Indexed OCR Text

Pages 401-420

١٦ - كتاب القضاء
:
١ - باب الشهادات
١٣١٦ - حديث عمران بن حصين
(وعن عمران بن حصين رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسولُ الله عَلٍ: ((إنَّ
خيركُم قَرْني ، ثم الذين يلونهمْ، ثم الذين يلونهم ، ثم يكون قومٌ يشهدون ، ولا
يستشهدون ، ويخُونون ، ولا يؤتَمَنُونَ ، وينذرُونَ ، ولا يُوفُون ، ويظْهَرُ فيهم
السّمنُ)). متفقٌ عليه): القرن : أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من
الأمور المقصودة ، ويقال : إن ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمان ، أو رئیس
يجمعهم على ملة ، أو مذهب ، أو عمل ، ويطلق القرن على مدة من الزمان .
واختلفوا في تحديدها ، من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين ، قال المصنف : إنه
لم يرَ من صرح بالتسعين ، ولا بمائة وعشرين ، وما عدا ذلك ؛ فقد قال به قائل .
قلت: أما التسعون فنعم ، وأمّا المائة والعشرون فصرح به في ((القاموس))؛ فإنه
قال : أو مائة ، أو مائة وعشرون ، والأول أصح لقوله صلى الله عليه وآله وسلم
لغلام: ((عش قرناً))؛ فعاش مائة سنة. انتهى، قال صاحب ((المطالع)): القرن
أمة هلکت فلم يبق منهم أحد .
وقرنه صلى الله عليه وآله وسلم المراد به المسلمون في عصره، وقوله : (ثم
الذين يلونهم» ، هم التابعون ، والذين يلون التابعين أتباع التابعين ، وهذا يدل
على أن الصحابة أفضل من التابعين ، والتابعين أفضل من تابعيهم ، وأن
التفضيل بالنظر إلى كل فرد فرد ، وإليه ذهب الجماهير .
وذهب ابن عبد البرّ إلى أن التفضيل بالنسبة إلى مجموع الصحابة لا إلى
الأفراد ، فمجموع الصحابة أفضل ممن بعدهم لا كل فرد منهم ؛ إلا أهل بدر وأهل
الحديبية فإنهم أفضل من غيرهم ؛ يريد أن أفرادهم أفضل من أفراد من يأتي بعدهم.
٤٠١

١٦ - كتاب القضاء
١ - باب الشهادات
١٣١٦ - حديث عمران بن حصين
واستدل على ذلك بما أخرجه الترمذي من حديث أنس ، وصححه ابن
حبان من حديث عمار من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أمتي مثل المطر لا
يدرى؛ أوله خير أم آخره)) ، وبما أخرجه أحمد والطبراني والدارمي من حديث
أبي جمعة قال : قال أبو عبيدة: يا رسول الله أحد خير منا؟ أسلمنا معك،
وهاجرنا معك. قال : ((قوم يكونون من بعد كم يؤمنون بي ، ولم يروني))،
وصححه الحاكم .
وأخرج أبو داود والترمذي من حديث ثعلبة يرفعه : ((تأتي أيام للعامل فيهن
أجر خمسين))، قيل: منهم ، أو منا يا رسول الله؟ قال: ((بل منكم)) ، وأخرج أبو
الحسن القطان في ((مشيخته)) عن أنس يرفعه: ((يأتي على الناس زمان الصابر
فيه على دينه له أجر خمسين منكم)) .
وجمع الجمهور بين الأحاديث : بأن للصحبة فضيلة ومزية لا يوازيها شيء
من الأعمال ؛ فلمن صحبه صلى الله عليه وآله وسلم فضيلتها ، وإن قصر عمله ،
وأجره باعتبار الاجتهاد في العبادة ، وتكون خيريتهم على من سيأتي باعتبار
كثرة الأجر لا بالنظر إلى ثواب الأعمال ؛ وهذا قد يكون في حق بعض الصحابة ،
وأمّا مشاهير الصحابة فإنهم حازوا السبق من كل نوع من أنواع الخير؛ وبهذا
يحصل الجمع بين الأحاديث ، وأيضاً فإن المفاضلة بين الأعمال بالنظر إلى
الأعمال المتساوية في النوع ، وفضيلة الصحبة مختصة بالصحابة ؛ لم يكن لمن
عداهم شيء من ذلك النوع .
وفي قوله : ((ثم يكون قوم ... )) إلى آخره، دليل على أنه لم يكن في
٤٠٢

١٦ - كتاب القضاء
١ - باب الشهادات
١٣١٧ - حديث عبد الله بن عمرو
القرنين الأولين من بعد الصحابة من يتصف بهذه الصفات المذمومة ، ولكن
الظاهر أن المراد بحسب الأغلب . واستدل به على تعديل القرون الثلاثة ؛ ولكنه
أيضاً باعتبار الأغلب .
وقوله : ((لا يؤتمنون))؛ أي : لا يراهم الناس أمناء ، ولا يثقون بهم لظهور
خيانتهم ، وقد ثبت أن الأمانة أول ما يرفع من الناس .
ومعنى قوله: ((يظهر فيهم السمن))، أنهم يتوسعون في المآكل والمشارب؛
وهي أسباب السمن ، وقيل : أراد كثرة المال ، وقيل : المراد أنهم يسمنون ؛ أي :
يتكثرون بما ليس فيهم ، ويدعون ما ليس لهم من الشرف ، وفي حديث أخرجه
الترمذي بلفظ: ((ثم يجيء قوم يتسمنون ويحبون السمن))، فجمع بين السمن
- أي : التكثر بما ليس عندهم -، وتعاطي أسباب السمن .
١٣١٧ - وعن عبد الله بن عَمْرو رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسول الله صلَّى
اللهُ عليه وآله وسلَّمَ : ((لا تجوز شهادة خائن ، ولا خائنة ، ولا ذي غمر على
أخيه ، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت)). رواهُ أَحْمدُ وأَبو داود .
(وعن عبد الله بن عمرو رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم: ((لا تجوز شهادة خائن، ولا خائنة، ولا ذي غمر): بفتح
الغين المعجمة وفتح الميم وكسرها بعدها راء ؛ فسره أبو داود بالحنة - بالحاء
المهملة - وهي الحقد والشحناء (على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع) : بالقاف
وبعد الألف نون ، ثم عين مهملة ؛ يأتي بيانه (لأهل البيت)). رواه أحمد وأبو
داود) .
٤٠٣

١٦ - كتاب القضاء
١ - باب الشهادات
١٣١٧ - حديث عبد الله بن عمرو
وأخرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ : ردّ
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شهادة الخائن والخائنة . وأخرجه ابن ماجه
والبيهقي ؛ وإسناده قوي .
وأخرجه الترمذي والدارقطني والبيهقي من حديث عائشة رضي الله عنها
بلفظ : ((لا تجوز شهادة خائن، ولا خائنة، ولا ذي غمر لأخيه ... )) الحديث،
وفيه ضعف ، قال الترمذي: لا يصح عندنا إسناده، وقال أبو زرعة في ((العلل)):
منكر ، وضعفه عبد الحق وابن حزم ، وابن الجوزي ، وقال البيهقي : لا يصح من
هذا شيء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وقوله: ((الخائن))، قال أبو عبيدة: لا نراه خص به الخيانة في أمانات الناس
دون ما افترض الله على عباده وأتمنهم عليه ؛ فإنه قد سمى ذلك أمانة ، قال الله
تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم﴾
[الأنفال: ٢٧]؛ فمن ضيع شيئاً مما أمر الله تعالى به أو ما نهى عنه فليس ينبغي أن
یکون عدلاً ؛ فإنه إذا کان خائنًا فليس له تقوی ترده عن ارتكاب محظورات
الدين التي منها الكذب ؛ فلا يحصل الظن بخبره لأنه مظنة تهمة ، أو مسلوب
الأهلية ، وأما ذو الغمر فالمراد به ما ذكرناه من الحقد والشحناء ، والمراد بأخيه
المسلم المشهود عليه ، والكافر مثله لا يجوز أن يشهد ذو حقد عليه إذا كانت
العداوة بسبب غير الدين ؛ فإن ذا الحقد مظنة عدم صدق خبره ؛ لمحبته إنزال
الضرر بمن يحقد عليه ، وأما المسلم إذا لم يكن ذا حقد على الكافر بسبب غير
الدين ، فإنها تقبل شهادته عليه وإن كان بينهما عداوة في الدين ؛ فإن عداوة
٤٠٤

١٦ - كتاب القضاء
١ - باب الشهادات
١٣١٨ - حديث أبي هريرة
الدين لا تقتضي أن يشهد عليه زوراً؛ فإن الدين لا يسوغ ذلك ، وإنما خرج الحديث
على الأغلب ، والقانع هو الخادم لأهل البيت ، المنقطع إليهم للخدمة وقضاء
الحوائج ، وموالاتهم عند الحاجة . وفي تمام الحديث : وأجازها ؛ أي : شهادة القانع
لغيرهم ؛ أي : لغير من هو تابع لهم ، وإنما منع من شهادته لمن هو قانع لهم ؛ لأنه
مظنة تهمة فيحب دفع الضر عنهم ، وجلب الخير إليهم ؛ فمنع من الشهادة .
ومنع هؤلاء من الشهادة دليل على اعتبار العدالة في الشاهد.، وعليه دل قوله
تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢] وقد رسموا العدالة بأنها
محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة ، ليس معها بدعة ، وقد نازعناهم
في هذا الرسم في عدة من المباحث ، كرسالة: ((المسائل المهمة فيما تعم به
البلوى حكام الأمة))، وحققنا الحق في العدالة في رسالة: ((ثمرات النظر في علم
الأثر))، وفي ((منحة الغفار حاشية ضوء النهار))، ولله الحمد، واخترنا أن العدل
هو: من غلب خيره شره، ولم يجرّب عليه اعتياد كذب ، وأقمنا عليه الأدلة
هنالك ، والشارح هنا مشى مع الجماهير ، وذكر بعض ما يتعلق بتفسير مرادهم .
١٣١٨ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أنّهُ سمع رسولَ الله عَّهِ يقول:
((لا تجوزُ شهادة بَدَوي على صاحب قَرية)). رَوَاهُ أَبُو داودَ وابنُ مَاجه .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أنّهُ سمع رسولَ الله عَ ﴿ يقول: ((لا تجوزُ
شهادة بَدَوي على صاحب قَرية)). رَوَاهُ أَبُو داودَ وابنُ مَاجه) : البدوي من
سكن البادية ؛ نسب على غير قياس النسبة . والقياس : بادوي ، والقرية - بفتح
القاف ، وقد تكسر -: المصر الجامع ، وفيه دليل على عدم صحة شهادة البدوي
٤٠٥

١٦ - كتاب القضاء
١ - باب الشهادات
١٣١٩ - حديث عمر بن الخطاب
على صاحب القرية ، لا على بدوي مثله فتصح ، وإلى هذا ذهب أحمد بن
حنبل وجماعة من أصحابه ، وقال أحمد : أخشى أن لا تقبل شهادة البدوي
على صاحب القرية لهذا الحديث ، ولأنه متهم حيث أشهد بدوياً ، ولم يشهد
قروياً ، وإليه ذهب مالك ، إلا أنه قال : لا تقبل شهادة البدوي لما فيه من الجفاء
في الدين ، والجهالة بأحكام الشرائع ، ولأنهم في الغالب لا يضبطون الشهادة
على وجهها .
وذهب الأكثر إلى قبول شهادتهم وحملوا الحديث على من لا تعرف عدالته
من أهل البادية ؛ إذ الأغلب أن عدالتهم غير معروفة ، وقد استدل في ((البحر))
لقبول شهادتهم بقبوله ﴿ لشهادة الأعرابي على هلال رمضان.
١٣١٩ - وعن عُمَر بنِ الخطاب رضي الله عنه: أنّهُ خطبَ فقال: إنَّ أُناساً
كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله عَ ليه، وإن الوَحْي قد انْقطع، وإنما
نؤاخذُكُمُ الآن بما ظهر لَنَا مِنْ أَعمالكم . رواهُ البُخاريُّ.
(وعن عُمَر بنِ الخطاب رضي الله عنه: أنّهُ خطبَ فقال: إنَّ أُناساً كانوا
يؤخذون بالوحْي في عهد رسول الله عَ﴿ ، وإن الوَحْي قد انْقطع ، وإنما
نؤاخذُكمُ الآن بما ظَهر لَنَا مِنْ أَعمالكم . رواهُ البُخاريُّ): وتمامه: فمن أظهر لنا
خيراً أمناه وقربناه ، وليس لنا من سريرته شيء ، الله يحاسبه في سريرته ، ومن
أظهر لنا سوءاً لم نأمنه ، ولم نصدقه ، وإن قال : إن سريرته حسنة .
استدل به على قبول شهادة من لم يظهر منه ريبة ؛ نظراً إلى ظاهر الحال ،
وأنه يكفي في التعديل ما يظهر من حال المعدل من الاستقامة ، من غير كشف
٤٠٦

١٦ - كتاب القضاء
١ - باب الشهادات
١٣٢٠ - حديث أبي بكرة
عن حقيقة سريرته ؛ لأن ذلك متعذر إلا بالوحي ، وقد انقطع ، وكأنّ المصنف
أورده - وإن کان کلام صحابي لا حجة فيه -؛ لأنه خطب به عمر وأقره من سمعه.
فكان قول جماهير الصحابة ، ولأن هذا الذي قاله هو الجاري على قواعد الشريعة .
وظاهر كلامه أنه لا يقبل المجهول ، ويدل له ما رواه ابن كثير في («الإرشاد)):
أنه شهد عند عمر رجل ، فقال له عمر: لست أعرفك، ولا يضرك أن لا
أعرفك ، ائت بمن يعرفك ، فقال رجل من القوم : أنا أعرفه ، قال : بأي شيء
تعرفه؟ قال : بالعدالة والفضل ، فقال : هو جارك الأدنى الذي تعرف ليله ونهاره
ومدخله ومخرجه؟ قال : لا ، قال : فعاملك بالدينار والدرهم اللذين يستدل بهما
على الورع؟ قال : لا ، قال : فرفيقك في السفر الذي يستدل به على مكارم
الأخلاق؟ قال : لا ، قال : لست تعرفه ، ثم قال للرجل : ائت بمن يعرفك ، قال
ابن کثیر : رواه البغوي بإسناد حسن .
أُ : أَنّه عَدَّ شهادة
١٣٢٠ - وعن أبي بكرةَ رضي الله عنه: عن النبي
الزُّور في أكبر الكبائر . مُتّفقٌ عَليْهِ في حديثٍ طويلٍ .
(وعن أَبي بكرةَ رضي الله عنه عن النبي ◌َ﴿ٍ: أَنّه عَدَّ شهادة الزُّور في
أكبر الكبائر . مُتّفقٌ عَليْهِ في حدیثٍ طويلٍ) : في حديث ولفظه : أنه صلى
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر - ثلاثاً -؟)) ،
قالوا: بلى، قال: ((الإشراك بالله وعقوق الوالدين))، وجلس ، وكان متكئاً، ثم
قال: ((ألا وقول الزور))، فما زال يكررها ، حتّى قلنا: ليته سكت .
تقدم تفسير شهادة الزور ، قال الثعلبي : الزور: تحسين الشيء . ووصفه
٤٠٧

١٦ - كتاب القضاء
١ - باب الشهادات
١٣٢١ - حديث ابن عباس
بخلاف صفته ، حتّى يخيل إلى من سمعه أو رآه أنه بخلاف ما هو به ، فهو
تمويه الباطل بما يوهم أنه حق ، وقد جعل صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
قول الزور عديلاً للإشراك ومساوياً له .
قال النووي : وليس على ظاهره المتبادر؛ وذلك لأن الشرك أكبر بلا شك،
وكذلك القتل ؛ فلا بدّ من تأويله ، وذلك بأن التفضيل لها بالنظر إلى ما يناظرها
في المفسدة ، وهي التسبب في أكل المال بالباطل ، فهي أكبر الكبائر بالنسبة إلى
الكبائر التي يتسبب بها إلى أكل المال بالباطل ، فهي أكبر من الزنا ومن
السرقة ، وإنما اهتم عَه بإخبارهم عن شهادة الزور، وجلس وأتى بحرف التنبيه ،
وكرر الإخبار ؛ لكون قول الزور وشهادة الزور أسهل على اللسان ، والتهاون بها
أكثر، ولأن الحوامل عليه كثيرة من العداوة والحسد وغيرها ، فاحتيج إلى
الاهتمام بشأنه بخلاف الإشراك ؛ فإنه ينبو عنه قلب المسلم، ولأنه لا تتعدّى
مفسدته إلى غير المشرك، بخلاف قول الزور؛ فإنه يتعدّى إلى من قيل فيه ،
والعقوق يصرف عنه كرم الطبع والمروءة .
١٣٢١ - وعن ابنِ عَبّاس رضي الله عنهُمَا: أنَّ النبي ◌َ﴿ قال لرجلٍ:
(ترى الشّمس؟))، قال: نعم، قال: ((على مثْلها فاشهد، أو دَعْ)) . أخرجهُ ابنُ
عدي بإسناد ضعيفٍ ، وصححه الحاكمُ فَأَخْطَأَ .
(وعن ابنٍ عَبّاس رضيَ الله عنهُمَا: أنَّ النبي ◌َ﴿ قال لرجلٍ: «ترى
الشّمس؟))، قال: نعم، قال: ((على مثْلها فاشهد، أو دَعْ)) . أخرجهُ ابنُ عدي
بإسناد ضعيف ، وصححه الحاكمُ فأخْطَأ) : لأن في إسناده محمد بن سليمان
٤٠٨

١٦ - كتاب القضاء
١ - باب الشهادات
١٣٢١ - حديث ابن عباس
ابن مشمول ؛ ضعفه النسائي ، وقال البيهقي : لم يرو من وجه يعتمد عليه ، وفيه
دليل على أنه لا يجوز للشاهد أن يشهد إلا على ما يعلمه علماً يقيناً كما تعلم
الشمس بالمشاهدة ، ولا تجوز الشهادة بالظن ؛ فإن كانت الشهادة على فعل ؛ فلا بدّ
من رؤيته ، وإن كانت على صوت ، فلا بدّ من سماع ذلك الصوت ، ورؤية
المصوت ، أو التعريف بالمصوت بعدلين ، أو عدل عند من يكتفي به ، إلا في
مواضع فإنها تجوز الشهادة بالظن ، وقد بوب البخاري للشهادة على الظنّ بقوله :
باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض ، والموت القديم ، وذكر أربعة
أحاديث في ثبوت الرضاع ، وثبوته إنما هو بالاستفاضة ، ولم يذكر حديثاً على رؤية
الرضاع ، وأشار بذلك إلى ثبوت النسب ؛ فإن من لازم الرضاع ثبوت النسب .
وأما ثبوت الرضاعة نفسها بالاستفاضة ؛ فإنه مستفاد من صريح الأحاديث ؛
فإن الرضاعة المذكورة فيها كانت في الجاهلية ، وكان ذلك مستفيضاً عند من
وقع له ، وحدّ الاستفاضة عند الهادوية شهرة في المحلة تثمر ظناً، أو علماً ، وإنما
اكتفي بالشهرة في المذكورة ؛ إذْ لا طريق له إلى التحقيق بالنسب ؛ لتعذر التحقق
فيه في الأغلب ، وأراد البخاري بالموت القديم ما تطاول الزمان عليه ، وحدّه
البعض بخمسين سنة ، وقيل أربعين ؛ وذلك لأنه يشق فيه التحقيق .
وإلى العمل بالشهرة في النسب ذهب الهادوية والشافعية وأحمد ، ومثله
الموت، كذلك ذهبت إليه الهادوية في ثبوت الولاء. وقال المصنف في ((الفتح)):
اختلف العلماء في ضابط ما تفيد فيه الشهادة بالاستفاضة ، فيصح عند
الشافعية في النسب قطعاً والولادة وفي الموت والعتق والولاء والولاية والوقف
٤٠٩

١٦ - كتاب القضاء
١ - باب الشهادات ١٣٢٢ و١٣٢٣ - حديثا ابن عباس وأبي هريرة
والعزل والنكاح وتوابعه والتعديل والتجريح والوصية والرشد والسفه ، وذلك على
الراجح في جميع ذلك ، وبلغها بعض المتأخرين من الشافعية بضعة وعشرين
موضعاً ، وهي مستوفاة في ((قواعد العلائي)) ... إلى آخر كلامه .
١٣٢٢ - وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا: أنَّ النبيََّ﴿ قضى بيمينِ
وشاهد. أخرَجَهُ مُسلمٌ وأبو داود والنسائيُّ ، وقال : إسناده جَيِّدٌ .
ء
(وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا: أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ قضى بيمينِ وشاهدٍ .
أخرَجَهُ مُسلمٌ وأبو داودَ والنسائيُّ ، وقال : إسناده جَيِّدٌ) : قال ابن عبد البرّ:
لا مطعن لأحد في إسناده؛ كذا قال، لكنه قال الترمذي في ((العلل)»: سألت
محمداً - يعني : البخاري - عنه؟ فقال : لم يسمعه عندي عمرو من ابن عباس ؛
یرید عمرو بن دینار راویه عن ابن عباس .
وقال الحاكم : قد سمع عمرو من ابن عباس عدّة أحاديث ، وسمع من
جماعة من أصحابه ؛ فلا ینکر أن یکون سمع منه حديثاً ، وسمعه من أصحابه
عنه ، وله شواهد .
١٣٢٣ - وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه مثْلهُ . أخرجَهُ أبو داود والترمذي ،
وصحّحهُ ابنُ حِبّان .
(وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه مثْلهُ. أخرجَهُ أبو داود والترمذي ، وصحّحُهُ
ابنُ حِبّان): وأخرجه أيضاً الشافعي ، وقال ابن أبي حاتم في ((العلل)) عن أبيه :
هو صحيح ، وقد أخرج الحديث عن اثنين وعشرين من الصحابة ، وقد سرد
الشارح أسماءهم .
٤١٠

١٦ - كتاب القضاء
١ - باب الشهادات
١٣٢٣ - حديث أبي هريرة
والحديث دليل على أنه يثبت القضاء بشاهد ويمين ، وإليه ذهب جماهير من
الصحابة والتابعين وغيرهم ، وهو مذهب فقهاء المدينة السبعة والهادوية ومالك ،
وقال الشافعي : وعمدتهم هذه الأحاديث ، واليمين وإن كان حاصلها تأكيد
الدعوى لكن يعظم شأنها ؛ فإنها إشهاد لله سبحانه أن الحقيقة كما يقول ، ولو
كان الأمر على خلاف الدعوى ، لكان مفترياً على الله أنه يعلم صدقه ، فلما
كانت بهذه المنزلة العظيمة هابها المؤمن بإيمانه وعظمة شأن الله عنده أن يحلف
به كاذباً ، وهابها الفاجر لما يراه من تعجيل عقوبة الله لمن حلف يميناً فاجرة ، فلما
كان لليمين هذا الشأن صلحت للهجوم على الحكم كشهادة الشاهد ، وقد اعتبرت
الأيمان فقط في اللعان وفي القسامة في مقام الشهود .
وذهب زيد بن علي وأبو حنيفة وأصحابه إلى عدم الحكم باليمين والشاهد ،
مستدلين بقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، وقوله :
﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ [البقرة: ٢٨٢]، قالوا : وهذا يقتضي
الحصر . ويفيد مفهوم المخالفة أنه لا يكون بغير ذلك ، وزيادة الشاهد واليمين
تكون نسخاً لمفهوم المخالفة ، وأجيب عنه بأنه على تقدير اعتبار مفهوم المخالفة ،
يصح نسخه بالحديث الصحيح ؛ أعني حديث ابن عباس .
واستدلوا بقوله معَ ة: ((شاهداك، أو يمينه))، وأجيب بأن هذا الحديث صحيح
وحديث الشاهد واليمين صحيح يعمل بهما في منطوقهما ؛ فإن مفهوم أحدهما
لا يقاوم منطوق الآخر .
هذا، وفي ((سنن أبي داود)) أنه قال سلمة في حديثه : قال عمرو: في
٤١١

١٦ - كتاب القضاء
١ - باب الشهادات
١٣٢٣ - حديث أبي هريرة
الحقوق ؛ يريد أن عمرو بن دينار الراوي عن ابن عباس خص الحكم بالشاهد
واليمين بالحقوق ؛ قال الخطابي : وهذا خاص بالأموال دون غيرها ؛ فإن الراوي
وقفه عليها ، والخاص لا يتعدّى به محله ، ولا يقاس عليه غيره ، واقتضاء
العموم منه غير جائز؛ لأنه حكاية فعل والفعل لا عموم له اهـ .
والحق أنه لا يخرج من الحكم بالشاهد واليمين إلا الحد والقصاص ؛ للإجماع
أنهما لا يثبتان بذلك .
٤١٢

١٦ - كتاب القضاء
٢ - باب الدعاوى والبینات
١٣٢٤ - حديث ابن عباس
٢ - باب الدعاوى والبینات
الدعاوى : جمع دعوى ، وهي اسم مصدر من ادّعى شيئاً إذا زعم أن له
حقاً ، أو باطلاً .
والبينات : جمع بينة ، وهي الحجة الواضحة ، سميت الحجة بيّنة لوضوح
الحق وظهوره بها .
١٣٢٤ - عن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا: أنَّ النبي صلَّى اللهُ تعالى عليه
وعلى آله وسلَّمَ قال: ((لو يُعطى النّاسُ بدَغْواهم لادَّعى ناسٌ دماءَ رجال
وأموالهم ، ولكن اليمينُ على المدَّعى عليه)). مُتّفقٌ عَليهِ ، وللبيهقي بإسناد
صحيح: ((البيِّنةُ على المدَّعِي واليمين على مَنْ أَنْكَرَ)).
(عن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا: أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى
آله وسلم قال: ((لَوْ يُعطَى الناسُ بدعواهم لادعى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالهمْ،
ولكن اليمين على المدعى عليه)). متفق عليه ، وللبيهقي) : أي : من حديث
ابن عباس (بإسناد صحيح: ((البينةُ على المدعي واليمين على من أنكر))).
وفي الباب عن ابن عمر عند ابن حبان ، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جدّه عند الترمذي ، والحديث دال على أنه لا يقبل قول أحد فيما يدعيه
لمجرد دعواه؛ بل يحتاج إلى البينة ، أو تصديق المدّعى عليه ؛ فإن طلب يمين
المدّعى عليه فله ذلك ، وإلى هذا ذهب سلف الأمّة وخلفها .
قال العلماء : والحكمة في كون البينة على المدّعي أن جانب المدعي ضعيف؛
٤١٣

١٦ - كتاب القضاء
٢ - باب الدعاوى والبينات
١٣٢٥ - حديث أبي هريرة
لأنه يدّعي خلاف الظاهر ، فكلف الحجة القوية وهي البينة ، فيقوى بها ضعف
المدّعي ، وجانب المدعى عليه قوي لأن الأصل فراغ ذمّته فاكتفي منه باليمين ،
وهي حجة ضعيفة .
١٣٢٥ - وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه: أنَّ النّبي ◌َّهُ عَرَض على قوْم
اليمين فأَسرعوا فَأَمر أنْ يُسهمَ بَيْنهم في اليمين ؛ أيُّهمْ يحلف . رواهُ البخاريُّ.
عَرَض على قوْم اليمين
(وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه: أنَّ النّبِي ◌َخُ}
فأَسرعوا فَأَمر أنْ يُسهمَ بَيْنهم في اليمين ؛ أيُّهمْ يحلف . رواهُ البخاريُّ) : يفسره
ما رواه أبو داود والنسائي من طريق أبي رافع عن أبي هريرة : أن رجلين اختصما
في متاع ليس لواحد منهما بينة ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((استهما
على اليمين ما كان أحبا ذلك ، أو كرها))، قال الخطابي : ومعنى الاستهام هنا
الاقتراع؛ يريد أنهما يقترعان ، فأيهما خرجت له القرعة حلف وأخذ ما ادعى .
وروي مثله عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، وهو : أنه أتي بنعل وجد
في السوق يباع ، فقال رجل : هذا نعلي لم أبع ، ولم أهب ، وقرع على خمسة
يشهدون ، وجاء آخر يدعيه يزعم أنه نعله وجاء بشاهدين ، قال الراوي : فقال
عليّ عليه السلام : إن فيه قضاء وصلحاً وسوف أبين لكم ذلك ؛ أما صلحه فأن
يباع النعل فيقسم على سبعة أسهم لهذا خمسة ولهذا اثنان ، وإن لم يصطلحا
فالقضاء أن يحلف أحد الخصمين أنه ما باعه ، ولا وهبه وأنه نعله ؛ فإن
تشاححتما أيكما يحلف ، فإنه يقرع بينكما على الحلف ؛ فأيكما قرع حلف .
انتهى كلام الخطابي .
٤١٤

١٦ - كتاب القضاء ٢ - باب الدعاوى والبينات ١٣٢٦ و١٣٢٧ - حديثا أبي أمامة الحارثي والأشعث بن قيس
١٣٢٦ - وعن أبي أُمامةَ الحارثي رضي الله عنه: أنَّ رسول الله عَّهِ قالَ:
((من اقتطعَ حَقَّ امْرئ مُسلم بيمينه فقد أَوْجب الله لَهُ النار وحرَّمَ عليه الجنّة)) ،
فقال لهُ رجلٌ: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ قال: ((وإن كان قضيباً من
أراك . رواه مُسلمٌ .
. قالَ: ((من
(وعن أبي أمامةَ الحارثي رضي الله عنه: أنَّ رسول اللّه ◌ِ
اقتطعَ حَقَّ امْرئ مُسلم بيمينه فقد أَوْجب الله لَهُ النار وحرَّمَ عليه الجنّة))، فقال
لهُ رجلٌ: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ قال: ((وإن كان قضيباً من أراك.
رواه مُسلمٌ) : الحديث دليل على شدّة الوعيد لمن حلف ليأخذ حقاً لغيره ، أو
يسقط عن نفسه حقاً؛ فإنه يدخل تحت الاقتطاع لحق المسلم ، والتعبير بحق
المرء المسلم يدخل فيه ما ليس بمال شرعاً ، كجلد الميتة ونحوه .
وذكر المسلم خرج مخرج الغالب ، وإلا فالذمي مثله في هذا الحكم ؛ قيل :
ويحتمل أن هذه العقوبة تختص بمن اقتطع بيمينه حق المسلم لا حق الذمي ،
وإن كان محرماً فله عقوبة أخرى ، وإيجاب النار وتحريم الجنة مقيد بما إذا لم
يتب ، ويتخلص من الحق الذي أخذه باطلاً ، ثم المراد باليمين اليمين الفاجرة ،
وإن كانت مطلقة في الحديث ؛ فقد قيدها الحديث الآتي ، وهو قوله :
قال :
١٣٢٧ - وعن الأشعث بن قيس رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله
((مَنْ حَلَف على يمين يَقْتطِعُ بها مالَ امرئ مُسلم هُو فيها فاجرٌ ، لقيَ الله ، وهو
علیهِ غَضْبان» . متفقٌ عليه .
(وعن الأشعث) : بشين معجمة ساكنة فعين مهملة مفتوحة فمثلثة ، وهو
٤١٥

١٦ - كتاب القضاء
٢ - باب الدعاوى والبینات
١٣٢٨ - حديث أبي موسى
أبو محمد (ابن قيس رضي الله عنه) : ابن معدیکرب الكندي ، قدم على النبي
صلى الله عليه وآله وسلم في وفد كندة ، وكان رئيسهم، وذلك في سنة عشر،
وكان رئيساً في الجاهلية مطاعاً في قومه وجيهاً في الإسلام ، وارتد عن الإسلام
بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم رجع إلى الإسلام في خلافة أبي
بكر رضي الله عنه ، وخرج للجهاد مع سعد بن أبي وقاص وشهد القادسية
وغيرها ، ثم سكن الكوفة ومات بها سنة اثنتين وأربعين ، وصلى عليه الحسن
قال: ((منْ حلف على يمين يقتطع بها
ابن عليّ رضي الله عنه (أن رسول الله
مال امرئ مُسْلم هو فيها فاجرٌ ، لقي الله ، وهو عليه غضبانُ)). متفق عليه).
والمراد بكونه فاجراً فيها أن يكون متعمداً عالماً أنه غير محق ، وإذا كان تعالى
علیه غضبان حرمه جنته وأوجب عليه عذابه .
١٣٢٨ - وعن أبي موسى رضي الله عنه: أَنَّ رجلين اختصما إلى رسول
الله :﴿ في دابّة لَيْس لواحدٍ مِنْهُما بيّنَةٌ ، فقضى بها بيْنَهُما نصفين . رواهُ
أَحمد وأبو داود والنسائي ، وهذا لفْظُهُ، وقالَ : إِسْنادُهُ جيّدٌ .
(وعن أَبي مُوسى رضي الله عنه: أَنَّ رجلين اختصما إلى رسول الله
في دابّة لَيْس لواحدٍ مِنْهُما بيّنَةٌ ، فقضى بها بيْنَهُما نصفين . رواهُ أَحمد وأَبو
داود والنسائي ، وهذا لفْظُهُ، وقالَ: إِسْنَادُهُ جيّدٌ) : قال الخطابي : يشبه أن
يكون هذا البعير ، أو الدابة كانت في أيديهما معاً ، فجعله النبي صلى الله عليه
وآله وسلم بينهما لاستوائهما في الملك باليد ، ولولا ذلك لم يكونا بنفس
الدعوى يستحقانه ، لو كان الشيء في يد أحدهما . وقد روى أبو داود عقيبه
٤١٦

١٦ - كتاب القضاء
٢ - باب الدعاوى والبینات
١٣٢٨ - حديث أبي موسى
حديثاً فقال: ادعيا بعيراً في عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم فبعث كل واحد منهما بشاهدين؛ فقسمه النبي صلى الله تعالى عليه وآله
وسلم بينهما نصفين . قال الخطابي: وهو مروي بالإسناد الأول ، إلا أن في
الحديث المتقدم : لم يكن لواحد منهما بينة ، وفي هذا أن كل واحد منهما قد
جاء بشاهدين ؛ فاحتمل أن تكون القضية واحدة إلا أن الشهادات لما تعارضت
تهاترت ، فصارا كمن لا بينة له ، وحكم بالشيء بينهما نصفين لاستوائهما في
اليد ، ويحتمل أن يكون البعير في يد غيرهما ؛ فلما أقام كل واحد منهما
شاهدين على دعواه ، نزع الشيء من يد المدعى عليه ودفعه إليهما .
وقد اختلف العلماء في الشيء يكون في يد الرجل يتداعاه اثنان ، يقيم كل
واحد منهما بيّنة ؛ فقال أحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه : يقرع بينهما فمن
خرجت له القرعة صارله ، وكان الشافعي يقول به قديماً، ثم قال في الجديد :
فيه قولان ؛ أحدهما : يقضي به بينهما نصفين ، وبه قال أصحاب الرأي وسفيان
الثوري ، والقول الثاني : يقرع بينهما فأيهما خرج سهمه حلف لقد شهد شهوده
بحق ، ثم یقضی له به .
وقال مالك : لا أقضي به لواحد منهما إن كان في يد غيرهما ، وحكي عنه
أنه قال: هو لأعدلهما شهوداً وأشهرهما في الصلاح ، وقال الأوزاعي : يؤخذ
بأكثر البينتين عدداً، وحكي عن الشعبي أنه قال : هو بينهما على حصص
الشهود . اهـ كلام الخطابي .
وفي ((المنار)) أن القرعة ليس هذا محلها ، وإنما وظيفتها حيث تعذر التقريب
٤١٧

١٦ - كتاب القضاء
٢ - باب الدعاوى والبینات
١٣٢٩ - حديث جابر
إلى الحقيقة من كل وجه ، وكون المدعي هنا مشتركاً أحد المحتملات ؛ فلا وجه
لإبطاله بالقرعة ، واختار قسمة المدعي ؛ وهو الصواب في هذه الصورة .
١٣٢٩ - وعن جابر رضي الله عنه: أَنَّ النبيَّ ◌ِ ﴿ِ قال: ((مَنْ حلفَ على
منْبري هذا بيمين أَثمة، تبوَّأْ مقعده من النار)). رواهُ أحمدُ وأبو داودَ
والنسائي ، وصحّحهُ ابنُ حِبّان .
(وعن جابرٍ رضي الله عنه: أَنَّ النبيَّ:﴿ قال: ((مَنْ حلفَ على منْبري
هذا بيمين آثمة، تبوَّأْ مقعده من النار)). رواهُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائي،
وصحّحُهُ ابنُ حِبّان) : وأخرج النسائي برجال ثقات من حديث أبي أمامة
مرفوعاً: ((من حلف عند منبري هذا بيمين كاذبة يستحل بها مال امرئ مسلم ،
فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفاً ، ولا عدلاً)).
والحديث دليل على عظمة إثم من حلف على منبره صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم كاذباً ، واختلف العلماء في تغليظ الحلف بالمكان والزمان هل
يجوز للحاكم ، أو لا؟ والحديث لا دليل فيه على أحد القولين ، إنما فيه عظمة إثم
من حلف على منبره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كاذباً .
وذهب الهادوية والحنفية والحنابلة إلى أنه لا تغليظ بزمان ولا مكان ، وأنه لا
يجب على الحالف الإجابة إلى ذلك .
وذهب الجمهور إلى أنه يجب التغليظ في الزمان والمكان ؛ قالوا : ففي المدينة
على المنبر، وفي مكة بين الركن والمقام، وفي غيرهما في المسجد الجامع ،
٤١٨

١٦ - كتاب القضاء
٢ - باب الدعاوى والبينات
١٣٣٠ - حديث أبى هريرة
وكأنهم يقولون في الزمان : ينظر إلى الأوقات الفاضلة ؛ كبعد العصر وليلة
الجمعة ويومها ونحو ذلك .
احتج الأولون بإطلاق أحاديث ((اليمين على المدعى عليه))، وبقوله :
((شاهداك، أو يمينه)).
واحتج الجمهور بحديث جابر وحديث أبي أمامة وبفعل عمر وعثمان وابن
عباس وغيرهم من السلف ، واستدلوا للتغليظ بالزمان بقوله تعالى: ﴿تحبسونهما
من بعد الصلاة﴾ [المائدة: ١٠٦]؛ قال المفسرون: هي صلاة العصر .
وقال آخرون : يستحب التغليظ في الزمان والمكان ، ولا يجب ، وقيل : هو
موضع اجتهاد للحاكم إذا رآه حسناً ألزم به .
١٣٣٠ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ل: «ثلاثة
لا يُكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم ، ولا يزكيهمْ، ولهمْ عذابٌ أَلِيمٌ :
رجُلٌ على فَضْلِ ماءِ بالفلاةِ يْنَعُهُ ابنِ السّبِيلِ ، وَرَجُلٌ بايعَ رَجُلاً بسلعةٍ بعْد
العصر فحَلف بالله لأخذَها بكذا وكذا، فَصَدّقَهُ ، وهو على غير ذلكَ ، ورجُلٌ
بايعَ إماماً لا يُبايعُهُ إلا للدنيا؛ فإِن أَعْطاه منها وفّى ، وإن لمْ يُعْطِهِ مِنْها لمْ
يَفٍ)) . مُتّفقٌ عليهِ .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عز لة: ((ثلاثة لا
يُكلمهم الله يوم القيامة ، ولا ينظر إليهم) : هذا كناية عن غضبه تعالى وإشارة
إلى حرمانهم من رحمته (ولا يزكيهم) : أي : لا يطهرهم عن أدناس الذنوب
بالمغفرة (ولهم عذاب أليمٌ: رجلٌ على فضل ماءٍ بالفلاة يمنعُهُ ابن السّبيل ،
٤١٩

١٦ - كتاب القضاء
٢ - باب الدعاوى والبينات
١٣٣٠ - حديث أبي هريرة
ورجلٌ بايع رجلاً بسلعة بعدَ العصر فحلف بالله لأخَذَهَا بكذا وكذا ، فصَدَّقَهُ ،
وهو على غير ذلك ، ورجلٌ بايع إماماً لا يبايعِهُ إلا للدنْيا؛ فإن أَعطاهُ منْها
وفى ، وإن لمْ يُعْطِهِ منها لمْ يَفٍ)). متفق عليه) .
قوله : ((على فضل ماء))؛ أي : على ماء فاضل عن كفايته ؛ فهذا منع ما لا
حاجة إليه من هو محتاج له ؛ وتقدم الكلام عليه في كتاب البيع .
وقوله: ((وصدقه))؛ أي: المشتري، وضمير هو للأخذ مصدر قوله: ((لأخذها))؛
لدلالة فعله عليه ، مثل ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [المائدة: ٨]؛ أي: والأخذ
على غير ما حلف عليه ؛ فهذا ارتكب أمرين عظيمين : الحلف بالله والكذب في
قيمة السلعة ، وخص بعد العصر لشرف الوقت ، وهو من أدلة من غلظ بالزمان .
وقوله : ((بايع إماماً لا يبايعه إلا للدنيا))؛ أي: لما يعطيه منها ، والوعيد يحتمل
أنه لمجموع ما ذكر من المبايعة لأجل الدنيا ؛ فإنها نية غير صالحة ، ولعدم الوفاء
بالخروج عن الطاعة وتفريق الجماعة ، والأصل في بيعة الإمام أن يقصد بها إقامة
الشريعة ، ويعمل بالحق ، ويقيم ما أمر الله بإقامته ، ويهدم ما أمر الله بهدمه .
ووقع في البخاري : ((ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر؛ ليقتطع بها
مال رجل مسلم)) ؛ فيكون من توعد بهذا النوع من الوعيد أربع ، وفي مسلم مثل
حديث أبي هريرة؛ قال: ((وشيخ زان، وملك كذاب ، وعائل مستكبر))، وأخرج
أيضاً من حديث أبي ذرّ مرفوعاً: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة : المنان
الذي لا يعطي شيئاً إلا منّة، والمنفق سلعته بالحلف الفاجر ، والمسبل إزاره))،
فحصل من مجموع الأحاديث تسع خصال ، إن جعلنا المنفق سلعته بالحلف
٤٢٠