Indexed OCR Text
Pages 461-480
١٨ - كتاب الجامع ١ - باب الأدب ١٣٥٧ - حديث ابن عمر ١٣٥٧ - وعن ابن عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: قالَ رسول الله عَلِ: ((لا يُقيمُ الرَّجلُ الرَّجل منْ مجلسهِ ، ثم يجلس فيه، ولكن تفسّحُوا وتوسّعوا)). متّفقٌ عَليهِ . (وعن ابن عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: قالَ رسول الله ◌َ ◌ُ: ((لا يُقيمُ الرَّجلُ الرَّجل منْ مجلسهِ، ثم يجلس فيه، ولكن تفسّحُوا وتوسّعوا)). متّفقٌ عَليهِ): وفي لفظ لمسلم: ((لا يقيمن))؛ بصيغة النهي ، مؤكداً لفظ الخبر في هذا الحديث الذي أتى به المصنف في معنى النهي . وظاهره التحريم ، فمن سبق إلى موضع مباح من مسجد أو غيره لصلاة أو غيرها من الطاعات ، فهو أحق به ، ويحرم على غيره أن يقيمه منه ، إلا أنه قد أفاد حديث : ((من قام من مجلسه ، ثم رجع إليه فهو أحق به)) - أخرجه مسلم - أنه إذا كان قد سبق فيه حق لأحد بقعوده فيه من مصل ، أو غيره ، ثم فارقه لأي حاجة ، ثم عاد ، وقد قعد فيه أحد ، أن له أن يُقيمَه منه ؛ وإلى هذا ذهب الهادوية والشافعية وقالوا : لا فرق في المسجد بين أن يقوم ويترك فيه سجادة ، أو نحوها ، أو لا ؛ فإنه أحق به ، قالوا : وإنما يكون أحق به في تلك الصلاة وحدها دون غيرها . والحديث يشمل من قعد في موضع مخصوص لتجارة ، أو حرفة ، أو غیرهما ، قالوا : وكذلك من اعتاد في المسجد محلاً يدرس فيه فهو أحق به ، قال المهدي : إلى العشي . وقال الغزالي : إلى الأبد ما لم يضرب عنه . ٤٦١ ١٨ - كتاب الجامع ١ - باب الأدب ١٣٥٨ ۔ حديث ابن عباس وأما إذا قام القاعد من محله لغيره فظاهر الحديث جوازه ، وروي عن ابن عمر : أنه كان إذا قام له الرجل من مجلسه لا يقعد فيه ، وحمل على أنه تركه تورعاً؛ لجواز أنه قام له حياء من غير طيبة نفس . ١٣٥٨ - وعن ابن عبّاس رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ تعَالى عليه وعلى آله وسلَّمَ: ((إذا أكل أحدكم طعاماً، فلا يمسح يَدَهُ، حتّى يلعقَهَا، أو يُلعقها)). مُتّفقٌ عليه . (وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ((إذا أكل أحد كُمْ طعاماً، فلا يمسح يده، حتّى يلعقها): بنفسه (أو يُلْعقها))): غيره ؛ الأوّل بفتح حرف المضارعة من لعق ، والثاني بضمه من ألعق (متفق عليه) . والحديث دليل على عدم تعيين غسل اليد من الطعام ، وأنه يجزئ مسحها ، وفيه دليل على أنه يجب لعق اليد ، أو إلعاقها الغير؛ وعلله في الحديث بأنه لا يدري في أي طعامه البركة، كما أخرجه مسلم: أنه تَُّ أمر بلعق الأصابع والصحفة ، وقال: ((إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة))، وكذلك أمر صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالتقاط اللقمة ومسحها وأكلها ، كما في رواية لمسلم أيضاً بلفظ: ((إذا وقعت لقمة أحدكم فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ، ولا يدعها للشيطان)» . وهذه الأمور من اللعق والإلعاق ، ولعق الصحفة وأكل ما يسقط ، ظاهر الأوامر وجوبها ، وإلى هذا ذهب أبو محمد بن حزم ، وقال : إنها فرض . ٤٦٢ ١٨ - كتاب الجامع ١ - باب الأدب ١٣٥٩ - حديث أبي هريرة والبركة : هي النماء والزيادة وثبوت الخير ، والمراد هنا : ما يحصل به التغذية وتسلم عاقبته من أذى ، ويقوي على طاعة الله وغير ذلك ؛ وهذه البركة قد تكون في لعق يده ، أو لعق الصحفة ، أو أكل ما يسقط من لقمة ، وإن كان علل أكل الساقط بأنه لا يدعها للشيطان . والمراد من قوله: ((يده))، هو أصابع يده الثلاث ، كما ورد أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يأكل بثلاث أصابع ، ولا يزيد الرابعة والخامسة إلا إذا احتاجهما بأن يكون الطعام غير مشتد ونحوه ، وقد أخرج سعيد بن منصور: أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أكل أكل بخمس ، وهو مرسل ، وفيه دلالة على أنه لا بأس بإلعاق الغير أصابعه ؛ من زوجة ، أو خادم وولد وغيرهم؛ فإن تنجست اللقمة الساقطة فيزيل ما فيها من نجاسة إن أمكن ، وإلا أطعمها حيواناً ، ولا يدعها للشيطان ، كما ذكره النووي بناءً على جواز إطعام المتنجس ، وعليه إجماع الأمة فعلاً خلفاً عن سلف ، وتقدم الكلام في ذلك . ١٣٥٩ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله عَ ◌ّةٍ: ((ليسلِّم الصغير على الكبير، والمارُّ على القاعدِ ، والقليلُ على الكثير)). مُتّفقٌ عليه، وفي رواية لمسلم: ((والرَّاكب على الماشي)). (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله ◌َّةٍ: «ليسلِّم الصغير على الكبير ، والمارُّ على القاعد ، والقليلُ على الكثير)). مُتّفقٌ عليه، وفي رواية لمسلم): من رواية أبي هريرة ((والرَّاكب على الماشي))). بل هو في البخاري ، وقال المصنف: إنه لم يقع تسليم الصغير على الكبير ٤٦٣ ١٨ - كتاب الجامع ١ - باب الأدب ١٣٥٩ - حديث أبي هريرة في ((صحيح مسلم)) ؛ فيشكل جعل الحديث من المتفق عليه . وظاهر الأمر الوجوب ، وقال المازري : إنه للندب؟ قال : فلو ترك المأمور بالابتداء فبدأ الآخر كان المأمور تاركاً للمستحب ، والآخر فاعلاً للسنّة . قلت : والأصل في الأمر الوجوب، وكأنه صرفه عنه الاتفاق على عدم وجوب البداءة بالسلام . والحديث فيه شرعية ابتداء السلام من الصغير على الكبير ، قال ابن بطال عن المهلب : وإنما شرع للصغير أن يبتدئ الكبير؛ لأجل حق الكبير ، ولأنه أمر بتوقيره والتواضع له ، ولو تعارض الصغر المعنوي والحسي - كأن يكون الأصغر أعلم مثلاً -، قال المصنف: لم أرَ فيه نقلاً ، والذي يظهر اعتبار السن؛ لأن الظاهر تقديم الحقيقة على المجاز. وفيه شرعية ابتداء المارّ بالسلام للقاعد ، قال المازري : لأنه قد يتوقع القاعد منه الشر، ولا سيما إذا كان راكباً ؛ فإذا ابتدأه بالسلام . أمن منه وأنس إليه ، أو لأن في التصرف في الحاجات امتهاناً ، فصار للقاعد مزية ، فأمر المارّ بالابتداء، أو لأن القاعد يشق عليه مراعاة المارّين من كثرتهم ، فسقطت البداءة عنه ؛ للمشقة عليه . وفيه شرعية ابتداء القليل بالسلام على الكثير، وذلك ؛ لفضيلة الجماعة ، أو لأن الجماعة لو ابتدأوا، لخيف على الواحد الزهو فاحتيط له ، فلو مر جمع كثير على جمع قليل ، أو مر الكبير على الصغير ، قال المصنف : لم أرَ فيه نصاً، واعتبر النووي المرور ، فقال: الوارد يبدأ سواء كان صغيراً، أو كبيراً . ٤٦٤ ١٨ - كتاب الجامع ١ - باب الأدب ١٣٥٩ - حديث أبي هريرة وذكر الماوردي : أن من مشى في الشوارع المطروقة ، كالسوق ، أنه لا يسلم إلا على البعض ؛ لأنه لو سلم على كل من لقي ، لتشاغل به عن المهم الذي خرج ؛ لأجله ، وخرج به عن العرف . وفيه شرعية ابتداء الراكب على الماشي ، وذلك ؛ لأن للراكب مزية على الماشي ؛ فعوّض الماشي بأن يبدأ الراكب بالسلام؛ احتياطاً على الراكب من الزهو ، لو حاز الفضيلتين ، وأمّا إذا تلاقى راكبان ، أو ماشيان ، فقد تكلم فيها المازري فقال : يبدأ الأدنى منهما على الأعلى قدراً في الدين ؛ إجلالاً لفضله ؛ لأن فضيلة الدين مرغب فيها في الشرع ، وعلى هذا لو التقى راكبان ، ومركوب أحدهما أعلى في الجنس من مركوب الآخر؛ كالجمل والفرس ، فيبدأ راكب الفرس ، أو يكتفى بالنظر إلى أعلاهما قدراً في الدين ؛ فيبدأ الذي هو أدنى الذي هو فوقه ، والثاني أظهر، كما لا ينظر إلى من يكون أعلاهما قدراً من جهة الدنيا ، إلا أن يكون سلطاناً يخشى منه . وإذا تساوى المتلاقيان من كل جهة ، فكل منهما مأمور بالابتداء ، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ، كما ثبت في حديث المتهاجرين ، وقد أخرج البخاري في ((الأدب المفرد)) بسند صحيح من حديث جابر: ((الماشيان إذا اجتمعا، فأيهما بدأ بالسلام، فهو أفضل))، وأخرج الطبراني بسند صحيح عن الأغرّ المزني قال : قال لي أبو بكر: لا يسبقك أحد بالسلام . وأخرج الترمذي من حديث أبي أمامة مرفوعاً : ((إن أولى الناس بالله من بدأ بالسلام))، وقال: حسن ، والطبراني في حديث: قلنا: يا رسول الله! إنا نلتقي فأينا يبدأ بالسلام؟ قال: ((أطوعكم الله تعالى)). ٤٦٥ ١٨ - كتاب الجامع ١ - باب الأدب ١٣٦٠ - حديث علي ١٣٦٠ - وعن علي رضي الله عنه قالَ: قال رسولُ الله عَ زُولُ: ((يجزئ عن الجماعة ، إذا مَرُّوا أَن يُسلمَ أَحدهمْ، ويجزئُ عَن الجماعة أَن يَرُدَّ أحدهم)). رواهُ أَحمدُ والبيهقيُّ . (وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ◌َرُهُ: ((يجزئُ عن الجماعة ، إذا مَرُّوا أَن يُسلمَ أَحدهمْ ، ويجزئُ عَن الجماعة أَن يَرُدَّ أحدهم)). رواهُ أَحمدُ والبيهقيُّ) : فيه أنه يجزئ تسليم الواحد عن الجماعة ابتداء ورداً ؛ قال النووي : یستثنى من عموم ابتداء السلام من كان يأكل ، أو يشرب ، أو يجامع ، أو كان في الخلاء، أو في الحمام، أو نائماً، أو ناعساً، أو مصلياً ، أو مؤذناً ، ما دام متلبساً بشيء مما ذكر ، إلا أن السلام على من كان في الحمام إنما كره ، إذا لم يكن عليه إزار؛ وإلا فلا كراهة . وأما السلام حال الخطبة في الجمعة فيكره؛ للأمر بالإنصات ، فلو سلم ، لم يجب الرد عليه ، عند من قال : الإنصات واجب ، ويجب عند من قال: إنه سنة ، وعلى الوجهین لا ينبغي أن يرد أكثر من واحد . وأما المشتغل بقراءة القرآن ، فقال الواحدي : الأولى ترك السلام عليه ؛ فإن سلم، كفاه الردّ بالإشارة ، وإن ردّ لفظاً ، استأنف الاستعاذة وقرأ؛ قال النووي : فيه نظر ، والظاهر أنه یشرع السلام علیه ، ويجب عليه الرد . ويندب السلام على من دخل بيتاً ليس فيه أحد ؛ لقوله تعالى : ﴿فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم﴾ [النور: ٦١]، وأخرج البخاري في ((الأدب المفرد)) وابن أبي شيبة - بإسناد حسن - عن ابن عمر رضي الله عنه : يستحب ٤٦٦ ١٨ - كتاب الجامع ١ - باب الأدب ١٣٦١ - حديث أبي هريرة إذا لم يكن في البيت أحد أن يقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . . وأخرج الطبراني عن ابن عباس نحوه . فإن ظن المارّ أنه إذا سلم على القاعد لا يرد عليه ، فإنه يترك ظنه ويسلم ، فلعل ظنه يخطئ ! فإنه إن لم يرد عليه سلامه ، ردت عليه الملائكة ، كما ورد ذلك ، وأمّا من قال : لا يسلم على من ظن أنه لا يرد عليه ؛ لأنه يكون سبباً لتأثيم الآخر ، فهو كلام غير صحيح ؛ لأن المأمورات الشرعية لا تترك بمثل هذا؛ ذكر معناه النووي . وقال ابن دقيق العيد: لا ينبغي أن يسلم عليه ؛ لأن توريط المسلم في المعصية أشدّ من مصلحة السلام عليه ، وامتثال حديث الأمر بالإفشاء يحصل مع غير هذا؛ فإن قيل : هل يحسن أن يقول : رُدّ السلام؛ فإنه واجب؟ قيل : نعم؛ فإنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فيجب ؛ فإن لم يجب ، حسن أن يحلله من حق الرد . ١٣٦١ - وعن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله عَليهِ: ((لا تبدأوا اليهودَ والنصارى بالسّلام، وإذا لقيتموهمْ في طريق ، فاضطروهمْ إلى أضیقه)) . أخرجه مسلمٌ . (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله عَ انٍ: ((لا تبدأوا اليهودَ والنصارى بالسّلام، وإذا لقيتموهمْ في طريق ، فاضطروهمْ إلى أضيقه)). أخرجهُ مسلمٌ): ذهب الأكثر إلى أنه لا يجوز ابتداء اليهود والنصارى بالسلام ، وهو الذي دل عليه الحديث؛ إذْ أصل النهي التحريم ، وحكي عن ٤٦٧ ١٨ - كتاب الجامع ١ - باب الأدب ١٣٦١ - حديث أبي هريرة بعض الشافعية أنه يجوز الابتداء لهم بالسلام ، ولكن يقتصر على قول : السلام علیکم ، وروي ذلك عن ابن عباس وغيره ، وحكى القاضي عياض عن جماعة جواز ذلك ، لكن للضرورة والحاجة ، وبه قال علقمة والأوزاعي . ومن قال : لا يجوز؛ يقول : إن سلم على ذمي ظنه مسلماً ، ثم بان له أنه يهودي ، فينبغي أن يقول له : رد عليّ سلامي ، وروي عن ابن عمر أنه فعل ذلك ، والغرض منه أن يوحشه ، ويظهر له أنه ليس بينهما ألفة ، وعن مالك : أنه لا يستحب أن يسترده ، واختاره ابن العربي . فإن ابتدأ الذمي مسلماً بالسلام، ففي ((الصحيحين)) عن أنس مرفوعاً: ((إذا سلم عليكم أهل الكتاب ، فقولوا: وعليكم))، وفي ((صحيح البخاري)) عن ابن عمر: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إذا سلم عليكم اليهود ، فإنما يقول أحدهم: السام عليكم، فقل: وعليك))، وإلى هذه الرواية بإثبات الواو ذهب طائفة من العلماء ، واختار بعضهم حذف الواو؛ لئلا يقتضي التشریك ، وقد قدمنا ذلك ، وما ثبت به النص أولى بالاتباع . وقال الخطابي : عامة المحدثين يروون هذا الحرف : ((وعليكم) بالواو ، وكان ابن عيينة يرويه بغير الواو ، وقال الخطابي : وهذا هو الصواب . قلت : وحيث ثبتت الرواية بالواو وغيرها ، فالوجهان جائزان ، وفي قوله : ((فقولوا: وعليكم)) و ((فقل: وعليك))، ما يدل على إيجاب الجواب عليهم في السلام ؛ وإليه ذهب عامة العلماء ، ويروى عن آخرين أنه لا يرد عليهم ، والحديث يدقع ما قالوه . ٤٦٨ ١٨ - كتاب الجامع ١ - باب الأدب ١٣٦٢ و١٣٦٣ - حديثا أبي هريرة وفي قوله : ((فاضطروهم إلى أضيقه))، دليل على وجوب ردهم عن وسط الطرقات إلى أضيقها ، وتقدم فيه الكلام . قال : «إذا عطس أحَدُکم فلیقل : الحمد لله ، ١٦٦٢ - وعنهُ عن النبي وليَقلْ لَهُ أَخُوهُ: يرحمك اللهُ؛ فإذا قالَ : يرحمك اللهُ ، فليقل : يهديكم الله ويصلح بالَكُم)) . أخرجه البخاريُّ. قال : ((إذا (وعنه) : أي: عن أبي هريرة رضي الله عنه (عن النبي ثَ عطس أَحَدُكم فليقل: الحمد لله ، وليَقلْ لهُ أَخُوهُ: يرحمك اللهُ ؛ فإذا قالَ : يرحمك اللهُ، فليقل: يهديكم الله ويصلح بالَكُم)). أخرجه البُخاريُّ) . تقدم فيه الكلام ، ولو أتى به المصنف بعد أول حديث في الباب ، لكان الصواب . : ((لا يشرَبَنَّ أَحَدُكُمْ قائماً)). ١٣٦٣ - وَعَنْهُ قال: قالَ رسولُ الله أَخرجَهُ مُسلمٌ . (وعنه): أي: عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قالَ رسولُ الله عَلٍ: ((لا ) يشرَبِنَّ أَحَدُكُمْ قائماً)). أَخرجَهُ مُسلمٌ) . وتمامه : ((فمن نسي ، فليستقئ))؛ من القيء ، وأخرجه أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة: أنه ﴿﴿ رأى رجلاً يشرب قائماً، فقال: ((مه))، قال: لمه؟ قال له: ((أيسرك أن يشرب معك الهرّ؟)) قال: لا، قال: ((قد شرب معك من هو شر منه ؛ الشيطان)) ، وفيه راو لا يعرف ، ووثقه يحيى بن معين(١) . (١) قلت : وقال أبو حاتم: ((شيخ صالح الحدیث» . = ٤٦٩ ١٨ - كتاب الجامع ١ - باب الأدب ١٣٦٤ - حديث أبي هريرة والحديث دليل على تحريم الشرب قائماً؛ لأنه الأصل في النهي ، وإليه ذهب ابن حزم . وذهب الجمهور إلى أنه خلاف الأولى ، وآخرون إلى أنه مكروه ، كأنهم صرفوه عن ذلك ؛ لما في ((صحيح مسلم)) من حديث ابن عباس : سقيت رسول الله ◌َخلو من زمزم، فشرب ، وهو قائم، وفي ((صحيح البخاري)): أن علياً عليه السَّلام شرب قائماً ، وقال: رأيت رسول الله :﴿ فعل كما رأيتموني فعلت . فيكون فعله ◌َّله ؛ بياناً لكون النهي ليس للتحريم . وأما قوله: ((فليستقئ))، فإنه نقل اتفاق العلماء على أنه ليس على من شرب قائماً أن يستقيء ، وكأنهم حملوا الأمر أيضاً على الندب . ١٣٦٤ - وعنْهُ قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إذا انتعلَ أَحدُكم، فليبدأ باليمين ، وإذا نزع، فليبدأ بالشَّمال ، وَلْتكن اليُمنى أوَّلَهُما تُنْعَلُ، وآخرهُما تنزع)» . أخرجَهُ مسلمٌ . (وعنه): أي : عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله : ((إذا انتعل أحد كُم، فليبدأ باليمين ، وإذا نزع): أي : نعله (فليبدأ بالشمال ، ولتكن اليمنى أوَّلهُما تُنْعل، وآخرهما تنزع)). أخرجه مسلم): إلى قوله (( ... بالشمال)» ، وأخرج باقيه مالك والترمذي وأبو داود . = قلت : فقول الشارح - تبعاً للذهبي -: ((لا يعرف))! مما لا يلتفت إليه بعد توثيق هذين الإمامين إياه ! وبقية رجال السند ثقات؛ فالحديث صحيح؛ ولذلك أوردته في ((الأحاديث الصحيحة». ٤٧٠ ١٨ - كتاب الجامع ١ - باب الأدب ١٣٦٥ - حديث أبي هريرة ظاهر الأمر الوجوب ، ولكنه ادعى القاضي عياض الإجماع على أنه للاستحباب ، قال ابن العربي : البداءة باليمين مشروعة في جميع الأعمال الصالحة ؛ لفضل اليمين حساً في القوة ، وشرعاً في الندب إلى تقديمها ، قال الحليمي : إنما يبدأ بالشمال عند الخلع ؛ لأن اللبس كرامة ؛ لأنه وقاية للبدن ، فلما كانت اليمين أكرم من اليسرى ، بدأ بها في اللبس وأخرت في النزع ؛ لتکون الکرامة لها أدوم وحصتها منها أکثر . وقال ابن عبد البرّ: من بدأ في الانتعال باليسرى ، أساء ؛ لمخالفة السنّة ، ولكن لا يحرم عليه لبس نعليه . وقال غيره : ينبغي أن تنزع النعل من اليسرى ويبدأ باليمين ، ولعل ابن عبد البرّ يريد أنه لا يشرع له الخلع ، إذا بدأ باليسرى ، ثم يستأنف لبسهما على الترتيب المشروع؛ لأنه قد فات محله ، وهذا الحديث لا يدل على استحباب الانتعال؛ لأنه قال: ((إذا انتعل أحد كم))، ولكنه يدل عليه ما أخرجه مسلم : ((استكثروا من النعال؛ فإن الرجل لا يزال راكباً ما انتعل))؛ أي: يشبه الراكب في خفة المشقة ، وقلة النصب ، وسلامة الرجل من أذى الطريق ؛ فإن الأمر إذا لم يحمل على الإيجاب ، فهو للاستحباب . ١٣٦٥ - وَعَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ: ((لا يْش أحدكم في نعلٍ واحدة ؛ وليُنعلهما جميعاً، أو ليخلعهُما جميعاً)) . متفقٌ عليه. (وعنه) : أي : عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يمش أحدكم في نعل واحدة؛ وليُنْعلهما) : بضم حرف ٤٧١ ١٨ - كتاب الجامع ١ - باب الأدب ١٣٦٥ - حديث أبي هريرة المضارعة ؛ من أنعل - كما ضبطه النووي - وضمير التثنية للرجلين ، وإن لم يَجْرِ لهما ذكر؛ فإنه قد ذكر ما يدل عليهما من النعل (جميعاً، أو لِيَخْلَعهما) : أي : النعلين ، وفي رواية للبخاري: ((أو ليحفهما جميعاً)، وهو للقدمين (جميعاً)). متفق عليه). ظاهر النهي عن المشي في نعل واحدة التحريم ، وحمله الجمهور على الكراهة ؛ فإنهم جعلوا القرينة حديث الترمذي عن عائشة قالت : ربما انقطع شسع نعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمشى في النعل الواحدة ، حتّى يصلحها ، إلا أنه رجح البخاري وقفه ، وقد ذکر رزین عنها قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينتعل قائماً ، ويمشي في نعل واحدة . واختلفوا في علة النهي ، فقال قوم: علته أن النعال شرعت ، لوقاية الرجل عما يكون في الأرض من شوك ونحوه ؛ فإذا انفردت إحدى الرجلين ، احتاج الماشي أن يتوقى لإحدى رجليه ما لا يتوقى للأخرى ، فيخرج لذلك عن سجية مشيته ، ولا يأمن مع ذلك العثار، وقيل : إنها مشية الشيطان ، وقال البيهقي : لما في ذلك من الشهرة في الملابس ، وقد ورد في رواية لمسلم: ((إذا انقطع شسع أحدكم، فلا يمشي في نعل واحدة، حتّى يصلحها))، وتقدم ما يعارضه من حديث عائشة ، فيحمل على الندب . وقد ألحق بالنعلین کل لباس شفع کالخفین ، وقد أخرج ابن ماجه من حديث أبي هريرة: ((لا يمشٍ أحدكم في نعل واحدة، ولا خف واحد))، وهو عند مسلم من حديث جابر ، وعند أحمد من حديث أبي سعيد ، وعند الطيراني من حديث ابن عباس . ٤٧٢ ١٨ - كتاب الجامع ١ - باب الأدب ١٣٦٦ - حديث ابن عمر وقال الخطابي : وكذا إخراج اليد الواحدة من الكم دون الأخرى ، والارتداء على أحد المنكبين دون الآخر ، قلت : ولا يخفى أن هذا من باب القياس ، ولم تعلم العلة ، حتّى يلحق بالأصل ! فالأولى الاقتصار على محل النص . : («لا ١٣٦٦ - وعن ابن عُمر رضيَ الله عنهُمَا قالَ : قال رسول الله ينظُرُ اللهُ إلى مَنْ جرَّ ثْبِهُ خيلاء)). مُتّفقٌ عَليْهِ . (وعن ابن عُمر رضيَ الله عنهُمَا قالَ: قال رسول الله عَ ◌ّهُ: ((لا ينظُرُ اللهُ إلى مَنْ جرَّ ثوْبهُ خيلاء))): بضم الخاء المعجمة والمد: البطر والكبر (متفق عليه). فسر نفي نظر الله بنفي رحمته إليه ؛ أي : لا يرحم الله من جرّ ثوبه خيلاء ، سواء كان من النساء ، أو الرجال ، وقد فهمت ذلك أم سلمة ، فقالت عند سماعها الحديث منه صلى الله عليه وآله وسلم: فكيف تصنع النساء بذيولهنّ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((يزدن فيه شبراً)، قالت: إذاً تنكشف أقدامهنّ؟ قال: ((فيرخينه ذراعاً لا يزدن عليه)). أخرجه النسائي والترمذي ، والمراد بالذراع ذراع اليد ، وهو شبران باليد المعتدلة ، والمراد جرّ الثوب على الأرض ، وهو الذي يدل له حديث البخاري: ((ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار)) ، وتقیید الحدیث بالخيلاء دال بمفهومه أنه لا يكون من جره غير خيلاء داخلاً في الوعيد ، وقد صرح به ما أخرج البخاري وأبو داود والنسائي : أنه قال أبو بكر رضي الله عنه لما سمع هذا الحديث : إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنك لست ممن يفعله خيلاء))، وهو دليل على اعتبار المفاهيم من هذا النوع . ٤٧٣ ١٨ - كتاب الجامع ١ - باب الأدب ١٣٦٦ - حديث ابن عمر وقال ابن عبد البرّ: إن جره لغير الخيلاء مذموم ، وقال النووي : إنه مكروه ، وهذا نص الشافعي ، وقد صرحت السنة أن أحسن الحالات أن يكون إلى نصف الساق ؛ كما أخرجه الترمذي والنسائي عن عبيد بن خالد قال : كنت أمشي وعليّ برد أجرّه، فقال لي رجل: ((ارفع ثوبك؛ فإنه أبقى وأنقى)) ، فنظرت؛ فإذا هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: إنما هى بردة ملحاء ، فقال: ((ما لك فيّ أسوة؟))، قال: فنظرت؛ فإذا إزاره إلى نصف ساقيه ، وأمّا ما هو دون ذلك ، فإنه لا حرج على فاعله إلى الكعبين ، وما دون الكعبين ، فهو حرام ، إن کان للخیلاء ، وإن کان لغيرها ، فقال النووي وغيره : إنه مكروه ، وقد يتجه أن یقال : إن کان الثوب علی قدر لا بسه لکنه یسدله ؛ فإن کان لا عن قصد - كالذي وقع لأبي بكر -، فهو غير داخل في الوعيد ، وإن كان الثوب زائداً على قدر لابسه ، فهو ممنوع من جهة الإسراف ، محرم لأجله ، ولأجل التشبه بالنساء ، ولأجل أنه لا يأمن أن تتعلق به النجاسة . وقال ابن العربي : لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ، فيقول : لا أجره خيلاء؛ لأن النهي قد تناوله لفظاً ، ولا يجوز لمن يتناوله اللفظ أن يخالفه ؛ إذْ صار حكمه أن يقول : لا أمتثله ؛ لأن تلك العلة ليست فيّ ، فإنها دعوى غير مسلمة ؛ بل إطالة ذيله دالة على تكبره . اهـ. وحاصله : أن الإسبال يستلزم جر الثوب ، وجر الثوب يستلزم الخيلاء ، ولو لم يقصده اللابس ، وقد أخرج ابن منيع عن ابن عمر في أثناء حديث رفعه : ((إياك وجرّ الإزار!؛ فإن جر الإزار من المخيلة))، وقد أخرج الطبراني من حديث ٤٧٤ ١٨ - كتاب الجامع ١ - باب الأدب ١٣٦٦ - حديث ابن عمر أبي أمامة ، وفيه قصة لعمرو بن زرارة الأنصاري: ((إن الله لا يحب المسبل))، والقصة أن أبا أمامة قال: بينما نحن مع رسول الله :﴿؛ إذْ لحقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة ؛ إزار ورداء ، وقد أسبل ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأخذ بناحية ثوبه ويتواضع لله ويقول: ((عبدك وابن عبدك وأمتك))، حتّى سمعها عمرو ، فقال: يا رسول الله ، إني حمش الساقين ، فقال: (يا عمرو، إن الله قد أحسن كل شيء خلقه ، إن الله لا يحب المسبل)). ** أربع أصابع وأخرجه الطبري عن عمرو بن زرارة وفيه : وضرب رسول الله تحت ركبة عمرو ، وقال: ((يا عمرو، هذا موضع الإزار)»، ثم ضرب بأربع أصابع تحت الأربع ، ثم قال: ((يا عمرو، وهذا موضع الإزار)) ، الحديث ، ورجاله ثقات . وحکم غیر الثوب والإزار حکمهما ، وکذلك لما سأل شعبة محارب بن دثار ، قال شعبة: أذكر الإزار؟ قال: ما خص إزاراً، ولا قميصاً، ومقصوده أن التعبير بالثوب يشمل الإزار وغيره ، وأخرج أهل ((السنن))، إلا الترمذي عن ابن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((الإسبال في الإزار والقميص والعمامة ، من جر منها شيئاً خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة))، وإن كان في إسناده عبد العزيز بن أبي رواد ، وفيه مقال. قال ابن بطال : وإسبال العمامة المراد به إرسال العذبة زائداً على ما جرت به العادة ، وأخرج النسائي من حديث عمرو بن أمية : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أرخى طرف عمامته بين كتفيه ، وكذا تطويل أكمام القميص زيادة على المعتاد ، كما يفعله بعض أهل الحجاز إسبال محرم ، وقد نقل القاضي عياض ٤٧٥ ١٨ - كتاب الجامع ١ - باب الأدب ١٣٦٧ و١٣٦٨ - حديثا ابن عمر وابن عمرو عن العلماء كراهة كل ما زاد على العادة ، وعلى المعتاد في اللباس من الطول والسعة ، قلت : وينبغي أن يراد في المعتاد ما كان في عصر النبوة . ١٣٦٧ - وعَنْهُ: أنَّ رَسُولَ الله عَ ﴿ِ قال: ((إذا أكل أحدكم فَلْيَأْكُلْ بيمينهِ، وإذا شرب فليشرَب بيمينه ؛ فإن الشيطان يأكلُ بشمالِهِ ويشربُ بشمالِهِ)). أَخرِجَهُ مُسلمٌ . (وعنه): أي: ابن عمر رضي الله عنه (أن رسول الله عَ ﴿ قال: ((إذا أَكل أحدكُمْ فليأكُلْ بيمينه ، وإذا شرب فليشربْ بيمينه ؛ فإن الشيطانَ يأكُلُ بشماله ويشربُ بشماله)) . أخرجه مسلم) . الحديث دليل على تحريم الأكل والشرب بالشمال ؛ فإنه علله بأنه فعل الشيطان وخلقه ، والمسلم مأمور بتجنب طريق أهل الفسوق فضلاً عن الشيطان ، وذهب الجمهور إلى أنه يستحب الأكل باليمين والشرب بها ، لا أنه بالشمال محرم ، وقد زاد نافع : الأخذ والإعطاء . ١٣٦٨ - وعن عمرو بن شُعيبٍ عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّه قالَ: قالَ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ : ((كُلْ واشرب والْبَس وتَصدِّقْ في غيرِ سَرَفٍ ، ولا مَخِيلة)). أَخرجهُ أَبو داود وأحمد ، وعلّقُهُ البُخاريُّ . (وعن عمرو بن شُعِيبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّ قالَ: قالَ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ: ((كُلْ واشرب والْبَس وتَصدِّقْ في غيرِ سَرَفٍ ، ولا مَخِيلةٍ)): بالخاء المعجمة ومثناة تحتية ، وزن عظيمة : التكبر (أخرجه أبو داود وأحمد ، وعلقه البخاري) . ٤٧٦ ١٨ - كتاب الجامع ١ - باب الأدب ١٣٦٨ - حديث عبد الله بن عمرو دل على تحريم الإسراف في المأكل والمشرب والملبس والتصدق ، وحقيقة الإسراف مجاوزة الحد في كل فعل أو قول ، وهو في الإنفاق أشهر، والحديث مأخوذ من قوله - تعالى -: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾ [الأعراف: ٣١]، وفيه تحريم الخيلاء والكبر . قال عبد اللطيف البغدادي : هذا الحديث جامع لفضائل تدبير الإنسان نفسه ، وفيه تدبير مصالح النفس والجسد في الدنيا والآخرة؛ فإن السرف في كل شيء مضر بالجسد ومضر بالمعيشة ، ويؤدي إلى الإتلاف ، فيضر بالنفس ؛ إذْ كانت تابعةً للجسد فی أکثر الأحوال ، والخیلة تضر بالنفس حیث تكسبها العجب ، وتضر بالآخرة حيث تكسب الإثم ، وبالدنيا حيث تكسب المقت من الناس ، وقد علق البخاري عن ابن عباس : كل ما شئت واشرب ما شئت ، ما أخطأتك اثنتان : سرف ومخيلة . ٤٧٧ ١٨ - كتاب الجامع ٢ - باب البر والصلة ١٣٦٩ - حديث أبي هريرة ٢ - بابُ البِرّ والصِّلَة البر؛ بكسر الموحدة : هو التوسع في فعل الخير ، والبر؛ بفتحها : التوسع في الخيرات ، وهو من صفات الله تعالى . والصِّلة؛ بكسر الصاد المهملة، مصدر وصله ، كوعده عدة؛ وفي ((النهاية)): تكرر في الحديث ذكر صلة الأرحام ، وهي كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار ، والتعطف عليهم، والرفق بهم ، والرعاية لأحوالهم، وكذلك إن تعدّوا وأساؤوا ، وضد ذلك قطيعة الرحم . اهـ. ١٣٦٩ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَُّهُ: «مَنْ أَحَبَّ أَن يُبْسَطَ لهُ في رزقهِ ، وأَنْ يُنْسَأ له في أَثْرِهِ، فَلْيصلْ رَحِمَهُ)). أخرجه البُخاري . (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ◌َله: ((من أحبّ أن يبسط) : مغير صيغته؛ أي : يبسط الله (لهُ في رزْقهِ): أي: يوسع له فيه (وأَنْ يُنسأَ لهُ) : مثله في ضبطه ، بالسين المهملة مخففة ؛ أي : يؤخر له (في أثره) : بفتح الهمزة والمثلثة فراء ؛ أي : أجله (فليصل رحمه)). أخرجه البخاري). وأخرج الترمذي عن أبي هريرة : أن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأجل ، وأخرج أحمد عن عائشة - رضي الله عنها - مرفوعاً: ((صلة الرحم وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار))، وأخرج أبو يعلى من حديث أنس مرفوعاً: ((إن الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر، ويدفع بهما ميتة السوء)) ، وفي سنده ضعف . ٤٧٨ ١٨ - كتاب الجامع ٢ - باب البر والصلة ١٣٦٩ - حديث أبي هريرة قال ابن التين : ظاهر الحديث - أي : حديث البخاري - معارض لقوله تعالى : ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ [الأعراف: ٣٤]؛ قال : والجمع بينهما من وجهين : أحدهما : أن الزيادة كناية عن البركة في العمر ؛ بسبب التوفيق إلى الطاعة ، وعمارة وقته بما ينفعه في الآخرة ، وصیانته عن تضييعه في غير ذلك ، ومثل هذا ما جاء أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تقاصر أعمار أمته ، بالنسبة إلى أعمار من مضى من الأمم ؛ فأعطاه الله ليلة القدر. وحاصله أن صلة الرحم تكون سبباً للتوفيق للطاعة ، والصيانة عن المعصية ؛ فيبقى بعده الذكر الجميل فكأنه لم يمت ، ومن جملة ما يحصل له من التوفيق العلم الذي ينتفع به من بعده بتأليف ونحوه ، والصدقة الجارية عليه ، والخلف الصالح . وثانيهما : أن الزيادة على حقيقتها ، وذلك بالنسبة إلى علم الملك الموكل بالعمر، والذي في الآية بالنسبة إلى علم الله ؛ كأن يقال للملك مثلاً : إن عمر فلان مائة إن وصل رحمه ، وإن قطعها فستون ، وقد سبق في علمه أنه يصل أو يقطع ، فالذي في علم الله لا يتقدم ، ولا يتأخر، والذي في علم الملك هو الذي يمكن فيه الزيادة والنقص ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أمُّ الكتاب﴾ [الرَّعد: ٣٩]، والمحو والإثبات بالنسبة إلى ما في علم الملك وما في أم الكتاب ، وأما الذي في علم الله فلا محو فيه ألبتة . ويقال له : القضاء المبرم ، ويقال للأول : القضاء المعلق . والوجه الأول أليق ؛ فإن الأثر ما يتبع الشيء ، فإذا أخر ، حسن أن يحمل ٤٧٩ ١٨ - كتاب الجامع ٢ - باب البر والصلة ١٣٧٠ - حديث جبير بن مطعم على الذكر الحسن بعد فقد المذكور، ورجحه الطيبي. وأشار إليه في ((الفائق))، ويؤيده ما أخرجه الطبراني في ((الصغير)) بسندٍ ضعيف عن أبي الدرداء ، قال : ذكر عند رسول الله *: من وصل رحمه أنسئ له في أجله ، فقال: ((إنه ليس زيادة في عمره، قال تعالى: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ [الأعراف: ٣٤]، ولكن الرجل تكون له الذرّية الصالحة يدعون له من بعده))، وأخرجه في ((الكبير)) مرفوعاً من طريق أخرى . وجزم ابن فورك بأن المراد بزيادة العمر نفي الآفات عن صاحب البر في فهمه وعقله ، قال غيره : في أعم من ذلك ، وفي علمه ورزقه . ولابن القيم في كتاب ((الداء والدواء)) كلام يقضي بأن مدة حياة العبد وعمره هي مهما كان قلبه مقبلاً على الله ، ذاكراً له مطيعاً غير عاص ؛ فهذه هي عمره . ومتى أعرض القلب عن الله تعالى واشتغل بالمعاصي ، ضاعت عليه أيام حياة عمره ؛ فعلى هذا معنى أنه ينسأله في أجله ؛ أي : يعمر الله قلبه بذكره وأوقاته بطاعته ، ويأتي تحقيق صلة الرحم في شرح قوله : ١٣٧٠ - وعن جُبير بن مطعم رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله عَ ليهِ: ((لا يدخلُ الجنّةَ قاطعٌ)) ؛ يعْني : قاطع رحم . مُتفقٌ عَلَيْهِ . (وعن جُبير بن مطعم رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِحَ ﴿هُ: ((لا يدخلُ الجنّةَ قاطعٌ))؛ يعْني: قاطع رحم. مُتفقٌ عَلَيْهِ) : وأخرج أبو داود من حديث أبي بكرة يرفعه : ((ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما ادّخر له في الآخرة، من قطيعة الرحم))، وأخرج البخاري في ((الأدب ٤٨٠