Indexed OCR Text
Pages 521-540
١٨ - كتاب الجامع ٣ - باب الزهد والورع ١٣٩١ - حديث المقدام بن معديكرب وقد ورد من الكلام النبوي شيء كثير في ذم الشبع ؛ فقد أخرج البزار بإسنادين - أحدهما رجاله ثقات - مرفوعاً بلفظ: ((أكثرهم شبعاً في الدنيا أكثرهم جوعاً يوم القيامة))، قاله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي جحيفة لمّا تجشأ، فقال: ((ما ملأت بطني منذ ثلاثين سنة))، وأخرج الطبراني بإسناد حسن: ((أهل الشبع في الدنيا هم أهل الجوع غداً في الآخرة)) ، زاد البيهقي : ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر))، وأخرج الطبراني بسند جيد: أنه صلى الله عليه وآله وسلم رأى رجلاً عظيم البطن ، فقال بأصبعه : ((لو كان في غير هذا لكان خيراً لك))، وأخرج البيهقي - واللفظ له ، وأخرجه الشيخان مختصراً -: (ليؤتين يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب؛ فلا يزن عند الله جناح بعوضة ، اقرأوا إن شئتم: ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً﴾)) [الكهف: ١٠٥]. وأخرج ابن أبي الدنيا: أنه ◌َّهُ أصابه جوع يوماً ، فعمد إلى حجر فوضعه على بطنه ، ثم قال: ((ألا ربّ نفس طاعمة ناعمة في الدنيا ، جائعة عارية يوم القيامة ، ألا ربِّ مكرم لنفسه وهو لها مهين ، ألا ربّ مهين لنفسه ، وهو لها مكرم))، وصح حديث: ((من الإسراف أن تأكل كل ما اشتهيت))، وأخرج البيهقي بإسناد فيه ابن لهيعة ، عن عائشة قالت : رآني النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أكلت في اليوم مرتين ، فقال: ((يا عائشة ! أما تحبين أن لا يكون لك شغل إلا جوفك؟ الأكل في اليوم مرتين من الإسراف ، والله لا يحب المسرفين))، وصح: ((كلوا واشربوا والبسوا في غير إسراف ، ولا مخيلة))، وأخرج ابن أبي الدنيا والطبراني في ((الأوسط)): ((سيكون رجال من ٥٢١ ١٨ - كتاب الجامع ٣ - باب الزهد والورع ١٣٩١ - حديث المقدام بن معديكرب أمتي يأكلون ألوان الطعام ، ويشربون ألوان الشراب ، ويلبسون ألوان الثياب ، ويتشدقون في الكلام ؛ فأولئك شرار أمتي)). وقال لقمان لابنه : يا بني! إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة ، وخرست الحكمة ، وقعدت الأعضاء عن العبادة ، وفي الخلو عن الطعام فوائد ، وفي الامتلاء مفاسد ، ففي الجوع صفاء القلب وإيقاد القريحة ونفاذ البصيرة ؛ فإن الشبع يورث البلادة ويعمي القلب ويكثر البخار في المعدة والدماغ كشبه السكر ، حتّى يحتوي على معادن الفكر ، فيثقل القلب بسببه عن الجريان في الأفكار . ومن فوائده كسر شهوة المعاصي كلها ، والاستيلاء على النفس الأمارة بالسوء ؛ فإن منشأ المعاصي كلها الشهوات والقوى ، ومادة القوى الشهوات ، والشهوات لا محالة الأطعمة ، فتقليلها يضعف كل شهوة وقوة ، وإنما السعادة كلها في أن يملك الرجل نفسه ، والشقاوة كلها في أن تملكه نفسه ، قال ذو النون : ما شبعت قط إلا عصيت ، أو هممت بمعصية . وقالت عائشة رضي الله عنها : أول بدعة حدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الشبع ؛ إن القوم لما شبعت بطونهم جمحت بهم نفوسهم إلى الدنيا ، ويقال : الجوع خزانة من خزائن الله ، وأول ما يندفع بالجوع شهوة الفرج وشهوة الكلام ؛ فإن الجائع لا تتحرّك عليه شهوة فضول الكلام فيتخلص من آفات اللسان ، ولا تتحرّك عليه شهوة الفرج فيتخلص من الوقوع في الحرام . ومن فوائده قلة النوم ؛ فإن من أكل كثيراً شرب كثيراً؛ فنام طويلاً ، وفي كثرة النوم خسران الدارين وفوات كل منفعة دينية ودنيوية . ٥٢٢ ١٨ - كتاب الجامع ٣ - باب الزهد والورع ١٣٩٢ - حديث أنس وعدّ الغزالي في («الإحياء)) عشر فوائد لتقليل الطعام ، وعدّ عشر مفاسد للتوسع منه ؛ فلا ينبغي للعبد أن يعوّد نفسه ذلك؛ فإنها تميل به إلى الشره ويصعب تداركها ، وليرضها من أول الأمر على السداد ؛ فإن ذلك أهون له من أن يجرئها على الفساد ، وهذا أمر لا يحتمل الإطالة؛ إذْ هو من الأمور التجريبية التي قد جربها كل إنسان ، والتجربة من أقسام البرهان . ١٣٩٢ - وعن أنس رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ : ((كلُّ بني آدم خطّاؤون وخَيْرُ الخطائين التّوابُون)». أَخْرجَهُ الترمذيُّ وابنُ ماجهْ ، وسندُهُ قوي . (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((كلُّ بني آدمَ خطّاؤون): أي: كثيرو الخطأ؛ إذْ هو صيغة مبالغة (وخير الخطّائين التّوَّابُون)) . أخرجه الترمذي وابن ماجه، وسنده قوي). والحديث دال على أنه لا يخلو من الخطيئة إنسان لما جبل عليه هذا النوع من الضعف وعدم الانقياد لمولاه في فعل ما إليه دعاه ، وترك ما عنه نهاه ؛ ولكنه تعالى بلطفه فتح باب التوبة لعباده ، وأخبر أن خير الخطّائين التوابون المكثرون للتوبة على قدر كثرة الخطأ ، وفي الأحاديث أدلة على أن العبد إذا عصى الله وتاب تاب الله عليه ، ولا يزال كذلك ولن يهلك على الله إلا هالك. وقد خص من هذا العموم يحيى بن زكريا عليه السلام ؛ فإنه قد ورد أنه ما همّ بخطيئة ، وروي أنه لقيه إبليس ومعه معاليق من كل شيء ، فسأله عنها فقال : هي الشهوات التي أصيب بها بني آدم . فقال : هل لي فيها شيء؟ قال : ربما شبعت فشغلناك عن الصلاة والذكر ، قال : هل غير ذلك؟ قال : لا قال : لله عليّ ٥٢٣ ١٨ - كتاب الجامع ٣ - باب الزهد والورع ١٣٩٣ - حديث أنس أن لا أملأ بطني من طعام أبداً ، فقال إبليس: لله عليّ أن لا أنصح مسلماً أبداً ! ١٣٩٣ - وعن أنس رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله صلَّى اللهُ تعالَى عليه وعلى آله وسلَّمَ : ((الصَّمْتُ حكمةٌ وقليلٌ فاعلُهُ)). أخرجهُ البيهقيُّ في ((الشعبٍ)) بسندٍ ضعيفٍ ، وصح أَنّهُ موقوفٌ من قوْل لُقْمانَ الحكيم عليه السّلامُ . (وعن أنس رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ((الصَّمْتُ حكمةٌ وقليلٌ فاعلُهُ)). أخرجهُ البيهقيُّ في ((الشعبِ)) بسندٍ ضعيف، وصح أَنّهُ موقوفٌ من قوْل لُقْمانَ الحكيم عليه السّلامُ) : وسببه أن لقمان دخل على داود عليهِ السَّلام فرآه يسرد درعاً لم يكن رآها قبل ذلك ، فجعل يتعجب مما رأى فأراد أن يسأله عن ذلك فمنعته حكمته عن ذلك ، فترك ، ولم يسأله ، فلما فرغ قام داود ولبسها ، ثم قال : نعم الدرع للحرب ! فقال لقمان : الصمت حكمة ... الحديث ، وقيل: تردد إليه سنة ، وهو یرید أن يعلم ذلك ، ولم يسأله . وفيه دليل على حسن الصمت ومدحه ، والمراد به عن فضول الكلام ، وقد وردت عدة أحاديث دالة على مدح الصمت ، ومدحه العقلاء والشعراء ، وفي الحديث: ((من صمت نجا))، وقال عقبة بن عامر: قلت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ما النجاة؟ قال: ((أمسك عليك لسانك))، الحديث، وقال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ((من تكفل لي بما بين لحييه ورجليه أتكفل له بالجنة))، وقال معاذ رضي الله عنه له صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : أنؤاخذ بما نقول؟ قال: ((ثكلتك أمك! وهل يكب الناس على مناخرهم ٥٢٤ ١٨ - كتاب الجامع ٣ - باب الزهد والورع ١٣٩٣ - حديث أنس إلا حصائد ألسنتهم؟!))، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليقل خيراً ، أو ليصمت))، والأحاديث فيه واسعة جداً والآثار عن السلف كذلك . واعلم أن فضول الكلام لا تنحصر؛ بل المهم محصور في كتاب الله تعالى حيث قال : ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾ [النساء: ١١٤]، وآفاته لا تنحصر؛ فعد منها الخوض في الباطل ، وهو الحكاية للمعاصي من مخالطة النساء ومجالس الخمر ومواقف الفساق وتنعم الأغنياء وتجبر الملوك ومراسمهم المذمومة وأحوالهم المكروهة ؛ فإن كل ذلك مما لا يحل الخوض فيه ؛ فهذا حرام ، ومنها الغيبة والنميمة ؛ وكفى بهما هلاكاً في الدين ! ومنها المراء والمجادلة والمزاح ، ومنها الخصومة والسب والفحش وبذاءة اللسان والاستهزاء بالناس والسخرية والكذب ، وقد عد الغزالي في ((الإحياء)) عشرين آفة ، وذكر في كل آفة كلاماً بسيطاً حسناً وذكر علاج هذه الآفات . ٥٢٥ ١٨ - كتاب الجامع ٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٣٩٤ - حديث أبي هريرة ٤ - باب التَّرْهيب من مساوئ الأخلاق ١٣٩٤ - عَنْ أَبي هُريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى اللهُ تعالَى عليه وعلى آله وسلَّمَ : ((إيّاكُم والحسد ؛ فإن الحسَد يأكُلُ الحسَنات كما تأكُلُ النارُ الحطبَ)). أَخرجهُ أَبو داود ، ولابن ماجَهْ من حديث أَنَس نحوُهُ . (عَنْ أَبي هُريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ((إيّاكُم والحسد ؛ فإن الحسَد يأكُلُ الحسنات كما تأكُلُ النارُ الحطبَ)). أَخرجهُ أَبو داود ، ولابن ماجَهْ من حديث أَنَس نحوُهُ) : إياكم : ضمير منصوب على التحذير والمحذر منه الحسد ، وفي الحسد أحاديث وآثار كثيرة ، ويقال : كان أول ذنب عصي الله به الحسد ؛ فإنه أمر إبليس بالسجود لآدم فحسده فامتنع عنه فعصى الله فطرده ، وتولد من طرده كل بلاء وفننة عليه وعلى العباد ، والحسد لا يكون إلا على نعمة ؛ فإذا أنعم الله على أخيك نعمة فلك فيها حالتان ؛ إحداهما : أن تكره تلك النعمة وتحب زوالها ، وهذه الحالة تسمى حسداً ، الثانية : أن لا تحب زوالها ، ولا تكره وجودها ودوامها له ولکنك تريد لنفسك مثلها ؛ فهذا يسمى غبطة ، فالأول حرام على كل حال إلا نعمة على كافر أو فاجر ، وهو يستعين بها على تهييج الفتنة وإفساد ذات البين وإيذاء العباد ، فهذه لا يضرك كراهتك لها ، ولا محبتك زوالها ؛ فإنك لم تحب زوالها ؛ من حيث هي نعمة ؛ بل من حيث هي آلة للفساد . ووجه تحريم الحسد مع ما علم من الأحاديث أنه تسخط لقدر الله تعالى وحكمته في تفضيل بعض عباده على بعض ؛ ولذا قيل : ٥٢٦ ١٨ - كتاب الجامع ٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٣٩٤ - حديث أبي هريرة ٠ أتدري على مَنْ أَسأت الأدب ألا قل لمن كان لي حاسداً لأنك لم ترض لي ما وهبه أَسأت على الله في فعله ثم الحاسد إن وقع له الخاطر بالحسد فدفعه وجاهد نفسه في دفعه ، فلا إثم عليه ؛ بل لعله مأجور في مدافعة نفسه ؛ فإن سعى في زوال نعمة المحسود فهو باغ ، وإن لم يسع ، ولم يظهره لمانع العجز؛ فإن كان بحيث لو أمكنه لفعل فهو مأزور ، وإلا فلا ؛ أي : لا وزر عليه لأنه لا يستطيع دفع الخواطر النفسانية فيكفيه في مجاهدتها أن لا يعمل بها ، ولا يعزم على العمل بها . وفي («الإحياء)»: فإن كان بحيث لو ألقي الأمر إليه ورد إلى اختياره لسعى في إزالة النعمة فهو حسود حسداً مذموماً ، وإن كان تزعه التقوى عن إزالة ذلك فیعفی عنه ما يجده في نفسه من ارتياحه إلى زوال النعمة من محسوده ، مهما کان کارهاً لذلك من نفسه بعقله ودینه ، وهذا التفصيل يشير إليه ما أخرجه عبد الرزاق مرفوعاً : ((ثلاث لا يسلم منهن أحد: الطيرة والظنّ والحسد))، قيل: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: ((إذا تطيرت، فلا ترجع، وإذا ظننت، فلا تحقق، وإذا حسدت ، فلا تبغ)) ، وأخرج أبو نعيم: ((كل ابن آدم حسود ، ولا يضر حاسداً حسده ما لم يتكلم باللسان ، أو يعمل باليد)»، وفي معناه أحاديث لا تخلو عن مقال . وفي ((الزواجر)) لابن حجر الهيتمي: إن الحسد مراتب؛ وهي إما محبة زوال نعمة الغير، وإن لم تنتقل إلى الحاسد؛ وهذا غاية الحسد ، أو مع انتقالها إليه ، أو انتقال مثلها إليه ، وإلا أحب زوالها لئلا يتميز عليه ، أو لا ، مع محبة زوالها ، ٥٢٧ ١٨ - كتاب الجامع ٤ - باب الترهيّب من مساوئ الأخلاق ١٣٩٤ - حديث أبي هريرة وهذا الأخير هو المعفوّ عنه من الحسد إن كان في الدنيا ، والمطلوب إن كان في الدين . انتهى، وهذا القسم الأخير يسمى غيرة ؛ فإن كان في الدين فهو المطلوب ، وعليه حمل ما رواه الشيخان من حديث ابن عمر : أنه قال : قال سول الله : «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار))، والمراد أنه يغار ممن اتصف بهاتين الصفتين ، فيقتدي به محبة للسلوك في هذا المسلك ، ولعل تسميته حسداً مجاز. والحديث دليل على تحريم الحسد ، وأنه من الكبائر، ونسبة الأكل إليه مجاز من باب الاستعارة، وقوله: ((كما تأكل النار الحطب))، تحقيق لذهاب الحسنات بالحسد ، كما يذهب الحطب بالنار ويتلاشى جرمه . واعلم أن دواء الحسد الذي يزيله عن القلب ، معرفة الحاسد أنه لا يضر بحسده المحسود في الدين ، ولا في الدنيا ، وأنه يعود وبال حسده عليه في الدارين ؛ إذْ لا تزول نعمة بحسد قط ، وإلا لم تبق لله نعمة على أحد ، حتّى نعمة الإيمان ؛ لأن الكفار يحبون زواله عن المؤمنين ؛ بل المحسود يتمتع بحسنات الحاسد لأنه مظلوم من جهة ، سيما إذا أطلق لسانه بالانتقاص والغيبة وهتك الستر، وغيرها من أنواع الإيذاء ، فيلقى الله مفلساً من الحسنات محروماً من نعمة الآخرة ، كما حرم من نعمة سلامة الصدر وسكون القلب والاطمئنان في الدنيا ؛ فإذا تأمل العاقل هذا عرف أنه جرّ لنفسه بالحسد كل غم ونكد في الدنيا والآخرة . ٥٢٨ ١٨ - كتاب الجامع ٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٣٩٥ - حديث أبي هريرة : ((ليس ١٣٩٥ - وَعَنْ أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: قَالَ رَسُولُ الله الشّديد بالصّرعةِ، إنما الشّديد الذي يملكُ نَفْسهُ عند الْغضَبِ)). متفقٌ عليه . (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَظ له): ((ليس الشديد بالصُرعةِ) : بضم الصاد المهملة وفتح الراء وبالعين المهملة ، على زنة همزة ، صيغة مبالغة ؛ أي : كثير الصرع (إنّما الشّديدُ الذي يملك نفسه عند الغَضَبِ)) . متفق عليه) . المراد بالشديد هنا : شدة القوّة المعنوية ، وهي مجاهدة النفس وإمساكها عند الشر، ومنازعتها للجوارح للانتقام ممن أغضبها ؛ فإن النفس في حكم الأعداء الكثيرين ، وغلبتها عما تشتهيه في حكم من هو شديد القوّة في غلبة الجماعة الکثیرین فیما يريدونه منه . ١ وفيه إشارة إلى أن مجاهدة النفس أشدّ من مجاهدة العدوّ؛ لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جعل الذي يملك نفسه عند الغضب أعظم الناس قوّة ، وحقيقة الغضب حركة النفس إلى خارج الجسد لإرادة الانتقام ، والحديث فيه إرشاد إلى أن من أغضبه أمر وأرادت النفس المبادرة إلى الانتقام ممن أغضبه ، أن يجاهدها ويمنعها عما طلبت . والغضب غريزة في الإنسان فمهما قصد ، أو نوزع في غرض ما اشتعلت نار الغضب وثارت ، حتّى يحمّر الوجه والعينان من الدم؛ لأن البشرة تحكي لون ما وراءها ، وهذا إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه ، وإن كان ممن فوقه ، تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب فيصفر اللون خوفاً ، وإن ٥٢٩ ١٨ - كتاب الجامع ٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٣٩٥ - حديث أبي هريرة كان على النظير تردّد الدم بين انقباض وانبساط فيحمرٌ ويصفرّ، والغضب يترتب عليه تغير الباطن والظاهر ، كتغير اللون والرعدة في الأطراف وخروج الأفعال على غير ترتيب ، واستحالة الخلقة ، حتّى لو رأى الغضبان نفسه في حالة غضبه لسكن غضبه حياء من قبح صورته واستحالة خلقته ، هذا في الظاهر، وأمّا في الباطن فقبحه أشدّ من الظاهر؛ لأنه يولد حقداً في القلب ، وإضمار السوء على اختلاف أنواعه ؛ بل قبح باطنه متقدم على تغير ظاهره ؛ فإن تغير الظاهر ثمرة تغير الباطن ، فيظهر على اللسان الفحش والشتم ، ويظهر في الأفعال بالضرب والقتل وغير ذلك من المفاسد . وقد ورد في الأحاديث دواء هذا الداء ، فأخرج ابن عساكر موقوفاً : الغضب من الشيطان والشيطان خلق من النار، والماء يطفئ النار؛ فإذا غضب أحدكم فليغتسل . وفي رواية : فليتوضأ ، وأخرج ابن أبي الدنيا: ((إذا غضب أحدكم فقال: أعوذ بالله، سكن غضبه))، وأخرج أحمد: ((إذا غضب أحدكم فليسكت))، وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان: ((إذا غضب أحدكم فليجلس ؛ فإذا ذهب عنه الغضب ، وإلا فليضطجع))، وأخرج أبو الشيخ: ((الغضب من الشيطان ؛ فإذا وجده أحد كم قائماً فليجلس ، وإن وجده جالساً فليضطجع)). والنهي متوجه إلى الغضب على غير الحق ، وقد بوب البخاري : باب ما يجوز من الغضب والشدّة لأمر الله ، وقد قال تعالى: ﴿جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ [التوبة: ٧٣ ، التحريم: ٩]، وذكر خمسة أحاديث في كل منها غضبه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في أسباب مختلفة ، راجعة إلى أن كل ذلك ٥٣٠ ١٨ - كتاب الجامع ٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٣٩٦ و١٣٩٧ - حديثا ابن عمر وجابر كان لأمر الله ، وإظهار الغضب فيه منه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ؛ ليكون أوكد ، وقد ذكر تعالى في موسى وغضبه لما عبد قومه العجل وقال : ﴿ولما سكت عن موسى الغضب﴾ [الأعراف: ١٥٤]. : ((الظَّلْمُ ١٣٩٦ - وعن ابن عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسولُ الله ظُلُماتٌ يومَ القيامة)) . متفق عليه . (وعن ابن عُمَرَ رضي الله عنهُمَا قال: قال رسولُ الله ◌َ ◌ّةِ: ((الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ القيامة)) . متفق عليه) . الحديث من أدلة تحريم الظلم ، وهو يشمل جميع أنواعه ، سواء كان في نفس ، أو مال ، أو عرض ؛ في حق مؤمن ، أو كافر ، أو فاسق ، والإخبار عنه بأنه ظلمات يوم القيامة فيه ثلاثة أقوال ؛ قيل : هو على ظاهره ؛ فيكون ظلمات على صاحبه لا يهتدي يوم القيامة سبيلاً ، حيث يسعى نور المؤمنين يوم القيامة بين أيديهم وبأيمانهم ، وقيل : إنه أريد بالظلمات الشدائد ، وبه فسر قوله تعالى : ﴿قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر﴾ [الأنعام: ٦٣]؛ أي: من شدائدهما، وقيل : إنه كناية عن النكال والعقوبات . ١٣٩٧ - وعن جابر رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله ◌َرُهِ: «اتّقُوا الظُّلم؛ فإن الظلم ظُلُمات يوم القيامة ، واتّقُوا الشُّحَّ؛ فإنه أَهلكَ مَنْ كانَ قبلكم» . أخرجهُ مُسلمٌ. (وعن جابر رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله ◌ِ ﴿ه: ((اتّقُوا الظُّلم؛ فإن الظلم ظُلُمات يوم القيامة، واتّقُوا الشُّحَّ؛ فإنه أَهلكَ مَنْ كانَ قبلَكم)». أَخرجهُ ٥٣١ ١٨ - كتاب الجامع ٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٣٩٧ - حديث جابر مُسلمٌ) : في الشح وفي التفرقة بينه وبين البخل أقوال ، فقيل في تفسير الشح : إنه أشدّ من البخل وأبلغ في المنع من البخل ، وقيل : هو البخل مع الحرص، وقيل : البخل في بعض الأمور والشح عام ، وقيل: البخل بالمال خاصة والشح بالمال والمعروف ، وقيل: الشح الحرص على ما ليس عنده والبخل بما عنده . وقوله : ((فإنه أهلك من كان قبلكم))، يحتمل أن يريد الهلاك الدنيوي المفسر بما بعده في تمام الحديث ، وهو قوله : ((حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم)) ، وهذا هلاك دنيوي ، والحامل لهم هو شحهم على حفظ . المال وجمعه ، وازدياده وصيانته عن ذهابه في النفقات ، فضموا إليه مال الغير صيانة له ، ولا يدرك مال الغير إلا بالحرب والعصبية المفضية إلى القتل واستحلال المحارم ، ويحتمل أن يراد به الهلاك الأخروي ؛ فإنه يتفرع عما اقترفوه من ارتكاب هذه المظالم ، والظاهر حمله على الأمرين . واعلم أن الأحاديث في ذمّ الشح والبخل كثيرة ، والآيات القرآنية كقوله تعالى: ﴿الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل﴾ [النساء: ٣٧] [الحديد: ٢٤]، ﴿ومن يبخل فإنَّما يبخل عن نفسه﴾ [محمد: ٣٨]، ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شر لهم﴾ [آل عمران: ١٨٠]، ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ [الحشر: ٩، التغابن: ١٦]، وفي الحديث: ((ثلاث مهلكات : شح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه)) . أخرجه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه زيادة، وفي الدعاء النبوي: ((اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ... )) إلى قوله: ((والبخل)) . أخرجه الشيخان ، وقال صلى الله ٥٣٢ ١٨ - كتاب الجامع ٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٣٩٧ - حديث جابر تعالى عليه وعلى آله وسلم: ((شر ما في الرجل شح هالع، وجبن خالع)). أخرجه البخاري في ((التاريخ)) وأبو داود عن أبي هريرة مرفوعاً ، والآثار فيه كثيرة . فإن قلت : وما حقيقة البخل المذموم؟ وما من أحد إلا وهو يرى نفسه أنه غير بخيل ، ويرى غيره بخيلاً ، وربما صدر فعل من إنسان فاختلف فيه الناس ، فيقول جماعة : إنه بخيل ويقول آخرون: ليس بخيلاً، فماذا حدّ البخل الذي يوجب الهلاك ، وما حدّ البذل الّذي يستحق العبد به صفة السخاوة وثوابها؟ قلت : السخاء : هو أن يؤدي ما أوجب الله علیه ، والواجب واجبان : واجب الشرع ؛ وهو ما فرضه الله تعالى من الزكاة والنفقات لمن يجب عليه إنفاقه وغير ذلك ، وواجب المروءة والعادة، والسخي هو الذي لا يمنع واجب الشرع ، ولا واجب المروءة ؛ فإن منع واحداً منهما فهو بخيل ، لكن الذي يمنع واجب الشرع أبخل ، فمن أعطى زكاة ماله مثلاً ونفقة عياله بطيبة نفسه ، ولا يتيمم الخبيث من ماله في حق الله ، فهو سخيّ، والسخاء في المروءة أن يترك المضايقة والاستقصاء في المقرات؛ فإن ذلك مستقبح ، ويختلف استقباحه باختلاف الأحوال والأشخاص، وتفصيله يطول؛ فمن أراد استيفاء ذلك راجع ((الإحياء)) للغزالي رحمه الله . واعلم أن البخل داء له دواء ، وما أنزل الله من داء إلا وله دواء ، وداء البخل سببه أمران : الأول : حب الشهوات التي لا يتوصل إليها إلا بالمال وطول الأمل ، والثاني : حب ذات المال والشغف به وببقائه لدیه ؛ فإن الدنانیر مثلاً رسول تنال به الحاجات والشهوات ، فهو محبوب لذلك ، ثم صار محبوباً لنفسه ؛ لأن ٥٣٣ ١٨ - كتاب الجامع ٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٣٩٨ - حديث محمود بن لبيد الموصل إلى اللذات لذيذ ؛ فقد ينسى الحاجات والشهوات وتصير الدنانير عنده هي المحبوبة ، وهذا غاية الضلال ؛ فإنه لا فرق بين الحجر وبين الذهب إلا من حيث إنه تقضى به الحاجات ؛ فهذا سبب حب المال ، ويتفرع منه الشح . وعلاجه بضده ؛ فعلاج الشهوات القناعة باليسير وبالصبر، وعلاج طول الأمل الإكثار من ذكر الموت وذكر موت الأقران والنظر في ذكر طول تعبهم في جمع المال ، ثم ضياعه بعدهم وعدم نفعه لهم . وقد يشح بالمال شفقة على من بعده من الأولاد ، وعلاجه أن يعلم أن الله هو الذي خلقهم فهو يرزقهم وينظر في نفسه ؛ فإنه ربما لم يخلف له أبوه فلساً ، ثم ينظر ما أعدّ الله عزَّ وَجَلَّ لمن ترك الشحّ وبذل من ماله في مرضاة الله ، وينظر في الآيات القرآنية الحاثة على الجود المانعة عن البخل ، ثم ينظر في عواقب البخل في الدنيا؛ فإنه لا بدّ لجامع المال من آفات تخرجه على رغم أنفه ، فالسخاء خير كله ما لم يخرج إلى حدّ الإسراف المنهي عنه ، وقد أدّب الله عباده أحسن الآداب ، فقال: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً﴾ [الفرقان: ٦٧]؛ فخيار الأمور أوسطها . وخلاصته أنه إذا وجد العبد المال أنفقه في وجوه المعروف بالتي هي أحسن ، ويكون بما عند الله أوثق منه بما هو لديه ، وإن لم يكن لديه مال لزم القناعة والتكفف وعدم الطمع . ١٣٩٨ - وعن محمود بن لَبِيد رضي الله عنه قال: قال رَسُولُ الله ◌َِّةٍ: ((إِنَّ أخوَفَ ما أخَافُ عَلَيْكُم الشِّرِكُ الأَصْغرُ: الرِّيَاءُ)) . أخرجه أحمد بإسناد حسن . ٠ ٥٣٤ ٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٣٩٨ - حديث محمود بن لبيد ١٨ - كتاب الجامع (وعن محمود بن لبيد رضي الله عنه): هو محمود بن لبيد الأنصاري الأشهلي ، ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وحدث عنه أحاديث ، قال البخاري : له صحبة ، وقال أبو حاتم : لا تعرف له صحبة ، وذكره مسلم في التابعين ، قال ابن عبد البر: الصواب قول البخاري ، وهو أحد العلماء ، : ((إن أخوف ما أخاف مات سنة ست وتسعين (قال: قال رسول الله عَّ عليكم الشرك الأصغر): كأنه قيل: ما هو؟ فقال ﴿ (الرياء)). أخرجه أحمد بإسناد حسن) : الرياء : مصدر راءى ، ومصدره يأتي على بناء مفاعلة وفعال ، وهو مهموز العين لأنه من الرؤية ، ويجوز تخفيفها بقلبها ياء ، وحقيقته لغة : أن يُري غيره خلاف ما هو عليه ، وشرعاً : أن يفعل الطاعة ويترك المعصية مع ملاحظة غير الله ، أو يخبر بها ، أو يحب أن يطلع عليها لمقصد دنيوي من مال ، أو نحوه . وقد ذمه الله في كتابه وجعله من صفات المنافقين في قوله : ﴿يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً﴾ [النساء: ١٤٢]، وقال: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال : ﴿فويل للمصلين﴾ - إلى قوله - ﴿الذين هم يراءون﴾ [الماعون: ٤ -٦]، وورد فیه من الأحاديث الكثيرة الطيبة الدالة على عظمة عقاب المرائي ؛ فإنه في الحقيقة عابد لغير الله ، وفي الحديث القدسي: ((يقول الله تعالى: من عمل عملاً أشرك فيه غيري فهو له كله وأنا عنه بريء، وأنا أغنى الأغنياء عن الشرك)). واعلم أن الرياء يكون بالبدن ؛ وذلك بإظهار النحول والاصفرار؛ ليوهم بذلك شدة الاجتهاد والحزن على أمر الدين وخوف الآخرة ، وليدل بالنحول على قلة ٥٣٥ ١٨ - كتاب الجامع ٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٣٩٨ - حديث محمود بن لبيد الأكل ، وبتشعث الشعر ودرن الثوب يوهم أن همه بالدين ألهاه عن ذلك ؛ وأنواع هذا واسعة ، وهو معنى أنه من أهل الدين . ويكون في القول بالوعظ في المواقف ، ويذكر حكايات الصالحين ليدل على عنايته بأخبار السلف وتبحره في العلم ، ويتأسف على مقارفة الناس للمعاصي ، والتأوه من ذلك ، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ، بحضرة الناس . والرياء بالقول لا تنحصر أبوابه ، وقد تكون المراءاة بالأصحاب والأتباع والتلاميذ ، فيقال : فلان متبوع قدوة ، والرياء باب واسع . إذا عرفت ذلك فبعض أبواب الرياء أعظم من بعض لاختلافه باختلاف أركانه ، وهي ثلاثة : المراءى به ، والمراءى لأجله ، ونفس قصد الرياء ؛ فقصد الرياء لا يخلو من أن يكون مجرداً عن قصد الثواب ، أو مصحوباً بإرادته ؛ والمصحوب بإرادة الثواب لا يخلو عن أن تكون إرادة الثواب أرجح ، أو أضعف ، أو مساوية ؛ فكانت أربع صور . الأولى : أن لا يكون قصد الثواب؛ بل فعل الصلاة مثلاً ليراه غيره ، وإذا انفرد لا يفعلها ، وأخرج الصدقة لئلا يقال : إنه بخيل ، وهذا أغلظ أنواع الرياء وأخبثها ، وهو عبادة للعباد . الثانية : قصد الثواب لكن قصداً ضعيفاً بحيث إنه لا يحمله على الفعل إلا مراءاة العباد ، ولكنه قصد الثواب ؛ فهذا كالذي قبله . الثالثة : تساوى القصدان بحيث لم يبعثه على الفعل إلا مجموعهما ، ولو خلي عن كل واحد منهما لم يفعله ؛ فهذا تساوى صلاح قصده وفساده ؛ فلعله يخرج رأساً برأس ؛ لا له ، ولا عليه . ٥٣٦ ١٨ - كتاب الجامع ٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٣٩٨ - حديث محمود بن لبيد الرابعة : أن یکون اطلاع الناس مرجحاً ، أو مقوياً لنشاطه ، ولو لم یکن لما ترك العبادة . قال الغزالي : والذي نظنه - والعلم عند الله - أنه لا يحبط أصل الثواب، ولكنه ينقص ويعاقب على مقدار قصد الرياء ، ويثاب على مقدار قصد الثواب ، وحديث: ((أنا أغنى الأغنياء عن الشرك))، محمول على ما إذا تساوى القصدان ، أو أن قصد الرياء أرجح ، وأمّا المراءى به ، وهو الطاعات فيقسم إلى الرياء بأصول العبادات وإلى الرياء بأوصافها ، وهو ثلاث درجات: الرياء بالإيمان ؛ وهو إظهار كلمة الشهادة وباطنه مكذب ؛ فهو مخلد في النار في الدرك الأسفل منها ، وفي هؤلاء أنزل الله تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله﴾، الآية [المنافقون: ١]، وقريب منهم الباطنية الذين يظهرون الموافقة في الاعتقاد ويبطنون خلافه ، ومنهم الرافضة أهل التقية الذين يظهرون لكل فريق أنهم منهم ؛ تقية ، والرياء بالعبادات كما قدّمناه ، وهذا إذا كان الرياء في أصل المقصد ، وأمّا إذا عرض الرياء بعد الفراغ من فعل العبادة لم يؤثر فيه ، إلا إذا ظهر العمل للغير وتحدث به . وقد أخرج الديلمي مرفوعاً: ((إن الرجل ليعمل عملاً سراً فيكتبه الله عنده سراً؛ فلا يزال به الشيطان ، حتّى يتكلم به فيمحى من السر ويكتب علانية ؛ فإن عاد تكلم الثانية محي من السر والعلانية وکتب رياء)) . وأما إذا قارن باعث الرياء باعث العبادة ، ثم ندم في أثناء العبادة ، فأوجب البعض من العلماء الاستئناف لعدم انعقادها . ٥٣٧ ١٨ - كتاب الجامع ٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٣٩٨ - حديث محمود بن لبيد وقال بعضهم : يلغو جميع ما فعله إلا التحريم ، وقال بعض : يصح لأن النظر إلى الخواتم ؛ كما لو ابتدأ بالإخلاص وصحبه الرياء من بعده ؛ قال الغزالي : والقولان الآخران خارجان عن قياس الفقه . وقد أخرج الواحدي في ((أسباب النزول)) جواب جندب بن زهير ، لما قال للنبي ﴿: إني أعمل العمل لله، وإذا اطلع عليه سرني؟ فقال ◌َ له: ((لا شريك الله في عبادته))، وفي رواية: ((إن الله لا يقبل ما شورك فيه)). رواه ابن عباس، وروي عن مجاهد أنه جاء رجل إلى النبي ﴿ فقال : إني أتصدق وأصل الرحم ، ولا أصنع ذلك إلا لله فيذكر ذلك مني فيسرني وأعجب به؟ فلم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم له شيئاً ، حتّى نزلت الآية ؛ يعني قوله تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً﴾ [الكهف: ١١٠] . ففي الحديث دلالة على أن السرور بالاطلاع على العمل رياء ، ولكنه يعارضه ما أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة - وقال : حديث غريب - قال : قلت : يا رسول الله! بينا أنا في بيتي في صلاتي؛ إذْ دخل عليّ رجل فأعجبني الحال التي رآني عليها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لك أجران))، وفي ((الكشاف)) من حديث جندب : أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال له: ((لك أجران: أجر السر وأجر العلانية))، وقد يرجح هذا الظاهر قوله تعالى : ﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول﴾ [التوبة: ٩٩]؛ فدل على أن محبة الثناء من رسول الله صلى ٥٣٨ ١٨ - كتاب الجامع ٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٣٩٩ - حديث أبي هريرة الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا تنافي الإخلاص ، ولا تعدّ من الرياء . ويتأول الحديث الأول بأن المراد بقوله : إذا اطلع عليه سرني ، لمحبته للثناء عليه ؛ فيكون الرياء في محبته للثناء على العمل ، وإن لم يخرج العمل عن كونه خالصاً ، وحديث أبي هريرة ليس فيه تعرّض لمحبة الثناء من المطلع عليه ، وإنما هو مجرد محبة لما يصدر عنه وعلم به غيره . ويحتمل أن يراد بقوله فيعجبه ؛ أي : يعجبه شهادة الناس له بالعمل الصالح ؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنتم شهداء الله في الأرض))، وقال الغزالي : أما مجرّد السرور باطلاع الناس إذا لم يبلغ أمره بحيث يؤثر في العمل فبعيد أن يفسد العبادة . ١٣٩٩ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ : ((آيةُ المنافقِ ثلاثٌ : إذا حَدَّثَ كَذَبَ ، وإذا وَعدَ أَخلفَ ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ» . مُتّفقٌ عَلیه . (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((آية المنافق): أي: علامة نفاقه (ثلاثٌ: إذا حَدّثَ كذب ، وإذا وعد أَخلفَ ، وإذا اؤتمن خان)) . متفق عليه) . وقد ثبت عند الشيخين من حديث عبد الله بن عمر رابعة وهي: ((وإذا خاصَمَ فَجَرَ)) ، والمنافق من يظهر الإيمان ويبطن الكفر . وفي الحديث دليل على أن من كانت فيه خصلة من هذه كانت فيه خصلة ٥٣٩ ١٨ - كتاب الجامع ٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٣٩٩ - حديث أبي هريرة من النفاق ؛ فإن كانت فيه هذه كلها فهو منافق ، وإن كان موقناً مصدّقاً بشرائع الإسلام . وقد استشكل الحديث بأن هذه الخصال قد توجد في المؤمن المصدّق القائم بشرائع الدين ، ولما كان كذلك اختلف العلماء في معناه ؛ قال النووي : قال المحققون والأكثرون - وهو الصحيح المختار -: إن هذه الخصال هي خصال المنافقين ؛ فإذا اتصف بها أحد من المصدّقين أشبه المنافق فيطلق عليه اسم النفاق مجازاً ؛ فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه ، وهو موجود في صاحب هذه الخصال ، ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وأتمنه وخاصمه وعاهده من الناس ؛ لا أنه منافق في الإسلام ، وهو يبطن الكفر ؛ وقيل : إنَّ هذا كان في حق المنافقين الذين كانوا في أيامه ﴿؛ تحدّثوا بإيمانهم فكذبوا ، وأتمنوا على رسلهم فخانوا ، ووعدوا في الدين بالنصر فغدروا وأخلفوا ، وفجروا في خصوماتهم؛ وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ، ورجْع إليه الحسن بعد أن كان على خلافه ، وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر، وروياه عن النبي ◌َّةٍ . قال القاضي عياض : وإليه مال كثير من الفقهاء . وقال الخطابي عن بعضهم : إنه ورد الحديث في رجل معين ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يواجههم بصريح القول ، فيقول : فلان منافق وإنما يشير إشارة ، وحكى الخطابي أن معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال ، التي يخاف عليه منها أن تفضي به إلى حقيقة النفاق ، وأيد هذا القول بقصة ثعلبة الذي قال فيه تعالى : ﴿فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما ٥٤٠