581-600

١٨ - كتاب الجامع
٥ - باب الترغيب في مكارم الأخلاق
١٤٣٤ - حديث معاوية
جَمَّعْتُ آدابَ من رامَ الجلوسَ على الطريق من قول خير الخلق إنسانا
أفشِ السلام وأحسنْ في الكلام وشمِّتْ عاطساً وسلاماً رُدّ إحسانا
في الحمل عاونْ ومظلوماً أعِنْ وأغثْ لهفان واهد سبيلاً واهد حيرانا
بالعُرْفِ مُرْ وانْهَ عن ثُكْرٍ وكُفَّ أذىًّ وغُضَّ طرفاً وأكثِرْ ذكرَ مولانا
إلا أن الأحاديث التي قدمناها، وذكرها السيوطي في ((التوشيح)) فيها أحد
عشر أدباً ، وفي الأبيات ثلاثة عشر؛ لأنه زاد : حسن الكلام ، وهو ثابت في
حديث لأبي هريرة ، وزاد فيها: وإفشاء السلام ، ولم أجده في حديث ، إنما فيها ردّ
السلام ، وقد ذكره فيها . والحكمة في النهي عن الجلوس في الطرقات أنه لجلوسه
يتعرض للفتنة ؛ فإنه قد ينظر إلى الشهوات ممن يخاف الفتنة على نفسه من النظر
إليهنّ مع مرورهنّ ، وفيه التعرض للزوم حقوق الله والمسلمين ، ولو كان قاعداً في
منزله لما عرف ذلك ، ولا لزمته الحقوق التي قد لا يقوم بها . ولما طلبوا الإذن في
البقاء في مجالسهم وأنه لا بدّلهم منها عرفهم بما يلزمهم من الحقوق ، وكل ما
ذكر من الحقوق قد وردت به الأحاديث مفرقة ؛ تقدّم بعضها ويأتي بعضها .
١٤٣٤ - وعن معاوية قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ تعالَى عليه وعلى آله
وسلَّمَ: ((مَنْ يُرد الله بهِ خيراً يُفَقَّهْهُ في الدِّين)). متفقٌ عليه ..
(وعن مُعاوية قال: قال رسولُ الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم:
((مَنْ يُرد الله به خيراً يُفَقِّهْهُ في الدِّين)). متفقٌ عليه): والحديث دليل على
عظمة شأن التفقه في الدين ، وأنه لا يعطاه إلا من أراد الله به خيراً عظيماً،
٥٨١

١٨ - كتاب الجامع ٥ - باب الترغيب في مكارم الأخلاق ١٤٣٥ و١٤٣٦ - حديثا أبي الدرداء وابن عمر
كما يرشد إليه التنكير ويدل له المقام ، والفقه في الدين : تعلم قواعد الإسلام
ومعرفة الحلال والحرام ، ومفهوم الشرط أن من لم يتفقه في الدين لم يرد الله به
خيراً، وقد ورد هذا المفهوم منطوقاً في رواية أبي يعلى : ((ومن لم يفقه لم يبال
الله به)) ، وفي الحديث دليل ظاهر على شرف الفقه في الدين ، والمتفقهين فيه
على سائر العلوم والعلماء ، والمراد به معرفة الكتاب والسُّنّة .
١٤٣٥ - وعن أبي الدرداءِ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله عَلِ: «ما
منْ شيءٍ في الميزان أَثقل من حُسنِ الخلق)). أَخرجَهُ أَبو داودَ والتِّرمذي،
وصححه .
(وعن أبي الدرداءِ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله ◌َ ◌ّهِ: ((ما منْ شيءٍ
في الميزان أَثقل من حُسنِ الخلق)). أَخرجَهُ أَبو داودَ والتِّرمذي، وصحّحهُ):
وتقدم الكلام في حقيقته بما لا يحتاج فيه إلى الإعادة لقرب عهده .
١٤٣٦ - وعن ابن عُمَر رضيَ الله عنهُمَا قالَ: قال رسولُ الله صلَّى الله
عليه وآله وسلَّمَ : ((الحياءُ من الإيمان)). مُتفقٌ عليه .
(وعن ابن عُمَر رضي الله عنهُمَا قالَ: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّمَ: ((الحياءُ من الإيمان)). مُتفقٌ عليه): الحياء في اللغة : تغير وانكسار
يلحق الإنسان من خوف ما يعاب به ، وفي الشرع : خلق يبعث على اجتناب
القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق .
والحياء وإن كان قد يكون غريزة ، فهو في استعماله على وفق الشرع يحتاج
إلى اكتساب وعلم ونية ؛ فلذلك كان من الإيمان ، وقد يكون كسبياً، ومعنى
٥٨٢

١٨ - كتاب الجامع
٥ - باب الترغيب في مكارم الأخلاق ١٤٣٧ - حديث ابن مسعود
كونه من الإيمان أن المستحي ينقطع بحيائه عن المعاصي ، فيصير كالإيمان القاطع
بينه وبين المعاصي .
وقال ابن قتيبة : معناه أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي كما يمنع
الإيمان ، فسمي إيماناً كما يسمى الشيء باسم ما قام مقامه ، والحياء مركب من
جبن وعفة ، وفي الحديث: ((الحياء خير كله، ولا يأتي إلا بخير)).
فإن قلت : قد يمنع الحياء صاحبه عن إنكار المنكر ، وهو إخلال ببعض ما
یجب؛ فلا یتم عموم أنه «لا يأتي إلا بخير)»؟
قلت : قد أجيب عنه بأن المراد من الحياء في الأحاديث الحياء الشرعي ،
والحياء الذي ينشأ عنه ترك بعض ما يجب ليس حياء شرعياً ؛ بل هو عجز
ومهانة ، وإنما يطلق عليه الحياء لمشابهته الحياء الشرعي ، وبجواب آخر : وهو أن
من كان الحياء من خلقه فالخير عليه أغلب ، أو أنه إذا كان الحياء من خلقه كان
الخير فيه بالذات ؛ فلا ينافيه حصول التقصير في بعض الأحوال .
قال القرطبي في ((المفهم شرح مسلم)): وكان النبي صلى الله تعالى عليه
وآله وسلم قد جمع له النوعان من الحياء : المكتسب والغريزي ، وكان في الغريزي
أشد حياء من العذراء في خدرها ، وكان في المكتسب في الذروة العليا :
١٤٣٧ - وعن ابن مَسْعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى اللهُ
عليه وآله وسلَّمَ: ((إنَّ مَما أدركَ النّاسُ منْ كلام النُّبُوَّةِ الأولى: إذا لمْ تَسْتح
فاصنع ما شئتَ)) . أخرجهُ البخاري .
(وعن ابن مَسْعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله
٥٨٣

١٨ - كتاب الجامع
٥ - باب الترغيب في مكارم الأخلاق ١٤٣٨ - حديث أبي هريرة
وسلم: ((إنَّ مَّا أَدركَ النّاسُ منْ كلام النُّبُوَّةِ الأولى: إذا لمْ تَسْتح فاصنع ما
شئتَ)). أخرجهُ البخاري): لفظ ((الأولى))، ليس في البخاري؛ بل في ((سنن
أبي داود))، ووقع في حديث أبي حذيفة: ((إن آخر ما تعلق به أهل الجاهلية
من كلام النبوّة الأولى ... )) إلى آخره ، أخرجه أحمد والبزار، والمراد من كلام
النبوّة الأولى ما اتفق عليه الأنبياء ، ولم ينسخ كما نسخت شرائعهم؛ لأنه أمر
أطبقت عليه العقول .
وفي قوله: ((فاصنع ما شئت))، قولان: الأول : أنه بمعنى الخبر ؛ أي :
صنعت ما شئت ، وعبر عنه بلفظ الأمر للإشارة إلى أن الذي يكف الإنسان عن
مدافعة الشر هو الحياء ؛ فإذا تركه توفرت دواعيه على مواقعة الشر، حتّى كأنه
مأمور به ؛ أو الأمر فيه للتهديد ؛ أي : اصنع ما شئت ؛ فإن الله مجازيك على
ذلك. الثاني : أن المراد : انظر إلى ما تريد فعله ؛ فإن كان مما لا يستحى منه
فافعله ، وإن كان مما يستحى منه فدعه ، ولا تبال بالخلق .
١٤٣٨ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى اللهُ عليه
وآله وسلَّمَ : ((المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأَحبُّ إلى الله من المؤمنِ الضَّعيف، وفي
كُلِّ خيرٌ. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ، ولا تَعْجِزْ، وإن أَصابكَ
شيءٌ ، فلا تقُلْ: لَوْ أَني فعلتُ كذا كان كذا وكذا ، ولكنْ قُلْ: قدر الله ،
وما شاءَّ فَعَلَ؛ فإن لوْ تفْتَحُ عَمَلَ الشّيطان)». أَخرجَهُ مُسْلمٌ .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم: ((الُؤْمنُ القويُّ خيرٌ وأَحبُ إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كُل) :
٥٨٤

١٨ - كتاب الجامع
٥ - باب الترغيب في مكارم الأخلاق ١٤٣٨ - حديث أبي هريرة
من القوي والضعيف (خيرٌ) : لوجود الإيمان فيهما (احرص) : من حرص
يحرص كضرب يضرب ويقال : حرص: كسمع (على ما ينفعك) : في دنياك
ودينك (واستعن بالله) : عليه (ولا تعجز) : بفتح الجيم وكسرها (وإنْ أصابك
شيءٌ، فلا تقُلْ: لو أَني فعلْتُ كذا كان كذا وكذا ، ولكن قُلْ: قدر الله ،
وما شاءَ) : اللهُ (فعلَ ؛ فإن لوْ تفتحُ عملَ الشيطان)) . أخرجه مسلم).
المراد من القوي قوي عزيمة النفس في الأعمال الأخروية ؛ فإن صاحبها أكثر
إقداماً في الجهاد وإنكار المنكر ، والصبر على الأذى في ذلك ، واحتمال المشاق
في ذات الله والقيام بحقوقه ؛ من الصلاة والصوم وغيرهما ؛ والضعيف بالعكس
من هذا، إلا أنه لا يخلو عن الخير لوجود الإيمان فيه ، ثم أمره نظيره بالحرص على
طاعة الله وطلب ما عنده ، وعلى طلب الاستعانة به في كل أموره ؛ إذْ حرص
العبد بغير إعانة الله لا ينفعه .
فأكثر ما يجني عليه اجتهاده
إذا لم یکن عون من الله للفتی
ونهاه عن العجز ، وهو التساهل في الطاعات ، وقد استعاذ منه صلى الله
تعالى عليه وآله وسلم بقوله: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ومن
العجز والكسل)» ، وسيأتي ، ونهاه بقوله إذا أصابه شيء من حصول ضرر ، أو
فوات نفع عن أن يقول : لو، قال بعض العلماء : هذا إنما هو لمن قال معتقداً ذلك
حتماً ، وأنه لو فعل ذلك لم يصبه قطعاً ، فأما من رد ذلك إلى مشيئة الله وأنه لا
يصيبه إلا ما شاء الله ، فليس من هذا ، واستدل له بقول أبي بكر في الغار : ولو
أن أحدهم رفع رأسه لرآنا ، وسكوته صلى الله تعالى عليه وآله وسلم .
٥٨٥

١٨ - كتاب الجامع
٥ - باب الترغيب في مكارم الأخلاق ١٤٣٩ - حديث عياض بن حمار
قال القاضي عياض : وهذا لا حجة فيه لأنه إنما أخبر عن أمر مستقبل ، ولیس
فيه دعوى لرد قدره بعد وقوعه ؛ قال : وكذا جميع ما ذكره البخاري في باب ما
يجوز من اللوّ كحديث: ((لولا حدثان قومك بالكفر))، الحديث، و: ((لو كنت
راجماً بغير بينة))، و: ((لولا أن أشق على أمتي))، وشبيه ذلك ؛ فكله مستقبل ،
ولا اعتراض فيه على قدر؛ فلا كراهية فيه لأنه إنما أخبر عن اعتقاده فيما كان
يفعل لولا المانع ، وعما هو في قدرته ؛ فأما ما ذهب فليس في قدرته .
قال القاضي : فالذي عندي في معنى الحديث : أن النهي على ظاهره
وعمومه لكن نهي تنزيه ، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «فإن لو
تفتح عمل الشيطان))، قال النووي : وقد جاء من استعمال لو في الماضي قوله
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم : ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما
سقت الهَدْي))، وغير ذلك ؛ فالظاهر أن النهي إنما هو إطلاق ذلك فيما لا فائدة
فيه ؛ فيكون نهي تنزيه لا تحريم ، وأمّا من قاله تأسفاً على ما فاته من طاعة الله ،
وما هو متعذر عليه من ذلك ونحو هذا ، فلا بأس به وعليه يحمل أكثر الاستعمال
الموجود في الأحاديث .
١٤٣٩ - وعن عياض بن حِمَار رضي الله عنه قالَ: قالَ رسول اللّه ◌َانِ :
((إِنَّ اللّهَ أَوحِى إليَّ أَنْ تواضَعُوا، حتّى لا يَبْغي أحدٌ على أحد ، ولا يَفْخر
أَحدٌ على أَحد)) . أَخرِجَهُ مُسلمٌ .
(وعن عياض بن حِمَار رضي الله عنه قالَ: قالَ رسول الله ◌َ اهِ: ((إنَّ اللهَ
أَوحى إليَّ أَنْ تواضَعُوا، حتّى لا يَبْغِي أَحدٌ على أحدٍ ، ولا يَفْخر أَحدٌ على
٥٨٦

١٨ - كتاب الجامع ٥ - باب الترغيب في مكارم الأخلاق ١٤٤٠ و١٤٤١ - حديثا أبي الدرداء وأسماء بنت يزيد
أَحد)). أَخرِجَهُ مُسلمٌ) : التواضع عدم الكبر ، وتقدّم تفسير الكبر ، وعدم
التواضع يؤدي إلى البغي ؛ لأنه يرى لنفسه مزية على الغير فيبغي عليه بقوله ،
أو فعله ، ويفخر عليه ويزدريه ، والبغي والفخر مذمومان .
ووردت أحاديث في سرعة عقوبة البغي منها : عن أبي بكرة قال : قال رسول
الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ((ما من ذنب أجدر - أو أحق - من أن
يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي
وقطيعة الرحم)) . أخرجه الترمذي والحاكم ، وصححاه ، وأخرجه ابن ماجه ،
وأخرج البيهقي: ((ليس شيء مما عصي الله به هو أسرع عقوبة من البغي)).
١٤٤٠ - وعن أبي الدَّرْداءِ رضي الله عنه عن النّبي صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّمَ قال: ((مَنْ رَدَّ عنْ عِرْض أَخيه بالغيْبِ ردَّ اللهُ عَنْ وجهِهِ النّارِ يوْم
القيامة)). أَخْرجهُ الترمذيُّ وحسّنهُ .
(وعن أبي الدَّرْداءِ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
قال: ((مَنْ رَدَّ عنْ عِرْض أَخيه بالغيْبِ رَدَّ اللهُ عَنْ وجهِهِ النّار يوم القيامة)).
أَخْرجهُ الترمذيُّ وحسّنهُ) .
١٤٤١ - ولأحمد من حديث أَسماءَ بنت يزيد نحوُهُ .
(ولأحمد منْ حديث أَسماءَ بنت يزيد نحوُهُ): في الحديثين دليل على
فضيلة الرد على من اغتاب أخاه عنده ، وهو واجب لأنه من باب الإنكار
للمنكر؛ ولذا ورد الوعید علی ترکه كما أخرجه أبو داود وابن أبي الدنيا : ((ما
من مسلم يخذل امرأً مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص من
٥٨٧

١٨ - كتاب الجامع
٥ - باب الترغيب في مكارم الأخلاق
١٤٤٢ - حديث أبي هريرة
عرضه ، إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته))، وأخرج أبو الشيخ: ((من
رد عن عرض أخيه رد الله عنه النار يوم القيامة))، وتلا رسول الله صلى الله
تعالى عليه وعلى آله وسلم: ﴿وكان حقاً علينا نصر المؤمنين﴾ [الروم: ٤٧]،
وأخرج أبو داود وأبو الشيخ أيضاً : ((من حمى عرض أخيه في الدنيا ، بعث الله
له ملكاً يوم القيامة يحميه من النار))، وأخرج الأصبهاني: ((من اغتيب عنده
أخوه فاستطاع نصرته فنصره ، نصره الله في الدنيا والآخرة، وإن لم ينصره
أذله الله في الدنيا والآخرة)» .
بل ورد في الحديث أن المستمع للغيبة أحد المغتابين ، فمن حضر الغيبة
وجب عليه أحد أمور: الردّ عن عرض أخيه ، ولو بإخراج من اغتاب إلى حديث
آخر، أو القيام عن موقف الغيبة ، أو الإنكار بالقلب ، أو الكراهة للقول ، وقد عدّ
بعض العلماء السكوت كبيرة لورود هذا الوعيد ، ولدخوله في وعيد من لم يغير
المنكر، ولأنه أحد المغتابين حكماً ، وإن لم يكن مغتاباً لغة وشرعاً .
١٤٤٢ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه
وعلى آله وسلَّمَ : ((ما نقصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مال، وما زاد اللهُ عَبْداً بِعَفْو إلا عِزّاً،
وما تواضع أحدٌ لله إلا رَفَعَهُ الله تعالى)) . أَخْرَجَهُ مُسلمٌ .
(وعن أَبي هُريرة رضي الله عنه قالَ : قال رسولُ الله صلى الله عليه وعلى
آله وسلم: ((ما نقصَتْ صَدَقَةٌ منْ مالٍ، وما زاد اللهُ عَبْدَاً بِعَفْوٍ إلا عِزّاً، وما
تواضع أَحدٌ لله إلا رَفَعهُ الله تعالى)). أَخرجَهُ مُسلمٌ): فسر العلماء عدم
النقص بمعنيين :
٥٨٨

١٨ - كتاب الجامع
٥ - باب الترغيب في مكارم الأخلاق ١٤٤٣ - حديث عبدالله بن سلام
٠
الأول : أنه يبارك له فيه ويدفع عنه الآفات ، فيجبر نقص الصورة بالبركة الخفية .
والثاني : أنه يحصل بالثواب الحاصل عن الصدقة جبران نقص عينها؛
فكأن الصدقة لم تنقص المال ؛ لما يكتب الله من مضاعفة الحسنة إلى عشر
أمثالها إلى أضعاف كثيرة .
قلت : والمعنى الثالث : أنه تعالى يخلفها بعوض يظهر به عدم نقص المال ؛
بل ربما زادته ، ودليله قوله تعالى: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾ [سبأ: ٣٩]،
وهو مجرّب محسوس، وفي قوله : ((ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً))، حث على
العفو عن المسيء وعدم مجازاته على إساءته ، وإن كانت جائزة ؛ قال تعالى :
﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى: ٤٠] .
وفيه أنه يجعل الله تعالى للعافي عزاً وعظمة في القلوب ؛ لأنه بالانتصاف
يظنّ أنه يعظم ويصان جانبه ويهاب ، ويظنّ أن الإغضاء والعفو لا يحصل به
ذلك ؛ فأخبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأنه يزداد بالعفو عزاً،
وفي قوله : ((وما تواضع أحد الله))؛ أي: لأجل ما أعده الله للمتواضعين ((إلا رفعه
الله))، دليل على أن التواضع سبب للرفعة في الدارين ؛ لإطلاقه ، وفي الحديث
حث على الصدقة وعلى العفو وعلى التواضع ، وهذه من أمهات مكارم الأخلاق .
١٤٤٣ - وعن عبد الله بن سَلام رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلَّى
اللهُ عليه وعلى آله وسلَّمَ: ((يا أَيها النّاسُ! أَقْشُوا السّلام وصِلُوا الأرحامَ
وأَطعموا الطّعامَ وصَلُّوا بالليلِ والنّاسُ نيامٌ، تَدخُلُوا الجنة بسلام)). أَخرجَهُ
الترمذي ، وصحّحهُ .
٥٨٩

٥ - باب الترغيب في مكارم الأخلاق ١٤٤٣ - حديث عبدالله بن سلام
١٨ - كتاب الجامع
(وعن عبد الله بن سَلام رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله
عليه وعلى آله وسلم: ((يا أيها النّاسُ! أَفْشُوا السّلام وصِلُوا الأرحامَ
وأَطعموا الطّعامَ وصَلُّوا بالليلِ والنّاسُ نيامٌ ، تَدخُلُوا الجنة بسلام)). أَخرجَهُ
الترمذي، وصحّحهُ): الإفشاء لغة: الإظهار، والمراد نشر السلام على من
يعرفه وعلى من لا يعرفه ، وأخرج الشيخان من حديث عبد الله بن عمر : أن
رجلاً سأل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: أي الإسلام خير؟ قال :
(تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)).
ولا بدّ في السلام أن يكون بلفظ مُسْمع لمن يرد عليه ، وقد أخرج البخاري
في ((الأدب المفرد)) بسند صحيح عن ابن عمَّر: ((إذا سلمت فَأَسْمعْ فإنها تحية
من عند الله))، قال النووي : أقله أن يرفع صوته بحيث يسمع المسلم عليه ؛ فإن
لم يسمعه لم يكن آتياً بالسنة ؛ فإن شك استظهر .
وإن دخل مكاناً فيه أيقاظ ونيام؛ فالسنة ما ثبت في ((صحيح مسلم)) عن
المقداد قال : كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يجيء من الليل
فيسلم تسليماً لا يوقظ نائماً ويسمع اليقظان ؛ فإن لقي جماعة يسلم عليهم
جميعاً ، ويكره أن يخص أحدهم بالسلام لأنه يولد الوحشة ، ومشروعية السلام
لجلب التحاب والألفة ؛ فقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((ألا
أدلكم على ما تحابون به؟ أفشوا السلام بينكم)).
ويشرع السلام عند القيام من الموقف كما يشرع عند الدخول ؛ لما أخرجه
النسائي من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا قعد أحدكم فليسلم ، وإذا قام
٥٩٠

٥ - باب الترغيب في مكارم الأخلاق ١٤٤٣ - حديث عبد الله بن سلام
١٨ - كتاب الجامع
فليسلم فليست الأولى أحق من الآخرة))، وتكره ، أو تحرم الإشارة باليد ، أو
الرأس ؛ لما أخرجه النسائي بسند جيد عن جابر مرفوعاً: ((لا تسلموا تسليم
اليهود ؛ فإن تسلیمهم بالرؤوس والأ کف)) ، إلا أنه يستثنى من ذلك حال
الصلاة ؛ فقد وردت أحاديث بأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يردّ
على من يسلم عليه وهو يصلي بالإشارة ، وقد قدمنا تحقيق ذلك في الحديث
العشرينٌ(*) من باب شروط الصلاة في الجزء الأول ، وجوزت الإشارة بالسلام
على من بَعُد عن سماع لفظ السلام .
قال ابن دقيق العيد : وقد يستدل بالأمر بإفشاء السلام من قال بوجوب
الابتداء بالسلام ، ويرد عليه أنه لو كان الابتداء فرض عين على كل أحد كان فيه
حرج ومشقة، والشريعة على التخفيف والتيسير، فيحمل على الاستحباب . اهـ.
قال النووي : في التسليم على من لم يعرف ، إخلاص العمل لله تعالى ،
واستعمال التواضع ، وإفشاء السلام الذي هو شعار هذه الأمة ، وقال ابن بطال
في مشروعية السلام على غير معروف : استفتاح المخاطبة للتأنيس ليكون المؤمنون
کلهم إخوة ؛ فلا يستوحش أحد من أحد .
وتقدم الكلام على صلة الأرحام مستوفى ، وعلى إطعام الطعام ، فيشمل من
يجب عليه إنفاقه ويلزمه إطعامه ، ولو عرفاً ، أو عادة ، وكالصدقة على السائل
للطعام وغيره ، فالأمر محمول على فعل ما هو أولى من تركه ليشمل الواجب
والمندوب، والأمر بصلاة الليل في قوله: ((وصلوا بالليل))؛ فقد ورد تفسيره بصلاة
(*) يقابله في كتابنا هذا الرقم (٢١١) . (الناشر).
٥٩١
٠

١٨ - كتاب الجامع
٥ - باب الترغيب في مكارم الأخلاق ١٤٤٤ - حديث تميم الداري
العشاء ، والمراد بالناس : اليهود والنصارى ، ویحتمل أنه أريد ذلك ، وما یشمل
نافلة الليل ، وقوله : «تدخلوا الجنة بسلام)) ، إخبار بأن هذه الأفعال من أسباب
دخول الجنة ، وكأنه بسببها يحصل لفاعلها التوفيق وتجنب ما يوبقها من
الأعمال وحصول الخاتمة الصالحة .
١٤٤٤ - وعن تميم الداريِّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلَّى اللهُ
تعالى عليه وعلى آله وسلَّمَ: ((الدِّينُ النّصيحةُ)) - ثلاثاً -، قُلْنا: لمنْ هي يا رسولَ
الله؟ قال: («لله ولكتابه ولرسوله ولأئِمَّةِ الْمُسْلمين وعامَّتِهِمْ)). أَخْرجَهُ مُسْلِمٌ.
(وعن تميم الداري رضي الله عنه) : هو أبو رقية تميم بن أوس بن خارجة ،
نسب إلى جده ((دار))، ويقال: الديري نسبة إلى دير كان فيه قبل الإسلام،
وكان نصرانياً ! وليس في ((الصحيحين)) و((الموطأ)» : داري، ولا ديري إلا تميم،
أسلم سنة تسع ، كان يختم القرآن في ركعة ، وكان ربما ردّد الآية الواحدة الليل
كله إلى الصباح، سكن المدينة ، ثم أنتقل منها إلى الشام ، وروى النبي صلى
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في خطبته قصة الجساسة والدجال ، وهي منقبة
له، وهي داخلة في رواية الأكابر عن الأصاغر، وليس له في ((صحيح مسلم))
إلا هذا الحديث، وليس له في ((البخاري)) شيء (قال: قال رسول الله صلى
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ((الدين النصيحةُ)) - ثلاثاً -): أي : قالها
ثلاثاً (قلنا: لمن هي يا رسول الله؟): أي: من يستحقها (قال: «لله ولكتابه
ولرسُولِهِ ولأئمّةِ المسلمين وعامّتِهِمْ)) . أخرجه مسلم) .
هذا الحديث جليل ، قال العلماء: إنه أحد الأحاديث الأربعة التي يدور
٥٩٢

١٨ - كتاب الجامع
٥ - باب الترغيب في مكارم الأخلاق ١٤٤٤ - حديث تميم الداري
عليها الإسلام ، وقال النووي : ليس الأمر كما قالوه ؛ بل عليه مدار الإسلام،
قال الخطابي : النصيحة كلمة جامعة ؛ معناها : حيازة الحظ للمنصوح له ،
ومعنى الإخبار عن الدين بها أن عماد الدين وقوامه النصيحة .
قالوا : والنصح لله : الإيمان به ونفي الشرك عنه وترك الإلحاد في صفاته ،
ووصفه بصفات الكمال والجلال كلها ، وتنزيهه تعالى عن جميع أنواع النقائص ،
والقيام بطاعته واجتناب معاصيه ، والحب فيه والبغض فيه ، وموالاة من أطاعه
ومعاداة من عصاه ، وغير ذلك مما يجب له تعالى ، قال الخطابي : وجميع هذه
الأشياء راجعة إلى العبد من نصيحة نفسه ، والله تعالى غني عن نصح الناصح .
والنصيحة لكتابه : الإيمان بأنه كلامه تعالى ، وتحليل ما حلله وتحريم ما حرّمه ،
والاهتداء بما فيه والتدبر لمعانيه ، والقيام بحقوق تلاوته ، والاتعاظ بمواعظه
والاعتبار بزواجره ، والمعرفة له .
والنصيحة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : تصديقه بما جاء به واتباعه
فیما أمر به ونهى عنه وتعظيم حقه وتوقيره حياً وميتاً ومحبة من أمر بمحبته من
آله وصحبه ومعرفة سنته والعمل بها ونشرها والدعاء إليها والذب عنها .
والنصيحة لأئمة المسلمين : إعانتهم على الحق وطاعتهم فيه وأمرهم به
وتذكيرهم لحوائج العباد ونصحهم في الرفق والعدل ، قال الخطابي : ومن النصيحة
لهم الصلاة خلفهم والجهاد معهم، وتعدّد أسباب الخير في كل من هذه الأقسام لا
تنحصر ، قيل : وإذا أريد بأئمة المسلمين العلماء ؛ فنصحهم بقبول أقوالهم وتعظيم
حقهم والاقتداء بهم ، ويحتمل أنه يحمل الحديث عليهما ؛ فهو حقيقة فيهما .
٥٩٣

٥ - باب الترغيب في مكارم الأخلاق ١٤٤٥ و١٤٤٦ - حديثا أبي هريرة
١٨ - كتاب الجامع
والنصيحة لعامة المسلمين : بإرشادهم إلى مصالحهم في دنياهم وأخراهم ،
وكف الأذى عنهم وتعليمهم ما جهلوه وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ونحو
ذلك ، والكلام على كل قسم يحتمل الإطالة ، وفي هذا كفاية ، وقد بسطنا
الكلام عليه في ((شرح الجامع الصغير)).
قال ابن بطال : في الحديث دليل على أن النصيحة تسمى ديناً وإسلاماً ،
وأن الدين يقع على العمل كما يقع على القول ، قال : والنصيحة فرض كفاية
يجزئ فيها من قام بها وتسقط عن الباقين ، والنصيحة لازمة على قدر الطاقة
البشرية إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ، ويطاع أمره وأمن على نفسه المكروه ؛
فإن خشي أذى فهو في سعة ، والله أعلم .
١٤٤٥ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َ ◌ّهُ: («أكثر ما
يُدخِلُ الجنّةَ تقوى الله وحُسْنُ الخلق)). أَخرجَهُ الترمذيُّ، وصحّحُهُ الحاكمُ .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َُّهِ: ((أكثر ما يُدخِلُ
الجنّةَ تقوى الله وحُسْنُ الخلق)). أَخرجَهُ الترمذيُّ، وصحّحُهُ الحاكمُ) :
الحديث دليل على عظمة تقوى الله وحسن الخلق ، وتقواه تعالى هي الإتيان
بالطاعات واجتناب المقبحات ، فمن أتى بها ، وانتهى عن المنهيات ، فهي من
أعظم أسباب دخول الجنة ، وأمّا حسن الخلق ، فتقدّم الكلام فيه .
١٤٤٦ - وعَنْهُ قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ: ((إنكمْ لا
تَسَعُونَ النّاس بأَموالكُم ولكن يسعهم منكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وحُسْنُ الخلُق» .
أَخرِجَهُ أَبو يَعْلى، وصحّحهُ الحاكمُ .
٥٩٤

١٨ - كتاب الجامع ٥ - باب الترغيب في مكارم الأخلاق ١٤٤٧ و١٤٤٨ - حديثا أبي هريرة وابن عمر
(وعَنْهُ) : أي : أبي هريرة (قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم:
((إنكمْ لا تَسَعونَ النّاس بأَموالكُم ولكن يسعهم منكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وحُسْنُ
الخلق)) . أخرجَهُ أَبو یعلی ، وصحّحهُ الحاكم) : أي : لا یتم لكم شمول الناس
بإعطاء المال لكثرة الناس ، وقلة المال ، فهو غير داخل في مقدور البشر ، ولكن
عليكم أن تسعوهم ببسط الوجه والطلاقة ولین الجانب وخفض الجناح ، ونحو
ذلك مما يجلب التحاب بینکم ؛ فإنه مراد الله ، وذلك فيما عدا الكافر ومن أمر
بالإغلاظ عليه .
١٤٤٧ - وعنه قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َ ◌ّهِ: ((المؤمنُ مِرْآةُ أخيهِ المؤْمن)».
أخرجهُ أَبو داود بإسناد حسن .
(وعنه): أي: أبي هريرة (قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّةٍ: «المؤمنُ مِرْآةُ أخيه
المؤْمن)). أخرجهُ أَبو داودَ بإِسْناد حسن): أي: المؤمن لأخيه المؤمن كالمرآة
التي ينظر فيها وجهه ، فالمؤمن يطلع أخاه على ما فيه من عيب وينبهه على
إصلاحه ، ويرشده إلى ما يزينه عند مولاه تعالى ، وإلى ما يزينه عند عباده،
وهذا داخل في النصيحة .
١٤٤٨ - وعن ابن عُمر رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ
عليه وآله وسلَّمَ: ((المؤمنُ الذي يخالطُ النّاس ويصْبرُ على أَذاهُم ، خيرٌ من
المؤمن الذي لا يخالطُ النّاس ، ولا يصْبرُ على أَذاهُمْ)). أَخرجَهُ ابن ماجَهْ
بإسناد حسن ، وهو عند الترمذي إلا أنه لمْ يُسمِّ الصَّحابيَّ.
(وعن ابن عُمر رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وآله
٥٩٥

١٨ - كتاب الجامع
٥ - باب الترغيب في مكارم الأخلاق
١٤٤٩ - حديث ابن مسعود
وسلم: ((المؤمنُ الذي يخالطُ النّاس وبصْبرُ على أَذاهُم ، خيرٌ من المؤمن
الذي لا يخالطُ النّاس ، ولا يصْبرُ على أَذاهُمْ)). أَخرجَهُ ابن ماجَهْ بإسناد
حسن ، وهو عند الترمذي إلا أنه لمْ يُسمِّ الصَّحابيَّ) : فيه أفضلية من يخالط
الناس مخالطة يأمرهم فيها بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحسن معاملتهم ؛ فإنه
أفضل من الذي يعتزلهم ، ولا يصبر على المخالطة ؛ والأحوال تختلف باختلاف
الأشخاص والأزمان ، ولكل حال مقال ، ومن رجح العزلة فله على فضلها أدلة ،
وقد استوفاها الغزالي في ((الإحياء)) وغيره .
١٤٤٩ - وعن ابن مَسْعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى اللهُ
عليه وآله وسلّمَ: ((اللهمَّ كما حَسّنْتَ خَلْقي فَحَسِّنْ خُلُقي». رواهُ أحمدُ،
وصحّحُهُ ابنُ حِبّان .
(وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم: ((اللهمَّ كما حَسّنت خَلْقِي): بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام (فَحَسِّنْ
خُلُقِي))) : بضمها وضم اللام (رواه أحمد ، وصححه ابن حبان).
قد كان صلى الله تعالى عليه وسلم من أشرف العباد خلقاً وخلقاً ، وسؤاله
ذلك اعترافاً بالمنة وطلباً لاستمرار النعمة وتعليماً للأمة .
٥٩٦

١٨ - كتاب الجامع
٦ - باب الذكر والدعاء
٦ - باب الذِّكّر والدُّعاء
الذكر : مصدر ذكر ، وهو ما يجري على اللسان والقلب ، والمراد به ذكر الله .
والدعاء : مصدر دعا ، وهو الطلب ، ويطلق على الحث على فعل الشيء ،
نحو: دعوت فلاناً: استعنته ، ويقال : دعوت فلاناً : سألته ، ويطلق على العبادة
وغيرها .
واعلم أن الدعاء ذكر الله وزيادة ؛ فكل حديث في فضل الذكر يصدق عليه ،
وقد أمر الله تعالى عباده بدعائه ، فقال: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠]،
وأخبرهم بأنه قريب يجيب دعاءهم ، فقال : ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني
قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ [البقرة: ١٨٦].
وسماه مخ العبادة؛ ففي الحديث عند الترمذي من حديث أنس مرفوعاً :
((الدعاء مخ العبادة))، وأخبر صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن الله تعالى
يغضب على من لم يدعه ؛ فإنه أخرج البخاري في ((الأدب المفرد)) من حديث
أبي هريرة مرفوعاً: ((من لم يسأل الله يغضب عليه))، وأخبر صلى الله عليه وآله
وسلم أنه تعالى يحب أن يسأل ، فأخرج الترمذي من حديث ابن مسعود
مرفوعاً: ((سلوا الله من فضله؛ فإنه يحب أن يسأل))، والأحاديث في الحث
عليه كثيرة ، وهو يتضمن حقيقة العبودية والاعتراف بغنى الرب وافتقار العبد ،
وقدرته تعالى وعجز العبد ، وإحاطته تعالى بكل شيء علماً ، فالدعاء يزيد العبد
قرباً من ربه، واعترافاً بحقه؛ ولذا حث ◌َ﴿ على الدعاء وعلم الله عباده دعاءه
بقوله : ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، الآية ونحوها،
٠
٥٩٧

١٨ - كتاب الجامع
٦ - باب الذكر والدعاء
١٤٥٠ - حديث أبي هريرة
وأخبرنا بدعوات رسله وتضرعهم حيث قال: ﴿وأيوب إذ نادى ربه أني مسني
الضر وأنت أرحم الراحمين﴾ [الأنبياء: ٨٣]، وقال زكريا عليه السلام: ﴿رب لا
تذرني فرداً﴾ [الأنبياء: ٨٩]، وقال: ﴿فهب لي من لدنك ولياً﴾ [مريم: ٥]، وقال
أبو البشر: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ [الأعراف: ٢٣]، الآية ، وقال يوسف : ﴿رب قد
أتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث﴾ إلى قوله: ﴿توفني مسلماً
وألحقني بالصالحين﴾ [يوسف: ١٠١].
وقال يونس : ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ [الأنبياء:
٨٧]، ودعا نبينا ◌َ﴿ في مواقف لا تنحصر؛ عند لقاء الأعداء وغيرها، ودعواته
في الصباح والمساء والصلوات وغيرها معروفة ، فالعجب من الاشتغال بذكر
الخلاف بين من قال : التفويض والتسليم أفضل من الدعاء ؛ فإن قائل هذا ما
ذاق حلاوة المناجاة لربه ، ولا تضرعه واعترافه بحاجته وذنبه .
واعلم أنه قد ورد من حديث أبي سعيد عند أحمد : أنه لا يضيع الدعاء؛
بل لا بد للداعي من إحدى ثلاث : ((إما أن تعجل له دعوته ، وإما أن يد خرها
له في الآخرة ، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها))، وصححه الحاكم.
وللدعاء شرائط ولقبوله موانع قد أودعناها أوائل الجزء الثاني من ((التنوير شرح
الجامع الصغير)) وذكرنا فائدة الدعاء مع سبق القضاء .
١٤٥٠ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى اللهُ عليه
وآله وسلَّمَ: ((يقولُ الله تعالى: أنا مَعَ عَبْدِي ما ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بي شَفَتَاهُ)) .
أخرجه ابن ماجه ، وصححه ابن حبان ، وذكره البخاري تعليقاً .
٥٩٨

١٨ - كتاب الجامع
٦ - باب الذكر والدعاء
١٤٥١ - حديث معاذ بن جبل
(عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم: ((يقول الله تعالى: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه)) . أخرجه
ابن ماجه ، وصححه ابن حبان ، وذكره البخاري تعليقاً): وهو في البخاري
ء
بلفظ: قال النبي ◌َّهُ: ((يقول الله عزَّ وَجَلَّ: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا
ذكرني ؛ فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته
في ملأ خير منهم ، وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً ، وإن تقرب إلي
ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة))، وهذه معية خاصة تفيد
عظمة ذكره تعالى ، وأنه مع ذاكره برحمته ولطفه وإعانته والرضا بحاله .
وقال ابن أبي جمرة : معناه أنا معه بحسب ما قصده من ذكره لي ، ثم قال :
يحتمل أن يراد الذكر بالقلب، أو باللسان، أو بهما معاً، أو بامتثال الأمر
واجتناب النهي ؛ قال : والذي تدل عليه الأخبار أن الذكر على نوعين : أحدهما
مقطوع لصاحبه بما تضمنه هذا الخبر ، والثاني على خطر ؛ قال : والأول مستفاد
من قوله تعالى : ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره﴾ [الزلزلة: ٧] ، والثاني من
الحديث الذي فيه: ((من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله
إلا بعداً))، لكن إن كان في حال المعصية يذكر الله لخوف ووجل ، فإنه يرجى له .
١٤٥١ - وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم: ((ما عَمِل ابنُ آدَمَ عَمَلاً أنْجَى لَهُ من عذابِ الله مِنْ ذِکرِ
الله)) . أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني بإسناد حسن .
(وعن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله
٥٩٩

١٨ - كتاب الجامع
٦ - باب الذكر والدعاء
١٤٥٢ - حديث أبي هريرة
وسلم: ((ما عمل ابن آدم عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله)) . أخرجه
ابن أبي شيبة والطبراني بإسناد حسن) : الحديث من أدلة فضل الذكر ، وأنه
من أعظم أسباب النجاة من مخاوف عذاب الآخرة ، وهو أيضاً من المنجيات من
عذاب الدنيا ومخاوفها ؛ ولذا قرن الله الأمر بالثبات لقتال أعدائه وجهادهم
بالأمر بذكره، كما قال: ﴿إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً﴾ [الأنفال:
٤٥] وغيرها من الآيات والأحاديث الواردة في مواقف الجهاد .
١٤٥٢ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ
تعالَى عليه وعلى آله وسلَّمَ : «ما جلس قوْمٌ مَجْلساً يذكرون الله فيه إلا
حَفْهُمُ الملائكةُ وغشيتهُمُ الرَّحْمةُ وذكرهم اللهُ فيمَنْ عنده)). أَخْرجَهُ مُسْلمٌ .
(وعن أَبي هُریرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم: ((ما جلس قوْمٌ مَجْلساً يذكرون الله فيه إلا حَفْهُمُ الملائكةُ
وغشيتهُمُ الرَّحْمةُ وذكرهم اللهُ فيمَنْ عندهُ)). أَخْرِجَهُ مُسْلمٌ) : دل الحديث
على فضيلة مجالس الذكر والذاكرين وفضيلة الاجتماع على الذكر ، وأخرج
البخاري: ((إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر ؛ فإذا
وجدوا قوماً يذكرون الله تعالى ، تنادوا : هلموا إلى حاجتكم ، قال : فيحفونهم
بأجنحتهم إلى السماء الدنيا))، الحديث ، وهذا من فضائل مجالس الذكر؛
تحضرها الملائكة بعد التماسهم لها .
والمراد بالذكر هو التسبيح والتحميد وتلاوة القرآن ونحو ذلك ، وفي حديث البزار:
أنه تعالى يسأل ملائكته: ((ما يصنع العباد؟ - وهو أعلم بهم - فيقولون : يعظمون
آلاءك ويتلون كتابك ويصلون على نبيك ويسألونك لآخرتهم ودنياهم)).
٦٠٠