Indexed OCR Text

Pages 421-440

١٦ - كتاب القضاء
٢ - باب الدعاوى والبينات
١٣٣١ - حديث جابر
الكاذب والذي حلف بعد العصر لقد أعطي كذا وكذا ، شيئاً واحداً ، وإن
جعلناهما شيئين - كما هو الظاهر ؛ فإن المنفق سلعته بالكذب أعم من الذي
يحلف لقد أعطي -، فتكون عشراً .
١٣٣١ - وعن جابر رضي اللهُ عَنْهُ: أَن رجُلَين اختصما في نَاقةٍ ، فقال كل
واحد منهما: نُتجتْ هذه الناقة عندي ، وأَقاما بَيِّئَةً ، فَقَضى بها رسُولُ الله
: للذي هِيَ في يدهِ.
(وعن جابر رضي الله عنه : أن رجلين اختصما في ناقة ، فقال كل واحد
منهما : نتجت هذه الناقة عندي ، وأقاما) : أي : كل واحد (بينة ، فقضى بها
رسول الله عَّ
. للذي هي في يده) .
سيأتي من أخرجه ، وأخرج الذي بعده ، وقد أخرج هذا البيهقي ، ولم
يضعفه ، وأخرج نحوه عن الشافعي إلا أن فيه : تداعيا دابة . ولم یضعف إسناده
أيضاً .
والحديث دليل على أن اليد مرجحة للشهادة الموافقة لها ، وقد ذهب إلى هذا
الشافعي ومالك وغيرهما ؛ قال الشافعي: يقال لهما : قد استويتما في الدعوى
والبينة ، وللذي هو في يده سبب بكينونته في يده : هو أقوى من سببك ؛ فهو له
بفضل قوة سببه . وذكر هذا الحديث .
وذهب الهادوية وجماعة من الآل وابن حنبل إلى أنه ترجح بيّنة الخارج ؛
وهو من لم يكن في يده ؛ قالوا : إذْ شرعت له وللمنكر اليمين ، ولقوله صلى الله
عليه وآله وسلم: ((البينة على المدعي))؛ فإنه يقتضي أنه لا تفيد بيّنة المنكر.
٤٢١

١٦ - كتاب القضاء
٢ - باب الدعاوى والبينات
١٣٣٢ - حديث ابن عمر
ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال : من كان في يده شيء فبينته لا
تعمل له شيئاً . ذكره في ((البحر)) .
وأجيب عن ذلك بأن حديث جابر خاص، وحديث: ((البينة على المدعي))،
عام، والخاص مخصص مقدم؛ وأثر علي رضي الله عنه لم يصح ، وعلى صحته
فمعارض بما سبق .
وعن القاسم أنه يقسم بينهما؛ لأن اليد مقوية لبيّنة الداخل فساوت بيّنة
الخارج ، ويروى عنه كقول الشافعي ، وللحنفية تفصیل لم يقم عليه دليل .
١٣٣٢ - وعن ابن عُمَر رضيَ الله عنهُمَا: أَنَّ النبي:
** ردَّ اليمين على
طالب الحقِّ . رواهما الدارقطني، وفي إسنادهما ضَعْفٌ.
(وعن ابن عُمَر رضيَ الله عنهُمَا: أَنَّ النبي ◌َ ﴿ِ ردَّ اليمين على طالب
الحقِّ. رواهما): أي : هذا والذي قبله (الدارقطني، وفي إسنادهما ضعف):
لأن مدارهما على محمد بن مسروق عن إسحاق بن الفرات ، ومحمد لا
يعرف ، وإسحاق مختلف فيه ؛ كما قاله المصنف .
وقال الذهبي في ((الكاشف)»: إن إسحاق بن الفرات قاضي مصر ثقة معروف .
وقال البيهقي : الاعتماد في هذا الباب على أحاديث القسامة ؛ فإنه قال
صلى الله عليه وآله وسلم لأولياء الدم: ((أتحلفون؟)) فأبوا. قال: ((فتحلف يهود))،
وهو حديث صحيح ، وساق الروايات في القسامة ؛ وفيها رد اليمين . قال : فهذه
الأحاديث هي المعتمدة في رد اليمين على المدعي إذا لم يحلف المدعى عليه .
٤٢٢

١٦ - كتاب القضاء
٢ - باب الدعاوى والبينات
١٣٣٣ - حديث عائشة
قلت : وهذا منه قياس ، إلا أنه قد ثبت عندهم أن القسامة على خلاف
القياس ، وثبت أنه لا يقاس على ما خالف القياس .
وقد استدل بحديث الكتاب على ثبوت رد اليمين على المدعي ، والمراد به
أنها تجب اليمين على المدعي ، ولكن إذا لم يحلف المدعى عليه .
وقد ذهب الشافعي وآخرون إلى أنه إذا نكل المدعى عليه ، فإنه لا يجب
بالنكول شيء إلا إذا حلف المدعي .
وذهب الهادوية وجماعة إلى أنه يثبت الحق بالنكول من دون تحليف للمدعي ،
وقال المؤيد : لا يحكم به ولكن يحبس ، حتّى يحلف ، أو يقر . استدل الهادوية
بأن النكول کالإقرار ، ورد بأنه مجرد تمرد عن حق معلوم وجوبه عليه - هو اليمين -
فیحبس له ، حتّى يوفيه ، أو يسقطه بالإقرار ، واستدلوا أيضاً بأنه حكم به عمر
وعثمان وابن عباس وأبو موسى ، وأجيب بعدم حجة أفعالهم، نعم ، لو صح
حديث ابن عمر كان الحجة فيه .
١٣٣٣ - وعن عائشةَ رضيَ الله عنها قالتْ: دخل عليَّ رسول الله
ذاتَ يَوْم مسروراً تبرُقُ أَساريرُ وجْهِهِ ، فقال: ((أَلِمْ تَرَيْ إلى مُجَزِّزِ المُدْلجيِّ!
نظرَ آنفاً إلى زَيِّد بنِ حارثَةَ وأُسامةَ بنِ زَيِّدٍ فقال: هذِهِ الأَقْدَامُ بَعْضُها من
بَعْض» . مُتّفقٌ عليه .
(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليّ رسول الله تَ﴿ ذات يوم
مسروراً تبرق) : بفتح المثناة الفوقية وضم الراء (أسارير وجهه): هي الخطوط
التي في الجبهة ، واحدها سر وسرر، وجمعها أسرار وأسرَّة ، وجمع الجمع
٤٢٣

١٦ - كتاب القضاء
٢ - باب الدعاوى والبينات
١٣٣٣ - حديث عائشة
أسارير؛ أي: تضيء وتستنير من الفرح والسرور (فقال: ((ألمْ تري إلى مجزِّز) :
بضم الميم وفتح الجيم ، ثم زاي مشدّدة مكسورة ، ثم زاي أخرى ؛ اسم فاعل ؛
لأنه كان في الجاهلية إذا أسر أسيراً جزّ ناصيته وأطلقه (الْمُدْلِجِيِّ) : بضم الميم
وبالدال المهملة وجيم ، بزنة مخرج ، نسبة إلى بني مدلج بن مرة بن عبد مناف
ابن كنانة (نظر آنفاً): أي: الآن (إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد ، فقال :
هذه الأقدامُ بعضُها من بعض)). متفق عليه) .
في رواية للبخاري أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ألم تري أن مجزِّزاً
المدلجي دخل فرأى أسامة وزيداً وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما ، وبدت
أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض)).
واعلم أن الكفار کانوا یقدحون في نسب أسامة ؛ لكونه كان أسود شديد
السواد ، وكان زيد أبيض ؛ كذا قاله أبو داود ، وأُم ◌ُسامة هي أُم أَيمن ، كانت
حبشية سوداء، ووقع في ((الصحيح)) أنها كانت حبشية وصيفة لعبد الله والد
النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ويقال : كانت من سبي الحبشة الذين قدموا
زمن الفيل فصارت لعبد المطلب ، فوهبها لعبد الله والد النبي صلى الله عليه وآله
وسلم ، وتزوّجت قبل زيد عبيداً الحبشي فولدت له أيمن ، فكنيت به واشتهرت
بکنیتها ، واسمها بركة .
والحديث دليل على اعتبار القيافة في ثبوت النسب ، وهي مصدر قاف
قيافة ، والقائف : الذي يتتبع الآثار ويعرفها ويعرف شبه الرجل بأبيه وأخيه ؛
وإلى اعتبارها في ثبوت النسب ذهب مالك والشافعي وجماهير العلماء
٤٢٤

١٦ - كتاب القضاء
٢ - باب الدعاوى والبینات
١٣٣٣ - حديث عائشة
حجة ؛
مستدلين بهذا الحديث ، ووجه دلالته ما علم من أن التقرير منه
لأنه أحد أقسام السنة، وحقيقة التقرير أن يرى النبي ◌َ ﴿ فعلاً من فاعل ، أو
يسمع قولاً من قائل ، أو يعلم به ، وكان ذلك الفعل من الأفعال التي لا يعلم
تقدّم إنكاره لها ؛ كمضي كافر إلى كنيسة ، أو مع عدم القدرة ؛ كالذي كان
يشاهده من كفارمكة من عبادة الأوثان وأذاهم للمسلمين ، ولم ينكره ، كان
ذلك تقريراً دالاً على جوازه ؛ فإن استبشر به فأوضح ؛ كما في هذه القصة ؛ فإنه
استبشر بکلام مجزّز في إثبات نسب أسامة إلى زيد ، فدل ذلك على تقرير كون
القيافة طريقاً إلى معرفة الأنساب .
وبما رواه مالك عن سليمان بن يسار: أن عمر بن الخطاب كان يليط أولاد
الجاهلية بمن ادّعاهم في الإسلام ، فأتى رجلان إلى عمر رضي الله عنه كلاهما
يدعي ولد امرأة فدعا قائفاً ، فنظر إليه القائف فقال : لقد اشتركا فيه ، فضربه عمر
بالدرة ، ثم دعا المرأة ، فقال أخبريني خبرك . فقالت : كان هذا - لأحد الرجلين -
يأتيها في إبل لأهلها ؛ فلا يفارقها ، حتّى يظنّ أن قد استمر بها حمل ، ثم ينصرف
عنها ، فأهريقت عليه دماً ، ثم خلف عليها هذا - يعني الآخر -؛ فلا أدري من
أيهما هو؟ فكبر القائف ، فقال عمر للغلام : فإلى أيهما شئت فانتسب .
فقضى عمر بمحضر من الصحابة بالقيافة من غير إنكار من واحد منهم ،
فكان كالإجماع تقوى به أدلة القيافة .
قالوا : وهو مروي عن ابن عباس وأنس بن مالك ، ولا مخالف لهما من
الصحابة ؛ ويدل عليه حديث اللعان، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن جاءت
٤٢٥

١٦ - كتاب القضاء
٢ - باب الدعاوى والبينات
١٣٣٣ - حديث عائشة
به على صفة كذا وكذا فهو لفلان، أو على صفة كذا وكذا فهو لفلان))، فجاءت
به على الوصف المكروه، فقال: «لولا الأيمان لكان لي ولها شأن»؛ فقوله: «فهو
لفلان))، إثبات للنسب بالقيافة ، وإنما منعت الأيمان عن إلحاقه بمن جاء على صفته .
وذهبت الهادوية والحنفية إلى أنه لا يعمل بالقيافة في إثبات النسب ،
والحكم في الولد المتنازع فيه أن يكون للشريكين ، أو المشتريين ، أو الزوجين .
وللهادوية في الزوجين تفاصيل معروفة في الفروع؛ وتأولوا حديث مجزّز
هذا ، وقالوا : ليس من باب التقرير لأن نسب أسامة كان معلوماً إلى زيد ، وإنما
كان يقدح الكفار في نسبه لاختلاف اللون بين الولد وأبيه ، والقيافة كانت من
أحكام الجاهلية، وقد جاء الإسلام بإبطالها ومحو آثارها، فسكوته حَ﴿ عن
الإنكار على مجزّز ليس تقريراً لفعله ، واستبشاره إنما هو لإلزام الخصم الطاعن
في نسب أسامة بما يقوله ويعتمده ؛ فلا حجة في ذلك .
قلت: ولا يخفى أن هذا الجواب مبني على أنه قد سبق منه ◌َ﴿ إنكار للقيافة،
وإلحاق النسب بها ، كتقدّم إنكاره مضي كافر إلى كنيسة ، وهذا دليل عليه ؛ بل
الدليل قائم على خلافه، وهو قوله ﴿﴿ في قصة اللعان بما سمعت ، ثم فعل
الصحابة من بعده، وقولهم بثبوت النسب به من الأدلة على عدم إنكاره
وأما قوله: ((الولد للفراش)»، فذلك فيما إذا علم الفراش؛ فإنه معلوم أن
الحكم به مقدم قطعاً ، وإنما القيافة عند عدمه ، ثم الأصح عند القائلين بالإلحاق
أنه یکفي قائف واحد ، وقيل: لا بدّ من اثنين ، وحديث الباب دال على
الاكتفاء بالواحد .
٤٢٦

١٧ - كتاب العتق
العتق : الحرّية ، ويقال : عتق عتقاً؛ بكسر العين وبفتحها ، فهو عتيق وعاتق .
وفي ((النجم الوهاج)):
العتق : إسقاط الملك من الآدمي ؛ تقرّباً لله ، وهو مندوب ، وواجب في
الكفارات ، وقد حث الشارع عليه ، كما قال تعالى: ﴿فك رقبة﴾ [البلد: ١٣] ؛
فُسِّرت بعتقها من الرق ، والأحاديث في فضله كثيرة منها :
٤: ((أَيُّما
١٣٣٤ - عَنْ أَبي هُريرةَ رضي الله عَنْهُ قالَ: قال رسولُ الله
امْرئٍ مُسْلم أَعتقَ امرأْ مُسْلماً، استنقَذَ اللهُ بكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْواً مِنْهُ مِنَ
النّارِ)). مُتّفَقَّ عَلَيهِ .
: ((أَيُّما امْرئِ
(عَنْ أَبي هُريرةَ رضي الله عَنْهُ قالَ: قال رسولُ الله ◌ِ
مُسْلم أَعتقَ امرأً مُسْلماً، استنقَذَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ) : بكسر العين وضمها (منه
عُضواً منه من النّار)) . متفق عليه) .
وتمامه في البخاري: ((حتى فرجه بفرجه)) وفيه: ((أنه إذا كان المعتق
والمعتَق مسلمين أعتقه الله من النار)). وفي قوله: ((استنقذ)) ما يشعر بأنه
استحقاقه لها ، واشتراط إسلامه ؛ لأجل هذا الأجر ، وإلا فإن عتق الكافر يصح،
وقولهم : لا قربة لكافر ، ليس المراد أنه لا ينفذ منه ما من شأنه أن يتقرّب به ،
كالعتق والهبة والصدقة ، وغير ذلك؛ إنما المراد أنه لا يثاب عليها ، وإلا فهي
نافذة منه ، لكن لا نجاة له بسببه من النار . وفي تقييد الرقبة المعتقة بالإسلام
أيضاً ، دليل على أن هذه الفضيلة لا تنال إلا بعتق المسلمة ، وإن كان في عتق
٤٢٧

١٧ - كتاب العتق
١٣٣٥ و١٣٣٦ - حديثا أبي أمامة وكعب بن مرة
الكافرة فضل ، لكن لا يبلغ ما وعد به هنا من الأجر . ووقع في رواية مسلم :
(إِرْب)) عوض: ((عضو))، وهو - بكسر الهمزة وإسكان الراء فموحدة -: العضو،
وفيه أن عتق كامل الأعضاء أفضل من عتق ناقصها ، فلا يكون خصياً ولا فاقد
غيره من الأعضاء ، والأغلى ثمناً أفضل كما يأتي . وعتق الذكر أفضل من عتق
الأنثى ، كما يدل له قوله :
١٣٣٥ - وللتّرمذيِّ - وصحّحُهُ - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: ((وَأَيُّما امرئٍ مُسْلم أَعْتَقَ
امْرأتينِ مُسْلمتين، كانتا فكاكَهُ من النار)) .
(وللتّرمذيِّ - وصحّحُهُ - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ : ((وَيُّما امرئٍ مُسْلم أَعْتَقَ امْرأْتينٍ
مُسْلمتين، كانتا فكاكَهُ من النار))): فعتق المرأة أجره على النصف من عتق
الذكر ، فالرجل إذا أعتق امرأة ، كانت فكاك نصفه من النار ، والمرأة إذا أعتقت
الأمة ، كانت فكاكها من النار ؛ كما دل له مفهوم هذا ، ومنطوق قوله :
١٣٣٦ - ولأبي داودَ من حديث كَعْب بنِ مُرَّةَ: ((وَأَيُّما امْرَأَةٍ مُسْلمة أَعْتَقَت
امْرَأَةً مُسلمةً ، كانتْ فكاكَها من النار)) .
(ولأبي داودَ من حديث كَعْب بنٍ مُرَّةَ: ((وأَيْما امْرأَةٍ مُسْلمة أَعْتَقَت امْرأَةً
مُسلمةً، كانتْ فكاكَها من النار))) : وبهذا والذي قبله استدل من قال : عتق
الذكر أفضل ؛ ولما في الذكر من المعاني العامة ، والمنفعة التي لا توجد في
الإناث ؛ من الشهادة والجهاد والقضاء ، وغير ذلك مما يختص بالرجال ؛ إما شرعاً
وإما عادة ، ولأن في الإماء من تضيع بالعتق ، ولا يرغب فيها ، بخلاف العبد .
وقال آخرون : عتق الأنثى أفضل ؛ لأنه يكون ولدها حرّاً سواء تزوجها حر أو عبد .
٤٢٨

١٧ - كتاب العتق
١٣٣٧ - حديث أبي ذر
وقوله في رواية : ((حتى فرجه بفرجه))، استشكله ابن العربي قال : لأن
المعصية التي تتعلق بالفرج هي الزنا ، والزنا كبيرة لا تكفر إلا بالتوبة ، إلا أن
يقال : إن العتق يرجح عند الموازنة ، بحيث تكون حسنات العتق راجحة توازي
سيئة الزنا، مع أنه لا اختصاص لهذا بالزنا ؛ فإن اليد يكون بها القتل ، والرجل
يكون بها الفرار من الزحف ، وغير ذلك .
فائدة: في ((النجم الوهاج)): أنه أعتق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثاً
وستين نسمة عدد سني عمره؛ وعد أسماءهم . قال : وأعتقت عائشة سبعاً
وستين ، وعاشت كذلك ، وأعتق أبو بكر كثيراً ، وأعتق العباس سبعين عبداً . رواه
الحاكم . وأعتق عثمان وهو محاصر عشرين . وأعتق حكيم بن حزام مائة مطوقين
بالفضة . وأعتق عبد الله بن عمر ألفاً ، واعتمر ألف عمرة ، وحج ستين حجة ،
وحبس ألف فرس في سبيل الله . وأعتق ذو الكلاع الحميري في يوم واحد ثمانية
آلاف عبد ، وأعتق عبد الرحمن بن عوف ثلاثين ألف نسمة . انتهى .
١٣٣٧ - وعَنْ أَبي ذر رضي الله عنهُ قالَ: سأَلتُ النّبِيِ﴿هُ: أَيُّ العَمَلِ
أَفضلُ؟ قال : ((إيمانٌ بالله، وجهادٌ في سبيله))، قُلْتُ: فَأَيُّ الرَّقَابِ أَفضلُ؟
قالَ: ((أَغْلاها ثمناً، وأَنفسُها عنْدَ أَهلها)). مُتّفقٌ عَلَيْهِ .
: أَيُّ العَمَلِ أَفضلُ؟
(وعَنْ أَبي ذر رضي الله عنهُ قالَ : سأَلتُ النّبي
قال: ((إيمانٌ بالله، وجهادٌ في سبيله))، قُلْتُ: فَأَيُّ الرَّقابِ أَفضلُ؟ قالَ:
((أَغْلاها): روي بالعين المهملة والغين المعجمة (ثمناً، وأنفسها عند أهلها)).
متفقٌ عليه) .
٤٢٩

١٧ - كتاب العتق
١٣٣٨ - حديث ابن عمر
دل على أن الجهاد أفضل أعمال البر بعد الإيمان . وقد تقدم في كتاب
الصلاة أن الصلاة فى أول وقتها أفضل الأعمال على الإطلاق ، وتقدم الجمع
بين الأحاديث هنالك . ودل على أن الأغلى ثمناً أفضل من الأدنى قيمة .
قال النووي : محله - والله أعلم - فيمن أراد أن يعتق رقبة واحدة ، أما لو كان
مع شخص ألف درهم مثلاً ؛ فأراد أن يشتري بها رقاباً يعتقها فوجد رقبة نفيسة ،
ورقبتين مفضولتين ، قال: فثنتان أفضل بخلاف الأضحية ؛ فإن الواحدة السمينة
أفضل ؛ لأن المطلوب في العتق فك الرقبة ، وفي الأضحية طيب اللحم ، انتهى .
والأولى أن هذا لا يؤخذ قاعدة كلية ، بل يختلف باختلاف الأشخاص ؛
فإنه إذا كان شخص بمحل عظيم من العلم والعمل وانتفاع المسلمين به ، فعتقه
أفضل من عتق جماعة ليس فيهم هذه السمات ، فيكون الضابط اعتبار الأكثر
نفعاً .
وقوله : ((وأنفسها عند أهلها))؛ أي : ما كان اغتباطهم بها أشد ، وهو الموافق
لقوله تعالى : ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢].
١٣٣٨ - وعن ابن عُمَر رضيَ اللهُ عَنْهُما قال: قالَ رسولُ اللهِعَ ◌ِّ: ((مَنْ
أَعْتَقَ شرْكاً لهُ في عَبْدٍ ، فكانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغ ثمنَ العَبْدِ ، قوم عليه قيمة عدْل،
فَأُعطيَ شركاؤُهُ حصصهُمْ، وعتقَ عليه العبدُ ، وإلا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ ما عتق)).
متفقٌ عَلَيهِ .
(وعن ابن عُمَر رضيَ اللهُ عَنْهُما قال: قالَ رسولُ اللهِلَّهِ: ((مَنْ أَعْتقَ
شرْكاً لهُ فِي عَبْدٍ ، فكانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغ ثمنَ العَبْدِ ، قوم عليه قيمة عدْلٍ) : بفتح
٤٣٠

١٧ - كتاب العتق
١٣٣٨ - حديث ابن عمر
العيرن؛ أي: لا زيادة فيه ولا نقص (فأعطي شركاؤه حصصهمْ، وعتق عليه
العبدُ، وإلا): يكن له مال يبلغ ثمن العبد (فقد عتق): بفتح العين المهملة
(منه ما عتق))) : بفتح العين ويجوز ضمها (متفق عليه) .
دل الحديث على أن من له حصة في عبد إذا أعتق حصته فيه ، وكان موسراً،
لزمه تسليم حصة شريكه ، بعد تقويم حصة الشريك تقويم مثله ، وعتق عليه العبد
جميعه ؛ وقد أجمع العلماء على أن نصيب المعتق یعتق بنفس الإعتاق ، ودل
على أنه لا يعتق نصيب شريكه ، إلا مع يسار المعتق لا مع إعساره ؛ لقوله في
الحديث: ((وإلا))؛ أي: وإلا يكن له مال ((فقد عتق منه ما عتق))؛ وهي حصته .
وظاهره تبعيض العتق ، إلا أنه قد وقع في هذا اللفظ نزاع بين الأئمة ، فقال
ابن وضاح : ليس هذا من كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنه رواه أيوب
عن نافع قال : قال نافع : وإلا فقد عتق منه ما عتق ؛ ففصله من الحديث ،
وجعله من قول نافع ، قال أيوب مرة: لا أدري هو من الحديث أو هو شيء قاله
نافع؟ وقال غيره : قد رواه مالك وعبيد الله العمري ، فوصلاه بكلام النبي صلى
الله عليه وآله وسلم وجعلاه منه . قال القاضي عياض : وما قاله مالك وعبيد الله
العمري أولى ، وقد جوّداه ، وهما في نافع أثبت من أيوب عند أهل هذا الشأن ،
و کیف وقد شك أیوب فیه ، کما ذکرنا؟!
وقد رجح الأئمة رواية من أثبت هذه الزيادة من قول النبي ◌َ ﴿ ، قال
الشافعي : لا أحسب عالماً في الحديث يتشكك في أن مالكاً أحفظ لحديث نافع
من أيوب ؛ لأنه كان ألزم له ، حتى لو تساويا وشك أحدهما في شيء ، ولم
٤٣١

١٧ - كتاب العشق
١٣٣٩ - حديث أبي هريرة
يشك فيه صاحبه ، كانت الحجة مع من لم يشك .
هذا وللعلماء في المسألة أقوال ، أقواها ما وافقه هذا الحديث ، وهو أنه لا
يعتق نصيب الشريك إلا بدفع القيمة ، وهو المشهور من مذهب مالك ، وبه قال
أهل الظاهر ، وهو قول للشافعي . قالت الهادوية وآخرون : إنه يعتق العبد جميعه ؛
وإن لم يكن للمعتق مال ، فإنه يستسعي العبد في حصة الشريك ، مستدلين
بقوله :
١٣٣٩ - ولَهُما عَنْ أبي هُريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ: ((وإلا قُوَّمَ العبد عليه،
واسْتُسْعِيَ غير مشقُوق عليه)) ، وقيلَ : إِنَّ السِّعايَةَ مُدرجةٌ في الخبر .
(ولهما): أي : الشيخين (عَنْ أبي هُريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ: ((وإلا قُوِّمَ العبد
عليه ، واستُسْعِيَ غير مشقُوق عليه))، وقيلَ: إنَّ السُّعايَةَ مُدرجةٌ في الخَبَر) .
فإنه ظاهر أنه إذا لم يكن للشريك مال ، قُوَّم العبد ، واستسعي في قيمة
حصة الشريك ، وأجيب بأن ذكر السعاية ليست من كلامه صلى الله عليه وآله
وسلم بل مدرجة من بعض الرواة في الخبر، كما أشار إليه المصنف .
قال ابن العربي : اتفقوا على أن ذكر الاستسعاء ليس من قول النبي صلى
الله عليه وآله وسلم ، وأنه من قول قتادة؛ قال النسائي: بلغني أن هَمّاماً رواه
فجعل هذا الكلام - أعني : الاستسعاء - من قول قتادة ، وكذا قال الإسماعيلي :
إنما هو من قول قتادة مدرج على ما روى همام ، وجزم ابن المنذر والخطابي بأنه
من فتيا قتادة .
٤٣٢

١٧ - کتاب العتق
١
١٣٣٩ - حديث أبي هريرة
وقد رد جميع ما ذكر من إدراج السعاية باتفاق الشيخين على رفعه ؛
فإنهما في أعلى درجات التصحيح ، وقد روى السعاية في الحديث سعيد بن
أبي عروبة عن قتادة ، وهو أعرف بحديث قتادة ؛ لكثرة ملازمته له ، ولكثرة
أخذه عنه من همام وغيره ؛ فإنه كان أكثر ملازمة لقتادة من همام وشعبة ، وما
روياه لا ينافي رواية سعيد ؛ لأنهما اقتصرا في رواية الحديث على بعضه ،
وأما إعلال رواية سعيد بن أبي عروبة بأنه اختلط فمردود ، لأن روايته في
((الصحيحين)) قبل الاختلاط؛ فإنه فيهما من رواية يزيد بن زريع - وهو من
أثبت الناس في سعيد - ، وروايته عن سعيد كانت قبل اختلاطه ، ثم رواه
البخاري من رواية جرير بن حازم ؛ لمتابعته له ؛ لينتفي عنه التفرد ، ثم أشار
إلى أن غيرهما تابعهما ، ثم قال : اختصره شعبة ، كأنه جواب سؤال مقدر
تقديره ؛ إن شعبة أحفظ الناس لحديث قتادة فكيف لم يذكر الاستسعاء؟!
فأجاب بأن هذا لا يؤثر فيه ضعفاً؛ لأنه أورده مختصراً ، وغيره ساقه بتمامه ،
والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد .
قلت : وبهذا تعرف المجازفة في قول ابن العربي : اتفقوا على أن ذكر
الاستسعاء ليس من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وبعد تقرر هذا لك
فقد عرفت تعارض كلام هؤلاء الأئمة الحفاظ في هذه الزيادة ، ولا كلام في
أنها قد رويت مرفوعة ، والأصل عدم الإدراج حتى يقوم عليه دليل ناهض . وقد
تقاومت الأدلة هنا، ولكنه عضد القول برفع زيادة السعاية إليه ◌َ ه: أن الأصل
عدم الإدراج .
٤٣٣

١٧ - كتاب العتق
١٣٣٩ - حديث أبي هريرة
ومع ثبوت رفعها فقد عارضت رواية : ((وإلا فقد عتق منه ما عتق)) )، وقد
جمع بينهما بوجهین :
الأول: أن معنى قوله : ((وإلا فقد عتق منه ما عتق))؛ أي : بإعتاق مالك
الحصة حصته ، وحصة الشريك تعتق بالسعاية ، فيعتق العبد بعد تسليم ما
عليه ، ويكون كالمكاتب ، وهذا هو الذي جزم به البخاري ، ويظهر أن ذلك يكون
باختيار العبد ؛ لقوله: ((غير مشقوق عليه))، فلو كان ذلك على جهة اللزوم ؛ بأن
يكلف العبد الاكتساب والطلب حتى يحصل ذلك ؛ لحصل له غاية المشقة ،
وهو لا يلزم في الكتابة ذلك عند الجمهور؛ لأنها غير واجبة ، فهذا مثلها ، وإلى
هذا الجمع ذهب البيهقي ، وقال: لا تبقى بين الحديثين معارضة أصلاً، وهو
كما قال ، إلا أنه يلزم منه أن يبقى الرق في حصة الشريك ، إذا لم يختر العبد
السعاية ، ويحمل حديث أبي المليح عن أبيه: أن رجلاً أعتق شقصاً له فى
غلام؛ فذكر ذلك للنبي ﴿﴿ فقال: ((ليس لله شريك))، وفي رواية : فأجاز
عتقه ، وأخرجه النسائي بإسناد قوي ، ومثله ما أخرج أحمد ۔ بإسناد حسن -
من حديث سمرة: أن رجلاً أعتق شقصاً في ملوك ، فقال النبي صلى الله عليه
وآله وسلم: ((هو كله؛ فليس لله شريك))، يُحْمَل على الموسر ، فتندفع المعارضة .
وأما ما أخرجه أبو داود من طريق ملقام عن أبيه : أن رجلاً أعتق نصيبه في
مملوك فلم يضمنه النبي الية ، وإسناده حسن ، فهو في حق المعسر . ويدل له ما
أخرجه النسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ: ((من أعتق عبداً، وله فيه
شركاء ، وله وفاء ، فهو حرّ، ويضمن نصيب شركائه بقيمته ؛ لما أساء من
٤٣٤

١٧ - كتاب العتق
١٣٣٩ - حديث أبي هريرة
مشاركتهم، وليس على العبد شيء)) فقال: ((وله وفاء)).
والثاني : من وجهي الجمع أن المراد بالاستسعاء أن العبد يستمر في خدمة
سيده الذي لم يعتق رقيقاً بقدر ماله من الرق . ومعنى: ((غير مشقوق عليه))،
أنه لا يكلفه سيده من الخدمة فوق ما يطيقه ، ولا فوق حصته من الرق .
قيل : إلا أنه يبعد هذا الجمع ما أخرجه الطبراني والبيهقي من حديث رجل
من بني عذرة : أن رجلاً منهم أعتق مملوكاً له عند موته ، وليس له مال غيره؛
فأعتق رسول الله عَ ◌ّهِ ثلثه ، وأمره أن يسعى في الثلثين .
قلت: قد يقول من اختار هذا الوجه من الجمع: أن المراد من أمره عَ لهم أن
يسعى في الثلثين ، يسعى على مواليه بقدر ثلثي رقبته من الخدمة ؛ لأنه الذي
بقي رقاً لهم .
وإيضاح الجمع بين الأحاديث أن قوله ◌َّ ه: ((لا شريك الله))؛ فيما إذا كان
مالك الشقص غنياً ، فهو في حكم المالكين ، فيعتق العبد كله ويسلم قيمة ما
هو لشركائه ؛ ويحمل حديث السعاية على ما إذا كان العبد قادراً عليها ؛ كما
يرشد إليه قوله :﴿: ((غير مشقوق عليه)).
وحديث: ((وإلا فقد عتق منه ما عتق))؛ على ما إذا كان المعتق فقيراً،
والعبد لا قدرة له على السعاية .
واعلم أن هذا كله فيما إذا كان المعتق يملك بعض العبد ، وأما إذا كان يملكه كله
فأعتق بعضه ، فجمهور العلماء يقولون : يعتق كله ، وقال أبو حنيفة وأهل الظاهر:
يعتق منه ذلك القدر الذي عتق ، ویسعی في الباقي ، وهو قول طاوس وحماد .
٤٣٥

١٧ - كتاب العتق
١٣٤٠ - حديث أبي هريرة
وحجة الأولين : حديث أبي المليح وغيره ، وبالقياس على عتق الشقص ؛
فإنه إذا سرى إلى ملك الشريك ؛ فبالأولى إذا لم يكن له شريك .
وحجة الآخرين : أن السبب في حق الشريك هو ما يدخل على شريكه من
الضرر ، فأما إذا كان العبد له جميعه ، لم يكن هناك ضرر؛ فلا قياس ، ولا
يخفى أنه رأي في مقابلة النص .
١٣٤٠ - وعَنْ أبي هريرة رضي اللهُ عنهُ قال: قالَ رسولُ الله عَليهِ: («لا
يَجْزِي وَلَدٌ وَالدَهُ، إلا أنْ يجدَهُ مملوكاً فيشتريه فيَعْتقهُ)) . رواهُ مسلمٌ .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللهعَ ليه: ((لا يجزي):
بفتح حرف المضارعة ؛ أي : لا يكافئ (ولدٌ والدهُ، إلا أنْ يجدهُ مملوكاً فيشتريَهُ
فيعتقَهُ» . رواه مسلم) :
فيه دليل على أنه لا يعتق عليه بمجرد الشراء ، وأنه لا بدّ من الإعتاق بعده ؛
وإلى هذا ذهب الظاهرية .
وذهب الجمهور إلى أنه يعتق بنفس الشراء ، وتأولوا قوله : (فیعتقه)) ؛ بأنه لما
كان شراؤه تسبب عنه العتق ، نسب إليه العتق مجازاً ، ولا يخفى أن الأصل
الحقيقة ، إلا أنه صرفه عن الحقيقة حديث سمرة الآتي ، وفيه تعليق الحرية
بنفس الملك ، كما يأتي . وإنما كان عتقه جزاءً لأبيه ؛ لأن العتق أفضل ما منّ به.
أحد على أحد ؛ لتخليصه بذلك من الرق فتكمل له أحوال الأحرار من الولاية
والقضاء والشهادة بالإ جماع . والحدیث نص في عتق الوالد ، ومثله قول - من
عدا داود - في حق الأم أيضاً .
٤٣٦

١٧ - كتاب العتق
١٣٤١ - حديث سمرة بن جندب
١٣٤١ - وعَنْ سَمْرَة بنِ جُنْدُب رضي اللهُ عنه: أنَّ النّبيِ لَ﴿ قال: ((مَنْ
مَلَك ذا رحِم مَحْرَمٍ، فَهُو حُرِّ)). رواهُ أحمدُ والأربعة، وَرَجَحَ جَمْعٌ من الحفاظ
أنّه موقوفٌ .
(وعَنْ سَمُرَة بنِ جُنْدُب رضي اللهُ عنه: أنَّ النّبيِ تَ﴿ قال: ((مَنْ مَلَك ذا
رحم مَحْرَم، فَهُو حُرِّ)). رواهُ أحمدُ والأربعة، وَرَجّحَ جَمْعٌ من الحفاظ أنّه
موقوفٌ): وأخرجه أبو داود مرفوعاً من رواية حماد ، وموقوفاً من رواية شعبة ،
وقال : شعبة أحفظ من حماد ، فالوقف حينئذ أرجح ، وأخرجه أيضاً من طريق
شعبة عن قتادة : أن عمر بن الخطاب قال : من ملك ... الحديث ، فوقفه على
عمر ، وقال أبو داود : لم يحدث بهذا الحديث ، إلا حماد ، وقد شك فيه . قال
ابن المديني : هو حديث منكر ، وقال البخاري: لا يصح.
ورواه ابن ماجه والنسائي والترمذي والحاكم من طريق ضمرة عن الثوري عن
عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنه . قال النسائي : حديث منكر؛
وقال الترمذي : لم يتابع ضمرة عليه هو خطأ ، وقال الطبراني : وهم في هذا
الإسناد ، والمحفوظ بهذا الإسناد : نهى عن بيع الولاء وعن هبته ، ورد الحاكم هذا
وقال : إنه روي من طريق ضمرة الحديثان بالإسناد الواحد ، وصححه ابن حزم
وعبد الحق وابن القطان ، وقالوا : ضمرة بن ربيعة لا يضر تفرده ؛ لأنه ثقة لم
یکن في الشام رجل یشبهه . قلت : فقد رفعه ثقة ، فإرسال غيره له لا يضر،
كما قررناه .
وفي الحديث دليل على أنه مَنْ ملك مَنْ بَيْنَه وبَيْنَه رحامة محرّمة للنكاح ،
٤٣٧

١٧ - كتاب العتق
١٣٤٢ - حديث عمران بن حصين
فإنه يعتق عليه ؛ وذلك كالآباء وإن علوا ، والأولاد وإن سفلوا ، والإخوة وأولادهم،
والأخوال والأعمام ، لا أولادهم . وإلى هذا ذهبت الهادوية والحنفية ، مستدلين
بالحدیث .
وذهب الشافعي إلى أنه لا يعتق إلا الآباء والأبناء ؛ للنص في الحديث الأول
على الآباء ، وقياساً للأبناء عليهم ، وبناء منه على عدم صحة هذا الحديث
عنده ، وزاد مالك الإخوة والأخوات قياساً على الآباء .
وذهب داود إلى أنه لا يعتق أحد بهذا السبب ؛ لظاهر حديث أبي هريرة
الماضي: ((فيشتريه فيعتقه))؛ فلا يعتق أحد إلا بالإعتاق عنده .
هذا الحدیث کما عرفت ، وقد صححه أئمة ؛ فالعمل به متعیّن ، وظاهره أن
مجرد الملك سبب للعتق ، فيكون قرينة الحمل: ((فيعتقه)) على المعنى المجازي ؛
کما قاله الجمهور ، فلا يكون فيه حجة لداود .
١٣٤٢ - وعَنْ عمران بن حصين رضي اللهُ عنهُ: أنَّ رَجُلاً أعتقَ ستّةَ
مماليك لهُ عِنْدَ مَوْتِهِ ، لمْ يكُنْ لَهُ مالٌ غيرُهُمْ؛ فدعا بهمْ رسول الله
فِجَزَّأَهُم أثلاثاً ، ثمَّ أَقْرع بينهمْ ، فَأَعْتَقَ اثْنين ، وأرَقَّ أَرْبعةً ، وقال لهُ قولاً
شديداً . رواهُ مُسلمٌ .
(وعَنْ عمران بن حصين رضي اللهُ عنهُ: أنَّ رَجُلاً أعتقَ سِتّةَ مماليك لهُ
فجَزَّأَهُم أثلاثاً ،
عِنْدَ مَوْتِهِ ، لمْ یکُنْ لَهُ مالٌ غیرهُمْ؛ فدعا بهمْ رسول الله
ثمَّ أقْرِع بينهمْ ، فَأَعْتقَ اثْنين، وأَرَقَّ أَرْبعةً، وقال لهُ قولاً شديداً): وهو ما رواه
٤٣٨

١٧ - كتاب العتق
١٣٤٢ - حدیث عمران بن حصين
النسائي وأبو داود : أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: ((لو شهدته
قبل أن يدفن ، لم يدفن في مقابر المسلمين)) (رواه مسلم).
دل الحديث على أن حكم التبرع في المرض حكم الوصية ، ينفذ من
الثلث ؛ وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد ، وإنما اختلفوا؛ هل تعتبر القيمة
أو العدد من غير تقويم؟ فقال مالك : يعتبر التقويم ؛ فإذا كانوا ستة أعبد ، أعتق
الثلث بالقيمة ؛ سواء كان الحاصل من ذلك اثنين منهم ، أو أقل ، أو أكثر ،
وذهب البعض إلى أن المعتبر العدد من غير تقويم ؛ فيعتق اثنان في مسألة
الستة الأعبد .
وخالفت الهادوية والحنفية ، وذهبوا إلى أنه يعتق من كل عبد ثلثه ، ويسعى
كل واحد في ثلثي قيمته للورثة ؛ قالوا : وهذا الحديث أحادي خالف الأصول ؛
وذلك لأن السيد قد أوجب لكل واحد منهم العتق ، فلو كان له مال ، لنفذ
العتق في الجميع بالإجماع. وإذا لم يكن له مال ، وجب أن ينفذ لكل واحد
منهم بقدر الثلث الجائز تصرف السيد فيه .
ورد بأن الحديث الآحادي من الأصول ؛ فكيف يقال : إنه خالف الأصول؟!
ولو سلم ، فمن الأصول أنه لا يدخل ضرراً على الغير ، وقد أدخلتم الضرر على
الورثة ، وعلى العبيد المعتقين ، وإذا جمع العتق في شخصين - كما في مسألة
الحديث -، حصل الوفاء بحق العبد ، وحق الوارث ؛ ونظير مسألة العبد : لو
أوصى بجميع التركة ؛ فإنه يقف ما زاد على الثلث على إجازة الورثة اتفاقاً ، ثم
إذا أريد القسمة ، تعينت الأنصباء بالقرعة اتفاقاً .
٤٣٩

١٧ - كتاب العشق
١٣٤٣ و١٣٤٤ - حديثا سفينة وعائشة
١٣٤٣ - وعَنْ سفينةَ رضيَ اللهُ عنه قال: كنتُ مملوكاً لأمِّ سَلَمةَ ، فقالت:
أعتقك وأشترطُ عليك أنْ تخدمَ رسول الله ﴿ ما عشْتَ. رواهُ أحمدُ وأبو
داودَ والنسائي والحاكمُ .
(وعن سفينة رضي الله عنه) : بالسين المهملة ففاء فمثناة تحتية فنون (قال :
کنت مملوكاً لأم سلمة ، فقالت : أعتقك واشترط علیك أن تخدم رسول الله
﴿ ما عشت . رواه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم) .
الحديث دليل على صحة اشتراط الخدمة على العبد المعتق ، وأنه يصح
تعليق العتق بشرط ؛ فيقع بوقوع الشرط . ووجه دلالته أنه علم أنه صلى الله
عليه وآله وسلم قرر ذلك ؛ إذ الخدمة له ، وروي عن عمر : أنه أعتق رقيق
الإمارة ، وشرط عليهم أن يخدموا الخليفة بعده ثلاث سنين . قال في ((نهاية
المجتهد)): لم يختلفوا في أن العبد ، إذا أعتقه سيده على أن يخدمه سنين ، لا
يتم عتقه ، إلا بخدمته ؛ وبهذا قالت الهادوية والحنفية .
قال: ((إنّما الولاءُ
١٣٤٤ - وَعَنْ عائشةَ رَضي اللهُ عنْها: أنَّ رَسُولَ الله
لمن أعتق)) . مُتفقّ علیهِ في حَدِيثٍ طَوِيل .
(وَعَنْ عائِشةَ رَضي اللهُ عنْها: أنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ه قال: ((إنَّما الولاءُ لمن
أعتق)). مُتفقٌ عليهِ في حَدِيثٍ طَوِيل) : في حديث تقدم في البيع في قصة
بريرة ، وتقدم شرحه بما فيه كفاية .
وأفادت كلمة: ((إنما)) الحصر؛ وهو إثبات الولاء لمن ذكر، ونفيه عمن عداه ،
فاستدل به على أنه لا ولاء بالإسلام ؛ خلافاً للهادوية والحنفية .
٤٤٠