Indexed OCR Text

Pages 361-380

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٨٦ - حديث أبي هريرة
وقوله: ((من أحصاها))، اختلف العلماء في الإحصاء ، فقال البخاريُّ وغيره
من المحققين : معناه : حفظها ، وهو الظاهر ؛ فإن إحدى الروايتين مفسرة للأخرى ،
وقال الخطابي : يحتمل وجوهاً ؛ أحدها : أن يعدها ، حتّى يستوفيها ؛ بمعنى : أن
لا يقتصر على بعضها فيدعو الله بها كلها ، ويثني عليه بجميعها ، فيستوجب
الموعود عليها من الثواب؛ وثانيها : المراد بالإحصاء الإطاقة ، والمعنى : من أطاق
القيام بحق هذه الأسماء والعمل بمقتضاها ، وهو أن يعتبر معانيها فيلزم نفسه
بمواجبها ؛ فإذا قال : الرزاق ، وثق بالرزق ، وكذا سائر الأسماء ؛ ثالثها : المراد به
الإحاطة بمعانيها ، وقيل : أحصاها: عمل بها ؛ فإذا قال : الحكيم ؛ سلم لجميع
أوامره ؛ لأن جميعها على مقتضى الحكمة ، وإذا قال : القدّوس ؛ استحضر كونه
مقدساً منزهاً عن جميع النقائص ، واختاره أبو الوفاء بن عقيل .
وقال ابن بطال : طريق العمل بها أن ما كان يسوغ الاقتداء به فيها ، کالرحيم
والكريم ؛ فيمرّن العبد نفسه على أن يصح له الاتصاف بها ؛ وما كان يختص به
نفسه ، كالجبار والعظيم ؛ فعلى العبد الإقرار بها والخضوع لها ، وعدم التحلي
بصفة منها ؛ وما كان فيه معنى الوعد ؛ يقف فيه عند الطمع والرغبة ؛ وما كان
فيه معنى الوعيد ؛ يقف منه عند الخشية والرهبة ، ويؤيد هذا أن حفظها لفظاً من
دون عمل واتصاف ، كحفظ القرآن من دون عمل ، لا ينفع ، كما جاء : ((يقرؤون
القرآن لا يجاوز حناجرهم)) ، ولكن هذا الذي ذكرته لا يمنع من ثواب من قرأها
سرداً ، وإن كان متلبساً بمعصية ، وإن كان ذلك مقام الكمال الذي لا يقوم به ،
إلا أفراد من الرجال ، وفيه أقوال أخر لا تخلو من تكلف ؛ تركناها .
٣٦١

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٨٧ و١٢٨٨ - حديث أسامة بن زيد وابن عمر
فإن قلت : كيف يتم أن المراد مَنْ حفظها - على ما هو قول جمع من المحققين -،
ولم یأت بعددها حدیث صحیح؟ .
قلت : لعل المراد من حفظ كل ما ورد في القرآن ، وفي السنّة الصحيحة ،
وإن كان الموجود فيهما أكثر من تسعة وتسعين ؛ فقد حفظ التسعة والتسعين في
ضمنها ؛ فيكون حثاً على تطلبها من الكتاب والسنّة الصحيحة وحفظها .
١٢٨٧ - وعن أسامة بن زيد رضيَ الله عنهُمَا قالَ: قالَ رسولُ الله عَنِهِ :
((مَنْ صُنِعَ إليْه معروفٌ، فقال لفاعله: جزاكَ اللهُ خِيْراً! ، فقد أبلغَ في
الثناء)». أَخرجهُ الترمذي ، وصحّحهُ ابن حِبّان .
(وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهُمَا قالَ: قالَ رسولُ الله عَارِهِ: ((مَنْ
صُنعَ إليْه معروفٌ ، فقال لفاعلهِ: جزاكَ اللهُ خيْراً!، فقد أَبلغَ في الثناء».
أخرجهُ الترمذي ، وصحّحهُ ابن حِبّان .) .
المعروف : الإحسان ، والمراد من أحسن إليه إنسان بأي إحسان ، فكافأه بهذا
القول ، فقد بلغ في الثناء عليه مبلغاً عظيماً ، ولا يدل على أنه قد كافأه على
إحسانه ؛ بل دل على أنه ينبغي الثناء على المحسن ، وقد ورد في حديث آخر:
((إن الدعاء ، إذا عجز العبد عن المكافأة ، مكافأة))، ولا يخفى أن ذكر الحديث
هنا غير موافق لباب الأيمان والنذور ، وإنما محله باب الأدب الجامع .
: أَنّه نهى عن
١٢٨٨ - وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا عن النّبي:
النّذر وقال: ((إنّهُ لا يأتي بخير، وإنّما يُسْتَخْرَجُ به مِنَ البخيلِ)). مُتّفقٌ عليهِ .
(وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا عن النّبِيِ لَ ◌ّهِ: أَنّه نهى عن النّذر وقال:
٣٦٢

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٨٨ - حديث ابن عمر
((إنّهُ لا يأتي بخير، وإنّما يُسْتَخْرَجُ به مِنَ البخيلِ)). مُتّفقٌ عليهِ):
هذا أول الكلام في النذور ، والنذر لغة : التزام خير ، أو شر .
وفي الشرع : التزام المكلف شيئاً لم يكن عليه منجزاً أو معلقاً واختلف
العلماء في هذا النهي ؛ فقيل : هو على ظاهره ، وقيل : بل متأوّل .
قال ابن الأثير في ((النهاية)): تكرّر النهي عن النذر في الحديث ، وهو تأكيد
لأمره، وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه ، ولو كان معناه الزجر عنه ، حتّى لا
يفعل ، لكان في ذلك إيطال لحكمه ، وإسقاط للزوم الوفاء به ، إذا كان بالنهي
يصير معصية ؛ فلا يلزم ؛ وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ذلك الأمر لا يجر
لهم في العاجل نفعاً ، ولا يصرف عنهم ضراً، ولا يردّ قضاء، فقال: لا تنذروا
على أنكم تدركون بالنذر شيئاً لم يقدّره الله تعالى لكم ، أو تصرفون به عنكم ما
قدّر عليكم؛ فإذا نذرتم ، ولم تعتقدوا هذا، فاخرجوا عنه بالوفاء ؛ فإن الذي
نذرتموه لازم لكم . اهـ.
وقال المازري - بعد نقل معناه عن بعض أصحابه -: وهذا عندي بعيد عن
ظاهر الحديث ، قال : ويحتمل عندي أن يكون وجه الحديث أن الناذر يأتي
بالقربة مستثقلاًلها ؛ لما صارت عليه ضربة لازب ؛ فلا ينشط بالفعل نشاط
مطلق الاختيار، أو لأن الناذر يصير القربة كالعوض عن الذي نذر لأجله ؛ فلا
تكون خالصة ، ويدل عليه قوله: ((إنه لا يأتي بخير)).
وقال القاضي عياض : إن المعنى أنه يغالب القدر، والنهي ؛ لخشية أن يقع
في ظن بعض الجهلة ذلك ، وقوله : ((لا يأتي بخير))، معناه: أن عقباه لا تحمد ،
٣٦٣

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٨٨ - حديث ابن عمر
وقد يتعذر الوفاء به ، وأن لا يكون سبباً لخير لم يقدر؛ فيكون مباحاً .
وذهب أكثر الشافعية - ونقل عن المالكية - إلى أن النذر مكروه ؛ لثبوت النهي
عنه ، واحتجوا بأنه ليس طاعة محضة ؛ لأنه لم يقصد به خالص القربة ، وإنما قصد
أن ينفع نفسه ، أو يدفع عنها ضرراً بما التزم ، وجزم الحنابلة بالكراهة ، وعندهم رواية
أنها كراهة تحريم ، ونقل الترمذي كراهته عن بعض أهل العلم من الصحابة .
وقال ابن المبارك : يكره النذر في الطاعة والمعصية ؛ فإن نذر بالطاعة ووفّى
به ، كان له أجر ، وذهب النووي في ((شرح المهذب)) إلى أن النذر مستحب ،
وقال المصنف : وأنا أتعجب ممن أطلق لسانه بأنه ليس بمكروه مع ثبوت النهي
الصريح ؛ فأقل درجاته أن يكون مكروهاً !
قال ابن العربي : النذر شبيه بالدعاء ؛ فإنه لا يردّ القدر، لكنه من القدر،
وقد ندب إلى الدعاء ، ونهى عن النذر؛ لأن الدعاء عبادة عاجلة ويظهر به
التوجه إلى الله والخضوع والتضرع ، والنذر فيه تأخير العبادة إلى حين الحصول ،
وترك العمل إلى حين الضرورة . اهـ.
قلت : القول بتحريم النذر هو الذي دل عليه الحديث ، ويزيده تأكيداً تعليله
بأنه لا يأتي بخير؛ فإنه يصير إخراج المال فيه من باب إضاعة المال ، وإضاعة
المال محرمة ، فيحرم النذر بالمال ، كما هو ظاهر قوله : ((وإنما يستخرج به من.
البخيل))، وأمّا النذر بالصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة ونحوها من
الطاعات ، فلا تدخل في النهي ، ويدل له ما أخرجه الطبراني بسند صحيح عن
قتادة في قوله تعالى : ﴿يوفون بالنذر﴾ [الإنسان: ٧] ، قال: كانوا ينذرون طاعات
٣٦٤

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٨٩ - حديث عقبة بن عامر
من الصلاة والصيام وسائر ما افترض الله عليهم ، وهو ، وإن كان أثراً؛ فهو يقوّيه
ما ذكر في سبب نزول الآية .
هذا ، وأمّا النذور المعروفة في هذه الأزمنة على القبور والمشاهد والأموات؛
فلا كلام في تحريمها ؛ لأن الناذر يعتقد في صاحب القبر أنه ينفع ويضر ، ويجلب
الخير ويدفع الشر، ويعافي الأليم ، ويشفي السقيم، وهذا هو الذي كان يفعله
عباد الأوثان بعينه ، فيحرم كما يحرم النذر على الوثن ، ويحرم قبضه ؛ لأنه
تقرير على الشرك ، ويجب النهي عنه ، وإبانة أنه من أعظم المحرّمات ، وأنه الذي
كان يفعله عبّاد الأصنام ، لكن طال الأمد، حتّى صار المعروف منكراً والمنكر
معروفاً ، وصارت تعقد اللواءات لقباض النذور على الأموات ، ويجعل للقادمين
إلى محل الميت الضيافات ، وينحر في بابه النحائر من الأنعام ، وهذا هو بعينه
الذي كان عليه عباد الأصنام ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وقد أشبعنا الكلام في
هذا في رسالة ((تطهير الاعتقاد عن درن الإلحاد)).
والحديث ظاهر في النهي عن النذر مطلقاً ، ما ينذر به ابتداء ، كمن ينذر أن
يخرج من ماله كذا ، وما يتقرّب به معلقاً؛ كأن يقول : إن قدم زيد ، تصدّقت
بكذا .
١٢٨٩ - وعن عُقْبةَ بن عامر رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله عَّهِ: ((كَفّارة
النّذْر كفارة يمين)). رواه مسلمٌ، وزاد الترمذي فيه: ((إذا لمْ يُسمَّ)، وصححهُ .
(وعن عُقْبةَ بن عامر رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ اللهِعَ له: («كَفّارة
النّذْر كفارة يمين)». رواه مسلمٌ، وزاد الترمذي فيه: ((إذا لمْ يُسمَّ)، وصححهُ).
٣٦٥

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٨٩ - حديث عقبة بن عامر
الحديث دليل على أن من نذر بأي نذر؛ من مال ، أو غيره ، فكفارته كفارة
يمين ، ولا يجب الوفاء به ، وإلى هذا ذهب جماعة من فقهاء أهل الحديث ، كما
قال النووي .
وقد أخرج البيهقي عن عائشة رضي الله عنها ، - في رجل جعل ماله في
المساكين صدقة - قالت : كفارة يمين ، وأخرج أيضاً عن أم صفية : أنها سمعت
عائشة رضي الله عنها وإنسان يسألها عن الذي يقول : كل ماله في سبيل الله ،
أو كل ماله في رتاج الكعبة ، ما يكفر ذلك؟ - قالت عائشة : يكفره ما يكفر
اليمين ، وكذا أخرجه عن عمر وابن عمر وأم سلمة ، قال البيهقي : هذا في غير
العتق ؛ فقد روي عن ابن عمر من وجه آخر : أن العتاق يقع ، وكذلك عن ابن
عباس؛ ودليلهم حديث عقبة هذا .
وذهب آخرون: إلى تفصيل في المنذور به ؛ فإن كان المنذور به فعلاً ؛ فالفعل إن
کان غیر مقدور ، فهو غیر منعقد ، وإن كان مقدوراً ؛ فإن كان جنسه واجباً ، لزم الوفاء
به عند الهادوية ومالك وأبي حنيفة وجماعة آخرين . وقول الشافعي : إنه لا ينعقد
النذر المطلق؛ بل يكون يميناً فيكفرها ؛ ذكر هذا الخلاف في ((البحر))، وذهب(*) داود
وأهل الظاهر، وذكر النووي في ((شرح مسلم)): أنه أجمع المسلمون على صحة النذر،
ووجوب الوفاء به ، إذا كان الملتزم طاعة ؛ فإن كان معصية ، أو مباحاً ، كدخول
السوق ، لم ينعقد النذر ، ولا كفارة عليه عندنا ؛ وبه قال جمهور العلماء .
وقال أحمد وطائفة : فيه كفارة يمين .
(*) ربما سقطت عبارة: (إلى مثل قول الشافعي) من الأصل ، فانتبه . (الناشر).
٣٦٦

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٩٠ - حديث ابن عباس
وقال في ((نهاية المجتهد)) : إنه وقع الاتفاق على لزوم النذر بالمال ، إذا كان في
سبيل البر، وكان على جهة الجزم؛ وإن كان على جهة الشرط ، فقال مالك :
يلزم كالجزم ، ولا كفارة يمين في ذلك ، إلا أنه إذا نذر بجميع ماله ، لزم ثلث ماله ،
إذا كان مطلقاً ، وإن كان المنذور به معيناً ، لزمه ، وإن كان جميع ماله ، وكذا إذا
كان المعين أكثر من الثلث ، وذهب الشافعي إلى أنها تجب كفارة يمين ؛ لأنه
ألحقها بالأيمان ، ثم ذكر أقاويل في المسألة لا ينهض عليها دليل ، وذكر متمسك
القائلين بأدلة ليست من باب النذر، ولا تنطبق على المدعى ، وحديث عقبة
أحسن ما يعتمد الناظر عليه .
وقد حمله جماعة من فقهاء الحديث على جميع أنواع النذر ، وقالوا : هو
مخيّر في جميع أنواع المنذورات بين الوفاء بما التزم ، وبين كفارة يمين ؛ ذكره النووي
في ((شرح مسلم)) ، وهو الذي دل عليه إطلاق حديث عقبة .
١٢٩٠ - ولأبي داودَ منْ حديث ابن عبّاس مَرْفوعاً: ((من نَذَرَ نذْراً لمْ
يُسَمّه ، فَكَفّارتُه كفارةُ يمين، ومَنْ نَذَرَ نذْراً في معْصية ، فكفّارتهُ كفّارَةُ يمين ،
ومَنْ نَذَرَ نذراً لا يطيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كفّارةُ يمين)). وإِسْنادُهُ صحيحٌ، إلا أَنَّ الحفّاظَ
رَجّحُوا وقْفَهُ .
(ولأبي داودَ منْ حديث ابن عبّاس مَرْفوعاً: ((من نَذَرَ نذْراً لمْ يُسَمّه،
فَكفّارتُه كفارةُ يمين، ومَنْ نَذَرَ نذْراً في معْصية، فكفّارتهُ كفّارَةُ يمين ، ومَنْ نَذَرَ
نذراً لا يطيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كفّارةُ يمين)). وإِسْنادُهُ صحيحٌ، إلا أَنَّ الحفّاظَ رَجّحُوا
وقْفَهُ) .
٣٦٧

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٩١ و١٢٩٢ - حديثا عائشة وعمران
أما النذر الذي لم يسم؛ كأن يقول : لله عليّ نذر، فقال كثير من العلماء :
في ذلك كفارة يمين لا غير ، وعليه دل حديث عقبة وحديث ابن عباس ، وأمّا
النذر بالمعصية فكفارته كفارة يمين ، كما صرح به الحديث ، سواء فعل المعصية ،
أم لا ، وكذلك من نذر نذراً لا يطيقه عقلاً، ولا شرعاً، كطلوع السماء ، وحجتين
في عام ، لا ينعقد ، وتلزمه كفارة يمين ، وعند الشافعي ومالك وداود وجماهير
العلماء : لا تلزمه الكفارة : لما دل عليه الحديث الآتي ، وهو قوله :
١٢٩١ - وللبخاريّ مِنْ حديث عائشة: ((ومَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ الله، فلا يَعْصِهِ)).
٠
(وللبخاريّ مِنْ حديث عائشة: ((ومَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ، فلا يَعْصِهِ))):
ولم يذكر كفارة ، وحديث عمر: ((لا يمين عليك، ولا نذر في معصية الله)).
أخرجه ابن ماجه ، وذهبت الهادوية وابن حنبل إلى وجوب الكفارة ؛ لحديث
ابن عباس رضي الله عنهما ، وأجيب عنه بأن الأصح أنه موقوف .
وأما الزيادة في حديث عمران بن حصين: ((وكفارته كفارة يمين)) ، فقد
أخرجها النسائي والحاكم والبيهقي ، ولكن فيه : محمد بن الزبير الحنظلي ،
وليس بالقوي ، وله طريق أخرى فيها علة ، ورواه الأربعة من حديث عائشة ،
وفيه راو متروك ، ورواه الدارقطني ، وفيه أيضاً متروك ، ولا يلزم الوفاء بنذر
المعصية ؛ لقوله : «فلا یعصه» ، ولما يفيده قوله :
١٢٩٢ - ولمسلم من حديث عمران: ((لا وفاءَ لِنذر في مَعْصية)» .
(ولمسلم من حديث عمران: ((لا وفاءَ لِنذْر في مَعْصية))) : فإنه صريح في
النهي عن الوفاء ، كالذي قبله .
٣٦٨

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٩٣ - حديث عقبة بن عامر
١٢٩٣ - وعن عُقْبة بن عامر رضي الله عنه قال: نذَرَتْ أُخْتي أَنْ تمشيَ
إلى بيت الله حافية، فَأَمَرتني أَنْ أَستفتي لهَا رسولَ الله عَ لُهُ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ،
فقال النّبِيِ ﴿: ((لِتَمْش ولتركَبْ)). مُتفقٌ عليه، واللفظُ لمسْلم، ولأحْمدَ
والأربعة: فقال: ((إِنَّ الله تعالَى لا يصنعُ بشقاء أُختِكَ شيئاً ، مُرْها فلتختمِرْ
ولتركب ولتصمْ ثلاثةَ أَيّام)).
(وعن عُقْبة بن عامر رضي الله عنه قال : نذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تمشيَ إلى بيت
الله حافية، فَأَمَرتني أَنْ أَستفتي لهَا رسولَ الله ◌ِ ◌ّهِ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فقال
النّبِي ◌َ ◌ّهِ: ((لِتَمْش ولتركَبْ)). مُتفقٌ عليه، واللفظُ لمسْلم، ولأحْمدَ
والأربعة : فقال: ((إِنَّ الله تعالى لا يصنعُ بشقاء أُخْتِكَ شيئاً ، مُرْها فلتختمِرْ
ولتركب ولتصمْ ثلاثةَ أَيّام) : دل الحديث على أن من نذر أن يمشي إلى بيت
الله ، لا يلزمه الوفاء ، وله أن يركب لغير عجز، وإليه ذهب الشافعي .
وذهبت الهادوية : إلى أنه لا يجوز الركوب مع القدرة على المشي؛ فإذا عجز،
جاز له الركوب ولزمه دم ، مستدلين برواية أبي داود لحديث عقبة بأنه قال فيه :
إن أختي نذرت أن تحج ماشية، وإنها لا تطيق؟ فقال رسولُ الله عَّةٍ: ((إن الله
تعالى لغني عن مشي أختك ؛ فلتركب ولتهد بدنة))؛ قالوا : فتقيد رواية
((الصحيحين)) بأن المراد : ولتمش إن استطاعت ، وتركب في الوقت الذي لا تطيق
المشي فيه ، أو يشق عليها .
وقوله: ((فلتختمر)) ، ذكر ذلك؛ لأنه وقع في الرواية : أنها نذرت أن تحج لله
ماشية غير مختمرة ! قال : فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
٣٦٩

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٩٤ - حديث ابن عباس
فقال: ((مرها ... )) الحديث، ولعل الأمر بصيام ثلاثة أيام؛ لأجل النذر بعدم
الاختمار؛ فإنه نذر بمعصية ، فوجب كفارة يمين ، وهو من أدلة من يوجب الكفارة
في النذر بمعصية ، إلا أنه ذكر البيهقي أن في إسناده اختلافاً ، وقد ثبت في
رواية أبي داود عن ابن عباس بعد قوله: ((فلتركب)): ((ولتهد بدنة))؛ قيل : وهو
على شرط الشيخين ، إلا أنه قال البخاري : لا يصح في حديث عقبة بن عامر
الأمر بالإهداء ؛ فإن صح ، فكأنه أمر ندب ، وفي وجهه خفاء .
١٢٩٤ - وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا قال: استفتى سعْدُ بنُ عُبادةَ
في نَذْرِ كانَ على أُمِّه، توفِّيت قبلَ أَنْ تقْضیَهُ، فقال: «اقضه
رسولَ الله ◌َ
عنها)) . مُتّفقٌ عليه .
(وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا قال: استفتى سعْدُ بنُ عُبادةَ رسولَ
الله ◌َّةٍ فِي نَذْر كانَ على أُمِّه، توقِّيت قبلَ أَنْ تَقْضيَهُ، فقال: ((اقضه عنها)).
مُتّفقٌ عَليه) : لم يبين في هذه الرواية ما هو النذر ؛ وجاء في رواية : أفيجزئ أن
أعتق عنها؟ فقال: ((أعتق عن أمك))؛ فظاهر هذه الرواية أنها نذرت بعتق ، وأمّا
ما أخرج النسائي عن سعد بن عبادة قال : قلت : يا رسول الله ! إن أمي ماتت
أفأتصدق عنها؟ قال: ((نعم))، قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: ((سقي الماء))،
فإنه في أمر آخر غير الفتيا؛ إذْ هذا في سؤاله ◌َ ه عن الصدقة تبرعاً عنها .
والحديث دليل على أنه يلحق الميت ما فعل له من بعده ؛ من عتق ، أو
صدقة ، أو نحوهما ، وقد قدّمنا ذلك في آخر كتاب الجنائز .
وهل يجب ذلك على الوارث؟ ذهب الجمهور إلى أنه لا يجب على الوارث
٣٧٠

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٩٥ - حديث ثابت بن الضحاك
أن يقضي النذر عن الميت ، إذا كان مالياً ولم يخلف تركة ، وكذا غير المالي،
وقالت الظاهرية : يلزمه ذلك ؛ لحديث سعد ، وأجيب بأن حديث سعد لا دلالة
فيه على الوجوب ، والظاهر مع الظاهرية ؛ إذ الأمر للوجوب .
١٢٩٥ - وعن ثابت بن الضَّحّاك رضي الله عنه قالَ: نَذَرَ رجلٌ على عَهْد
رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ أَنْ يَنْحَرِ إِلاَّ بُوانةَ، فَأَتَى رسولَ الله ◌ِله.
فَسَأَله، فقال: ((هلْ كانَ فيها وثنٌ يُعْبدُ؟))، قالَ: لا، قالَ: «فهلْ كان فيها عيدٌ
من أعيادهم؟))، فقال: لا، فقال: ((أوف بنذركَ؛ فإنه لا وفاءَ لِنَذر في معصية
الله، ولا في قطيعة رَحِم ، ولا فيما لا يملكُ ابنُ آدَمَ)). رَوَاهُ أَبو داودَ والطبرانيُّ،
واللفظُ له، وهو صحيح الإسنادِ ، ولهُ شاهدٌ مِنْ حديث كَرْدَم عنْدَ أَحْمدَ .
(وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه) : هو ثابت بن الضحاك الأشهلي ،
قال البخاري : هو ممن بايع تحت الشجرة ، حدّث عنه أبو قلابة وغيره (قال : نذر
رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ينحر إبلاً ببوانة):
بضم الموحدة وبفتحها وبعدها واو ، ثم ألف وبعد الألف نون ؛ موضع بالشام ،
فسأله ، فقال: «هل كان
وقيل : أسفل مكة دون يلملم (فأتى رسول الله
فيها وثنٌ يُعْبَدُ؟))، قال: لا ، قال: ((فهل كانَ فيها عيدٌ مِنْ أعيادهم؟)) ، فقال:
لا ، فقال: «أَوْف بنذركَ؛ فإنه لا وفاءَ لنذر في معصية الله ، ولا في قطيعة
رحم، ولا فيما لا يملك ابنُ آدمَ». رواه أبو داود والطبراني ، واللفظ له ، وهو
صحيح الإسناد ، وله شاهد من حديث كرْدم) : بفتح الكاف وسكون الراء
وفتح الدال المهملة (عند أحمد) .
٣٧١

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٩٦ - حديث جابر
والحديث له سبب عند أبي داود ، وهو أنه قال : يا رسول الله! إني نذرت إن
ولد لي ولد ذكر أن أذبح على رأس بوانة - في عقبة من الصاعدة عنه - الحديث،
وهو دليل على أن من نذر أن يتصدق ، أو يأتي بقربة في محل معين ، أنه يتعين
عليه الوفاء بنذره، ما لم يكن في ذلك المحل شيء من أعمال الجاهلية ؛ وإلى
هذا ذهب جماعة من أئمة الهادوية .
وقال الخطابي : إنه مذهب الشافعي ، وأجازه غيره لغير أهل ذلك المكان . اهـ.
ولكنه يعارضه حديث: ((لا تشد الرحال))؛ فيكون قرينة على أن الأمر هنا
للندب ، كذا قيل ، ويدل له أيضاً قوله :
١٢٩٦ - وعن جابر رضي الله عنه: أنَّ رَجُلاً قال يومَ الْفتح: يا رسول الله!
إني نذرت إنْ فَتَحَ الله عَليك مكّة ، أَنْ أُصلي في بيت المقدس؟ فقالَ: ((صلّ
ها هُنا))، فسأَلَهُ، فقال: ((صلّ ها هُنا))، فسألهُ، فقال: ((فشأنكَ إذنْ)). رواهُ
أَحمدُ وأَبو داود ، وصححهُ الحاكمُ .
(وعن جابر رضي الله عنه: أن رجلاً قال يوم الفتح) : أي : فتح مكة (یا
رسول الله! إني نذرت إن فتح الله عليك مكة ، أن أصلي في بيت المقدس؟
فقال: ((صَلّ ها هُنا))، فسأله، فقال: ((صلّ ها هنا))، فسأله، فقال: ((فَشأنك
إذن)) . رواه أحمد وأبو داود ، وصححه الحاكم) .
وصححه ابن دقيق العيد في ((الاقتراح))، وهو دليل على أنه لا يتعين المكان
في النذر - وإن عيِّن - إلا ندباً .
٣٧٢

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٩٧ - حديث أبي سعيد الخدري
١٢٩٧ - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي {﴿ قال: لا
تُشدُّ الرِّحال، إلا إلى ثلاثة مساجد: مَسْجد الحرام، ومَسْجد الأقصى ،
ومسجدي هذا)) . مُتّفقٌ عَلَيه ، واللفظ للبخاريِّ .
(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ◌َ ﴿ قال: ((لا تُشدُّ
الرِّحال، إلا إلى ثلاثة مساجد: مَسْجد الحرام، ومَسْجد الأقصى ، ومسجدي
هذا)). مُتّفقٌ عَلَيه، واللفظ للبخاريِّ) .
تقدم الحديث في آخر باب الاعتكاف ، ولعله أورده هنا ؛ للإشارة إلى أن
النذر لا يتعين فيه المكان ، إلا أحد الثلاثة المساجد .
وقد ذهب مالك والشافعي إلى لزوم الوفاء بالنذر بالصلاة في أي المساجد
الثلاثة ، وخالفهم أبو حنيفة ؛ فقال : لا يلزم الوفاء ، وله أن يصلي في أي محل
شاء ، وإنما يجب عنده المشي إلى المسجد الحرام إذا كان لحج ، أو عمرة ، وأمّا غير
الثلاثة المساجد ، فذهب أكثر العلماء إلى عدم لزوم الوفاء ، لو نذر بالصلاة فيها ،
إلا ندباً .
وأما شدّ الرحال للذهاب إلى قبور الصالحين ، والمواضع الفاضلة ، فقال الشيخ
أبو محمد الجويني : إنه حرام ، وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره .
قال النووي : والصحيح عند أصحابنا ، وهو الذي اختاره إمام الحرمين
والمحققون أنه لا يحرم ، ولا يكره ؛ قالوا : والمراد أن الفضيلة التامة إنما هي في شدّ
الرحال إلى الثلاثة خاصة ، وقد تقدم هذا في آخر باب الاعتكاف .
٣٧٣

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٩٨ - حديث عمر
١٢٩٨ - وعن عُمَرَ رضي الله عنه قالَ: قُلْتُ: يا رسولَ الله ! إني نذرتُ
في الجاهلية أَنْ أَعتكف لَيْلةً في المسجد الحرام؟ قال: ((فَأَوْف بنذرك)). متفقٌ
عليه ، وزادَ البُخاريُّ في رواية: ((فاعتكفْ لَيْلةً)) .
(وعن عُمَرَ رضي الله عنه قالَ: قُلْتُ: يا رسولَ الله! إني نذرتُ في
الجاهلية أَنْ أَعتكف لَيْلةً في المسجد الحرام؟ قال: ((فَأَوْف بنذرك)). متفقٌ
عليه ، وزادَ البُخاريُّ في رواية: ((فاعتكفْ لَيْلةً))) : دل الحديث على أنه يجب
على الكافر الوفاء بما نذر به ، إذا أسلم ، وإليه ذهب البخاري وابن جرير وجماعة
من الشافعية ؛ لهذا الحديث ، وذهب الجماهير إلى أنه لا ينعقد النذر من الكافر .
قال الطحاوي : لا يصح منه التقرّب بالعبادة ، قال : ولكنه يحتمل أن النبي
صلی الله تعالی علیه وعلى آله وسلم فهم من عمر أنه سمح بفعل ما كان نذر
فأمره به ؛ لأن فعله طاعة ، وليس هو ما كان نذر به في الجاهلية .
وذهب بعض المالكية إلى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إنما أمر
به استحباباً ، وإن كان التزمه في حال لا ينعقد فيها ، ولا يخفى أن القول الأول
أوفق بالحديث ، والتأويل تعسف .
وقد استدل به على أن الاعتكاف لا يشترط فيه الصوم ؛ إذ الليل ليس
ظرفاً ، وتعقب بأن في رواية عند مسلم: (يوماً وليلة))، وقد ورد ذكر الصوم
صريحاً في رواية أبي داود والنسائي: (اعتكف وصم))؛ وهو ضعيف .
٣٧٤

١٦ - كتاب القضاء
القضاء ؛ بالمدّ : الولاية المعروفة؛ وهو في اللغة : مشترك بين إحكام الشيء
والفراغ منه ، ومنه: ﴿فقضاهن سبع سماوات﴾ [فصلت: ١٢]، وبمعنى إمضاء
الأمر؛ ومنه: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل﴾ [الإسراء: ٤]، وبمعنى الحتم والإلزام؛
ومنه : ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إيّاه﴾ [الإسراء: ٢٣].
وفي الشرع : إلزام ذي الولاية بعد الترافع ، وقيل : هو الإكراه بحكم الشرع
في الوقائع الخاصة لمعين أو جهة ، والمراد بالجهة ؛ كالحكم لبيت المال أو عليه .
١٢٩٩ - عَنْ بريدةَ رضي الله عنهُ قال: قال رسولُ الله عَ ◌ّةُ: ((القضاة
ثلاثةٌ : اثنان في النّار وواحد في الجنّةِ : رجلٌ عَرَفَ الحقَّ فقضى بهِ ؛ فهوَ في
الجنّةِ ، ورجلٌ عرف الحقَّ فلم يقضِ بهِ وجارَ في الحكم ؛ فَهُوَ في النّار ، ورجلٌ
لمْ يعْرف الحقَّ فقضى للناس على جَهْل؛ فَهُوَ في النّارِ)). رواهُ الأربعةُ،
وصحّحهُ الحاكمُ .
(عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَز اله: ((القُضاة ثلاثةٌ: اثنان
في النار وواحدٌ في الجنة): وكأنه قيل : من هم؟ فقال (رجلٌ عرفَ الحق
فقضى به ، فهو في الجنة ، ورجلٌ عرف الحقَّ فلم يقضٍ به وجار في الحكم ؛
فهو في النّار، ورجلٌ لمْ يعرف الحقَّ فقضى للنّاس على جهْلِ؛ فهو في
النّار)). رواه الأربعة وصححه الحاكم): وقال في ((علوم الحديث)): تفرّد به
الخراسانيون ؛ ورواته مراوزة ، قال المصنف : له طرق غير هذه جمعتها في جزء
مفرد .
٣٧٥

١٦ - كتاب القضاء
١٢٩٩ - حدیث بريدة
والحديث دليل على أنه لا ينجو من النار من القضاة ، إلا من عرف الحق
وعمل به ، والعمدة العمل ؛ فإن من عرف الحق ولم يعمل به ، فهو ومن حكم
بجهل سواء في النار .
وظاهره أن من حكم بجهل - وإن وافق حكمه الحق - فإنه في النار ؛ لأنه
أطلقه، وقال: ((فقضى للناس على جهل))؛ فإنه يصدق على من وافق الحق
وهو جاهل في قضائه أنه قضى على جهل ، وفيه التحذير من الحكم بجهل ، أو
بخلاف الحق مع معرفته به .
والذي في الحديث أن الناجي من قضى بالحق عالماً به ، والاثنان الآخران
في النار، وفيه أنه يتضمن النهي عن تولية الجاهل القضاء .
قال في ((مختصر شرح السنّة)) : إنه لا يجوز لغير المجتهد أن يتقلد القضاء ، ولا
يجوز للإمام توليته ، قال: والمجتهد من جمع خمسة علوم: علم كتاب الله ، وعلم
سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأقاويل علماء السلف من إجماعهم
واختلافهم ، وعلم اللغة ، وعلم القياس ؛ وهو طريق استنباط الحكم من الكتاب
والسنّة ، إذا لم يجده صريحاً في نص كتاب أو سنة أو إجماع . فيجب أن يعلم
من علم الكتاب الناسخ والمنسوخ ، والمجمل والمفسر، والخاص والعام ، والمحكم
والمتشابه ، والكراهة والتحريم ، والإباحة والندب ، ويعرف من السنّة هذه الأشياء،
ويعرف منها الصحيح والضعيف ، والمسند والمرسل ، ويعرف ترتيب السنة على
الكتاب ، وبالعكس ، حتى إذا وجد حديثاً لا يوافق ظاهره الكتاب ، اهتدى إلى
وجه محمله ؛ فإن السنة بيان للكتاب فلا تخالفه ، وإنما تجب معرفة ما ورد منها
٣٧٦

١٦ - كتاب القضاء
١٣٠٠ - حديث أبو هريرة
من أحكام الشرع ، دون ما عداها من القصص والأخبار والمواعظ .
وكذا يجب أن يعرف من علم اللغة ما أتى في الكتاب والسنّة من أمور
الأحكام ، دون الإحاطة بجميع لغات العرب ، ويعرف أقاويل الصحابة والتابعين
في الأحكام، ومعظم فتاوى فقهاء الأمة ؛ حتى لا يقع حكمه مخالفاً لأقوالهم ،
فيأمن فيه خرق الإجماع ؛ فإذا عرف كل نوع من هذه الأنواع ، فهو مجتهد ، وإذا
لم يعرفها ، فسبيله التقليد . اهـ.
١٣٠٠ - وعن أبي هريرة رضي الله عنهُ قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َ ◌ّةِ: ((من
ولي القضاء ، فقد ذبح بغير سكين)). رواهُ أَحمدُ والأربعةُ، وصحّحهُ ابنُ
خزيمة وابن حِبّان .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنهُ قالَ: قالَ رسولُ الله ◌ِ هِ: ((من ولي
القضاء، فقد ذبح بغير سكين)). رواهُ أحمدُ والأربعةُ، وصحّحهُ ابنُ خزيمةً
وابن حِبّان).
دل الحديث على التحذير من ولاية القضاء والدخول فيه ؛ كأنه يقول : من
تولى القضاء ، فقد تعرض لذبح نفسه ؛ فليحذره وليتوقه ؛ فإنه إن حكم بغير
الحق مع علمه به أو جهله له ، فهو في النار ، والمراد من ذبح نفسه إهلاكها ؛
أي : فقد أهلكها بتوليه القضاء .
وإنما قال: ((بغير سكين))؛ للإعلام بأنه لم يرد بالذبح فري الأوداج الذي
يكون في الغالب بالسكين ؛ بل أريد به إهلاك النفس بالعذاب الأخروي ،
وقيل : ذبح ذبحاً معنوياً ، وهو لازم له ؛ لأنه إن أصاب الحق ، فقد أتعب نفسه
٣٧٧

١٦ - كتاب القضاء
١٣٠١ - حديث أبو هريرة
في الدنيا ؛ لإرادته الوقوف على الحق وطلبه ، واستقصاء ما تجب عليه رعايته في
النظر في الحكم ، والموقف مع الخصمين ، والتسوية بينهما في العدل والقسط ؛
وإن أخطأ في ذلك ، لزمه عذاب الآخرة؛ فلا بدّله من التعب والنصب .
ولبعضهم كلام في الحديث لا يوافق المتبادر منه .
١٣٠١ - وعَنْهُ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ عَّةِ: ((إنّكم ستحرصُون
على الإمارة ، وستكونُ ندامة يوْمَ القيامة ، فَنِعْمَ المرضعة! وبئستِ الفاطمةُ !)).
رواهُ البخاريُ .
(وعنه رضي الله عنه): أي: أبي هريرة (قال: قال رسول الله عَ ليه: ((إنّكم
ستحرصون على الإمارة) : عام لكل إمارة من الإمامة العظمى إلى أدنى إمارة ،
ولو على واحد (وستكون ندامة يوم القيامة ، فنعْم المُرضعة) : أي : في الدنيا
(وبئست الفاطمة!))) : أي : بعد الخروج منها (رواه البخاري) .
قال الطيبي : تأنيث الإمارة غير حقيقي ، فترك تأنيث نعم ، وألحقه ببئس ؛
نظراً إلى كون الإمارة حينئذ داهية دهياء ، وقال غيره : أنث في لفظ وتركه في
لفظ ؛ للافتنان ، وإلا فالفاعل واحد .
وأخرج الطبراني والبزار - بسند صحيح - من حديث عوف بن مالك بلفظ :
((أولها: ملامة، وثانيها: ندامة، وثالثها: عذاب يوم القيامة، إلا من عدل))،
وأخرج الطبراني من حديث زيد بن ثابت يرفعه : ((نعم الشيء الإمارة لمن
أخذها بحقها وحلها ! وبئس الشيء الإمارة لمن أخذها بغير حقها ، تكون
عليه حسرة يوم القيامة !)) ، وهذا يقيد ما أطلق فيما قبله .
٣٧٨

١٦ - كتاب القضاء
١٣٠١ - حديث أبو هريرة
وقد أخرج مسلم من حديث أبي ذر، قال : قلت : يا رسول الله ! ألا
تستعملني؟ قال: ((إنك ضعيف ، وإنها أمانة ، وإنها يوم القيامة خزي وندامة ،
إلا من أخذها بحقها ، وأدّى الذي عليه فيها))؛ قال النووي : هذا أصل عظيم
في اجتناب الولاية لا سيما لمن كان فيه ضعف ، وهو في حق من دخل فيها
بغير أهلية ، ولم يعدل؛ فإنه يندم على ما فرط فيه ، إذا جوزي بالجزاء يوم
القيامة ، وأما من كان أهلاً لها وعدل فيها ، فأجره عظيم ؛ كما تضافرت به
الأخبار، ولكن في الدخول فيها خطر عظيم ؛ ولذلك امتنع الأكابر منها ، فامتنع
الشافعي لما استدعاه المأمون ؛ لقضاء الشرق والغرب . وامتنع منه أبو حنيفة لما
استدعاه المنصور، فحبسه وضربه ! والذين امتنعوا من الأكابر جماعة كثيرون .
وقد عدّ في ((النجم الوهاج)) جماعة .
تنبيه: في قوله: ((ستحرصون))، دلالة على محبة النفوس للإمارة ؛ لما فيها
من نيل حظوظ الدنيا ولذاتها ونفوذ الكلمة ؛ ولذا ورد النهي عن طلبها ، كما
أخرج الشيخان: أنه ◌َ * قال لعبد الرحمن: ((لا تسأل الإمارة ؛ فإنك إن أعطيتها
عن مسألة ، وكلت إليها ، وإن أعطيتها عن غير مسألة ، أعنت عليها))، وأخرج
أبو داود والترمذي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((من طلب القضاء واستعان
عليه بالشفعاء ، وُكِل إليه ، ومن لم يطلبه ولم يستعن عليه ، أنزل الله ملكاً
يسدّده)). وفي ((صحيح مسلم)): أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((والله ، إنا
لا نولي هذا الأمر أحداً سأله، ولا أحداً حرص عليه»؛ حرص؛ بفتح الراء ،
قال الله تعالى: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ [يوسف: ١٠٣]. ويتعين
على الإمام أن يبحث عن أرضى الناس ، وأفضلهم ؛ فيوليه ؛ لما أخرجه الحاكم
٣٧٩

١٦ - كتاب القضاء
١٣٠٢ - حديث عمرو بن العاص
ـي* قال: ((من استعمل رجلاً على عصابة؛ وفي تلك
والبيهقي : أن النبي
العصابة من هو أرضى الله تعالى منه ، فقد خان الله ورسوله، وجماعة المسلمين)) .
وإنما نهى عن طلب الإمارة؛ لأن الولاية تفيد قوة بعد ضعف ، وقدرة بعد
عجز؛ تتخذها النفس المجبولة على الشر وسيلة إلى الانتقام من العدو ، والنظر
للصديق ، وتتبع الأغراض الفاسدة ، ولا يوثق بحسن عاقبتها ، ولا سلامة
مجاورتها ؛ فالأولی أن لا تطلب ما أمكن ، وإن کان قد أخرج أبو داود - بإسناد
حسن - عنه : ((من طلب قضاء المسلمين ؛ حتى يناله ، فغلب عدله جوره ،
فله الجنة ، ومن غلب جوره عدله ، فله النار)) .
١٣٠٢ - وعن عمرو بن العاص: أنه سمع رسول الله عَّله يقول: «إذا
حَكَمَ الْحَاكِمُ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ ، فَلَهُ أَجران ، وإذا حَكَمَ فاجتهدَ ثمَّ أخطأَ ،
فلهُ أجر)) . متَّفق عليه .
(وعن عمرو بن العاص: أنه سمع رسول الله عَ ﴾ يقول: ((إذا حكم
الحاكم) : أي : إذا أراد الحكم ؛ لقوله (فاجتهد) : فإن الاجتهاد قبل الحكم (ثم
أصاب ، فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ) : أي : لم يوافق ما هو عند
الله تعالى من الحكم (فله أجر)). متفق عليه) : الحديث من أدلة القول بأن
الحكم عند الله في كل قضية واحد معين ، قد يصيبه من أعمل فكره وتتبع
الأدلة ، ووفقه الله؛ فيكون له أجران ؛ أجر الاجتهاد ، وأجر الإصابة ، والذي له
أجر واحد هو من اجتهد فأخطأ ؛ فله أجر الاجتهاد .
واستدلوا بالحديث على أنه يشترط أن يكون الحاكم مجتهداً .
٣٨٠