Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢ - كتاب الحدود ١ - باب حد الزاني ١١٣٧ - حديث جابر اليهود وامرأة) : يريد الجهنية (رواه مسلم، وقصة رجم اليهوديين في (الصحیحین)) من حديث ابن عمر) : أما حديث ماعز والجهنية ، فتقدَّما . وفي الحديث دليل على إقامة الحد على الكافر ، إذا زنى ؛ وهو قول الجمهور . وذهب المالكية ومعظم الحنفية إلى اشتراط الإسلام ، وأنه شرط للإحصان الموجب للرجم ، ونقل ابن عبد البرّ الاتفاق عليه ، ورد قوله بأن الشافعي وأحمد لا يشترطان ذلك ، ودلیلهما وقوع التصریح بأن الیهودیین اللذين زنیا کانا قد أحصنا . وقد أجاب من اشترط الإسلام عن الحديث - هذا - ، بأنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما رجمهما بحكم التوراة ، وليس من حكم الإسلام في شيء ، وإنما هو من باب تنفيذ الحكم عليهما بما في كتابهما؛ فإن في التوراة الرجم على المحصن وعلى غيره . قال ابن العربي : إنما رجمهما ؛ لإقامة الحجة عليهما بما لا يراه في شرعه ، مع قوله: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ﴾ [المائدة: ٤٩]، ومن ثمة استدعى شهودهما ؛ لتقوم عليهما الحجة منهم . وردّه الخطابي بأن الله تعالى قال: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾، وإنما جاءه القوم سائلين الحكم عنده، كما دلت عليه الرواية ، فنبههم على ما كتموه من حكم التوراة ، ولا جائز أن يكون حكم الإسلام عنده مخالفاً لذلك ؛ لأنه لا يجوز الحكم بالمنسوخ ، فدل على أنه إنما حكم بالناسخ ، انتهى . ١٢١ ١٢ - كتاب الحدود ١ - باب حد الزاني ١١٣٨ - حديث سعيد بن سعد قلت : ولا يخفى احتمال القصة للأمرين ، والقول الأول مبني على عدم صحة شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض ، والثاني مبني على جوازه ، وفيه خلاف معروف . وقد دلت القصة على صحة أنكحة أهل الكتاب ؛ لأن ثبوت الإحصان فرع عن ثبوت صحته ، وأن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع ؛ كذا قيل . قلت : أما الخطاب بفروع الشرائع ، ففيه نظر ؛ لتوقفه على أنه حكم صلى الله عليه وآله وسلم بشرعه لا بما في التوراة ، على أحد احتمالين . ١١٣٨ - وعن سعيد بن سعد بن عُبادة رضيَ الله عنهُمَا قال: كانَ بين أبياتنا رُونجل ضعيفٌ، فَخَبُثَ بأمةٍ من إمائهمْ ، فذكر ذلك سعد لرسول الله ﴿ فقال: ((اضربوهُ حدَّهُ))، فقالوا: يا رسول الله ! إنّهُ أضعفُ من ذلك، قال: ((خُذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ ، ثم اضربوه ضربةً واحدةً)) ، ففعلوا . رواهُ أحمدُ والنّسائي وابنُ ماجهْ ، وإسنادهُ حسنٌ ، لكن اختُلِف في وصْله وإرساله . (وعن سعيد بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما) : هو أنصاري ، قال الواقدي : صحبته صحيحة ، كان والياً لعلي بن أبي طالب على اليمن (قال : كان بين أبياتنا) : جمع بيت (رويجل): تصغير رجل (ضعيف، فخبث) : بالخاء المعجمة فموحدة فمثلثة ؛ أي : فجر (بأمة من إمائهم ، فذكر ذلك سعد فقال : «اضربوه حدہ)» ، فقالوا : يا رسول الله ! إنه أضعف من لرسول الله ( ** ذلك، قال: ((خذوا عثكالاً) : بكسر العين فمثلثة ، بزنة قرطاس ، وهو العذق (فيه مائة شمراخ) : بالشين المعجمة أوله وراء ، آخره خاء معجمة ، بزنة ١٢٢ ١٢ - كتاب الحدود ١ - باب حد الزاني ١١٣٨ - حديث سعيد بن سعد عثكال ، وهو غصن دقيق في أصل العثكال (ثم اضربوه ضربة واحدة))، ففعلوا . رواه أحمد والنسائي وابن ماجه ، وإسناده حسن ، لكن اختلفوا في وصله وإرساله(١)). قال البيهقي : المحفوظ عن أبي أمامة - أي : ابن سهل بن حنيف ــ كونه مرسلاً ، وأخرجه أحمد وابن ماجه من حديث أبي أمامة عن سعيد بن سعد ابن عبادة موصولاً ، وقد أسلفنا لك غير مرة : أن هذا ليس بعلة قادحة ؛ بل روايته موصولاً زيادة من ثقة مقبولة . والمراد هنا بالعثكال : الغصن الكبير الذي يكون عليه أغصان صغار ، وهو للنخل كالعنقود للعنب ، وكل واحد من تلك الأغصان يسمى : شمراخاً . وفي الحديث دليل على أن من كان ضعيفاً ، لمرض ونحوه ، ولا يطيق إقامة الحد عليه بالمعتاد ، أقيم عليه بما يحتمله مجموعاً دفعة واحدة ، من غير تكرار للضرب ، مثل العثکول ونحوه . وإلى هذا ذهب الجماهير ؛ قالوا : ولا بدّ أن يباشر المحدود جميع الشماريخ ؛ ليقع المقصود من الحد . وقيل : يجزئ ، وإن لم يباشر جميعه ، وهو الحق ؛ فإنه لم يخلق الله العثاكيل مصفوفة كل واحد إلى جنب الآخر عرضاً منتشرة إلى تمام مائة قط ، ومع عدم الانتشار يمتنع مباشرة کل عود منها ؛ فإن کان المریض یرجی زوال مرضه ، أو خيف علیه شدة حر ، أو برد ، أُخِّر الحد عليه إلى زوال ما يخاف . (١) ((الصحيحة)) (٣٢٩٨). ١٢٣ ١٢ - كتاب الحدود ١ - باب حد الزاني ١١٣٩ - حديث ابن عباس ١١٣٩ - وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا: أنَّ النّبي ◌َ ﴿ِ قالَ: ((منْ وجد تموهُ يعْمَلُ عملَ قوْم لوطٍ ، فاقتلوا الفاعل والمفعول به ، ومَن وجد تُوهُ وقَعَ على بهيمة ، فاقتلوه واقْتلوا البهيمة)). رواهُ أحمد والأربعةُ، ورجاله مُوَثّقون، إلا أن فيه اختلافاً . (وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا: أنَّ النّبِيِمَ ﴿ِ قالَ: ((منْ وجد تموهُ يعْمَلُ عملَ قوم لوطٍ ، فاقتلوا الفاعل والمفعول به ، ومَن وجدتُوهُ وقَعَ على بهيمة ، فاقتلوه واقْتلوا البهيمة)). رواهُ أحمد والأربعةُ، ورجاله مُوَثّقون ، إلا ٠ أن فيه اختلافاً) : ظاهره أن الاختلاف في الحديث جميعه لا في قوله : ((ومن وجد تموه)) ، إلخ فقط ؛ وذلك أن الحديث قد روي عن ابن عباس مفرقاً، وهو مختلف في ثبوت کل واحد من الأمرین . أما الحكم الأوّل : فإنه قد أخرج البيهقي من حديث سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس، في البكر يوجد على اللوطية ، قال: يرجم، وأخرج عنه أنه قال : ينظر أعلى بناء في القرية فيرمى به منكساً ، ثم يتبع بالحجارة . وأما الثاني : فإنه أخرج عن عاصم بن بهدلة ، عن أبي ذرّ عن ابن عباس : أنه سئل عن الذي يأتي البهيمة؟ قال : لا حد عليه . فهذا الاختلاف عنه دل على أنه ليس عنده سنة فیهما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنما تكلم باجتهاده ؛ كذا قيل في بيان وجه قول المصنف : إن فيه اختلافاً . والحديث فيه مسألتان : ١٢٤ ١٢ - كتاب الحدود ١ - باب حد الزاني ١١٣٩ - حديث ابن عباس الأولى : فيمن عمل عمل قوم لوط ، ولا ريب أنه ارتكب كبيرة ، وفي حكمها أقوال : الأول : أنه يحد حد الزاني ؛ قياساً عليه ، بجامع إيلاج محرم في فرج محرم ؛ وهذا قول الهادوية وجماعة من السلف والخلف ، وإليه رجع الشافعي . واعتذروا عن الحديث بأن فيه مقالاً ؛ فلا ينتهض على إباحة دم المسلم ، إلا أنه لا يخفى أن هذه الأوصاف التي جمعوها علة ؛ لإلحاق اللواط بالزنا ، لا دليل على عليتها . والثاني : يقتل الفاعل والمفعول به ، محصنين كانا أو غير محصنين ؛ للحديث المذكور ، وهو للناصر وقديم قولي الشافعي . وكأن طريقة الفقهاء أن يقولوا في القتل : فُعِل ، ولم ينكر ، فكان إجماعاً ، سيما مع تكريره من أبي بكر وعليّ وغيرهما . وتعجب في ((المنار)) من قلة الذاهب إلى هذا مع وضوح دليله لفظاً ، وبلوغه إلى حد يعمل به سنداً . الثالث : أنه يحرق بالنار؛ فأخرج البيهقي : أنه اجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على تحريق الفاعل والمفعول به ، وفيه قصة ، وفي إسناده إرسال . وقال الحافظ المنذري : حرق اللوطية بالنار أربعة من الخلفاء : أبو بكر الصديق وعليّ بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير وهشام بن عبد الملك . ١٢٥ ١٢ - كتاب الحدود ١ - باب حد الزاني ١١٣٩ - حديث ابن عباس الرابع : أنه يرمى به من أعلى بناء في القرية منكساً ، ثم يتبع بالحجارة ، رواه البيهقي عن عليّ رضي الله عنه ، وتقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما . المسألة الثانية : فیمن أتی بھیمة ، دل الحدیث على تحريم ذلك ، وأن حد من يأتيها قتله ، وإليه ذهب الشافعي في أخير قوليه ، وقال : إن صح الحديث ، قلت به . وروي عن القاسم ، وذهب الشافعي في قول له أنه يجب حد الزنا ؛ قياساً على الزاني . وذهب أحمد بن حنبل والمؤيد والناصر وغيرهم إلى أنه يعزر فقط ؛ إذْ لیس بزناً ، والحدیث قد تكلم فيه بما عرفت . ودل على وجوب قتل البهيمة مأكولة ، كانت أو لا ، وإلى ذلك ذهب علي رضي الله عنه وقول للشافعي . وقيل لابن عباس : ما شأن البهيمة؟ قال : ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك شیئاً ، ولكن أرى أنه کره أن یؤکل من لحمها ، أو ينتفع بها بعد ذلك العمل ، ويروى أنه قال في الجواب : إنها تُرى ، فيقال : هذه التي فعل بها ما فُعل . وذهبت الهادوية والحنفية إلى أنه يكره أكلها ، فظاهره أنه لا يجب قتلها . قال الخطابي: الحديث هذا معارض بنهيه ◌َ ﴿ عن قتل الحيوان إلا لمأكلة. قال المهدي : فيحتمل أنه أراد عقوبته بقتلها إن كانت له ، وهي مأكولة ؛ جمعاً بين الأدلة : ١٢٦ ١٢ - كتاب الحدود ١ - باب حد الزاني ١١٤٠ و١١٤١ - حديثا ابن عمر وابن عباس ١١٤٠ - وعن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: أنَّ النّبيِ﴿ُ ضرب وغرَّب ، وأنّ أبا بكْر ضربَ وغرَّبَ ، وأَنَّ عُمر ضربَ وَغَرَّب . رواه الترمذي ، ورجالهُ ثقاتٌ ، إلا أنّهُ اختلف في وقْفِهِ ورفعه . (وعن ابنٍ عُمَرَ رضي الله عنهما: أنَّ النّبيِ﴿ ضرب وغرَّب ، وأنّ أبا بكْر ضربَ وغرَّبَ ، وأَنَّ عُمر ضربَ وَغَرَّب . رواه الترمذي ، ورجالهُ ثقاتٌ، إلا أنّهُ اختلف في وقْفِهِ ورفعه) : وأخرج البيهقي أن علياً عليهِ السَّلام جلد ونفى من البصرة إلى الكوفة ، ومن الكوفة إلى البصرة ، وتقدم تحقيق ذلك في التغريب ، وكأنه ساقه المصنف ؛ ردّاً على من زعم نسخ التغريب . ١١٤١ - وعن ابن عبّاس رضيَ الله عنهُمَا قال: لعن رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ الْمُخَنثين من الرِّجال، والمترجلات من النساء ، وقال: ((أخرجوهُم منْ بيوتكم)) . رواه البخاري . (وعن ابن عباس رضيّ الله عنهُمَا قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المخنثين) : جمع مخنث ؛ بالخاء المعجمة فنون فمثلثة ؛ اسم مفعول ، أو اسم فاعل ؛ روي بهما (من الرجال، والمترجلات من النساء ، وقال : ((أخرجوهم من بيوتكم)) . رواه البخاري) . اللعن منه صلى الله عليه وآله وسلم على مرتكب المعصية ، دال على كبرها ، وهو يحتمل الإخبار والإنشاء ، كما قدمنا . والمخنث من الرجال المراد به من تشبه بالنساء في حركاته وكلامه ، وغير ١٢٧ ١٢ - كتاب الحدود ١ - باب حد الزاني ١١٤٢ - حديث أبي هريرة ذلك من الأمور المختصة بالنساء ، والمراد من تخلق بذلك ، لا من كان ذلك من خلقته وجبلته . والمراد بالمترجلات من النساء المتشبهات بالرجال ، هكذا ورد تفسيره في حدیث آخر أخرجه أبو داود . وهذا دليل على تحريم تشبه الرجال بالنساء وبالعكس . وقيل : لا دلالة للعن على التحريم ؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يأذن في المخنثين بالدخول على النساء ، وإنما نفى من سمع منه وصف المرأة بما لا يفطن له ، إلا من كان له إربة ؛ فهو لأجل تتبع أوصاف الأجنبية . قلت : يحتمل أن من أذن له كان ذلك صفة له خلقة لا تخلقاً . هذا وقال ابن التين : أما من انتهى في التشبه بالنساء من الرجال إلى أن يؤتى في دبره ، وبالرجال من النساء إلى أن تتعاطى السحق ، فإن لهذين الصنفين من اللوم والعقوبة ، أشد من لم يصل إلى ذلك . قلت : أمّا من يؤتى من الرجال في دبره ، فهو الذي سلف حكمه قريباً . ١١٤٢ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله مح له: ((إدفعوا الحدود ما وجَدْتم لها مدفَعاً)). أخرجهُ ابنُ ماجه بإسناد ضعيف ، وأخرجه الترمذي والحاكم من حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ: ((ادرَؤُوا الحدود عن المسلمين ما استطعتمْ))، وهو ضعيفٌ أيضاً . ورواهُ البيهقيُّ عنْ عليّ رضي الله عنه منْ قَوْلِهِ بلفظ: ادرؤُوا الحدودَ بالشبهاتِ . ١٢٨ ١٢ - كتاب الحدود ١ - باب حد الزاني ١١٤٣ - حديث ابن عمر : ((ادفعوا الحدود (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله عَ ما وجَدْتم لها مدفَعاً)) . أخرجهُ ابنُ ماجه بإسناد ضعيف ، وأخرجه الترمذي والحاكم من حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ: ((ادرَؤُوا الحدود عن المسلمين ما استطعتمْ))، وهو ضعيفٌ أيضاً. ورواهُ البيهقيُّ عنْ عليّ رضي الله عنه منْ قَوْله ، بلفظ: ادرؤُوا الحدودَ بالشبهاتِ): وذكره المصنف في ((التلخيص)) عن علي رضي الله عنه مرفوعاً، وتمامه: ((ولا ينبغي للإمام أن يعطل الحدود))، قال : وفيه المختار بن نافع ، وهو منكر الحديث ؛ قاله البخاري ، إلا أنه ساق المصنف في ((التلخيص)) عدة روايات موقوفة، صحح بعضها ، وهي تعاضد المرفوع ، وتدل على أن له أصلاً في الجملة . وفيه دليل على أنه يدفع الحد بالشبهة التي يجوز وقوعها ؛ كدعوى الإكراه ، أو أنها أتيت المرأة وهي نائمة ؛ فيقبل قولها ، ويدفع عنها الحد ، ولا تكلف البينة على ما زعمته . ١١٤٣ - وعن ابن عمرَ رضيَ الله عنهُمَا قال: قالَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلّمَ: ((اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله تعالى عنها ، فمن ألمَّ بها فليستترْ بستر الله وليْتُب إلى الله تعالى؛ فإنه من يُبد لنا صفحتهُ، نقمْ عليه كتاب الله تعالى)) . رواه الحاكمُ، وهو في ((الموطأ)) منْ مراسيل زيد ابن أُسْلمَ . (وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((اجتنبوا هذه القاذورات): جمع قاذورة، والمراد بها الفعل القبيح، ١٢٩ ١٢ - كتاب الحدود ١ - باب حد الزاني ١١٤٣ - حديث ابن عمر والقول السيِّئ مما نهى الله تعالى عنه (التي نهى الله تعالى عنها ، فمن ألمَّ بها فليستتر بستر الله وليتب إلى الله تعالى ؛ فإنه من يبد لنا صفحته ، نقم عليه كتاب الله تعالى)). رواه الحاكم): وقال: على شرطهما (وهو في ((الموطأ)) من مراسيل زيد بن أسلم) . قال ابن عبد البر : لا أعلم هذا الحديث أسند بوجه من الوجوه ، ومراده بذلك حدیث مالك . وأما حديث الحاكم، فهو مسند؛ مع أنه قال إمام الحرمين في ((النهاية)): إنه صحيح متفق على صحته . قال ابن الصلاح : وهذا مما يتعجب منه العارف بالحديث ، وله أشباه بذلك كثيرة أوقعه فيها اطراحه صناعة الحديث ، التي يفتقر إليها كل فقيه وعالم ! وفي الحديث دليل على أنه يجب على من ألمّ بمعصية أن يستتر، ولا يفضح نفسه بالإقرار، ويبادر إلى التوبة ؛ فإن أبدى صفحته للإمام - والمراد بها هنا حقيقة أمره -، وجب على الإمام إقامة الحد . وقد أخرج أبو داود مرفوعاً: «تعافوا الحدود فيما بينكم ؛ فما بلغني من حد ، فقد وجب)). ١٣٠ ١٢ - كتاب الحدود ٢ - باب حد القذف ١١٤٤ - حديث عائشة ٢ - باب حد القذف القذف لغة : الرمي بالشيء . وفي الشرع : الرَّمي بَوْطءٍ يوجبُ الحَدَّ على المقْذوف . ١١٤٤ - عَنْ عائشَةَ رضيَ الله عنها قالت: لَمّا نَزَلَ عُذْرِي، قَامَ رسولُ الله . على المِنْبر فذكَرَ ذلكَ وتلا القرآن ، فلما نزل، أَمرَ برجلين وامرأةٍ فضربوا الحد . أخرجه أحْمد والأرْبَعَة ، وأشار إليْه البُخاريُّ . (عن عائشة رضي الله عنها قالت: لمَّا نزل عذري ، قام رسول الله على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن) : من قوله : ﴿إن الذين جاءوا بالإفك﴾ [النور: ١١] إلى آخر ثماني عشرة آية ؛ على إحدى الروايات في العدد (فلما نزل ، أمر برجلين) : هما حسان ومسطح (وامرأة) : هي حمنة بنت جحش (فضربوا الحد . أخرجه أحمد والأربعة ، وأشار إليه البخاري). في الحديث ثبوت حد القذف ، وهو ثابت ؛ لقوله تعالى : ﴿والذين يرمون المحصنات ، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ [النور: ٤]. وظاهره أنه لم يثبت القذف لعائشة إلا من الثلاثة المذكورين ، وقد ثبت أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبيّ بن سلول، ولكن لم يثبت أنه جلده مَ﴿مُ حد القذف . وقد ذكر ذلك ابن القيم، وعد أعذاراً في تركه ◌َ ﴿ لحده ، ولكنه قد أخرج الحاكم في ((الإكليل)): أنه صلى الله عليه وآله وسلم حده من جملة القذفة. ١٣١ ١٢ - كتاب الحدود ٢ - باب حد القذف ١١٤٥ - حديث أنس وأما قول المارودي : إنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يجلد أحداً من القذفة لعائشة ، وعلله بأن الحد إنما يثبت ببينة ، أو إقرار، فقد ردّ قوله بأنه ثبت ما يوجبه بنص القرآن ، وحدّ القاذف يثبت بعدم ثبوت ما قذف به ، ولا يحتاج في إثباته إلى بينة . قلت : ولا يخفى أن القرآن لم يعين أحداً من القذفة ، وكأنه يريد ما ثبت في تفسير الآيات ؛ فإنه ثبت أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول ، وأن مسطحاً من القذفة ، وهو المراد بنزول قوله تعالى : ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى﴾ [النور: ٢٢]. ١١٤٥ - وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أَوَّلُ لعان كان في الإسلام أَنَّ شريك بن سَحْمَاءَ قَذَفَهُ هلالُ بنُ أُمَيّةَ بامرأَته ، فقال لهُ رسول الله ◌َّةٍ: ((البيّنة، وإلا فَحَدٌّ في ظهرك)). الحديث أخْرجهُ أَبو يعْلى، ورجالُهُ ثقاتٌ ، وفي البخاريِّ نحوُهُ من حديث ابنِ عَبّاسٍ رضي الله عنهما . (وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أَوَّلُ لعان كان في الإسلام أنَّ شريك بن سَحْماءَ قَذَفَهُ هلالُ بنُ أُمَيّةَ بامرأته ، فقال لهُ رسول الله ((البيّنة، وإلا فَحَدٌّ في ظهرك)). الحديث أخرجهُ أَبو يعْلى، ورجالُهُ ثقاتٌ ، وفي البخاريِّ نحوُهُ من حديث ابنِ عَبّاسٍ رضي الله عنهما) : قوله : أول لعان؛ قد اختلفت الروايات في سبب نزول آية اللعان؛ ففي رواية أنس - هذه - أنها نزلت في قصة هلال ، وفي أخرى : أنها نزلت في قصة عويمر العجلاني ، ولا ريب أن أوّل لعان كان بنزولها ؛ لبيان الحكم . ١٣٢ ١٢ - كتاب الحدود ٢ - باب حد القذف ١١٤٥ - حديث أنس وجمع بينهما بأنها نزلت في شأن هلال ، وصادف مجيء عويمر العجلاني ، وقيل غير ذلك . والحديث دليل على أن الزوج إذا عجز عن البينة على ما ادعاه من ذلك الأمر، وجب عليه الحد ، إلا أنه نسخ وجوب الحد عليه بالملاعنة ، وهذا من نسخ السنة بالقرآن ، إن كانت آية جلد القذف ، وهي قوله : ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ الآية [النور: ٤] سابقة نزولاً على آية اللعان. وإلا فآية اللعان إما ناسخة على تقدير تراخي النزول ، عند من يشترطه القذف الزوج ، أو مخصصةً إن لم يتراخ النزول ، أو تكون آية اللعان قرينة على أنه أريد بالعموم في قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ الخصوص، وهو من عدا القاذف لزوجته ؛ من باب استعمال العام في الخاص بخصوصه ، كذا قيل . والتحقيق أن الأزواج القاذفين لأزواجهم باقون في عموم الآية ، وإنما جعل الله تعالى شهادة الزوج أربع شهادات ، قائمة مقام الأربعة الشهداء ؛ ولذا سمّى الله أيمانه : شهادة ، فقال: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾ [النور: ٦]. فإذا نكل عن الأيمان ، وجب جلده جلد القذف ، كما أنه إذا رمى أجنبي أجنبية ، ولم يأت بأربعة شهداء جلد للقذف . فالأزواج باقون في عموم: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ ، داخلون في حكمه ؛ ﴿: ((البينة، وإلا فحدٌّ في ظهرك))، وإنما أنزل الله آية اللعان لإفادة ولذا قال أنه إذا فقد الزوج البيِّنة وهم الأربعة الشهداء ، فقد جعل الله تعالى عوضهم الأربع الأيمان ، وزاد الخامسة ؛ للتأكيد والتشديد . ١٣٣ ١٢ - كتاب الحدود ٢ - باب حد القذف ١١٤٦ - حديث عبدالله بن عامر وجلد الزوج بالنكول قولُ الجمهور ، فكأنه قيل في الآية الأولى ﴿ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ [النور: ٤]: ولم يحلفوا ، إن كانوا أزواجاً لمن رموا . وغايته أنها قيدت الآية الثانية بعض أفراد عموم الأولى ، بقيد زائد ؛ عوضاً عن القيد الأول ، إذا فقد الأول ، والله أعلم . ١١٤٦ - وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قالَ: لَقَدْ أدركْتُ أَبَا بِكْرٍ وعُمَرَ وعثمان ومِنْ بَعْدَهُمْ ؛ فلمْ أَرَهُمْ يضربون الممْلوكَ في القذف إلا أَربعين . رواهُ مالكٌ والثّوْري في ((جامعِهِ)). (وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة رضي الله عنه): هو أبو عمران عبد الله ابن عامر القارئ الشامي ، كان عالماً ثقة حافظاً لما رواه ، في الطبقة الثانية من التابعين ، أحد القراء السبعة ، روى عن واثلة بن الأسقع وغيره ، وقرأ القرآن على المغيرة بن شهاب المخزومي عن عثمان بن عفان ، ولد سنة إحدى وعشرين من الهجرة ، ومات سنة ثماني عشرة ومائة (قال : لقد أدركت أبا بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم؛ فلم أرهم يضربون المملوك): ذكراً كان ، أو أنثى (في القذف إلا أربعين . رواه مالك والثوري في («جامعه».). دل على أن رَأيَ من ذكر تنصيفُ حد القذف على المملوك ، ولا يخفى أن النص ورد في تنصيف حد الزنا في الإماء بقوله تعالى : ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥]. فكأنهم قاسوا عليه حد القذف في الأمة ، إن كانت قاذفة ، وخصوا بالقياس ١٣٤ ١٢ - كتاب الحدود ٢ - باب حد القذف ١١٤٦ - حديث عبدالله بن عامر عموم ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ [النور: ٤]، ثم قاسوا العبد على الأمة في تنصيف الحد في الزنا والقذف ؛ بجامع الملك . وعلى رأي من يقول بعدم دخول المماليك في العمومات ، لا تخصيص ، إلا أنه مذهب مردود في الأصول ، وهذا مذهب الجماهير من علماء الأمصار، وذهب ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز إلى أنه لا ينصف حد القذف على العبد ؛ لعموم الآية ، وكأنهم لا يرون العمل بالقياس ، كما هو رأي الظاهرية . والتحقيق أن القياس غير تام هنا؛ لأنهم جعلوا العلة في إلحاق العبد بالأمة الملك، ولا دليل على أنه العلة ، إلا ما يدعونه من السبر والتقسيم ، والحق أنه . ليس من مسالك العلة . وأي مانع من كون الأنوثة جزء العلة ، لنقص حد الأمة ؛ لأن الإماء يمتهنّ ويغلبن ؛ ولذا قال تعالى : ﴿ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم﴾ [النور: ٣٣]؛ أي: لهن، ولم يأت مثل ذلك في الذكور؛ إذْ لا يغلبون على أنفسهم . وحينئذ نقول : إنه لا يلحق العبد بالأمة في تنصيف حد الزنا ، ولا القذف ، وكذلك الأمة لا ينصف لها حد القذف؛ بل يحدّلها كحدّ الحرة ثمانين جلدة . ودعوى الإجماع على تنصيفه في حد الزنا غير صحيحة ، لخلاف داود ، وأمّا في القذف ، فقد سمعت الخلاف منه ومن غيره . ١٣٥ ١٢ - كتاب الحدود ٢ - باب حد القذف ١١٤٧ - حديث أبي هريرة ١١٤٧ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَظ ◌ُهُ: ((من قذفَ مَمْلُوكُهُ يقامُ عليْهِ الحدُّ يومَ القيامةِ إلا أن يكون كما قال)). مُتّفقٌ عليه . (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ليه: ((من قذفَ مَمْلُوكَهُ يقامُ عليْهِ الحدُّ يومَ القيامةِ إِلا أَن يكون كما قال)). مُتّفقٌ عليهِ) : فيه دليل على أنه لا يحد المالك في الدنيا إذا قذف مملوكه ، وإن كان داخلاً تحت عموم آية القذف ؛ بناءً على أنه لم يرد بالإحصان الحرية ، ولا التزوج ، وهو لفظ مشترك يطلق على الحر وعلى المحصن وعلى المسلم ؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أنه يحد لقذفه مملوكه يوم القيامة ، ولو وجب حده في الدنيا ، لم يجب حده يوم القيامة ؛ إذْ قد ورد أن هذه الحدود كفارات لمن أقيمت عليه ، وهذا إجماع . وأما إذا قذف غير مالكه ، فإنه أيضاً أجمع العلماء على أنه لا يحد قاذفه ، إلا أمّ الولد ففيها خلاف . فذهب الهادوية والشافعية وأبو حنيفة : إلى أنه لا حد أيضاً على قاذفها؛ لأنها أيضاً مملوكة قبل موت سيدها . وذهب مالك والظاهرية إلى أنه يحد ، وصح ذلك عن ابن عمر . ١٣٦ ١٢ - كتاب الحدود ٣ - باب حد السرقة ١١٤٨ - حديث عائشة ٣ - بابُ حَدّ السَّرِقَة ١١٤٨ - عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ: ((لا تقطع يدُ السارق إلا في رُبع دينار فصاعداً)). مُتّفقٌ عليه، واللفظ لمسلم ، ولفظ البخاريِّ: «تقطع يَدُ السّارق في ربع دينار فصاعداً)» . وفي رواية لأحمد : ((اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك)) . (عن عائشة رضيَ الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تقطع يدُ السارق إلا في رُبُع دينار فصاعداً».) : نصب على الحال ، ويستعمل بالفاء وبثم ، ولا يأتي بالواو، قيل : معناه: ولو زاد ، وإذا زاد ، لم يكن إلا صاعداً، فهو حال مؤكدة (متفق عليه ، واللفظ لمسلم ، ولفظ البخاري : ((تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً)).). (وفي رواية لأحمد): أي: عن عائشة وهو: ((اقطعوا في رُبُع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك)).) . إيجاب حد السرقة ثابت بالقرآن: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨]، ولم يذكر في القرآن نصاب ما يقطع فيه ؛ فاختلف العلماء في مسائل . الأولى : هل يشترط النصاب ، أو لا؟ ذهب الجمهور إلى اشتراطه مستدلين بهذه الأحاديث الثابتة . وذهب الحسن والظاهرية والخوارج إلى أنه لا يشترط ؛ بل يقطع في القليل ١٣٧ ١٢ - كتاب الحدود ٣ - باب حد السرقة ١١٤٨ - حديث عائشة والكثير لإطلاق الآية ، ولما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ، ويسرق الحبل فتقطع يده)) . وأجيب بأن الآية مطلقة في جنس المسروق وقدره ، والحديث بيان لها ، وبأن المراد من حديث البيضة غير القطع بسرقتها ؛ بل الإخبار بتحقير شأن السارق وخسارة ما ربحه من السرقة ، وهو أنه إذا تعاطى هذه الأشياء الحقيرة وصار ذلك خُلُقاً له ، جَرّأه على سرقة ما هو أكثر من ذلك ، مما يبلغ قدره ما يقطع به ، فليحذر هذا القليل قبل أن تملكه العادة فيتعاطى سرقة ما هو أكثر من ذلك . ذكر هذا الخطابي وسبقه ابن قتيبة إليه ، ونظيره حديث: ((من بنى لله مسجداً، ولو كمفحص قطاة))، وحديث: ((تصدقي، ولو بظلف محرق))؛ ومن المعلوم أن مفحص القطاة لا يصح تسبيله ، ولا التصدق بالظلف المحرق ؛ لعدم الانتفاع بهما ، فما قصد صلى الله عليه وآله وسلم إلا المبالغة في الترهيب . الثانية : اختلف الجمهور في قدر النصاب بعد اشتراطهم له ، على أقوال بلغت إلى عشرين قولاً ، والذي قام الدليل عليه منها قولان : الأول : أن النصاب الذي تقطع به ربع دينار من الذهب ، وثلاثة دراهم من الفضة ؛ وهذا مذهب فقهاء الحجاز والشافعي وغيرهم ، مستدلين بحديث عائشة المذكور؛ فإنه بيان لإطلاق الآية ، وقد أخرجه الشيخان ، كما سمعت ، وهو نص في ربع الدینار ؛ قالوا : ١٣٨ ١٢ - كتاب الحدود ٣ - باب حد السرقة ١١٤٨ - حديث عائشة والثلاثة الدراهم قيمتها ربع دينار، ولما يأتي من أنه ﴿م قطع في مجنّ قيمته ثلاثة دراهم ؛ قال الشافعي : إن الثلاثة الدراهم إذا لم تكن قيمتها ربع دينار لم توجب القطع . واحتج له أيضاً بما أخرجه ابن المنذر: أنه أتي عثمان بسارق سرق أترجة قوّمت بثلاثة دراهم من حساب الدينار باثني عشر؛ فقطع . وأخرج أيضاً أن علياً عليهِ السَّلام قطع في ربع دينار كانت قيمته درهمين ونصفاً . وقال الشافعي : ربع الدينار موافق الثلاثة الدراهم؛ وذلك أن الصرف على عهد رسول الله ◌َ الله اثنا عشر درهماً بدينار، وكان كذلك بعده ؛ ولهذا قومت الدية اثني عشر ألفاً من الورق ، وألف دينار من الذهب . القول الثاني : للهادوية وأكثر فقهاء العراق : أنه لا يوجب القطع إلا سرقة عشرة دراهم ، ولا يجب في أقل من ذلك . واستدلوا لذلك بما أخرجه البيهقي والطحاوي من طريق محمد بن إسحاق من حديث ابن عباس: أنه كان ثمن المجن على عهد رسول الله : ﴿ عشرة دراهم ، وروی أيضاً محمد بن إسحاق من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مثله . قالوا: وقد ثبت في ((الصحيحين)) من حديث ابن عمر : أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قطع في مجن . وإن كان فيهما أن قيمته ثلاثة دراهم ، لكن هذه ١٣٩ ١٢ - كتاب الحدود ٣ - باب حد السرقة ١١٤٨ - حديث عائشة الرواية قد عارضت رواية ((الصحيحين))، والواجب الاحتياط فيما يستباح به العضو المحرم قطعه ، إلا بحقه فيجب الأخذ بالمتيقن ، وهو الأكثر . وقال ابن العربي : ذهب سفيان الثوري - مع جلالته في الحديث - إلى أن القطع لا يكون إلا في عشرة دراهم ، وذلك أن اليد محرمة بالإجماع؛ فلا تستباح إلا بما أجمع عليه ، والعشرة متفق على القطع بها عند الجميع ، فيتمسك به ، ما لم يقع الاتفاق علی دون ذلك . قلت : قد استفيد من هذه الروايات الاضطراب في قدر قيمة المجن من ثلاثة دراهم ، أو عشرة ، أو غير ذلك مما ورد في قدر قيمته ؛ ورواية ربع دينار في حديث عائشة صريحة في المقدار؛ فلا يقدم عليها ما فيه اضطراب . على أن الراجح أن قيمة المجن ثلاثة دراهم؛ لما يأتي من حديث ابن عمر المتفق عليه ، وباقي الأحاديث المخالفة له لا تقاومه سنداً ، وأمّا الاحتياط بعد ثبوت الدليل ، فهو في اتباع الدليل لا فيما عداه . على أن رواية التقدير لقيمة المجن بالعشرة ، جاءت من طريق ابن إسحق ومن طريق عمرو بن شعيب ، وفيهما كلام معروف - وإن كنا لا نرى القدح في ابن إسحق - إنما ذكروه كما قررناه في مواضع أخر . المسألة الثالثة : اختلف القائلون بشرطية النصاب فيما يقدر به غير الذهب والفضة ، فقال مالك في المشهور: يقوّم بالدَّراهم لا بربع الدينار - يعني : إذا اختلف صرفهما ۔؛ مثل أن یکون ربع دینار صرف درهمین مثلاً . ١٤٠