Indexed OCR Text

Pages 241-260

١٣ - کتاب الجهاد
١٢١٠ و١٢١١ - حديثا معن بن يزيد وحبيب بن مسلمة
يقولُ: «لا نَفَلَ
١٢١٠ - وعنْ معن بن يزيد قالَ: سمعتُ رسولَ الله عَل
إلا بعدَ الخُمُس)). رواه أحمد وأبو داود، وصحّحُهُ الطحاويُ .
(وعن معن بن يزيد) : بفتح الميم وسكون العين المهملة ؛ هو أبو زيد معن بن
يزيد السلمي ؛ بضم السين المهملة ، له ولأبيه ولجده صحبة ، شهدوا بدراً، كما
قيل ، ولا يعلم من شهد بدراً هو وأبوه وجده غيرهم ، وقيل : لا يصح شهوده بدراً ،
يعد في الكوفيين ؛ ابن يزيد (قال: سمعت رسول الله ◌َ ه يقول: ((لا نَفَلَ): بفتح
النون وفتح الفاء ؛ هو الغنيمة (إلا بعْد الخُمس)). رواه أحمد وأبو داود ، وصححه
الطحاوي) : المراد بالنفل هو ما يزيده الإمام لأحد الغانمين على نصيبه ، وقد اتفق
العلماء على جوازه ، واختلفوا هل يكون من أصل الغنيمة ، أو من الخمس؟
وحديث معن - هذا - ليس فيه دليل على أحد الأمرين ، بل غاية ما دل عليه أنها
تخمس الغنيمة قبل التنفيل منها ، وتقدم ما قاله الخطابي من أن أكثر الأخبار دالة
على أن التنفيل من أصل الغنيمة ، واختلفوا في مقدار التنفيل ، فقال بعضهم: لا
يجوز أن ینفل أکثر من الثلث ، أو من الربع ؛ كما يدل عليه قوله :
١٢١١ - وعنْ حبيب بن مسْلَمَةَ قال: شَهِدْتُ رسولَ الله ◌َِّ نَفّل الرُّبع
في البدأَة ، والثلثَ في الرَّجْعةِ. رواهُ أَبو داودَ ، وصحّحهُ ابنُ الجارُودِ وابنُ
حِبّان والحاكمُ .
(وعن حبيب بن مسلمة) : بالحاء المهملة المفتوحة وموحدتين بينهما مثناة
تحتية ؛ هو عبد الرحمن بن حبيب بن مسلمة القرشي الفهري ، وكان يقال له :
حبيب الروم ؛ لكثرة مجاهدته لهم . ولاه عمر أعمال الجزيرة ، وضم إليه أرمينية
٢٤١

١٣ - کتاب الجهاد
١٢١١ - حديث حبيب بن مسلمة
ء
وأذربيجان ، وكان فاضلاً مجاب الدعوة ، مات بالشام ، أو بأرمينية سنة اثنتين
وأربعين (قال: شهدت رسول الله * نفل الربغ في البدأة): بفتح الباء
الموحدة وسكون الدال المهملة (والثلث في الرجعة . رواه أبو داود ، وصححه
ابن الجارود وابن حبان والحاكم) .
دل الحديث أنه ﴿ لم يجاوز الثلث في التنفيل، وقال آخرون : للإمام أن
ينفل السرية جميع ما غنمت ؛ لقوله تعالى : ﴿قل الأنفال الله والرسول﴾
[الأنفال: ١]؛ ففوضها إليه ، والحديث لا دليل فيه على أنه لا ينفل أكثر من
الثلث .
واعلم أنه اختلف في تفسير الحديث ، فقال الخطابي رواية عن ابن المنذر:
إنه ◌َ فرَّق بين البدأة والقفول ، حين فضل إحدى العطيتين على الأخرى ؛
لقوة الظهر عند دخولهم ، وضعفه عند خروجهم ، ولأنهم وهم داخلون أنشط
وأشهى للسير والإمعان في بلاد العدو ، وأجم وهم عند القفول ؛ لضعف دوابهم
وأبدانهم ، وهم أشهى للرجوع إلى أوطانهم وأهاليهم ؛ لطول عهدهم بهم وحبهم
للرجوع ، فيرى أنه زادهم في القفول لهذه العلة ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
قال الخطابي بعد نقله كلام ابن المنذر: هذا ليس بالبيّن ؛ لأن فحواه يوهم أن
الرجعة هي القفول إلى أوطانهم ، وليس هو معنى الحديث ، والبدأة إنما هي ابتداء
السفر للغزو؛ إذا نهضت سرية من جملة العسكر، فإذا وقعت بطائفة من العدو،
فما غنموا كان لهم فيه الربع ، ويشركهم سائر العسكر في ثلاثة أرباعه ، فإن قفلوا
من الغزوة ثم رجعوا فأوقعوا بالعدو ثانية ، كان لهم مما غنموا الثلث ؛ لأن نهوضهم
٢٤٢

١٣ - كتاب الجهاد
١٢١٢ و١٢١٣ - حديثا ابن عمر
بعد القفول أشدّ ؛ لكون العدو على حذر وحزم . انتهى ، وما قاله هو الأقرب .
١٢١٢ - وعن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قال: كانَ رسول الله عَّهِ ينفُّلُ
بعض منْ يبعث من السرايا لأنفُسهم خاصَّة ؛ سوى قسمة عامّة الجيش .
مُتّفقٌ عليه .
ینفّل بعض من
(وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله عَـ
يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة ؛ سوى قسمة عامة الجيش . متفق عليه) :
لم يكن ينفل كل من يبعثه ، بل بحسب ما يراه من المصلحة في
فيه : أنه
التنفیل .
١٢١٣ - وعَنْهُ قالَ: كُنّا نصيب في مغازينا العسلَ والعنَبَ فنأكُلُهُ ولا
نرفعهُ. رواهُ البخاريُّ، ولأبي داودَ : فَلَمْ يُؤخذْ منهمُ الخمس . وصحّحها ابنُ
حبّان .
(وعنه): أي : ابن عمر (قال: كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب
فتأكله ولا نرفعه . رواه البخاري ، ولأبي داود) : أي : عن ابن عمر (فلم يؤخذ
منهم الخمس . وصححها ابن حبان) .
لا نرفعه: لا نحمله على سبيل الادخار، أو لا نرفعه إلى من يتولى أمر
الغنيمة ونستأذنه في أكله ؛ اكتفاء بما علم من الإذن في ذلك .
وذهب الجمهور إلى أنه يجوز للغانمين أخذ القوت وما يصلح به ، وكل طعام
اعتيد أكله عموماً ، وكذلك علف الدواب قبل القسمة ؛ سواء كان بإذن الإمام أو
٢٤٣

١٣ - كتاب الجهاد
١٢١٤ - حديث عبد الله بن أبي أوفى
بغير إذنه ، ودليلهم هذا الحديث ، وما أخرجه الشيخان من حديث ابن مغفل
قال : أصبت جراب شحم يوم خيبر فقلت : لا أعطي منه أحداً ، فالتفت فإذا
رسول الله څ يبتسم .
وهذه الأحاديث مخصصة لأحاديث النهي عن الغلول ، ويدل له أيضاً
الحديث الآتي ، وهو قوله :
١٢١٤ - وعنْ عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قالَ: أَصبْنا طعاماً يَوْمَ
خَيْبَرَ فكان الرجلُ يجيءُ فيأخُذُ منهُ قدر ما يكفيه ثمَّ ينصرفُ. أَخرجهُ أَبو
داودَ ، وصحّحه ابنُ الجارود والحاكم .
(وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال : أصبنا طعاماً يوم خيبر
فكان الرجل يجيء فيأخذ منه قدر ما يكفيه ثم ينصرف . أخرجه أبو داود ،
وصححه ابن الجارود والحاكم): فإنه واضح في الدلالة على أخذ الطعام قبل
القسمة ، وقبل التخميس ؛ قاله الخطابي ، وأما سلاح العدوّ ودوابهم، فلا أعلم
بين المسلمين خلافاً فى جواز استعمالها ، فأما إذا انقضت الحرب ، فالواجب
ردّها في المغنم .
وأما الثياب والحرث والأدوات ، فلا يجوز أن يستعمل شيء منها ، إلا أن
يقول قائل: إنه إذا احتاج إلى شيء منها لحاجة ضرورية ، كان له أن يستعمله ؛
مثل أن يشتد البرد فيستدفئ بثوب ، ويتقوّى به على المقام في بلاد العدوّ
مرصداً له لقتالهم ، وسئل الأوزاعي عن ذلك فقال : لا يلبس الثوب إلا أن
يخاف الموت .
٠٫٠٠
٢٤٤

١٣ - کتاب الجهاد
١٢١٥ و١٢١٦ - حديثا رويفع بن ثابت وأبي عبيدة
قلت الحديث الآتي :
:0
١٢١٥ - وعنْ رُوَيْفع بن ثابت رضي الله عنهُ قال: قالَ رسولُ الله
((من كانَ يُؤمنُ بالله واليوم الآخر فلا يَرْكبْ دابةً من فيء المسلمين حتى إذا
أَعْجَفَها رَدَّها فيه ، ولا يلبس ثوباً من فَيء المسلمينَ حتى إذا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ
فيه)) . أَخرجهُ أَبو داودَ والدارميُّ، ورجالهُ لا بأس بهمْ .
(وعن رويفع بن ثابت رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ له: ((من كان
يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها
ردها فيه ، ولا يلبس ثوباً من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه)). أخرجه
أبو داود والدارمي ، ورجاله لا بأس بهم) : يؤخذ منه جواز الركوب ولبس
الثوب ، وإنما يتوجه النهي إلى الإعجاف والإخلاق للثوب ، فلو ركب من غير
إعجاف ، ولبس من غير إخلاق وإتلاف جاز .
١٢١٦ - وعَنْ أَبي عُبيدة بن الجراح رضي الله عنهُ قالَ: سمعتُ رسول
الله ◌َّهُ يقولُ: ((يجيرُ على المسلمين بعضُهُم)). أَخْرجهُ ابنُ أَبِي شَيْبة
وأَحمدُ ، وفي إسناده ضعفٌ .
(وعن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه): بالجيم والراء والحاء المهملة
(قال: سمعت رسول الله :﴿﴿ يقول: ((يجير): بالجيم والراء بينهما مثناة
تحتية ؛ من الإجارة؛ وهي الأمان (على المسلمين بعضهم)). أخرجه ابن أبي
شيبة وأحمد ، وفي إسناده ضعف) .
٢٤٥

١٣ - كتاب الجهاد
١٢١٧، ١٢١٨، ١٢١٩ - أحاديث عمرو وعلي وأم هانئ
لأن في إسناده الحجاج بن أرطاة ، ولكنه يجبر ضعفه الحديث الآتي ، وهو
قوله :
١٢١٧ - والطيالسيِّ من حديث عمرو بن العاص: ((يجيرُ عَلى المُسلمين
أَدْناهُمْ)) .
(والطيالسي من حديث عمرو بن العاص: ((يجير على المسلمين أدناهم))) :
وما في ((الصحیحین)) ، وهو :
١٢١٨ - عنْ علي رضي اللهُ عنهُ: ((ذمّةُ المسلمين واحدة ، يسعى بها
أَدْناهُمْ)). زادَ ابنُ ماجهْ منْ وجهٍ آخر: «ويجير عليهمْ أَقصَاهُمْ)) .
(عن علي رضي الله عنه: ((ذمّةُ المسلمين واحدةٌ ، يسعى بها أَدْناهمْ)) . زاد
ابن ماجه): من حديث علي أيضاً (من وجه آخر: ((ويجير عليهم أقصاهُمْ))).
كالدفع لتوهم أنه لا يجير إلا أدناهم ، فتدخل المرأة في جواز إجارتها على
المسلمين ؛ كما أفاده الحدیث الآتي :
١٢١٩ - وفي ((الصحيحين)) منْ حديث أُمِّ هانى: ((قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتٍ)).
(وفي ((الصحيحين)) من حديث أم هانئ) : بنت أبي طالب ، قيل : اسمها :
هند، وقيل : فاطمة ، وهي أخت علي بن أبي طالب عليه السلام ((قدْ أجرْنا
من أجرْت))) .
وذلك أنها أجارت رجلين من أحمائها، وجاءت إلى النبي ◌َ﴿ تخبره أن
له : ((قد أجرنا ... ))، الحديث.
علياً أخاها لم يجز إجارتها ، فقال
٢٤٦

١٣ - کتاب الجهاد
١٢٢٠ - حديث عمر
والأحاديث دالة على صحة أمان الكافر من كل مسلم ، ذكر أو أنثى ، حر أم
عبد ، مأذون أم غير مأذون ؛ لقوله: ((أدناهم)) ؛ فإنه شامل لكل وضيع ، وتعلم
صحة أمان الشريف بالأولى .
وعلى هذا جمهور العلماء ، إلا عند جماعة من أصحاب مالك ؛ فإنهم قالوا :
لا يصح أمان المرأة، إلا بإذن الإمام؛ وذلك لأنهم حملوا قوله {﴿﴿ لأم هانئ:
((قد أجرنا من أجرت)) على أنه إجازة منه ، قالوا: فلو لم يجز، لم يصح أمانها .
وحمله الجمهور على أنه له أمضى ما وقع منها ، وأنه قد انعقد أمانها؛
لأنه ي سماها : مجيرة، ولأنها داخلة في عموم المسلمين في الحديث على ما
يقوله بعض أئمة الأصول ، أو من باب التغليب ؛ بقرينة الحديث الآتي :
١٢٢٠ - وعنْ عُمَرَ رضي اللهُ عنه: أنّهُ سمع رسول الله ◌َّه يقولُ:
((لأخرجنَّ اليهود والنّصارى من جزيرة العرب؛ حتى لا أدَعَ إلا مسلماً)).
رواهُ مسلمٌ .
يقول : «لأخرجن
(وعن عمر رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله ﴾
اليهود والنصارى من جزيرة العرب ؛ حتى لا أدع إلا مسلماً». رواه مسلم):
وأخرجه أحمد بزيادة: ((لئن عشت إلى قابل))، وأخرج الشيخان من حديث
ابن عباس رضي الله عنهما : أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أوصى
عند موته بثلاث: ((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ... )). وأخرج
البيهقي من حديث مالك عن ابن شهاب: أن رسول الله { ◌ٍ قال: ((لا يجتمع
دينان في جزيرة العرب)) .
٢٤٧

١٣ - کتاب الجهاد
١٢٢٠ - حديث عمر
قال مالك : قال ابن شهاب: ففحص عمر عن ذلك ، حتى أتاه الثلج
واليقين عن رسول الله # ** أنه قال: ((لا يجتمع دينان في جزيرة العرب))،
فأجلى يهود خيبر ، قال مالك : وقد أجلى يهود نجران وفدك أيضاً .
والحديث دليل على وجوب إخراج اليهود والنصارى والمجوس من جزيرة
العرب ؛ لعموم قوله : ((لا يجتمع دينان في جزيرة العرب))؛ وهو عام لكل دين ،
والمجوس بخصوصهم حكمهم حكم أهل الكتاب ، كما عرفت .
وأما حقيقة جزيرة العرب ، فقال مجد الدين في ((القاموس)): جزيرة العرب:
ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات ، أو ما بين عدن أُبین إلى
أطراف الشام طولاً ، ومن جدّة إلى أطراف ريف العراق عرضاً . انتهى .
وأضيفت إلى العرب ؛ لأنها كانت أوطانهم قبل الإسلام ، وأوطان أسلافهم ،
وهي تحت أيديهم .
وبما تضمنته الأحاديث - من وجوب إخراج من له دين غير الإسلام من
جزيرة العرب -، قال مالك والشافعي وغيرهما ، إلا أن الشافعي والهادوية خصوا
ذلك بالحجاز . قال الشافعي : وإن سأل من يعطي الجزية أن يعطيها ، ويجري
عليه الحكم على أن يسكن الحجاز، لم يكن له ذلك ؛ والمراد بالحجاز: مكة
والمدينة واليمامة ومخاليفها كلها ، وفي ((القاموس)»: الحجاز: مكة والمدينة
والطائف ومخاليفها ؛ كأنها حجزت بين نجد وتهامة ، أو بين نجد والسراة ، أولأنها
احتجزت بالحرار الخمس ، حرّة بني سليم وراقم وليلى وشوران والنار .
قال الشافعي : ولا أعلم أحداً أجلى أحداً من أهل الذمة من اليمن ، وقد
٢٤٨

١٣ - کتاب الجهاد
١٢٢٠ - حديث عمر
كانت بها ذمة ، وليس اليمن بحجاز؛ فلا يجليهم أحد من اليمن ، ولا بأس أن
يصالحهم على مقامهم باليمن .
قلت: لا يخفى أن الأحاديث الماضية فيها الأمر بإخراج من ذكر من أهل
الأديان غير دين الإسلام من جزيرة العرب ، والحجاز بعض جزيرة العرب ، وورد
في حديث أبي عبيدة الأمر بإخراجهم من الحجاز ، وهو بعض مسمى جزيرة
العرب؛ والحكم على بعض مسمياتها بحكم، لا يعارض الحكم عليها كلها
بذلك الحكم ؛ كما قرر في الأصول أن الحكم على بعض أفراد العام لا يخصص
العام ، وهذا نظيره . وليست جزيرة العرب من ألفاظ العموم، كما وهم فيه
جماعة من العلماء .
وغاية ما أفاده حديث أبي عبيدة زيادة التأكيد في إخراجهم من الحجاز؛
لأنه دخل إخراجهم من الحجاز تحت الأمر بإخراجهم من جزيرة العرب ، ثم أفرد
بالأمر زیادة تأکید ، لا أنه تخصیص أو نسخ ، وکیف وقد كان آخر كلامه صلی
الله عليه وآله وسلم ((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب))؟! كما قال ابن
عباس : أوصى عند موته .
وأخرج البيهقي من حديث مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم : أنه سمع
عمر بن عبد العزیز یقول : بلغني أنه کان من آخر ما تكلم به رسول الله صلی
الله تعالى عليه وسلم أنه قال: ((قاتل الله اليهود والنصارى ؛ اتخذوا قبور
أنبيائهم مساجد ، لا يبقين دينان بأرض العرب)).
وأما قول الشافعي : إنه لا يعلم أحداً أجلاهم من اليمن ، فليس ترك إجلائهم
٢٤٩

١٣ - كتاب الجهاد
١٢٢٠ - حديث عمر
بدليل ؛ فإن أعذار من ترك ذلك كثيرة ، وقد ترك أبو بكر رضي الله عنه إجلاء
أهل الحجاز، مع الاتفاق على وجوب إجلائهم ؛ لشغله بجهاد أهل الردّة ، ولم
یکن ذلك دليلاً على أنهم لا یجلون ، بل أجلاهم عمر رضي الله عنه .
وأما القول بأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أقرهم في اليمن ، بقوله
لمعاذ: ((خذ من كل حالم ديناراً أو عدله معافرياً))؛ فهذا كان قبل أمره
بإخراجهم ، فإنه كان عند وفاته كما عرفت ، فالحق وجوب إجلائهم من اليمن ؛
لوضوح دلیله .
وكذا القول بأن تقريرهم في اليمن قد صار إجماعاً سكوتياً ، لا ينهض على
دفع الأحاديث ؛ فإن السكوت من العلماء على أمر وقع من الآحاد أو من خليفة
أو غيره ؛ من فعل محظور أو ترك واجب ، لا يدل على جواز ما وقع ولا على
جواز ما ترك ، فإنه إن كان الواقع فعلاً أو تركاً لمنكر ، وسكتوا ، لم يدل سكوتهم
على أنه ليس بمنكر؛ لما علم من أن مراتب الإنكار ثلاث : باليد أو اللسان أو
القلب ، وانتفاء الإنكار باليد واللسان ، لا يدل على انتفائه بالقلب ، وحينئذ فلا
يدل سكوته على تقريره لما وقع حتى يقال : قد أجمع عليه إجماعاً سكوتياً! إذ
لا يثبت أنه قد أجمع الساكت ، إلا إذا علم رضاه بالواقع ، ولا يعلم ذلك إلا
علام الغيوب .
وبهذا يعرف بطلان القول بأن الإجماع السكوتي حجة ، ولا أعلم أحداً قد
حرر هذا في ردّ الإجماع السكوتي مع وضوحه ، والحمد لله المنعم المتفضل ؛ فقد
أوضحناه في رسالة مستقلة .
٢٥٠

١٣ - کتاب الجهاد
١٢٢١ - حديث عمر
فالعجب ممن قال : ومثله قد يفيد القطع ، وکذلك قول من قال : إنه يحتمل
أن حديث الأمر بالإخراج كان عند سكوتهم بغير جزية باطل ؛ لأن الأمر
بإخراجهم عند وفاته 198 ، والجزية فرضت في التاسعة من الهجرة عند نزول
براءة ، فكيف يتم هذا؟! ثم إن عمر أجلى أهل تجران ، وقد كان صالحهم
على مال واسع كما هو معروف ، وهو جزية .
والتكلف ؛ لتقويم ما عليه الناس ، ورد ما ورد من النصوص بمثل هذه التأويلات ،
مما يطيل تعجب الناظر المنصف !
قال النووي : قال العلماء رحمهم الله تعالى: ولا يمنع الكفار من التردد
مسافرين إلى الحجاز، ولا يمكثون فيه أكثر من ثلاثة أيام ، قال الشافعي ومن
وافقه : إلا مكة وحرمها ، فلا يجوز تمكين كافر من دخولها بحال ، فإن دخل في
خفية وجب إخراجه ؛ فإن مات ودفن فيه نبش ، وأخرج ، ما لم يتغير، وحجته
قوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام﴾ [التوبة: ٢٨].
قلت : ولا يخفى أن الباذيان هم المجوس ، والمجوس حكمهم من حكم أهل
الكتاب؛ لحديث: ((سنوا بهم سنّة أهل الكتاب))، فيجب إخراجهم من أرض
اليمن ، ومن كل محل من جزيرة العرب ، وعلى فرض أنهم ليسوا بمجوس ؛
فالدليل على إخراجهم دخولهم تحت: ((لا يجتمع دينان في أرض العرب)).
١٢٢١ - وعنهُ قال: كانت أموال بني النّضير مما أَفاءَ اللهُ على رسوله، مما
خاصة ؛
لمْ يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب ، فكَانتْ للنبي
فكان يُنْفَقُ على أَهْلِهِ نَفَقَةً سنةٍ ، وَمَا بقي يجعَلُهُ في الكُراعِ والسِّلاحِ عُدَّةً
٢٥١

١٣ - کتاب الجهاد
١٢٢١ - حديث عمر
في سبيل الله تعالى)). مُتّفقٌ عليهِ .
(وعنه) : أي : عمر رضي الله عنه (قال : كانت أموال بني النضير) : بفتح
النون وكسر الضاد المعجمة بعدها مثناة تحتية (مما أفاء الله على رسوله ، مما لم
يوجف) : الإيجاف : من الوجف ؛ وهو السير السريع (عليه المسلمون بخيل ولا
ركاب): الركاب بكسر الراء؛ الإبل (فكانت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم
خاصة ؛ فكان ينفق على أهله نفقة سنة ، وما بقي يجعله في الكراع) : بالراء
و
والعين المهملة ؛ بزنة غراب؛ اسم لجمع الخيل (والسلاح عدّة في سبيل الله
تعالى . متفق عليه) .
بنو النضير : قبيلة كبيرة من اليهود ، وادعهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم
بعد قدومه إلى المدينة ، على أن لا يحاربوه ، وأن لا يعينوا عليه عدوه ، وكانت
أموالهم ونخيلهم ومنازلهم بناحية المدينة ، فنكثوا العهد ، وسار معهم كعب بن
الأشرف في أربعين راكباً إلى قريش فحالفهم ، وكان ذلك على رأس ستة أشهر
من وقعة بدر؛ كما ذكره الزهري .
وذكر ابن إسحاق في ((المغازي)): أن ذلك كان بعد قصة أُحد وبئر معونة ،
وخرج إليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستعينهم في دية رجلين قتلهما
عمرو بن أمية الضمري من بني عامر؛ فجلس النبي :﴿ إلى جنب جدار لهم،
فتمالؤوا على إلقاء صخرة عليه من فوق ذلك الجدار ، وقام بذلك عمرو بن
جحاش بن كعب ، فأتاه الخبر من السماء ، فقام مظهراً أنه يقضي حاجة وقال
لأصحابه : لا تبرحوا ، ورجع مسرعاً إلى المدينة ، فاستبطأه أصحابه ، فأخبروا أنه
٢٥٢

١٣ - کتاب الجهاد
١٢٢١ - حديث عمر
رجع إلى المدينة ، فلحقوا به ، فأمر بحربهم والمسير إليهم ، فتحصنوا ، فأمر بقطع
النخل والتحریق ، وحاصرهم ست ليالٍ .
وكان ناس من المنافقين بعثوا إليهم أن اثبتوا وتمنعوا ؛ فإن قوتلتم ، قاتلنا معكم
فتربصوا ، فقذف الله الرعب في قلوبهم فلم ينصروهم ، فسألوا أن يجلوا من
أرضهم على أن لهم ما حملت الإبل ، فصولحوا على ذلك ، إلا الحلقة - بفتح
الحاء المهملة وفتح اللام فقاف؛ وهي السلاح - فخرجوا إلى أذرعات وأريحاء من
الشام، وآخرون إلى الحيرة ، ولحق آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب بخيبر ،
وكانوا أول من أجلي من اليهود؛ كما قال تعالى: ﴿لأول الحشر﴾ [الحشر: ٢]،
والحشر الثاني ؛ من خيبر في أيام عمر رضي الله عنه .
وقوله : مما أفاء الله على رسوله : الفيء: ما أخذ بغير قتال، قال في ((نهاية
المجتهد)): إنه لا خمس فيه عند جمهور العلماء ، وإنما لم يوجف عليها بخيل ولا
ركاب؛ لأن بني النضير كانت على ميلين من المدينة ، فمشوا إليها مشاة ، غير
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه ركب جملاً أو حماراً ، ولم تنل
أصحابه صلى الله عليه وآله وسلم مشقة في ذلك .
وقوله : كان ينفق على أهله : أي : ما استبقاه لنفسه ، والمراد أنه يعزل لهم
نفقة سنة ، ولكنه كان ينفقه قبل انقضاء السنة في وجوه الخير ، ولا يتم عليه
السنة ؛ ولهذا توفي صلى الله عليه وآله وسلم ودرعه مرهونة على شعير استدانه
لأجله .
وفيه دلالة على جواز ادخار قوت سنة ، وأنه لا ينافي التوكل ، وأجمع
٢٥٣

١٣ - کتاب الجهاد
١٢٢٢ و١٢٢٣ - حديثا معاذ بن جبل وأبي رافع
العلماء على جواز الادخار مما يستغله الإنسان من أرضه ، وأما إذا أراد أن يشتريه
من السوق ويدخره ؛ فإن كان في وقت ضيق الطعام لم يجز؛ بل يشتري ما لا
يحصل به تضييق على المسلمين ، كقوت أيام أو شهر ، وإن كان في وقت سعة
اشترى قوت السنة ، وهذا التفصيل نقله القاضي عياض عن أكثر العلماء .
١٢٢٢ - وعنْ مُعاذ بن جَبَل رضي اللهُ عَنْهُ قال: غزونا مَعَ رسُول الله
خَيْبَرِ، فَأَصْبْنا فيها غنماً، فقسمَ فينا رسولُ الله ◌َّهِ طائفةً، وجعل بقيَّتها في
المغنم . رواهُ أَبو داودَ ، ورجاله لا بأس بهمْ.
(وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: غزونا مع رسول الله عَ ﴿ه خيبر،
فأصبنا فيها غنماً، فقسم فينا رسول الله ◌َّ هُ طائفة، وجعل بقيتها في المغنم.
رواه أبو داود ، ورجاله لا بأس بهم .) : الحديث من أدلة التنفيل ، وقد سلف
الكلام فيه ؛ فلو ضمه المصنف رحمه الله إليها لكان أولى .
١٢٢٣ - وعَنْ أَبي راقع رضي الله عَنْهُ قالَ: قال رسولُ اللهعَ لَّةِ: ((إني لا
أَخيس بالعهد ، ولا أحبسُ الرُّسُلَ)). رواهُ أَبو داود والنسائيُّ، وصحّحُهُ ابنُ
حِبّانَ .
(وعن أبي رافع رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ◌ّهِ: ((إني لا أخيسُ):
بالخاء المعجمة فمثناة تحتية فسين مهملة؛ في ((النهاية)): لا أنقض (بالعهد ،
ولا أحبس الرسل)) . رواه أبو داود والنسائي ، وصححه ابن حبان).
في الحدیث دلیل علی حفظ العهد والوفاء به ، ولو لكافر ، وعلى أنه لا يحبس
الرسول ، بل يرد جوابه ؛ فكأن وصوله أمان له ، فلا يجوز أن يحبس بل يرد .
٢٥٤

١٣ - كتاب الجهاد
١٢٢٤ - حديث أبي هريرة
١٢٢٤ - وعَنْ أبي هُريرة رضي الله عنهُ: أَنَّ رسولَ الله عَزِهِ قال: ((أَبُّما
قَرْبةٍ أَتَيْتُمُوها فَأَقَمْتمْ فيها فسهْمُكُمْ فيها ، وَأَيُّما قَرْبةٍ عَصَت الله ورسولهُ ، فإِن
ء
خمسها لله ورسوله ثمَّ هي لَكُم». رواهُ مُسلمٌ.
قال: ((أيما قرية أتيتموها
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله
فأقمتم فيها ، فسهمکم فيها ، وأيما قرية عصت الله ورسوله ، فإن خمسها لله
ورسوله ثم هي لكم)) . رواه مسلم.): قال القاضي عياض في ((شرح مسلم)):
يحتمل أن يكون المراد بالقرية الأولى هي التي لم يوجف عليها المسلمون بخيل
ولا ركاب ، بل أجلى عنها أهلها وصالحوا ، فيكون سهمهم فيها - أي: حقهم
من العطاء - كما تقرر في الفيء.
ويكون المراد بالثانية ما أخذت عنوة ، فيكون غنيمة يخرج منها الخمس ،
والباقي للغانمين ، وهو معنى قوله : ((هي لكم)) ؛ أي : باقيها .
وقد احتج به من لم يوجب الخمس في الفيء، قال ابن المنذر: لا نعلم
أحداً قبل الشافعي قال بالخمس في الفيء .
٢٥٥

١٣ - كتاب الجهاد
١ - باب الجزية والهدنة ١٢٢٥ - حديث عبد الرحمن بن عوف
١ - باب الجزية والهدنة
الأظهر في الجزية أنها مأخوذة من الإجزاء ؛ لأنها تكفي من توضع عليه في
عصمة دمه .
٤
والهدنة : هي متاركة أهل الحرب مدة معلومة ؛ لمصلحة ، ومشروعية الجزية
سنة تسع على الأظهر ، وقيل : سنة ثمان .
١٢٢٥ - عَنْ عَبْد الرّحمن بنِ عَوْفٍ: أَنَّ النّبِيِّ ◌ِ﴿ أَخذَها - يعني: الجزْبةَ -
مِنْ مَجُوس هَجَرَ . رواهُ البخاريُّ، ولهُ طريقٌ في ((الموطأ)) فيها انقطاعٌ .
(عَنْ عَبْد الرَّحمن بنِ عَوْف: أَنَّ النّبِيَّ ◌ِ﴿ أَخذَها - يعني: الجزْبةَ - مِنْ
مَجُوسِ هَجَرَ . رواهُ البخاريُّ، ولهُ طريقٌ في ((الموطأ)) فيها انقطاعٌ) : وهي ما
أخرجه الشافعي عن ابن شهاب : أنه بلغه : أن رسول الله
﴿ أخذ الجزية من
مجوس البحرين . قال البيهقي : وابن شهاب إنما أخذ حديثه عن ابن المسيب،
وابن المسيب حسن المرسل ؛ فهذا هو الانقطاع الذي أشار إليه المصنف .
وأخرج الشافعي من حديث عبد الرحمن : أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس
فقال : لا أدري كيف أصنع في أمرهم ، فقال عبد الرحمن : سمعت رسول الله
يقول: ((سنوا بهم سنّة أهل الكتاب)).
وأخرج أبو داود والبيهقي عن ابن عباس قال : جاء رجل من مجوس هجر
إلى النبي ◌َ له، فلما خرج، قلت له : ما قضى الله ورسوله فيكم؟ قال : شراً.
قلت : مه؟ قال: الإسلام، أو القتل . قال: وقال عبد الرحمن بن عوف : قبل
٢٥٦

١٣ - كتاب الجهاد
١ - باب الجزية والهدنة ١٢٢٥ - حديث عبد الرحمن بن عوف
منهم الجزية ؛ قال ابن عباس: وأخذ الناس بقول عبد الرحمن ، وتركوا ما
سمعت ؛ قلت : لأن رواية عبد الرحمن موصولة وصحيحة ، ورواية ابن عباس
هي عن مجوسي ؛ لا تقبل اتفاقاً .
وأخرج الطبراني عن مسلم بن العلاء الحضرمي في آخر حديثه ؛ بلفظ :
(سنوا بالمجوس سنّة أهل الكتاب))، وأخرج البيهقي عن المغيرة في حديث
طويل مع فارس ، وقال فيه : فأمرنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أن نقاتلكم ؛
حتّى تعبدوا الله وحده ، أو تؤدّوا الجزية ، وكان أهل فارس مجوساً .
فدلت هذه الأحاديث على أخذ الجزية من المجوس عموماً ، ومن أهل هجر
خصوصاً ، كما دلت الآية على أخذها من أهل الكتاب اليهود والنصارى .
قال الخطابي : وفي امتناع عمر رضي الله عنه من أخذ الجزية من المجوس ،
حتّی شهد عبد الرحمن : أن النبي صلی الله عليه وآله وسلم أخذها من مجوس
هجر، دليل على أن رأي الصحابة أن لا تؤخذ الجزية من كل مشرك ؛ كما ذهب
إليه الأوزاعي ، وإنما تقبل من أهل الكتاب .
وقد اختلف العلماء في المعنى الذي من أجله أخذت الجزية منهم ؛ فذهب
الشافعي في أغلب قوليه إلى أنها إنما قبلت منهم؛ لأنهم من أهل الكتاب،
وروي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
وقال أكثر أهل العلم : إنهم ليسوا من أهل الكتاب ، وإنما أخذت الجزية من
اليهود والنصارى بالكتاب ، ومن المجوس بالسنّة . انتهى .
٢٥٧

١٣ - كتاب الجهاد
١ - باب الجزية والهدنة ١٢٢٦ - حديث أنس وعثمان بن أبي سليمان
قلت : قدّمنا لك أن الحق أخذ الجزیة من کل مشرك؛ کما دل له حديث
بريدة ، ولا يخفى أن في قوله: ((سنوا بهم سنّة أهل الكتاب))، ما يشعر بأنهم
ليسوا بأهل الكتاب ، ويدل لما قدمناه قوله :
١٢٢٦ - وعن عاصم بن عُمَرَ عنْ أَنس، وعن عُثمانَ بن أَبِي سُلَيْمانَ: أَنَّ
النّبِي ◌َ ﴿ بعثَ خالد بن الوليد إلى أُكَيْدُّر دُومَة، فَأَخَذوهُ، فَأَتوا بهِ ، فَحَقَن
دَمَهُ ، وصَالحهُ على الجزْبة . رواه أبو داود .
(وعن عاصم بن عمر) : هو أبو عمرو عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله
عنه العدوي القرشي، ولد قبل وفاة رسول الله ﴿ بسنتين، وكان وسيماً جسيماً
خيّراً فاضلاً شاعراً ، مات سنة سبعين ؛ قبل موت أخيه عبد الله بأربع سنين ،
وهو جد عمر بن عبد العزيز لأمه ، روى عنه أبو أمامة بن سهل بن حنيف وعروة
ابن الزبير (عن أنس) : أي : ابن مالك (وعن عثمان بن أبي سليمان) : أي :
ابن جبير بن مطعم القرشي المكيّ ، سمع أبا سلمة بن عبد الرحمن وعامر بن
عبد الله بن الزبير وغيرهم (أن النبي
وَّة بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر) :
بضم الهمزة ؛ بعد الكاف مثناة تحتية فدال مهملة فراء (دومة) : بضم الدال
المهملة وسكون الواو ؛ ودومة الجندل : اسم محل (فأخذوه ، فأتوا به ؛ فحقن
دمه ، وصالحه على الجزية . رواه أبو داود) .
قال الخطابي : أكيدر دومة : رجل من العرب ، يقال : إنه من غسان ؛ ففي
هذا دليل على أخذ الجزية من العرب كجوازه من العجم . انتهى . قلت : فهو
من أدلة ما قدمناه .
٢٥٨

١٣ - کتاب الجهاد
١ - باب الجزية والهدنة
١٢٢٧ - حديث معاذ بن جبل
وكان ﴿ بعث خالداً من تبوك، والنبي ◌َ ﴿ بها في آخر غزاة غزاها، وقال
لخالد: ((إنك تجده يصيد البقر))، فمضى خالد ، حتّى إذا كان من حصنه بمبصر
العين في ليلة مقمرة ، أقام ، وجاءت بقر الوحش ، حتّى حكت قرونها بباب
القصر ، فخرج إليها أكيدر في جماعة من خاصته ، فتلقتهم جند رسول الله
، فأخذوا أكيدراً، وقتلوا أخاه حسان ، فحقن رسول الله دمه ، وكان
نصرانياً ، واستلب خالد من حسان قباء دیباج مخوّصاً بالذهب ، وبعث به إلى
رسول الله :﴿ ، وأجار خالد أكيدراً من القتل ، حتّى يأتي به رسول الله
على أن يفتح له دومة الجندل ، ففعل ، وصالحه على ألفي بعير ، وثمانمائة
صفیه خالصاً ، ثم قسم
رأس ، وألفي درع ، وأربعمائة رمح ؛ فعزل رسول الله
الغنيمة . الحديث .
وفيه أنه قدم خالد بأكيدر على رسول الله يطانية ، فدعاه إلى الإسلام، فأبى
فأقره على الجزية .
١٢٢٧ - وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: بعثني رسولُ الله
إلى اليمن ، وأَمرني أن أَخُذَ منْ كلِّ حالم ديناراً، أو عَدْلَه مَعَافريّاً. أخرجه
الثّلاثة ، وصحّحهُ ابنُ حِبّان والحاكم .
(وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله مَ﴿ إلى اليمن ،
وأمرني أنْ آخُذ من كل حالم ديناراً، أو عدلَهُ) : بالعين المهملة مفتوحة
وتكسر : المثل ، وقيل : بالفتح : ما عادل من جنسه ، وبالكسر: ما ليس من
جنسه، وقيل بالعكس؛ كما في ((النهاية))، ثم دال مهملة (معافرياً): بفتح
٢٥٩

١٣ - كتاب الجهاد
١ - باب الجزية والهدنة
١٢٢٧ - حديث معاذ بن جبل
الميم فعين مهملة بعدها ألف ففاء وراء بعدها ياء النسبة ، إلى معافر ، وهي بلد
باليمن تصنع فيها الثياب ؛ فنسبت إليها ؛ فالمراد : أو عدله ثوباً معافرياً (أخرجه
الثلاثة ، وصححه ابن حبان والحاكم) .
وقال الترمذي : حديث حسن ، وذكر أن بعضهم رواه مرسلاً ، وأنه أصح ،
وأعله ابن حزم بالانقطاع ، وأن مسروقاً لم يلق معاذاً ، وفيه نظر !
وقال أبو داود : إنه منكر ؛ قال : وبلغني عن أحمد : أنه كان ينكر هذا الحديث
إنكاراً شديداً .
قال البيهقي : إنما المنكر رواية أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن
مسروق عن معاذ، فأما رواية الأعمش عن أبي وائل عن مسروق ، فإنها
محفوظة ؛ قد رواها عن الأعمش جماعة ، منهم : سفيان الثوري وشعبة ومعمر
وأبو عوانة ويحيى بن شعبة وحفص بن غياث .
فطيرة لما بعث معاذاً إلى
وقال بعضهم : عن معاذ، وقال بعضهم : إن النبي
الیمن ، أو معناه .
والحديث دليل على تقدير الجزية بالدينار من الذهب على كل حالم - أي :
بالغ -، وفي رواية: محتلم ، وظاهر إطلاقه سواء كان غنياً ، أو فقيراً، والمراد أنه
يؤخذ الدينار ممن ذكر في السنّة ؛ وإلى هذا ذهب الشافعي ؛ فقال : أقل ما يؤخذ
من أهل الذمة دينار عن كل حالم ، وبه قال أحمد ؛ فقال : الجزية دينار ، أو
عدله من المعافري ، لا يزاد عليه ، ولا ينقص .
٢٦٠