Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٢ - كتاب الحدود
٣ - باب حد السرقة
١١٦٠ - حديث الحارث بن حاطب
وخالفت الهادوية والحنفية فقالوا : يحبس في الثالثة ؛ لما رواه البيهقي من
حديث عليّ رضي الله عنه أنه قال بعد أن قطع رجله وأتي به في الثالثة : بأي
شيء يتمسح وبأي شيء يأكل؟! ، لما قيل له : تقطع يده اليسرى ، ثم قال : أقطع
رجله؟ على أي : شيء يمشي؟! إني لأستحي من الله ، ثم ضربه وخلد في السجن .
وأجاب الأولون بأن هذا رأي لا يقاوم النصوص ، وإن كان المنصوص فيه
ضعف ؛ فقد عاضدته الروايات الأخرى .
وأما محل القطع ، فيكون من مفصل الكف ؛ إذْ هو أقل ما يسمى يداً ، ولفعله
: فيما أخرجه الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب : أتي النبي
00
بسارق ، فقطع يده من مفصل الكف . وفي إسناده مجهول .
وأخرج ابن أبي شيبة من مرسل رجاء بن حيوة: أن النبي :{18 قطع من
المفصل .
وأخرجه أبو الشيخ من وجه آخر عن رجاء عن عدي رفعه ، وعن جابر
رفعه ، وأخرجه سعید بن منصور عن عمر .
وقالت الإمامية : ويروى عن علي عليهِ السَّلام أنه يقطع من أصول
الأصابع ؛ إذْ هو أقل ما يسمى يداً ، ورد ذلك بأنه لا يقال لمن قطعت أصابعه :
مقطوع اليد ؛ لا لغة ، ولا عرفاً ، وإنما يقال : مقطوع الأصابع .
وقد اختلفت الرواية عن علي عليه السّلام ؛ فروي أنه کان یقطع من يد
السارق الخنصر والبنصر والوسطى .
١٦١

١٢ - كتاب الحدود
٣ - باب حد السرقة
١١٦٠ - حديث الحارث بن حاطب
وقال الزهري والخوارج: إنه يقطع من الإبط ؛ إذْ هو اليد حقيقة ، والأقوى
الأول ؛ لدليله المأثور .
وأما محل قطع الرجل ، فتقطع من مفصل القدم ، وروي عن علي عليهِ
السَّلام أنه كان يقطع الرجل من الكعب ، وروي عنه - وهو للإمامیة -: أنه من
معقد الشراك .
﴿ قال لها
خاتمة : أخرج أحمد وأبو داود عن عطاء عن عائشة : أن النبي
- وقد دعت على سارق سرقها ملحفة -: ((لا تسبخي عنه بدعائك عليه))،
ومعناه : لا تخففي عنه الإثم الذي يستحقه بالسرقة ، وهذا يدل على أن الظالم
يخفف عنه بدعاء المظلوم عليه .
وروى أحمد في كتاب ((الزهد)» عن عمر بن عبد العزيز أنه قال : بلغني أن
الرجل ليظلم مظلمة ؛ فلا يزال المظلوم يشتم الظالم وينتقصه ، حتّى يستوفي
حقه ، ويكون للظالم الفضل عليه .
: قال: ((من دعا على من ظلمه؛
وفي الترمذي عن عائشة : أن النبي ؛
فقد انتصر)) ..
فإن قيل : قد مدح الله المنتصر من البغي ، ومدح العافي عن الجرم .
قال ابن العربي: فالجواب : أن الأوّل محمول على ما إذا كان الباغي وقحاً
ذا جرأة وفجور ، والثاني على من وقع منه ذلك نادراً ؛ فتقال عثرته بالعفو عنه .
وقال الواحدي : إن کان الانتصار؛ لأجل الدین فهو محمود ، وإن كان؛
١٦٢

١٢ - كتاب الحدود
٣ - باب حد السرقة
١١٦٠ - حديث الحارث بن حاطب
لأجل النفس فهو مباح لا يحمد علیه .
واختلف العلماء في التحليل من الظلامة على ثلاثة أقوال : كان ابن
المسيب لا يحلل أحداً من عرض ولا مال ، وكان سليمان بن يسار وابن سيرين
يحللان منهما ، ورأى مالك التحليل من العرض دون المال .
١٦٣

١٢ - كتاب الحدود
٤ - باب حد الشارب ، وبيان المسكر ١١٦١ - حديث أنس بن مالك
٤ - بابُ حدّ الشَّارِبِ، وبيانُ الْمُسْكِرِ
١١٦١ - عَنْ أَنس بن مالك رضي اللهُ عنهُ: أَنَّ النبي صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّمَ أُتيَ برجلٍ قدْ شرب الخمر فجلدهُ بجريدتين نحوَ أربعين ، قال: وفعَلَهُ
أَبو بكر ، فلما كان عمر ، استشار النّاس، فقال عبدُ الرَّحمن بنُ عوْفٍ: أَخفُ
الحدود ثمانون ، فأمر به عُمرُ . متفقٌ عليه .
(عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين ، قال :) : أي : أنس
(وفعله أبو بكر ، فلما كان عمر ، استشار الناس ، فقال عبد الرحمن بن
عوف : أخفّ الحدود ثمانون ، فأمر به عمر . متفق عليه) .
الخمر مصدر خمر - كضرب ونصر - خمراً؛ يسمى به الشراب المعتصر من
العنب إذا غلي وقذف بالزبد ، وهي مؤنثة وتذكر ، ويقال : خمرة .
وفي الحديث مسائل :
الأولى : أن الخمر تطلق على ما ذكر حقيقة إجماعاً، وتطلق على ما هو أعم
من ذلك ، وهو ما أسكر من العصير ، أو من النبيذ ، أو من غير ذلك.
وإنما اختلف العلماء ؛ هل هذا الإطلاق حقيقة ، أوْ لا؟
قال صاحب ((القاموس)): العموم أصح؛ لأنها حرمت ، وما بالمدينة خمر
عنب ، ما كان إلا البسر والتمر . انتهى ، وكأنه يريد أن العموم حقيقة .
وسميت خمراً؛ قيل : لأنها تخمر العقل ؛ أي : تستره ؛ فيكون بمعنى اسم
١٦٤

١٢ - كتاب الحدود
٤ - باب حد الشارب ، وبيان المسكر ١١٦١ - حديث أنس بن مالك
الفاعل ؛ أي : الساترة للعقل ، وقيل : لأنها تغطى ، حتّى تشتدّ ؛ يقال : خمره
أي : غطاه ؛ فيكون بمعنى اسم المفعول ، وقيل : لأنها تخالط العقل ؛ من خامره
إذا خالطه ومنه :
هنيئاً مريئاً غير داء مخامر ؛ أي : مخالط .
وقيل : لأنها تترك ، حتّى تدرك ؛ ومنه اختمر العجين ؛ أي : بلغ إدراكه ،
وقيل : مأخوذة من الكل ؛ لاجتماع المعاني هذه فيها .
قال ابن عبد البرّ: الأوجه كلها موجودة في الخمر ؛ لأنها تركت ، حتّی
أدركت وسكنت ؛ فإذا شربت خالطت العقل ، حتّى تغلب عليه وتغطيه .
قلت: فالخمر تطلق على عصير العنب المشتد حقيقة إجماعاً، وفي ((النجم
الوهاج)): الخمر بالإجماع المسكر من عصير العنب ، وإن لم يقذف بالزبد .
واشترط أبو حنيفة أن يقذف؛ وحينئذ لا يكون مجمعاً عليه .
واختلف أصحابنا في وقوع الخمر على الأنبذة ، فقال المزني وجماعة بذلك؛
لأن الاشتراك في الصفة يقتضي الاشتراك في الاسم، وهو قياس في اللغة ،
وهو جائز عند الأكثر، وهو ظاهر الأحاديث ونسب الرافعي إلى الأكثرين أنه لا
يقع عليها إلا مجازاً .
قلت: وبه جزم ابن سيده في ((المحكم))، وجزم به صاحب ((الهداية)) من
الحنفية ؛ حيث قال : الخمر عندنا ما اعتصر من ماء العنب ، إذا اشتد ، وهو
المعروف عند أهل اللغة وأهل العلم .
١٦٥

١٢ - كتاب الحدود
٤ - باب حد الشارب ، وبيان المسكر ١١٦١ - حديث أنس بن مالك
ورد ذلك الخطابي ، وقال : زعم قوم أن العرب لا تعرف الخمر إلا من
العنب ، فيقال لهم: إن الصحابة الذين سموا غير المتخذ من العنب خمراً عرب
فصحاء ، فلو لم يكن الاسم صحيحاً ، لما أطلقوه .
وقال القرطبي : الأحاديث الواردة عن أنس وغيره على صحتها وكثرتها
تبطل مذهب الكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب ، وما كان من
غيره لا يسمى خمراً ، ولا يتناوله اسم الخمر، وهو قول مخالف للغة العرب ؛
للسنّة الصحيحة ولفهم الصحابة ؛ لأنهم لما نزل تحريم الخمر فهموا من الأمر
باجتناب الخمر تحريم كل مسكر ، ولم يفرقوا بین ما يتخذ من العنب وبین ما
يتخذ من غيره ؛ بل سوّوا بينهما وحرموا ما كان من غير عصير العنب ، وهم
أهل اللسان وبلغتهم نزل القرآن ، فلو كان عندهم فيه تردد ، لتوقفوا عن الإراقة ،
حتّى يستفصلوا ويتحققوا التحريم .
ويأتي حديث عمر: أنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة ... الحديث،
وعمر من أهل اللغة ، وإن كان يحتمل أنه أراد بيان ما تعلق به التحريم ، لا أنه
المسمى في اللغة ؛ لأنه بصدد بيان الأحكام الشرعية ، ولعل ذلك صار اسماً
شرعياً لهذا النوع ؛ فيكون حقيقة شرعية .
ويدل له حديث مسلم عن ابن عمر: أن النبي ﴿ قال : ((كل مسكر خمر
وكل خمر حرام))، قال الخطابي : إن الآية لما نزلت في تحريم الخمر ، وكان
مسمّاها مجهولاً للمخاطبين ، بين أن مسماها هو ما أسكر ؛ فيكون مثل لفظ :
الصلاة والزكاة وغيرهما من الحقائق الشرعية . انتهى .
١٦٦

١٢ - كتاب الحدود
٤ - باب حد الشارب ، وبيان المسكر ١١٦١ - حديث أنس بن مالك
قلت : هذا يخالف ما سلف عنه - قريباً -، ولا يخفى ضعف هذا الكلام ؛
فإن الخمر كانت من أشهر أشربة العرب ، واسمها أشهر من كل شيء عندهم؛
وليست كالصلاة والزكاة ، وأشعارهم فيها لا تحصى ؛ فكأنه يريد أنه ما كان
تعميم الاسم بلفظ الخمر لكل مسكر معروفاً عندهم ، فعرفهم به الشرع ، فإنهم
كانوا يسمون بعض المسكرات بغير لفظ الخمر، كالأمزار؛ يضيفونها إلى ما
يتخذ منه من ذرة وشعير ونحوهما ، ولا يطلقون عليه لفظ الخمر ؛ فجاء الشرع
بتعمیم الاسم لكل مسکر .
فتحصل مما ذكر جميعاً : أن الخمر حقيقة لغوية في عصير العنب المشتد
الذي يقذف بالزبد ، وفي غيره مما يسكر حقيقة شرعية ، أو قياس في اللغة ، أو
مجاز؛ فقد حصل المقصود من تحريم ما أسكر من ماء العنب ، أو غيره ، إما بنقل
اللفظ إلى الحقيقة الشرعية ، أو بغيره .
وقد علمت أنه أطلق عمر وغيره من الصحابة الخمر على كل ما أسكر، وهم
أهل اللسان ، والأصل الحقيقة؛ فقد أحسن صاحب ((القاموس)) بقوله : والعموم
اُصح .
وأما الدعاوى التي تقدمت على اللغة ، كما قاله ابن سيده وشارح ((الكنز))،
فما أظنها إلا بعد تقرر هذه المذاهب ، تكلم كلٌّ على ما يعتقده ونزل في قلبه
من مذهبه ، ثم جعله لأهل اللغة
المسألة الثانية : قوله : فجلده بجريدتين نحو أربعين ، فيه دليل على ثبوت
الحد على شارب الخمر ، وادعي فيه الإجماع، ونوزع في دعواه ؛ لأنه قد نقل
١٦٧

١٢ - كتاب الحدود
٤ - باب حد الشارب ، وبيان المسكر ١١٦١ - حديث أنس بن مالك
عن طائفة من أهل العلم أنه لا يجب فيه إلا التعزير؛ لأنه #* لم ينص على
حد معين ، وإنما ثبت عنه الضرب المطلق .
وفيه دليل على أنه يكون الجلد بالجريد ، وهو سعف النخل ، وقد اختلف
العلماء ؛ هل یتعین الجلد بالجريد على ثلاثة أقوال : أقربها : جواز الجلد بالعود
غير الجريد ، ويجوز الاقتصار على الضرب باليدين والنعال .
قال في ((شرح مسلم)): أجمعوا على الاكتفاء بالجريد والنعال وأطراف
الثياب ، ثم قال : والأصح جوازه بالسوط .
وقال المصنف : توسط بعض المتأخرين فعين السوط للمتمردين ، وأطراف
الثياب والنعال للضعفاء ومن عداهم بحسب ما يليق بهم .
وقد عين قوله في الحديث نحو أربعين ، ما أخرجه البيهقي وأحمد بلفظ :
فأمر قريباً من عشرين رجلاً فجلده كل واحد جلدتين بالجريد والنعال .
قال المصنف : وهذا يجمع ما اختلف فيه على تشعبه ، وأن جملة الضربات
کانت أربعین ، لا أنه جلده بجریدتین أربعين .
المسألة الثالثة ؛ قوله : فلما كان عمر استشار ... إلى آخره ؛ سبب استشارته
ما أخرجه أبو داود والنسائي : أن خالد بن الولید کتب إلی عمر : إن الناس قد
انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة؟ قال : وعنده المهاجرون والأنصار، فسألهم ،
فأجمعوا على أن يضرب ثمانين .
وأخرج مالك في ((الموطأ)) عن ثور بن يزيد : أن عمر استشار في الخمر ، فقال
١٦٨

١٢ - كتاب الحدود
٤ - باب حد الشارب ، وبيان المسكر
١١٦٢ - حديث علي
له عليّ بن أبي طالب عليه السلام: نرى أن تجلده ثمانين ؛ فإنه إذا شرب سكر،
وإذا سكر هذي ، وإذا هذى افترى ؛ فجلد عمر في الخمر ثمانين .
وهذا حديث معضل ، ولهذا الأثر عن عليّ طرق ، وقد أنكره ابن حزم كما
سلف ، وفي معناه نكارة ؛ لأنه قال : إذا هذى افترى ؛ والهاذي لا يعدّ قوله
فریة ؛ لأنه لا عمد له ، ولا فریة إلا عند عمد .
وقد أخرج عبد الرزاق قال : جاءت الأخبار متواترة عن عليّ عليهِ السَّلام:
أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يسنّ في الخمر شيئاً؛ ولا يخفى أن
الحديث الآتي يؤيده :
١١٦٢ - ولمسلم عن علي - في قصة الوليد بن عقبة -: جلدَ رسولُ الله
﴿ أربعين ، وجلَدَ أبو بكر أربعين، وجلد عُمَرُ ثمانين ، وكلُّ سُنّةٌ ، وهذا
أحبُ إليَّ. وفي الحديث: أنَّ رجُلاً شهدَ عليهِ أَنهُ رآهُ يَتَقَيّأُ الخمْرَ ، فقال
عُثْمان : إنّهُ لم يتَقَيّأْهَا حتّى شربها .
(ولمسلم عن عليّ - في قصة الوليد بن عقبة -): حققناها في ((منحة
الغفار على ضوء النهار))، وفيها أن عثمان أمر علياً بجلد الوليد بن عقبة في
الخمر ، فقال لعبد الله بن جعفر: اجلده ، فجلده ، فلما بلغ أربعين ، قال : أمسك
أربعين ، وجلد أبو بكر أربعين ، وجلد عمر ثمانين،
(جلد رسولُ الله
وكلٌّ سنة ، وهذا أحب إليّ. وفي الحديث: أن رجلاً شهد عليه أنه رآه يتقيأ
الخمر ، فقال عثمان : إنه لم يتقيأها حتّى شربها) .
١٦٩

١٢ - كتاب الحدود
٤ - باب حد الشارب ، وبيان المسكر
١١٦٢ - حديث علي
يريد أنه أحب إليه مع جرأة الشاربين ، لا أنه أحب إليه مطلقاً ؛ فلا يرد : أنه
كيف يجعل فعل عمر أحب إليه من فعل النبي ﴿؟! فإن ظاهر الإشارة إلى
فعل عمر ، وهو الثمانون .
ولكنه يقال : إن ظاهر قوله: أمسك بعد الأربعين ، دال على أنه لم يفعل
الأحب إليه ، وأجيب عنه بأن في ((صحيح البخاري)) من رواية عبد الله بن
عدي بن الخيار: أن علياً جلد الوليد ثمانين ، والقصة واحدة ، والذي في
((البخاري)) أرجح ، وكأنه بعد أن قال: وهذا أحب إليّ ، أمر عبد الله بتمام
الثمانين ، وهذه أولى من الجواب الآخر ؛ وهو أنه جلده بسوط له رأسان فضربه
أربعين ، فكانت الجملة ثمانين ؛ فإن هذا ضعيف لعدم مناسبة سياقه له .
والروايات عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : أنه جلد في الخمر أربعين
كثيرة ، إلا أن في ألفاظها: نحو أربعين ، وفي بعضها: بالنعال ، فكأنه فهم
الصحابة أن ذلك یتقدر بنحو أربعین جلدة .
واختلف العلماء في ذلك : فذهبت الهادوية وأبو حنيفة ومالك وأحمد
وأحد قولي الشافعي : أنه يجب الحد على السكران ثمانين جلدة ، قالوا : لقيام
الإجماع عليه في عهد عمر ؛ فإنه لم ينكر عليه أحد .
وذهب الشافعي في المشهور عنه وداود : أنه أربعون ، لأنه الذي روي عنه
صلى الله عليه وآله وسلم فعله ، ولأنه الذي استقر عليه الأمر في خلافة أبي
بكر رضي الله عنه .
١٧٠

١٢ - كتاب الحدود
٤ - باب حد الشارب ، وبيان المسكر
١١٦٣ - حديث معاوية
ومن تتبع ما في الروايات واختلافها ، علم أن الأحوط الأربعون ، ولا يزاد
عليها .
وفي هذا الحديث : أن رجلاً شهد على الوليد أنه رآه يتقيأ الخمر ، فقال
عثمان : إنه لم يتقيأها ، حتّى شربها ، وفي مسلم : أنه شهد عليه رجلان
أحدهما حمران : أنه شرب الخمر، وشهد عليه آخر: أنه رآه يتقيؤها .
قال النووي في ((شرح مسلم)): هذا دليل لمالك وموافقيه في أن من تقيأ
الخمر يحدّ حدّ شارب الخمر؛ ومذهبنا أنه لا يحد بمجرَّد ذلك؛ لاحتمال أنه
شربها جاهلاً كونها خمراً، أو مكرهاً عليه ، وغير ذلك من الأعذار المسقطة
للحدود .
ودليل مالك هنا قوي ؛ لأن الصحابة اتفقوا على جلد الوليد بن عقبة المذكور
في هذا الحدیث . اهـ.
قلت : وبمثل ما قاله مالك قالت الهادوية ، ثم لا يخفى أن اقتصار المصنف
على الشاهد بالقيء وحده ، تقصير ؛ لإيهامه أنه جلد الوليد بشهادة واحد على
التقيؤ .
١١٦٣ - وعن مُعاويةَ رضي الله عنه عن النبي ◌َ ﴿ُ: أنّهُ قالَ في شارب
الخمْر: ((إذا شرب فاجلدوهُ، ثم إذا شرب فاجْلدُوهُ، ثم إذا شربَ الثّالثة
فاجلدوه ، ثم إذا شرب الرابعة فاضربوا عُنُقه)). أخرجه أحمدُ - وهذا لفْظُهُ -،
والأربعة ، وذكر الترمذي ما يدُلُّ على أنّهُ مَنْسُوخٌ ، وَأَخْرج ذلك أبو داود
صريحاً عن الزُّهريِّ .
١٧١

١٢ - كتاب الحدود
٤ - باب حد الشارب ، وبيان المسكر
١١٦٣ - حديث معاوية
: أنه قال في شارب الخمر:
(وعن معاوية رضي الله عنه عن النبي
((إذا شرب فاجلدوه ، ثم إذا شرب فاجلدوه ، ثم إذا شرب الثالثة فاجلدوه ،
ثم إذا شرب الرَّابعة فاضربوا عنقه)). أخرجه أحمد - وهذا لفظه ـ، والأربعة) :
اختلفت الروايات في قتله : هل يقتل إنْ شرب الرابعة ، أو إن شرب الخامسة؟
فأخرج أبو داود من رواية أبان القصار - وذكر الجلد ثلاث مرات بعد الأولى -
ثم قال: «فإن شربوا فاقتلوهم» .
وأخرج من حديث ابن عمر من رواية نافع عنه أنه قال : وأحسبه قال في
الخامسة : ((فإن شربها فاقتلوه)).
وإلى قتله فيها ذهب الظاهرية ، واستمر عليه ابن حزم ، واحتج له ، وادعى
عدم الإجماع على نسخه .
والجمهور على أنه منسوخ ، ولم يذكروا ناسخاً صريحاً ، إلا ما يأتي من رواية
أبي داود عن الزهري : أنه صلى الله عليه وآله وسلم ترك القتل في الرابعة ، وقد
يقال : القول أقوى من الترك ، فلعله صلی الله عليه وآله وسلم تركه لعذر .
(وذكر الترمذي ما يدل على أنه منسوخ ، وأخرج ذلك أبو داود صريحاً
عن الزهري .) .
يريد ما أخرجه من رواية الزهري عن قبيصة بن ذؤيب قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم: ((من شرب الخمر فاجلدوه - إلى أن قال -، ثم إذا
شرب في الرابعة فاقتلوه)» ، قال : فأتي برجل قد شرب فجلده ، ثم أتي به قد
١٧٢

١٢ - كتاب الحدود
٤ - باب حد الشارب ، وبيان المسکر
١١٦٤ - حديث أبي هريرة
شرب فجلده ، ثم أتي به قد شرب فجلده، ثم أتي به الرابعة فجلده؛ فرفع
القتل عن الناس فكانت رخصة .
وقال الشافعي : هذا - يريد نسخ القتل - مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم،
ومثله قال الترمذي ، والله أعلم .
١١٦٤ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عزله: ((إذا
ضرب أَحد كُمْ ، فليتق الوجْه)) . متّفقٌ عليه .
(وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله عَ ليه: ((إذا ضرب
أَحدكُمْ ، فليتق الوجْه)) . متّفقٌ عليه).
الحديث دليل على أنه لا يحل ضرب الوجه في حد ، ولا في غيره ، وكذلك
لا يضرب المحدود في المَرَاقّ والمذاكير؛ لما أخرجه ابن أبي شيبة عن عليّ عليهِ
السَّلام أنه قال للجلاد : اضرب في أعضائه ، وأعط كل عضو حقه ، واتق وجهه
ومذاکیره .
وأخرجه عبد الرزاق وسعيد بن منصور والبيهقي من طرق عن علي عليه
السلام ، وإنما نهى عن المراق والمذاكير؛ لأنه لا يؤمن عليه مع ضربها .
واختلف في ضربه في الرأس : فذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يضرب
فيه ؛ إذْ هو غير مأمون ، وذهبت الهادوية وغيرهم إلى جواز ضربه فيه ؛ قالوا :
لقول علي عليهِ السَّلام للجلاد : اضرب الرأس ، ولقول أبي بكر رضي الله عنه
اضرب الرأس ؛ فإن الشيطان فيه . أخرجه ابن أبي شيبة ، وفيه ضعف وانقطاع ،
١٧٣

١٢ - كتاب الحدود
٤ - باب حد الشارب ، وبيان المسكر
١١٦٥ - حديث ابن عباس
وذهب مالك أنه لا يضرب إلا في رأسه .
فائدة : في الحديث : أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر أن يحثى
عليه التراب ويبكت ، فلما ولى ، شرع القوم يسبونه ويدعون عليه ، ويقول القائل :
اللهم العنه ، فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ((لا تقولوا هذا ولكن
قولوا : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه)) ، وأوجب المازري التثريب والتبكيت .
وأما صفة سوط الضرب ، فأخرج مالك في ((الموطأ)) عن زيد بن أسلم
- مرسلاً -: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يجلد رجلاً فأتي بسوط
خَلَق، فقال: ((فوق هذا))، فأتي بسوط جديد فقال: ((دون هذا))؛ فيكون بين
الجديد والخَلَقْ ، وذكر الرافعي عن علي عليه السلام : سوط الحدّ بين سوطين،
وضربه بين ضربين ، قال ابن الصلاح : السوط هو المتخذ من سيور تلوى وتلف .
١١٦٥ - وعن ابن عبّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسولُ الله ◌َله: ((لا
تقامُ الحدودُ في المساجد)). رواهُ الترمذيُّ والحاكم .
(وعن ابنِ عبّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسولُ الله ◌َّ ◌ُنِ: ((لا تقامُ
الحدودُ في المساجد)). رواهُ الترمذيُّ والحاكم) : وأخرجه ابن ماجه ، وفي إسناده
إسماعيل بن مسلم المكي ؛ ضعيف من قبل حفظه ، وأخرجه أبو داود والحاكم وابن
السكن والدارقطني والبيهقي من حديث حكيم بن حزام ، ولا بأس بإسناده .
وله طرق أخر والكل متعاضدة ، وقد عمل به الصحابة ، فأخرج ابن أبي
شيبة عن طارق بن شهاب قال : أتي عمر بن الخطاب برجل في حد ؛ فقال :
أخرجاه من المسجد ، ثم اضرباه ؛ وأسنده على شرط الشيخين ، وأخرج عن علي
١٧٤

٤ - باب حد الشارب ، وبيان المسكر ١١٦٦ و١١٦٧ - حديثا أنس وعمر
١٢ - كتاب الحدود
عليه السلام : أن رجلاً جاء إليه فسارّه، فقال: يا قنبرا أخرجه من المسجد فأقم
علیه الحد ؛ وفي سنده مقال .
وإلى عدم جواز إقامة الحد في المسجد ذهب أحمد وإسحاق ، والکوفیون ؛ لما
ذكر من الدلیل .
وذهب ابن أبي ليلى والشعبي إلى جوازه ، ولم يذكر له دليلاً ، وكأنه حمل
النهي على التنزيه ، قال ابن بطال : وقول من نزه المسجد أولى، يريد قول الأولين .
١١٦٦ - وعن أنس رضي الله عنه قالَ: لَقَدْ أَنْزِلَ الله تحريم الخمر، وما
بالمدينة شرابٌ يُشرب، إلا مِنْ تمر . أَخْرَجُهُ مُسلمٌ .
(وعن أنس رضي الله عنه قالَ: لَقَدْ أَنْزِلَ الله تحريم الخمر، وما بالمدينة
شرابٌ يُشرب ، إلا مِنْ تمر. أَخْرَجهُ مُسلمٌ) : فيه دليل على ما سلف من
تسمية نبيذ التمر خمراً عند نزول آية التحريم .
١١٦٧ - وعن عُمَر رضي الله عنه قالَ : نزل تحريم الخمر ، وهي من خمسة :
من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمْرُ ما خامر العَقْل. متفقٌ
عليه .
(وعن عُمَر رضي الله عنه قالَ : نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة : من
العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمْرُ ما خامر العَقْل. متفقٌ
عليه) : وأخرجه الثلاثة أيضاً ، ولا يقال إنه معارض بحديث أنس ؛ لأن حديث
أنس إخبار عما كان من الشراب في المدينة ، وكلام عمر ليس فيه تقييد
١٧٥

١٢ - كتاب الحدود
٤ - باب حد الشارب ، وبيان المسکر
١١٦٨ - حديث ابن عمر
بالمدينة ، وإنما هو إخبار عما يشربه الناس مطلقاً ، وقوله : الخمر ما خامر العقل ،
إشارة إلى وجه التسمية ، وظاهره أن كل ما خالط العقل ، أو غطاه يسمى : خمراً
لغة ، سواء كان مما ذكر ، أو من غيره ، ويدل له أيضاً الحديث الآتي .
قال : ((كلُّ مسكر
١١٦٨ - وعن ابن عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا: أَنَّ النبي
خمرٌ ، وكل مسكر حرامٌ)). أخرجهُ مُسلمٌ .
﴾ قال: «کل مسکر خمرٌ،
(وعن ابن عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا: أَنَّ النبي ◌َ
وكل مسكر حرامٌ)). أخرجهُ مُسلمٌ.): فإنه دال على أن كل مسكر يسمى خمراً .
وفي قوله : ((كل مسكر حرام)) ، دليل على تحريم كل مسكر، وهو عام لكل
ما كان من عصير ، أو نبيذ .
وإنما اختلف العلماء في المراد بالمسكر: هل يراد تحريم القدر المسكر ، أو تحريم
تناوله مطلقاً ، وإن قَالَّ ، ولم يسكر ، إذا كان في ذلك الجنس صلاحية الإسكار؟
ذهب إلى تحريم القليل والكثير مما أسكر جنسه ، الجمهور من الصحابة وغيرهم
وأحمد وإسحاق والشافعي ومالك والهادوية جميعاً، مستدلين بهذا الحديث ،
وحديث جابر الآتي بعد هذا، وبما أخرجه أبو داود من حديث عائشة: ((كل
مسكر حرام ، وما أسكر منه الفرق ؛ فملء الكف منه حرام)) .
وبما أخرجه ابن حبان والطحاوي من حديث سعد بن أبي وقاص : أنه
قال: ((أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره)) ، وفي معناه روايات كثيرة لا تخلو عن
مقال في أسانيدها ، لكنها تعتضد بما سمعت .
١٧٦

١٢ - كتاب الحدود
٤ - باب حد الشارب ، وبيان المسكر
١١٦٨ - حديث ابن عمر
قال أبو مظفر السمعاني : الأخبار في ذلك كثيرة لا مساغ لأحد في العدول
عنها .
وذهب الكوفيون وأبو حنيفة وأصحابه ، وأكثر علماء البصرة إلى أنه يحل
دون المسكر من غير عصير العنب والرطب ، وتحقيق مذهب الحنفية قد بسطه في
((شرح الكنز)) حيث قال :
إن أبا حنيفة قال : الخمر هو النيئ من ماء العنب ، إذا غلى واشتد وقذف
بالزبد ؛ حرم قليلها وكثيرها ، وقال : إن الغليان من آية الشدة ، وكماله بقذف
الزبد وبسكونه ؛ إذْ به يتميز الصافي من الكدر ، وأحكام الشرع قطعية فتناط
بالنهاية ؛ كالحدود وإكفار المستحل وحرمة البيع والنجاسة .
وعند صاحبيه : إذا اشتد ، صار خمراً ، ولا يشترط القذف بالزبد ؛ لأن
الاسم يثبت به ، والمعنى المقتضي للتحريم ، وهو المؤثر في الفساد وإيقاع العداوة .
وأما الطلاء؛ بكسر الطاء ؛ وهو العصير من العنب ، إن طبخ ، حتّى يذهب
أقل من ثلثيه ، والسكر بفتحتين ؛ وهو النيئ من ماء الرطب ، ونقيع الزبيب ؛
وهو النيئ من ماء الزبيب ، فالكل حرام ، إن غلي واشتد ، وحرمتها دون الخمر .
والحلال منها أربع: نبيذ التمر والزبيب إن طبخ أدنى طبخ ، وإن اشتد ، إذا
شرب ما لا يسكر بلا لهو وطرب ، والخليطان ؛ وهو أن يخلط ماء التمر وماء
الزبيب ، ونبيذ العسل والتين والبر والشعير والذرة ؛ طبخ، أوْ لا ، والمثلث :
العنبي ، انتهى كلامه ببعض تصرف فيه .
١٧٧

١٢ - كتاب الحدود
٤ - باب حد الشارب ، وبيان المسکر
١١٦٨ - حديث ابن عمر
فهذه الأنواع التي لم ينقل تحريمها استدل لها بأنها لا تدخل تحت مسمى
الخمر ؛ فلا تشملها أدلة تحريم الخمر .
وتؤول حديث ابن عمر هذا بما قاله الطحاوي ؛ حيث قال في تأويل الحديث :
قال بعضهم :
المراد به ما يقع السكر عنده ، قال: ويؤيده أن القاتل لا يسمى: قاتلاً، حتّى
يقتل ، قال : ويدل له حديث ابن عباس، يرفعه: ((حرمت الخمر قليلها وكثيرها ؛
والسكر من كل شراب)). أخرجه النسائي ، ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف في
وصله وانقطاعه ، وفي رفعه ووقفه .
على أنه على تقدير صحته ؛ فقد قال أحمد وغيره : إن الراجح أن الرواية
فيه : والمسكر؛ بضم الميم وسكون السين ، لا السكر بضم السين ، أو بفتحتين .
وعلى تقدير ثبوته فهو حديث فرد لا يقاوم ما عرفت من الأحاديث التي
ذكرناها ، وقد سرد لهم في الشرح أدلة من آثار وأحاديث لا يخلو شيء منها عن
قادح؛ فلا تنتهض على المدعى .
ثم لفظ الخمر قد سمعت أن الحق فیه - لغة - عمومه لكل مسکر؛ کما قاله
مجد الدين ؛ فقد تناول ما ذكر دليل التحريم .
وقد أخرج البخاري عن ابن عباس لما سأله أبو جويرية عن الباذق - وهو
بالباء الموحدة والذال المعجمة المفتوحة ، وقيل : المكسورة ، وهو فارسي معرب؛
أصله : باذه؛ وهو الطلاء -، فقال ابن عباس: سبق محمد الباذق ؛ ما أسكر فهو
حرام ، الشراب الحلال الطيب ، ليس بعد الحلال الطيب ، إلا الحرام الخبيث .
١٧٨

١٢ - كتاب الحدود
٤ - باب حد الشارب ، وبيان المسکر
١١٦٨ - حديث ابن عمر
وأخرج البيهقي عن ابن عباس : أنه أتاه قوم يسألون عن الطلاء؟ فقال ابن
عباس : وما طلاؤكم هذا؟ إذا سألتموني ، فبينوا لي الذي تسألونني عنه ، فقالوا :
هو العنب يعصر، ثم يطبخ ، ثم يجعل في الدنان ، قال : وما الدنان؟ قالوا : دنان
مقيرة ، قال : مزفتة؟ قالوا : نعم ، قال : يسكر؟ قالوا : إذا أكثر منه ، قال : فكل
مسكر حرام .
وأخرج عنه أيضاً أنه قال في الطلاء: إن النار لا تحل شيئاً ، ولا تحرمه .
وأخرج أيضاً(١) عن عائشة في سؤال أبي مسلم الخولاني قال : يا أمّ المؤمنين!
إنهم يشربون شراباً لهم - يعني أهل الشام - يقال له : الطلاء؟ قالت : صدق الله
وبلّغ حبِّي؛ سمعت حبي رسول الله ◌َ ﴿ يقول: ((إن أناساً من أمتي يشربون
الخمر يسمونها بغير اسمها)).
وأخرج مثله عن أبي مالك الأشعري عن رسول الله عَظ نه: أنه قال: ((ليشربن
أناس من أمّتي الخمر يسمونها بغير اسمها ، وتضرب على رؤوسهم المعازف ،
يخسف الله بهم الأرض ، ويجعل منهم قردة وخنازير)) .
وأخرج عن عمر: أنه قال : إني وجدت من فلان ريح شراب ؛ فزعم أنه يشرب
الطلاء ، وإني سائل عما يشرب ؛ فإن كان يسكر جلدته ؛ فجلده الحدّ تاماً .
وأخرج عن أبي عبيد: أنه قال : جاءت في الأشربة آثار كثيرة مختلفة عن
النبي ﴿ وأصحابه ؛ وكل له تفسير، فأولها : الخمر؛ وهي : ما غلي من عصير
العنب ، فهذه مما لا اختلاف في تحريمها من المسلمين ، إنما الاختلاف في غيرها .
(١) (٢٩٤/٨) .
١٧٩

١٢ - كتاب الحدود
٤ - باب حد الشارب ، وبيان المسكر
١١٦٨ - حديث ابن عمر
ومنها السّكّر - يعني: بفتحتين -؛ وهو نقيع التمر الذي لم تمسه النار ، وفيه
يروى عن ابن مسعود : أنه قال : السكر خمر .
ومنها البتع : - بكسر الباء الموحدة والمثناة ؛ أي : الفوقية الساكنة والمهملة -؛
وهو نبيذ العسل .
ومنها الجعة - بكسر الجيم -؛ وهي نبيذ الشعير.
ومنها المِزْر؛ وهو من الذرة . جاء تفسير هذه الأربعة عن ابن عمر رضيَ الله
عنهُمَا وزاد ابن المنذر في الرواية عنه : قال: والخمر من العنب ، والسكر من
التمر .
ومنها السُكْرُكَة - يعني : بضم السين المهملة وسكون الكاف وضم الراء
فكاف مفتوحة -، عن أبي موسى : أنها من الذرة .
ومنها الفضيخ - يعني: بالفاء والضاد المعجمة والخاء المعجمة -؛ ما افتضخ
من البسر من غير أن تمسه نار، وسماه ابن عمر: الفضوخ ، قال أبو عبيد : فإن
كان مع البسر تمر ، فهو الذي يسمى : الخليطين ، قال أبو عبيد: بعض العرب
تسمي الخمر بعینها : الطلاء ، قال عبيد بن الأ برص :
هي الخمر تكنى الطلاء كما الذئب يكنى أبا جعدة
قال : وكذلك الخمر سمي : الباذق .
إذا عرفت ، فهذه آثار تؤيد العمل بالعموم ، ومع التعارض فالترجيح للمحرم
على المبيح ، ومن أدلة الجمهور الحديث الآتي :
١٨٠