Indexed OCR Text

Pages 301-320

١٤ - كتاب الأطعمة
١ - باب الصيد والذبائح
١٢٥٢ - حديث عدي بن حاتم
فذهب مالك وأصحابه إلى أنه يحل صيد كل ما قبل التعليم ، حتّى السنور .
وقال جماعة - منهم مجاهد -: لا يحل إلا صيد الكلب ، وأمّا ما صاده غير
الكلب ، فيشترط إدراك ذكاته .
وقوله تعالى: ﴿من الجوارح مكلبين﴾ [المائدة: ٤] دليل للثاني؛ بناءً على أنه
من الكلْب - بسكون اللام -؛ فلا يشمل غيره من الجوارح ، ولكنه يحتمل أنه
مشتق من الكلَب - بفتح اللام -؛ وهو مصدر بمعنى التكليب ؛ وهو التضرية ؛
فيشمل الجوارح كلها ؛ والمراد بالجوارح هنا : الكواسب على أهلها ؛ وهو عام .
قال في ((الكشاف)) : الجوارح : الكواسب من سباع البهائم والطير ، والكلب
والفهد والنمر والعقاب ، والبازي والصقر والشاهين .
والمراد بالمكلب : معلم الجوارح ومضريها بالصيد لصاحبها ورائضها لذلك بما
علم من الحيل وطرق التأديب والتثقيف ، واشتقاقه من الكلب ؛ لأن التأديب
أكثر ما يكون في الكلاب فاشتق له منه لكثرته في جنسه ، أو لأنّ السبع
يسمى كلباً، ومنه قوله ﴿: ((اللهم سلط عليه كلباً من كلابك))، فأكله
الأسد ؛ أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة ، يقال : هو كلب بكذا ، إذا كان
ضارياً به . اهـ.
فدل كلامه على شمول الآية للكلب وغيره من الجوارح على تقدير
الاشتقاقين ، ولا شك أن الآية نزلت والعرب تصيد بالكلاب والطيور وغيرهما .
وقد أخرج الترمذي من حديث عدي بن حاتم: سألت رسول الله مح لول عن صيد
البازي؟ فقال : «ما أمسك عليك فكل))، وقد ضعف بمجالد ، ولكن قد أوضحنا
٣٠١

١٤ - كتاب الأطعمة
١ - باب الصيد والذبائح
١٢٥٣ - حديث عدي
في ((حواشي ضوء النهار)) أنه يعمل بما رواه .
عنْ صَيْد
١٢٥٣ - وعن عَدي رضي الله عنه قالَ: سأَلت رسول الله
المعراض؟ فقال: ((إذا أصبتَ بحَدِّ فَكُلْ، وإذا أصَبْتَ بعرضه فقتل ؛ فإنه
وَقِيْذٌ ، فلا تَأكُلْ)) . رواهُ البُخاريُّ .
عن صيد
(وعن عدي رضي الله عنه قال: سألت رسول الله عَ
المعراض؟): بكسر الميم وسكون المهملة آخره معجمة ، يأتي تفسيره (فقال :
((إذا أصبت بحدِّه فكُلْ، وإذا أصبت بعَرْضه فقتل؛ فإنه وقيذ) : بفتح الواو
وبالقاف فمثناة تحتية وذال معجمة بزنة عظيم. يأتي بيانه (فلا تأكل)). رواه
البخاري) .
اختلف في تفسير المعراض على أقوال ؛ لعل أقربها ما قاله ابن التين : إنه
عصا في طرفه حديد يرمي به الصائد ، فما أصاب بحده فهو ذكي يؤكل ، وما
أصاب بعرضه فهو وقيذ ؛ أي : موقوذ ، والموقود: ما قتل بعصاً، أو حجر، أو ما لا
حدّ فيه ، والموقوذة : المضروبة بخشبة ، حتّى تموت ؛ مِنْ وقذته : ضربته .
وفي الحديث إشارة إلى آلة من آلات الاصطياد ؛ وهي المحدد ؛ فإنه صلى الله
عليه وآله وسلم أخبره أنه إذا أصاب بحد المعراض أكل ؛ فإنه محدد ، وإذا
أصاب بعرضه فلا يأكل .
وفيه دليل أنه لا يحل صيد المثقل ، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأبو
حنيفة وأحمد والثوري .
٣٠٢

١٤ - كتاب الأطعمة
١ - باب الصيد والذبائح ١٢٥٤ و١٢٥٥ - حديثا أبي ثعلبة وعائشة
وذهب الأوزاعي ومكحول وغيرهما من علماء الشام إلى أنه يحل صيد
المعراض مطلقاً .
وسبب الخلاف معارضة الأصول في هذا الباب بعضها لبعض ، ومعارضة
الأثر لها ، وذلك أن من الأصول في هذا الباب أن الوقيذ محرّم بالكتاب
والإجماع ، ومن أصوله أن العقر ذكاة الصيد ؛ فمن رأى أن ما قتله المعراض
وقيذ ، منعه على الإطلاق ، ومن رآه عقراً مختصاً بالصيد ، وأن الوقذ غير معتبر
فيه ، لم يمنعه على الإطلاق ، ومن فّرق بين ما خزق من ذلك ، وما لم يخزق ،
نظر إلى حديث عدي هذا؛ وهو الصواب .
هذا، وقوله: ((فإنه وقيذ))؛ أي: كالوقيذ؛ وذلك لأن الوقيذ المضروب
بالعصا من دون حدّ ، وهذا قد شاركه في العلة وهي القتل بغير حدّ .
١٢٥٤ - وعن أبي ثَعْلبةَ رضي الله عنه عن النّبِيِّ ◌َ﴿ قال: ((إذا رَمَيْتَ
بسهمِكَ فَغَابَ عنْك فأَدرِكْتَهُ ، فَكُلْهُ ما لم يُنتن)). أخرجهُ مُسلمٌ .
(وعن أبي ثَعْلبةَ رضي الله عنه عن النّبيِّ{﴿ قال: «إذا رَمَيْتَ بسهمِكَ
فغَابَ عنْك فأدركْتَهُ ، فَكُلّهُ ما لم يُنتن)). أخرجهُ مُسلمٌ) : تقدم الكلام فيما
غاب عن مصرعه من الصيد ؛ سواء كان بسهم ، أو جارح . وفي الحديث دلالة
على تحريم أكل ما أنتن من اللحم ؛ قيل : ويحمل على ما يضر الآكل ، أو صار
مستخبثاً ، أو يحمل على التنزيه ، ويقاس عليه سائر الأطعمة المنتنة .
١٢٥٥ - وعن عائشةَ رضيَ الله عنها: أنَّ قوْماً قالوا للنبي ◌َ له: إنَّ قوْماً
يأتوننا باللحم، لاندري أَذُكِرَ اسمُ الله عَلَيْهِ أمْ لا؟ فَقَالَ: ((سمُّوا الله عليه
٣٠٣

١٤ - كتاب الأطعمة
١ - باب الصيد والذبائح
١٢٥٥ - حديث عائشة
أنتم وكُلُوه)) . رواهُ البُخاريُ .
(وعن عائشة رضيَ الله عنها: أن قوماً قالوا للنبي { ل: إن قوماً يأتوننا
باللحم ، لاندري أُذُكر اسم الله عليه): أي: عند ذكاته (أم لا؟ فقال: ((سمُّوا
الله عليه أنتم وكُلُوه)) . رواه البخاري) ..
تقدم أن في رواية : إن قوماً حديث عهدهم بالجاهلية ؛ وهي - هنا - في
البخاري من تمام الحديث ، بلفظ : قالت : وكانوا حديثي عهد بالكفر . وفي رواية
مالك زيادة : وذلك في أول الإسلام .
والحديث قد أعل بالإرسال ، وليس بعلة عندنا على ما عرفت ، سيما وقد
وصله البخاري ، وتقدم أن الحديث من أدلة من قال بعدم وجوب التسمية ، ولا
یتم ذلك .
وإنما هو دليل على أنه لا يلزم أن يعلموا التسمية فيما يجلب إلى أسواق
المسلمين ، وكذا ما ذبحه الأعراب من المسلمين ؛ لأنهم قد عرفوا التسمية ؛ قال
ابن عبد البرّ: لأن المسلم لا يظن به في كل شيء إلا الخير، إلا أن يتبين
خلاف ذلك ، ويكون الجواب عنهم بقوله: ((فسموا ... )) إلخ من الأسلوب
الحكيم ، وهو جواب السائل بغير ما يترقب ؛ كأنه يقول : الذي يهمكم أنتم أن
تذكروا اسم الله عليه وتأكلوا منه ، وهذا يقرر ما قدمناه من وجوب التسمية ، إلا
أن نحمل أمور المسلمين على السلامة .
وأما ما اشتهر من حديث: ((المؤمن يذبح على اسم الله؛ سمى أم لم يسمّ))،
٣٠٤

١٤ - كتاب الأطعمة
١ - باب الصيد والذبائح ١٢٥٦ - حديث عبدالله بن مغفل
وإن قال الغزالي في ((الإِحياء)): إنه صحيح؛ فقد قال النووي : إنه مجمع على
ضعفه ، وقد أخرجه البيهقي من حديث أبي هريرة وقال : إنه منكر لا يحتج به .
وكذا ما أخرجه أبو داود في (المراسيل)) عن الصلت السدوسي عن النبي :{ 19
قال: «ذبيحة المسلم حلال ذکر اسم الله ، أو لم یذ کر)»؛ فهو مرسل ، وإن كان
الصلت ثقة ؛ فالإرسال علة عند من لم يقبل المراسيل ، وقولنا فيما تقدم : إنه ليس
الإرسال علة ، نريد إذا أعلوا به حديثاً موصولاً ، ثم جاء من جهة أخرى مرسلاً.
١٢٥٦ - وعن عبد الله بن مُغَفّل الْمُزني رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله
نهى عنِ الخذْف وقال: ((إنّها لا تصيدُ صيداً، ولا تنْكأُ عدوًا، ولكنها تكسرُ
السِّنَّ وتفْقأُ العين)). متفقٌ عليه ، واللفظ لمسلم.
(وعن عبد الله بن مغفل المُزني رضي الله عنه: أن رسول الله ﴾ نھی
عن الخذف): بفتح الخاء المعجمة وسكون الذال المعجمة ففاء (وقال: ((إنها) :
أنث الضمير مع أن مرجعه : الخذف ، وهو مذكر ؛ نظراً إلى المحذوف به ؛ وهي
الحصاة (لا تصيد صيداً، ولا تنكأ): بفتح حرف المضارعة وهمزة في آخره
(عدواً، ولكنها تكسر السنَّ وتفقأُ العين)). متفق عليه، واللفظ لمسلم).
الخذف : رمي الإنسان بحصاة ، أو نواة ، أو نحوهما؛ يجعلها بين أصبعيه
السبابتين ، أو السبابة والإبهام ، وفي تحريم ما يقتل بالخذف من الصيد الخلاف
الذي مضى في صيد المثقل ؛ لأن الحصاة تقتل بثقلها لا بحدّ، والحديث نهى
عن الخذف ؛ لأنه لا فائدة فيه ، ويخاف منه المفسدة المذكورة ، ويلحق به کل ما
فيه مفسدة .
٣٠٥

١٤ - كتاب الأطعمة
١ - باب الصيد والذبائح
١٢٥٧ - حديث ابن عباس
واختلف فيما يقتل بالبندقة ، فقال النووي : إنه إذا كان الرمي بالبنادق .
وبالخذف إنما هو لتحصيل الصيد ، وكان الغالب فيه عدم قتله ، فإنه يجوز ذلك ،
إذا أدركه الصائد وذكاه ، كرمي الطيور الكبار بالبنادق .
وأما أثر ابن عمر ، وهو ما أخرجه عنه البيهقي أنه كان يقول : المقتولة
بالبندقة تلك الموقوذة ، فهذا في المقتولة بالبندقة ، وكلام النووي في الذي لا
يقتلها ، وإنما يحبسها على الرامي ، حتّى يذكيها؛ وكلام أكثر السلف أنه لا
يؤكل ما قتل بالبندقة ؛ وذلك لأنه قتل بالمثقل .
٤
قلت : وأمّا البنادق المعروفة الآن ، فإنها ترمي بالرصاص فيخرج ، وقد
صيرته نار البارود كالميل فيقتل بحدّه لا بصدمه ، فالظاهر حل ما قتلته .
١٢٥٧ - وعن ابن عبّاس رضيَ الله عنهُمَا: أنَّ النبي ◌َ ◌ُؤمِ قال: ((لا تتّخذُوا
شيئاً فيه الرُّوحُ غرضاً)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
(وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا: أن النبي ◌ِّهِ قال: ((لا تتخذوا شيئاً
فيه الرُّوح غرضاً))): بفتح الغين المعجمة وفتح الراء فضاد معجمة ، هو في
الأصل الهدف يرمى إليه ، ثم جعل اسماً لكل غاية يتحرى إدراكها (رواه مسلم) .
الحديث نهى عن جعل الحيوان هدفاً يرمى إليه ، والنهي للتحريم ؛ لأنه
أصله، ويؤيده قوّة حديث: ((لعن الله من فعل هذا))، لما مرعَرٍ وطائر قد نصب
وهم يرمونه .
ووجه حكمة النهي أن فيه إيلاماً للحيوان ، وتضييعاً لماليته ، وتفويتاً لذكاته
٣٠٦

١٤ - كتاب الأطعمة
١ - باب الصيد والذبائح
١٢٥٨ - حديث كعب بن مالك
إن کان مما یذکی ، ولمنفعته إن كان غير مذکی .
١٢٥٨ - وعن كَعْبٍ بن مالك رضي الله عنه: ((أَنَّ امرأةً ذبحتْ شاةً بحجر
عن ذلك فَأَمَرَ بأَكلها». رواه البخاريُّ .
فسُئل النبي
(وعن كَعْبٍ بن مالك رضي الله عنه «أَنَّ امرأةٌ ذبحتْ شاةً بحجر فسُئلَ
عن ذلك فَأَمَرَ بأَكلها». رواه البخاريُّ): الحديث دليل على صحة
النبي
تذکیة المرأة ؛ وهو قول الجماهیر ، وفيه خلاف شاذ أنه یکره ، ولا وجه له .
ودليل على صحة التذكية بالحجر الحادّ إذا فرى الأوداج ؛ لأنه جاء في
رواية : أنها كسرت الحجر وذبحت به ، والحجر إذا كسر يكون فيه الحدّ .
ودليل على أنه يصح أكل ما ذبح بغير إذن المالك ، وخالف فيه إسحاق بن
راهويه وأهل الظاهر وغيرهم ، واحتجوا بأمره صلى الله عليه وآله وسلم بإكفاء ما
في قدور ما ذبح من المغنم قبل القسمة بذي الحليفة ؛ كما أخرجه الشيخان .
وأجيب بأنه إنما أمر بإراقة المرق ، وأمّا اللحم فباق ؛ جُمعَ ورد إلى المغنم . فإن
قيل : لم ينقل جمعه ورده إليه ، قلنا : ولم ينقل أنهم أتلفوه وأحرقوه ؛ فيجب
تأويله بما ذكرنا موافقة للقواعد الشرعية .
قلت : لا يخفى تكلف الجواب ، والمرف مال لو كان حلالاً لما أمر بإراقته ؛
فإنه من إضاعة المال .
وأما الاستدلال على المدعي بشاة الأسارى ، فإنها ذبحت بغير إذن مالكها ؛
فأمر ﴿﴿ بالتصدق بها على الأسارى ، كما هو معروف ، فإنه استدلال غير
٣٠٧

١٤ - كتاب الأطعمة
١ - باب الصيد والذبائح
١٢٥٨ ۔ حدیث کعب بن مالك
صحيح؛ وذلك لأنه ﴿ لم يستحل أكلها ، ولا أباح لأحد من المسلمين أكلها؛
بل أمر أن تطعم الكفار المستحلين للميتة .
وقد أخرج أبو داود من حديث رجل من الأنصار ، قال : خرجنا مع رسول
الله ﴿ في سفر فأصاب الناس مجاعة شديدة وجهد، فأصابوا غنماً فانتهبوها ؛
فإن قدورنا لتغلي ، إذْ جاء رسول الله :﴿ على فرسه فأكفأ قدورنا ، ثم جعل
يرمل اللحم بالتراب ، وقال: ((إن النهبة ليست بأحل من الميتة)).
فهذا مثل الحديث الذي أخرجه الشيخان ، وفيه التصريح بأنه حرام ، وفيه
إتلاف اللحم لأنه ميتة ؛ فعرفت قوة كلام أهل الظاهر .
وأما حديث الكتاب وأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر بأكل ما
ذبح بغير إذن مالكه ، فإنه لا يردّ على أهل الظاهر ؛ لأنهم لا يقولون بحل ما ذبح
بغير إذن مالكه ؛ مخافة أن يموت ، أو نحوه .
وفيه دليل على أنه يجوز تمكين الكفار مما هو محرّم على المسلمين ، ويدل له
أنه صلى الله عليه وآله وسلم نهى عمر عن لبس الحلة من الحرير ؛ فبعث بها
عمر لأخيه المشرك إلى مكة ، كما في البخاري وغيره .
قال المصنف في ((الفتح)): ويدل الحديث على تصديق الأجير الأمين فيما
أؤتمن عليه ، حتّى يتبين عليه دليل الخيانة ؛ لأن في الحديث أنها كانت المرأة أمة
راعية لغنم سيدها ، وهو كعب بن مالك ؛ فخشيت على الشاة أن تموت فذبحتها .
ويؤخذ منه جواز تصرف المودع لمصلحة بغير إذن المالك .
٣٠٨

١٤ - كتاب الأطعمة
١ - باب الصيد والذبائح
١٢٥٩ - حدیث رافع بن خديج
١٢٥٩ - وعن رافع بن خديج رضي الله عنه عن النبي :﴿ قال: ((مَا أَنهر
الدَّم وذكر اسم الله عليه ، فكل ، لَيْس السِّنَّ والظُّفُرَ ، أَمّا السَّنُّ فَعَظْمٌ ، وأمّا
الظُّفُرُ فَمُدى الحبشة)». مُتّفقٌ عليه .
(وعن رافع بن خديج رضي الله عنه عن النبي ◌َ﴿ قال) : سبب الحديث
أنه قال رافع بن خديج: يا رسول الله ! إنا لاقو العدوّ غداً ، وليس معنا مدى ،
فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما أنهر الدم) : بفتح الهمزة فنون ساكنة
فهاء مفتوحة فراء ؛ أي: ما أساله وصبه بكثرة ؛ من النهر (وذكر اسم الله عليه ،
فكل ، ليس السِّنَّ والظُّفُرَ، أمّا السَّن فعظمٌ، وأمّا الظُّفُرُ فَمُدَى): بضم الميم
وبفتحها وفتح الدال المهملة فألف مقصورة : جمع مدية مثلثة الميم؛ وهي
الشفرة ؛ أي : السكين (الحبشة)). متفق عليه) .
فيه دلالة صريحة بأنه يشترط في الذكاة ما يقطع ويجري الدم . واعلم أنه
تكون الذكاة بالنحر للإبل ، وهو الضرب بالحديد في لبة البدنة ، حتّى يفري
أوداجها ، واللبة - بفتح اللام وتشديد الموحدة -: موضع القلادة من الصدر، والذبح
لما عداها ، وهو قطع الأوداج ؛ أي : الودجين ، وهما عرقان محيطان بالحلقوم؛
فقولهم : الأوداج ، تغليب على الحلقوم والمريء فسميت الأربعة أوداجاً .
واختلف العلماء فقيل: لا بدّ من قطع الأربعة ، وعن أبي حنيفة : يكفي
قطع ثلاثة من أي جانب ، وقال الشافعي : يكفي قطع الأوداج والمريء ، وعن
الثوري يجزئ قطع الودجين ، وعن مالك يشترط قطع الحلقوم والودجين لقوله
صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما أنهر الدم))، وإنهاره إجراؤه وذلك يكون بقطع
٣٠٩

١٤ - كتاب الأطعمة
١ - باب الصيد والذبائح
١٢٥٩ - حديث رافع بن خديج
الأوداج لأنها مجرى الدم ، وأمّا المريء فهو مجرى الطعام ، ولیس به من الدم ما
يحصل به إنهاره .
والحديث دليل على أنه يجزئ الذبح بكل محدد ، فيدخل السيف والسكين
والحجر والخشبة والزجاج والقصب والخزف والنحاس وسائر الأشياء المحددة .
والنهي عن السن والظفر مطلقاً من آدمي ، أو غيره ، منفصل ، أو متصل ، ولو
كان محدداً، وقد بين ﴿ وجه النهي في الحديث بقوله: ((أما السن فعظم))،
فالعلة كونه عظماً ، وكأنه قد سبق منه صلى الله عليه وآله وسلم النهي عن
الذبح بالعظم .
وقد علل النووي وجه النهي عن الذبح بالعظم أنه ینجس به ، وهو من طعام
الجن ؛ فيكون كالاستجمار بالعظم .
وعلل في الحديث النهي عن الذبح بالظفر بكونه مدى الحبشة ؛ أي : وهم
كفار، وقد نهيتم عن التشبه بهم ، وأورد عليه بأن الحبشة تذبح بالسكين أيضاً،
فيلزم المنع من ذلك التشبه ، وأجيب : بأن الذبح بالسكين هو الأصل ، وهو غير
مختص بالحبشة .
وعلل ابن الصلاح ذلك بأنه إنما منع لما فيه من التعذيب للحيوان ، ولا
يحصل به إلا الخنق الذي ليس على صفة الذبح، وفي ((المعرفة)) للبيهقي رواية
عن الشافعي أنه حمل الظفر في هذا الحديث على النوع الذي يدخل في
الطيب ، وهو من بلاد الحبشة ، وهو لا يفري ؛ فيكون في معنى الخنق .
٣١٠

١٤ - كتاب الأطعمة
١ - باب الصید والذبائح ١٢٦٠ و١٢٦١ - حدیثا جابر وشداد بن أوس
وإلى تحريم الذبح بما ذكر ذهب الجمهور ، وعن أبي حنيفة وصاحبيه أنه يجوز
بالسنّ والظفر المنفصلین ، واحتجوا بما أخرجه أبو داود من حديث عدي بن
حاتم: ((أفر الدم بما شئت))، والجواب أنه عام خصصه حديث رافع بن خديج .
١٢٦٠ - وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: نهى رسول اللهِ حَ﴾
أَنْ يُقْتَلَ شيءٌ مِنَ الدوابِّ صِبْراً. رَوَاهُ مُسلمٌ.
(وعن جابر بن عبد الله رضيَ الله عنهُ قال: نهى رسول الله ﴿ أَنْ يُقْتلَ
شيءٌ منَ الدوابِّ صِبْراً . رَوَاهُ مُسلمٌ).
وهو دليل على تحريم قتل أي حيوان صبراً؛ وهو إمساكه حياً ، ثم يرمى ،
حتّى يموت ، وكذلك من قتل من الآدميين في غير معركة ، ولا حرب ، ولا
خطأ ؛ فإنه مقتول صبراً؛ والصبر : الحبس .
١٢٦١ - وعن شدَّاد بن أوس رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ عَ هُ: ((إنَّ
الله كتب الإحسانَ على كل شيءٍ؛ فإذا قَتَلْتُمْ فَأَحسنوا القِتْلةَ ، وإذا ذبحتُمْ
فأحسنوا الذِّبحة، ولْيُحِدَّ أَحدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرحْ ذبيحتَهُ». رواهُ مُسْلِمٌ .
(وعن شدّاد بن أوس رضي الله عنه) : شداد بالشين المعجمة ودالين
مهملتین ، هو : أبو یعلی شداد بن أوس بن ثابت النجاري الأنصاري ، وهو ابن
أخي حسان بن ثابت ، لم يصح شهوده بدراً ، نزل بيت المقدس ، وعداده في
أهل الشام، مات به سنة ثمان وخمسين ، وقيل : غير ذلك ، قال عبادة بن
الصامت وأبو الدرداء : كان شداد ممن أوتي العلم والحلم (قال : قال رسول الله
٣١١

١٤ - كتاب الأطعمة
١ - باب الصيد والذبائح ١٢٦٢ - حديث أبي سعيد الخدري
◌ٍ: ((إنَّ الله كتب الإحسان على كل شيء؛ فإذا قتلتم فأَحْسنوا القتلة):
بكسر القاف ، مصدر نوعي (وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة) : بزنة القتلة
(وليحدّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته)) . رواه مسلم).
قوله : ((كتب الإحسان)»؛ أي : أوجبه ؛ كما قال تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل
والإحسان﴾ [النحل: ٩٠]، وهو فعل الحسن ضد القبيح ، فيتناول الحسن شرعاً
والحسن عرفاً، وذكر منه ما هو أبعد شيء عن اعتبار الإحسان ، وهو الإحسان
في القتل ، لأي حيوان من آدمي وغيره في حدّ وغيره ، ودل على نفي المثلة
مكافأة ، إلا أنه يحتمل أنه مخصص بقوله : ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا
عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقد تقدم الكلام في ذلك .
وأبان بعض كيفية إحسانها بقوله: ((وليحد))؛ بضم حرف المضارعة ؛ من
أحدٌ السكين: أحسن حدها ، والشفرة - بفتح المعجمة -: السكين العظيمة ، وما
عظم من الحديد وحدّد، وقوله: ((وليرح))، بضم حرف المضارعة ؛ أي : من
الإراحة ؛ ويكون بإحداد السكين وتعجيل إمرارها وحسن الصنيعة .
١٢٦٢ - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسولُ الله
((ذكاة الجنين ذكاةُ أُمّه)). رواهُ أَحْمدُ ، وصححه ابنُ حِبّان .
:
(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله عزله: ((ذكاة
الجنین ذکاة أمه)) . رواه أحمد ، وصححه ابن حبان).
الحديث له طرق عند الترمذي وأبي داود والدارقطني ، إلا أنه قال عبد الحق :
إنه لا يحتج بأسانیده كلها ، وقال الجويني : إنه صحیح لا يتطرق احتمال إلى
٣١٢

١٤ - كتاب الأطعمة
١ - باب الصيد والذبائح ١٢٦٢ - حديث أبي سعيد الخدري
متنه ، ولا ضعف إلى سنده ، وتابعه الغزالي ، والصواب أنه بمجموع طرقه يعمل
به ، وقد صححه ابن حبان وابن دقيق العيد .
وفي الباب عن جابر وأبي الدرداء وأبي أمامة وأبي هريرة ؛ قاله الترمذي ،
وفيه عن جماعة من الصحابة مما يؤيد العمل به .
والحديث دليل على أن الجنين إذا خرج من بطن أمه ميتاً بعد ذكاتها ، فهو
حلال مذكى بذكاة أمه ، وإلى هذا ذهب الشافعي وجماعة ، حتّى قال ابن
المنذر: لم يرو عن أحد من الصحابة ، ولا من العلماء : أن الجنين لا يؤكل إلا
باستئناف الذكاة فيه ، إلا ما يروى عن أبي حنيفة ، وذلك لصراحة الحديث
فيه، ففي لفظ: ((ذكاة الجنين بذكاة أمه)). أخرجه البيهقي ، فالباء سببية ؛
أي : إن ذكاته حصلت بسبب ذكاة أمه ، أو ظرفية ؛ ليوافق ما عند البيهقي أيضاً
((ذكاة الجنين في ذكاة أمه)).
واشترط مالك أن يكون قد أشعر ، لما رواه أحمد بن عصام عن مالك عن
نافع عن ابن عمر مرفوعاً: ((إذا أشعر الجنین فذ کاته ذکاة أمه)) ، لكنه قال
الخطيب: تفرّد به أحمد بن عصام، وهو ضعيف ، وهو في ((الموطأ)) موقوف على
ابن عمر ، وهو أصح .
وعورض بما رواه ابن المبارك عن ابن أبي ليلى قال : قال رسول الله صلى الله
تعالى عليه وآله وسلم: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه ؛ أشعر، أو لم يشعر))، وفيه
ضعف ؛ لسوء حفظ ابن أبي ليلى ، ولكنه أخرج البيهقي من حديث ابن عمر
عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه قال : ((ذكاة الجنين ذكاة
٣١٣

١٤ - كتاب الأطعمة
١ - باب الصيد والذبائح
١٢٦٣ - حديث ابن عباس
أمه ؛ أشعر، أو لم يشعر)) ، روي عن أوجه عن ابن عمر مرفوعاً ، قال البيهقي :
ورفعه عنه ضعيف ، والصحيح أنه موقوف . قلت : والموقوفان عنه قد صحًا
وتعارضا فيطرحان ، ويرجع إلى إطلاق حديث الباب ، وما في معناه .
وذهب الهادوية والحنفية إلى أن الجنين إذا خرج ميتاً من المذكاة ، فإنه ميتة
لعموم ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: ٣]، وكذا لو خرج حياً، ثم مات، وإليه
ذهب ابن حزم ، وأجابوا عن الحديث بأن معناه ذكاة الجنين إذا خرج حياً فهو
ذكاة أمه ؛ قاله في ((البحر)). قلت: ولا يخفى أنه إلغاء للحديث عن الإفادة؛
فإنه معلوم أن ذكاة الحي من الأنعام ذكاة واحدة من جنين وغيره ، كيف ورواية
البيهقي بلفظ: ((ذكاة الجنين في ذكاة أمه))، فهي مفسرة لرواية ذكاة أمه ، وفي
أخری بذکاة أمه .
١٢٦٣ - وعن ابن عبّاس رضيَ الله عنهُمَا: أَنّ النبيَّ ﴿ قال: ((المسلم
يكفيه اسمهُ؛ فإن نسي أَنْ يسمّي حين يَذْبِحِ فَلْيُسمِّ ثم ليأكلْ)). أَخرجهُ
الدارقطني ، وفيه راوٍ في حفظه ضعف ، وفي إسناده مُحَمّدُ بنُ يزيد بن
سنان؛ وهو صدوقٌ ضعيف الحفظ ، وأخرجهُ عبدُ الرَّزاق بإسنادٍ صحيح إلى
ابن عَبّاس موقوفاً عليه ، ولَهُ شاهدٌ عِنْدَ أَبي داودَ في ((مراسيله)) بلفظ :
(«ذبيحةُ الْمُسلِّم حَلال؛ ذُكرَ اسمُ الله عَلَيْها أَم لمْ يذكر)) . ورجالهُ موثقون .
(وعن ابن عباس رضي الله عنهُمَا: أن النبي ◌َ﴿ قال: ((المسلم يكفيه
اسمُهُ) : الضمير للمسلم ، وقد فسره حديث البيهقي عن ابن عباس قال فيه :
((فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله)) (فإن نسي أن يُسَمَِّ حین یذبحُ فليسم ،
٣١٤

١٤ - كتاب الأطعمة
١ - باب الصيد والذبائح
١٢٦٣ - حديث ابن عباس
ثم ليأكل)) . أخرجه الدارقطني ، وفيه راو في حفظه ضعف): بينه بقوله
(وفي إسناده محمد بن يزيد بن سنان ، وهو صدوق ضعيف الحفظ ،
وأخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح إلى ابن عباس موقوفاً عليه ، وله شاهد
عند أبي داود في «مراسيله» بلفظ: «ذبيحة المسلم حلالٌ؛ ذُكر اسمُ الله
عليها أم لم يذكر)) . ورجاله موثقون) .
وفي الباب مرسل صحيح ، ولكنها لا تقاوم ما سلف من الأحاديث الدالة
على وجوب التسمية مطلقاً ، إلا أنها تفت في عضد وجوب التسمية مطلقاً،
وتجعل ترك أكل ما لم يسم عليه من باب التوزّع .
٣١٥

١٤ - كتاب الأطعمة
٢ - باب الأضاحي
١٢٦٤ - حديث أنس بن مالك
٢ - باب الأضاحي
الأضاحي : جمع أضحية ؛ بضم الهمزة ويجوز كسرها ، ويجوز حذف الهمزة
وفتح الضاد ، كأنها اشتقت من اسم الوقت الذي شرع ذبحها فيه ، وبها سمي
اليوم : يوم الأضحى .
كانَ يضحي
١٢٦٤ - عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أَنَّ النبيَّ
بكبشين أَملحين أقرنين ، ويُسمّي ويكبِّر ، ويضعُ رجْله على صفاحهِما ، وفي
لَفْظ: ذبحهما بيده. وفي لفظ: سمينين، ولأبي عوانةً في ((صحيحه)):
ثمينين ؛ بالمثلثةِ بدل السِّين ، وفي لَفْظ لمسلم: ويقول: ((باسم الله والله أكبرُ)) .
ء
کان يضحي بكبشين
(عن أنس بن مالك رضي الله عنه : أن النبي
أملحين أقرنين ، ويسمِّي ويكبِّر ، ويضع رجله على صفاحهما) : بالمهملتين ؛
الأولى مكسورة، في ((النهاية)»: صفحة كل شيء : وجهه وجانبه (وفي لفظ:
ذبحهما بيده، وفي لفظ: سمينين، ولأبي عوانة في ((صحيحه))): أي: عن
أنس رضي الله عنه (ثمينين ؛ بالمثلثة بدل السين) : هذا مدرج من كلام أحد
الرواة ، أو أبي عوانة ، أو المصنف (وفي لفظ لمسلم): من رواية أنس (ويقول :
(باسم الله والله أكبر)») : الكبش : هو الثني إذا خرجت رباعيته ، والأملح :
الأبيض الخالص ، وقيل : الذي يخالط بياضه شيء من سواد ، وقيل : الذي
يخالط بياضه حمرة ، وقيل : هو الذي فيه بياض وسواد ، والبياض أكثر،
والأقرن هو : الذي له قرنان .
واستحب العلماء التضحية بالأقرن لهذا الحديث ، وأجازوها بالأجم الذي
٣١٦

١٤ - كتاب الأطعمة
٢ - باب الأضاحي
١٢٦٥ - حديث عائشة
لا قرن له أصلاً، واختلفوا في مكسور القرن ؛ فأجازه الجمهور ، وعند الهادوية :
لا يجزئ إذا كان القرن الذاهب مما تحله الحياة .
واتفقوا على استحباب الأملح ؛ قال النووي : إن أفضلها عند الصحابة
البيضاء ، ثم الصفراء ، ثم الغبراء؛ وهي التي لا يصفو بياضها ، ثم البلقاء؛
وهي التي بعضها أسود وبعضها أبيض ، ثم السوداء ، وأمّا حديث عائشة : يطأ
في سواد ، ويبرك في سواد ، وينظر في سواد ، فمعناه أن قوائمه وبطنه ، وما
حول عینیه أسود .
قلت: إذا كانت الأفضلية في اللون مستندة إلى ما ضحى به ﴿، فالظاهر
أنه لم يتطلب لوناً معيناً، حتّى يحكم بأنه الأفضل ؛ بل ضحى بما اتفق له
وتيسر حصوله ؛ فلا يدل على أفضلية لون من الألوان .
وقوله : ((ويسمي ويكبر))، فسره لفظ مسلم بأنه: ((باسم الله والله أكبر))،
أما التسمية ، فتقدم الكلام فيها ، وأمّا التكبير فكأنه خاصٌ بالتضحية والهدي ؛
لقوله تعالى: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البقرة: ١٨٥].
وأما وضع رجله صلى الله عليه وآله وسلم على صفحة العنق ؛ وهي جانبه ،
فلیکون أثبت له وأمكن ، لئلا تضطرب الضحية ، ودل هو ، وما بعده أنه یتولی
الذبح بنفسه ندباً .
١٢٦٥ - وَله منْ حديث عائشة: أَمر بكبش أقرنَ، يَطأُ فِي سواد ، ويبركُ
في سوادٍ ، وَيَنْظِرُ في سوادٍ، فأُتي بهِ لِيُضَحِّي بهِ، فقال لهَا: ((يا عائشةُ،
هَلُمِّي الْمُدْيَةَ»، ثم قالَ: ((اشحذيها بحجَر))، فَفَعَلَتْ، ثم أَخذها، وأَخَذَهُ
٣١٧

١٤ - كتاب الأطعمة
٢ - باب الأضاحي
١٢٦٥ - حديث عائشة
فَأَضجعهُ ، ثم ذبحه، قَالَ: ((بسم الله، اللهُمَّ ، تقبّلْ مِنْ محمّد وآل محمّد،
ومِنْ أُمّةِ محمدٍ !)) ، ثم ضَحی بهِ .
(وله من حديث): أي: لمسلم من حديث (عائشة : أمر بكبش أقرن ، يطأ
في سواد ، ويبرك في سواد ، وينظر في سواد ، فأتي به ليضحي به ، فقال
لها: ((يا عائشة! هلمِّي المدية))، ثم قال ((اشحذيها): أي: المدية؛ تقدم
ضبطها ، وهو بمعنى: ((وليحدّ أحدكم شفرته)) (بحجر))، ففعلت ، ثم أخذها) :
أي: المدية (وأخذه فأضجعه): أي: الكبش (ثم ذبحه ، قال: ((باسم الله،
اللهمَّ تقبّل من محمد وآل محمد ، ومن أَمّة محمد !)) ، ثم ضحى به).
فيه دليل على أنه يستحب إضجاع الغنم ، ولا تذبح قائمة ، ولا باركة ؛ لأنه
أرفق بها ، وعليه أجمع المسلمون، ويكون الإضجاع على جانبها الأيسر؛ لأنه
أيسر للذابح في أخذ السكين باليمنى وإمساك رأسها باليسار.
وفيه أنه يستحب الدعاء بقبول الأضحية وغيرها من الأعمال ، وقد قال
الخليل والذبيح عند عمارة البيت : ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم)
[البقرة: ١٢٧]، وقد أخرج ابن ماجه: أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
قال عند التضحية وتوجيهها للقبلة: ((﴿وجهت وجهي﴾ [الأنعام: ٧٩])).
ودل قوله: ((وآل محمد))، وفي لفظ: ((عن محمد وآل محمد))، أنه تجزئ
التضحية من الرجل عن أهل بيته ، ويشركهم في ثوابها ، وأنه يصح نيابة
المكلف عن غيره في فعل الطاعات ، وإن لم يكن من الغير أمر ، ولا وصية ،
فیصح أن يجعل ثواب عمله لغيره ، صلاة كانت ، أو غيرها ، وقد تقدم ذلك ودل
٣١٨

١٤ - كتاب الأطعمة
٢ - باب الأضاحي
١٢٦٦ - حديث أبي هريرة
له ما أخرجه الدارقطني من حديث جابر : أن رجلاً قال : يا رسول الله ! إنه كان
لي أبوان أبرهما في حال حياتهما، فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فقال ◌َ له: ((إن
من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك ، وأن تصوم لهما مع صيامك)» .
**: ((مَنْ
١٢٦٦ - وعن أبي هُريرة رضي الله عنه قالَ: قالَ رسول الله
كَانَ لَهُ سَعَةٌ ، ولم يضحِّ، فلا يقربنَّ مُصَلانا)). رواهُ أَحمَدُ وابنُ ماجه،
وصحّحه الحاكمُ، ورجّحَ الأئمةُ غَيْرُهُ وَقْفَهُ.
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ﴿: ((منْ كانَ لهُ
سعةٌ ، ولم يضح ، فلا يقربنَّ مصلانا)). رواه أحمد وابن ماجه ، وصححه
الحاكم ، ورجح الأئمة غيره) : أي : غير الحاكم (وقفه) .
وقد استدل به على وجوب التضحية على من كان له سعة ؛ لأنه لما نهى
عن قربان المصلى ، دل على أنه ترك واجباً، كأنه يقول : لا فائدة في الصلاة مع
ترك هذا الواجب ، ولقوله تعالى : ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: ٢]، ولحديث
مخنف بن سليم مرفوعاً: ((على أهل كل بيت في كل عام أضحية)) ، دل لفظه
على الوجوب ، والوجوب قول أبي حنيفة ، فإنه أوجبها على المعدم والموسر،
وقيل : لا تجب ، والحديث الأول موقوف ، فلا حجة فيه ، والثاني ضعف بأبي
رملة ، قال الخطابي : إنه مجهول ، والآية محتملة ؛ فقد فسر قوله : ﴿وانحر﴾،
بوضع الكف على النحر في الصلاة ؛ أخرجه ابن أبي حاتم وابن شاهين في
(«سننه )) وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس ، وفيه روايات عن الصحابة مثل
ذلك ، ولو سلم، فهي دالة على أن النحر بعد الصلاة؛ فهي تعيين لوقته لا
٣١٩

١٤ - كتاب الأطعمة
٢ - باب الأضاحي
١٢٦٦ - حديث أبي هريرة
لوجوبه ، كأنه يقول : إذا نحرت ، فبعد صلاة العيد ؛ فإنه قد أخرجه ابن جرير
عن أنس: كان النبي ﴿ ينحر قبل أن يصلي، فأمر أن يصلي ، ثم ينحر.
ولضعف أدلة الوجوب ؛ ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء إلى أنها
سنة مؤكدة، بل قال ابن حزم: لا يصح عن أحد من الصحابة أنها واجبة . وقد
أخرج مسلم وغيره من حديث أم سلمة، قالت: قال رسول الله عَ ليه: ((إذا
دخلت العشر فأراد أحدكم أن يضحي ، فلا يأخذ من شعره ولا بشره شيئاً)).
قال الشافعي : إن قوله: ((فأراد أحدكم)) يدل على عدم الوجوب ، ولما أخرجه
البيهقي من حديث عبدالله بن عمر: أن رجلاً أتى النبي {﴿ ، فقال رسول الله
**: ((أمرت بيوم الأضحى عيداً جعله الله لهذه الأمة)). فقال الرجل: فإن
لم أجد إلا منيحة ؛ أنثى أو شاة أهلي ، ومنيحتهم أذبحها؟ قال: ((لا)) الحديث ،
ولما أخرجه البيهقي أيضاً من حديث ابن عباس: أنه قال ◌َ : «ثلاث هن
علي فرض ، ولكم تطوع))؛ وعد منها. الأضحية .
وأخرجه أيضاً من طريق أخرى بلفظ: ((كتب على النحر، ولم يكتب عليكم)).
وبما أخرجه أيضاً من أنه عَ ﴿: لما ضحى قال: ((باسم الله والله أكبر، اللهم،
عني وعمن لم يضح من أمتي !))، وأفعال الصحابة دالة على عدم الإيجاب .
فأخرج البيهقي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: أنهما كانا لا يضحيان ؛
خشية أن يقتدى بهما ، وأخرج عن ابن عباس : أنه كان إذا حضر الأضحى
أعطى مولى له درهمين ، فقال اشتر بهما لحماً ، وأخبر الناس أنه ضحى ابن
عباس . وروي أن بلالاً ضحى بديك ، ومثله روي عن أبي هريرة . والروايات عن
٣٢٠