Indexed OCR Text
Pages 21-40
١١ - کتاب الجنايات ... ١٠٩٣ - حديث عمران بن حصين وفي قوله: ((فأقر))؛ دليل على أنه يكفي الإقرار مرة واحدة ، إذ لا دليل على أنه کرر الإقرار . ١٠٩٣ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْن: أَنَّ غُلاماً لأنَاسٍ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلام لأَنَاسِ أَغْنِيَاءَ، فَأَتَوا النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ فَلُّمْ يَجْعَلْ لَهُمْ شَيْئً» . رَوَاهُ أَخْمَدُ والثَّلاثة بإِسْنَادِ صَحيح . (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْن: أَنَّ غُلاماً لأنَاسِ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلام لأنَاسِ أَغْنِيَاءَ ، فَأَتَوا النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَّ فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ شَيْئاً) . رَوَاهُ أَحْمَدُ والثَّلاثة بإسْنَادٍ صَحيح): الحديث فيه دليل على أنه لا غرامة على الفقير ، إلا أنه قال البيهقي : إن كان المراد بالغلام فيه المملوك ، فإجماع أهل العلم أن جناية العبد في رقبته . فهو يدل والله أعلم أن جنايته كانت خطأ، وأن النبي ◌َ ﴿ إنما لم يجعل عليه شيئاً ؛ لأنه التزم أرش جنايته ، فأعطاه من عنده متبرعاً بذلك . وقد حمله الخطابي على أن الجاني كان حرّاً ، وكانت الجناية خطأ ، وكانت عاقلته فقراء فلم يجعل عليهم شيئاً؛ إما لفقرهم ، وإما لأنهم لا يعقلون الجناية الواقعة على العبد ، إن كان المجني عليه مملوكاً ؛ كما قال البيهقي : وقد يكون الجاني غلاماً حراً غير بالغ ، وكانت جنايته عمداً ، فلم يجعل عليه في الحال ، أو رآه على عاقلته فوجدهم فقراء ، فلم يجعله عليه ؛ لكون جنايته في حكم الخطإ، ولا عليهم ، لكونهم فقراء ، والله أعلم . انتهى . وقوله : ولم يجعل أرشها على عاقلته ؛ هذا مذهب الشافعي أن عمد الصغير ٢١ ١١ - کتاب الجنايات ١٠٩٤ - حديث عبد الله بن عمرو يكون في ماله ولا تحمله العاقلة ، وقوله : أو رآه على عاقلته ؛ يعني : مع احتمال أنه خطأ ، وهذا اتفاق ، ومع احتمال أنه عمد ، كما ذهب إليه الهادوية وأبو حنيفة ومالك ١٠٩٤ - وَعَنْ عَمْرو بْنِ شُعِيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّ رَضي الله عَنْهُمْ: أَنَّ ﴿ فَقَالَ: أَقِدْني ، رَجُلاً طَعَنَ رَجُلاً بِقَرْنِ فِي رُكْبَتِهِ ، فَجَاءَ إلى النّبي فَقَالَ: ((حَتى تَبْرَأَ))، ثمَّ جَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ : أَقِدْني ؛ فَأَقاده، ثمَّ جَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ الله! عَرَجْتُ ، فَقَالَ: ((قَدْ نَهَيْتِكَ فَعَصَيْتَنِي ، فَأَبْعَدَكَ اللهُ، وَبَطَلَ أنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحِ حَتى يَبْرَأْ صَاحِبُهُ . رَوَاهُ أَحْمَدُ والدَّارَقُطْنِي ، وَأُعِلَّ بالإرسالِ . عَرَجُكَ)) ، ثمَّ نَهَى رَسُولُ الله. (وَعَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّ رَضي الله عَنْهُمْ: أَنَّ رَجُلاً طَعَنَ فَقَالَ: أَقدْني، فَقَالَ: «حَتى رَجُلاً بِقَرْنِ فِي رُكْبَتِهِ ، فَجَاءَ إلى النّبي تَبْرَأَ))، ثمَّ جَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَقِدْنِي؛ فَأَقاده، ثمَّ جَاءَ إلَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله ! عَرَجْتُ ، فَقَالَ : ((قَدْ نَهَيْتِكَ فَعَصَيْتَنِي ، فَأَبْعَدَكَ اللَّهُ ، وَبَطَلَ عَرَجُكَ)) ، ثمَّ نَهَى أنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحِ حَتى يَبْرَأْ صَاحِبُهُ . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْني، رَسُولُ الله وَأُعِلَّ بالإِرْسالِ) . بناء على أن شعيباً لم يدرك جده ، وقد دفع بأنه ثبت لقاء شعيب لجده ، وفي معناه أحاديث تزيده قوة . وهو دليل على أنه لا يقتص من الجراحات حتى يحصل البرء من ذلك ، وتؤمن السِّرایة . ٢٢ . ١١ - کتاب الجنايات ١٠٩٥ - حديث أبي هريرة قال الشافعي : إن الانتظار مندوب ؛ بدليل تمكينه صلى الله عليه وآله وسلم من الاقتصاص قبل الاندمال . وذهب الهادویة وغیرهم إلى أنه واجب ؛ لأن دفع المفاسد واجب ، وإذنه صلى الله عليه وآله وسلم بالاقتصاص كان قبل علمه ◌َ ﴿ بما يؤول إليه من المفسدة . ١٠٩٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: اقْتَتَلتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْل، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأَخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا في بَطْنِهَا، فاخْتَصَمُوا إلى رَسُولِ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ ، فَقَّضى رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ : أَنَّ ديَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقضى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّتُهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُ ، فَقَالَ حمل بْنُ النّابغةِ الْهُذَلِيُّ: يَا رسولَ اللهِ! كَيفَ يُغْرَمُ مَنْ لا شَرَبَ وَلا أَكَلَ ، وَلا نَطَقَ ولا اسْتَهَلَّ؟! فَمِثْلُ ذلك يُطَلُّ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وآله وسلَّمَ: ((إنّمَا هذا مِنْ إخْوَانِ الكُهَانِ))؛ مِنْ أَجْل سَجْعِهِ الذي سَجَعَ . مُتّفَقُ عَلَيْهِ . (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: اقْتَتَلت امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ ، فَرَمَتْ إِحْداهُمَا الأخْرَى بحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إلى رَسُول الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَّ ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ : أنَّ ديَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ) : بضم الغين المعجمة وتشديد الراء منون (عَبْدٌ أَوْ وليدَةٌ) : هما بدل من غرة ، و أو للتقسيم لا للشك (وقضى بدية المرأة على عاقلتها ، وورثها ولدها ومن معه) : في ((سنن أبي داود)): أن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت ، فقضى ٢٣ ١١ - کتاب الجنايات ١٠٩٥ - حديث أبي هريرة رسول الله : ﴿ أن ميراثها لبنيها، والعقل على عصبتها، ومثله في ((مسلم))، فضمير: ورثها ؛ يعود إلى القاتلة ، وقيل : يعود إلى المقتولة ، وذلك أن عاقلتها ؛ قالوا : إن ميراثها لنا ، فقال : لا ، فقضى بديتها لزوجها وولدها . (فقال حمل) : بفتح الحاء المهملة وفتح الميم (ابن النابغة) : بالنون بعد الألف موحدة فغين معجمة ؛ وهو زوج المرأة القاتلة (الهذلي : يا رسول الله ! كيف يغرم من لا شرب ولا أكل ، ولا نطق ولا استهل؟!) : الاستهلال رفع الصوت ، يريد أنه لم تعلم حياته بصوت أو نطق أو بكاء (فمثل ذلك يُطَلُّ): بالمثناة التحتية مضمومة وتشديد اللام ، على أنه مضارع مجهول من طل ، ومعناه : يهدر ويلغى ولا يضمن . ويروى بالموحدة وتخفيف اللام على أنه ماض من البطلان (فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ((إنّمَا هذَا) : أي : هذا القائل (مِنْ إخوَانِ الْكُهَانِ)) ؛ من أجل سجعه الذي سجع. متفق عليه). وفي الحديث مسائل : الأولى: فيه دليل على أن الجنين إذا مات بسبب الجناية ؛ وجبت فيه الغرّة مطلقاً ؛ سواء انفصل عن أمه وخرج ميتاً ، أو مات في بطنها . فأما إذا خرج حياً ثم مات ، ففيه الدية كاملة ؛ ولكنه لا بد أن يعلم أنه جنین ، بأن تخرج منه يد أو رجل ، وإلا فالأصل براءة الذمة ، وعدم وجوب الغرة ، وقد فسر الغرة في الحديث بعبد أو وليدة وهي الأمة . قال الشعبيُّ : الغرة خمسمائة درهم ، وعند أبي داود والنسائي من حديث بريدة : مائة شاة ، وقيل : خمس من الإبل ؛ إذ هي الأصل في الديات ، وهذا في ٢٤ ١١ - كتاب الجنايات ١٠٩٥ - حديث أبي هريرة جنين الحرة ، وأما جنين الأمة ، فقيل : يخصص بالقياس على ديتها ؛ فكما أن الواجب قيمتها في ضمانها ، فيكون الواجب في جنينها الأرش منسوباً إلى القيمة . وقياسه على جنين الحرة ؛ فإن اللازم فيه نصف عشر الدية ، فيكون اللازم فيه نصف عشر قيمتها . الثانية : قوله : وقضى بدية المرأة على عاقلتها ، يدل على أنه لا يجب القصاص في مثل هذا ، وهو من أدلة من يثبت شبه العمد وهو الحق ؛ فإن ذلك القتل كان بحجر صغير، أو عود صغير؛ لا يقصد به القتل بحسب الأغلب ؛ فتجب فيه الدية على العاقلة ، ولا قصاص فيه . والحنفية تجعله من أدلة عدم وجوب القصاص بالمثقل . الثالثة : في قوله : على عاقلتها ، دليل على أنها تجب الدية على العاقلة ، والعاقلة هم العصبة ، وقد فسرت بمن عدا الولد وذوي الأرحام؛ كما أخرجه البيهقي من حديث أسامة بن عمير: فقال أبوها : إنما يعقلها بنوها ، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((الدية على العصبة ، وفي الجنين غرة))؛ ولهذا بوب البخاري: باب جنين المرأة ، وأن العقل على الوالد وعصبة الوالد ، لا على الولد . قال الشافعي: لا أعلم خلافاً في أن العاقلة العصبة ؛ وهم القرابة من قبل الأب ، وفسر بالأقرب فالأقرب من عصبة الذكر الحر المكلف ، وفي ذلك خلاف يأتي في القسامة . ٢٥ ١١ - كتاب الجنايات ١٠٩٥ - حديث أبي هريرة وظاهر الحديث وجوب الدية على العاقلة ؛ وبه قال الجمهور . وخالف جماعة في وجوبها عليهم؛ فقالوا : لا يعقل أحد عن أحد ، مستدلين بما عند أحمد وأبي داود والنسائي والحاكم: أن رجلاً أتى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له النبي ﴿ : ((من هذا؟» قال: ابني فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنه لا يجني عليك ، ولا تجني عليه))، وعند أحمد وأبي داود والترمذي من حديث عمرو بن الأحوص : أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لا يجني جان إلا على نفسه ، ولا يجني جان على ولده)). وجمع بينهما وبين وجوب الدية على العاقلة بأن المراد به الجزاء الأخروي ؛ أي : لا يجني عليه جناية يعاقب بها في الآخرة ، وعلى القول بأن الوالد والولد ليسا من العاقلة ؛ كما قاله الخطابي ؛ فلا يتم به الاستدلال . الرابعة : قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنما هو من إخوان الكهان)»؛ من أجل سجعه الذي سجع ، يظهر أن قوله : من أجل سجعه ، مدرج ؛ فهمه الراوي ؛ ففيه دليل على كراهة السجع؛ قال العلماء : إنما كرهه من هذا الشخص ؛ لوجهين : 4. أحدهما : أنه عارض به حكم الشرع ورام إبطاله . الثاني : أنه تكلفه في مخاطبته ، وهذان الوجهان من السجع مذمومان . وأما السجع الذي ورد منه عليه الصلاة والسلام في بعض الأوقات - وهو كثير في الحديث -، فليس من هذا؛ لأنه لا يعارض حكم الشرع ، ولا يتكلفه ؛ فلا نهي عنه . ٢٦ ,٠ ١١ - كتاب الجنايات ١٠٩٦ - حديث ابن عباس ١٠٩٦ - وَأَخْرَجَهُ أبو داودَ والنَّسَائِيُّ مِنْ حَديثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهُ في الجَنِيْنِ؟ قالَ: فَقَامَ حَمَلُ بنُ أَنَّ عُمَرَ سألَ: مَنْ شَهِدَ قَضَاءَ رسول الله عَُّ النَّبِغَةِ فَقَالَ: كُنْتُ بَيْنَ يَدَىِ امْرَأَتَيْنِ فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرِى ... فَذَكَرَهُ مُخْتَصَراً، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ والحاكِمُ . (وَأَخْرَجَهُ أبو داودَ والنَّسَائِيُّ مِنْ حديثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ : في الجَنِيْنِ؟ قالَ: فَقَامَ حَمَلُ بنُ عُمَرَ سألَ : مَنْ شَهِدَ قَضَاءَ رسول الله النَّابِغَةِ) : المذكور في الحديث الذي قبله (فَقَالَ: كُنْتُ بَيْنَ يَدَيِ امْرَأَتَيْنِ فَضَرَبَتْ إِحْداهُما الأُخْرِى ... فَذَكَرَهُ مُخْتَصَراً، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ والحاكِمُ) وأخرجه أبو داود بلفظ : أن عمر سأل الناس عن إملاص المرأة؟ فقال المغيرة : شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى فيها بغرة عبد أو أمة . فقال : ائتني بمن يشهد معك . قال : فأتاه محمد بن مسلمة فشهد له . ثم قال أبو داود: قال أبو عبيد: إملاص المرأة إنما سُمِّيَ إملاصاً؛ لأن المرأة تزلقه قبل وقت الولادة ، وكذلك كل ما زلق من اليد وغيرها ، فقد ملص . انتهى . ولا بد من أن يعلم أن الجنين قد تخلّق ، وجرى فيه الروح ؛ ليتصف بأنه قتلته الجناية ، والشافعية فسروه بما ظهر فيه صورة الآدمي ؛ من يد وأصبع وغيرهما . فإن لم تظهر فيه الصورة ، ويشهد أهل الخبرة بأن ذلك أصل الآدمي، فحكمه كذلك إذا كانت الصورة خفية . وإن شك أهل الخبرة ، لم یجب فیه شيء اتفاقاً . وفيه دليل على أن في الجنين غرة ؛ ذكراً كان أو أنثى ؛ لإطلاق الحديث . ٢٧ ١١ - كتاب الجنايات ١٠٩٧ - حديث أنس ١٠٩٧ - وَعَنْ أَنَس رضيَ اللهُ عنهُ: أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ النّضر - عَمّتَهُ - كَسَرَتْ ثَنِيّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إِلَيْهَا الْعَفْوَ فَأَبَوْا، فَعَرَضوا الأَرْشَ فَأَبَوْا، فَأَتَوْا رَسُولَ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّمَ ، فَأَبَوْا إلا الْقِصَاصَ، فَأَمَرَ رَسُولُ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّمَ بالْقصاص ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النّضر: يَا رَسُولَ الله! أَتْكْسَرُ ثَنِيّةُ الرُّبَيِّع؟! لا، والّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ، لا تُكْسَرُ ثَنِيِّتُهَا! فَقَالَ رَسُول اللّهِلّهِ: ((يَا أَنَسُ أَ كِتَابُ اللهِ الْقِصَاصُ)) فَرَضِي الْقَوْمُ فَعَفَوْا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ : ((إنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لِأَبَرَّهُ!)) . متْفَقٌ عَلَيْهِ ، واللّفْظُ لْلْبُخَارِيِّ. (وعن أنس رضي الله عنه: أن الرُّبَيِّعَ) : بضم الراء والباء الموحدة المفتوحة ، فمثناة تحتية مشدّدة مكسورة ؛ أخت أنس (بِنْتَ النّضِر - عَمَّتَهُ -) : أي : عمة أنس ابن مالك ، وهي غير الربيع بنت معوّذ، ووقع في ((سنن البيهقي)): بنت معوذ، قال المصنف : إنه غلط (كسرت ثنية جارية): أي: شابة من الأنصار، كما في رواية (فطلبوا): أي: قرابة الربيع (إليها) : أي : إلى الجارية (العفو فأبوا ، فعرضوا الأرش فأبوا ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأبوا إلا القصاص ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقصاص ، فقال أنس بن النضر : يا رسول الله! أتكسرُ ثَنِيّةُ الربيع؟! لا ، والذي بعثك بالحق ، لا تكسر ثَنِيَّتُها ! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا أَنَسُ! كِتَابُ الله الْقِصَاصُ)) فرضي القوم فعفوا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنَّ مِنْ عِبَادِ اللّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلى الله لأبَرَّهُ !)) . متفقٌ عليه ، واللفظ للبخاري) : ٢٨ ١١ - کتاب الجنايات ١٠٩٧ حديث أنس فيه مسائل : الأولی : أن فیہ دليلاً على وجوب الاقتصاص في السن ۔ بأن کانت بكمالها -؛ فهو مأخوذ من قوله تعالى : ﴿والسنَّ بالسنّ﴾ [المائدة: ٤٥]؛ وقد ثبت على قلع السن بالسن في العمد ، وأما كسر السن، فقد دل هذا الحديث على القصاص فيه أيضاً . قال العلماء : وذلك ، إذا عرفت المماثلة ، وأمكن ذلك من دون سراية إلى غير الواجب . قال أبو داود : قلت لأحمد - يريد أحمد بن حنبل -: كيف في السن؟ قال : تبرد ؛ أي : يبرد من سن الجاني بقدر ما كسر من سن المجنيِّ عليه ، وقال بعضهم : إن الحديث محمول على القلع ، وأنه أراد بقوله : كسرت، قلعت ، وهو بعید . وأما العظم غير السن ، فقد قام الإجماع على أنه لا قصاص في العظم الذي يخاف منه ذهاب النفس ، إذا لم تتأت فيه المماثلة ؛ بأن لا يوقف على قدر الذاهب . وقال الليث والشافعي والحنفية : لا قصاص في العظم غير السن ؛ لأن دون . العظم حائلاً من جلد ولحم وعصب ، فيتعذر معه المماثلة ، فلو أمكنت لحكمنا بالقصاص ، ولكن لا نصل إلى العظم حتى ننال ما دونه مما لا يعرف قدره . الثانية : قوله : أتكسر ثنية الربيع؟! ظاهر الاستفهام الإنكار، وقد تُؤُوَّلَ بأنه لم يرد به الحكم والمعارضة، وإنما أراد به أن يؤكد للنبي تم له طلب الشفاعة منهم، وأكَّد طلبه من النبي ◌َّله بالقسم. ٢٩ ١١ - کتاب الجنايات ١٠٩٧ - حديث أنس وقيل : بل قاله قبل أن يعلم أن القصاص حتم ، وظن أنه يخير بينه وبين الدية أو العفو . ويرشد إليه قوله في جوابه: ((يا أنس! كتاب الله القصاص»! وقيل : إنه لم يرد الإنكار، بل قاله؛ توقعاً ورجاءً من فضل الله ، أن يلهم الخصوم الرضا حتى يعفوا أو يقبلوا الأرش ، وقد وقع الأمر على ما أراد . وفي إلهامهم العفو، وفي تقريره ﴿ على الحلف ، دليل على أنه يجوز الحلف فیما یظن وقوعه . الثالثة: قوله :َ له: ((كتاب الله القصاص))؛ المشهور الرفع على أنه مبتدأ وخبر ، ويجوز النصب في الأول على المصدر، وفعله محذوف ؛ أي : كتب كتاب الله ، وفي الثاني على أنه مفعول للكتاب أو للفعل المقدر، ويحتمل وجوهاً أخر . قيل : أراد بالكتاب الحكم ؛ أي : حكم الله القصاص ، وقيل : أشار إلى قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾ [المائدة: ٤٥]، أو إلى ﴿فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: ١٢٦]، أو إلى ﴿والسنَّ بالسنَّ﴾ [المائدة: ٤٥]. وفي قوله مَ ﴿ه: ((إن من عباد الله من لو أقسم)) إلى آخره ، تعجب منه بوقوع مثل هذا، مِن حَلِف أنس على نفي فعل الغير ، وإصرار الغير على إيقاع ذلك الفعل . وكأن قضية العادة في ذلك أن يحنث في يمينه ، فألهم الله تعالى الغير العفو ، فبرّ قسم أنس ، وأن هذا الاتفاق وقع إكراماً من الله تعالى الأنس ؛ ليبرّ في يمينه ، وأنه من جملة عباد الله الذين يعطيهم الله تعالى أربهم ، ويجيب دعاءهم ، وفيه ٣٠ ١١ - کتاب الجنايات ١٠٩٨ - حديث ابن عباس جواز الثناء على من وقع له مثل ذلك ، عند أمن الفتنة عليه . ١٠٩٨ - وَعَن ابن عَبّاسٍ رضيَ الله عَنْهُما قالَ: قالَ رسولُ الله عَاهِهِ: («مَنْ قُتِلَ في عِمِّاً أَوْ رِمِّيَّاً؛ بحجَرَ أَوْ سَوْطٍ أَوْ عَصاً، فَعَقْلُهُ عَقْلُ الْخَطِأِ، وَمَنْ قُتِلَ عَمْداً ، فَهُوَ قَوَدٌ ، وَمَنْ حَالَ دُونَهُ ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ والنّسَائِي وابْنُ مَاجَهْ بإسْنَادٍ قَوي . (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول اللّه تَّةٍ: ((مَنْ قُتِلَ في عمِّيّاً) : بكسر العين المهملة وتشديد الميم والياء المثناة من تحت بالقصر؛ فعیلی من العماء . قوله (أَوْ رمِّيّاً) : بزنته ، مصدر يراد به المبالغة (بحَجَر أَوْ سَوْط أَوْ عَصاً، فَعَقْلُهُ عَقْلُ الْخَطَأ ، ومَنْ قُتِلَ عَمْداً ، فَهُوَ قَوَدٌ ، وَمَنْ حَالَ دُّونَهُ ، فَعَلَّيْهِ لعْنَةُ الله)) . أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه بإسناد قوي): قال في ((النهاية)) في تفسير اللفظين : المعنى أن يوجد بينهم قتيل يعمى أمره ، ولا يتبين قاتله ؛ فحكمه حكم قتيل الخطأ ؛ تجب فيه الدية . الحديث فيه مسألتان: الأولى : أنه دليل على أن من لم يعرف قاتله فإنها تجب فيه الدية ، وتكون على العاقلة ، وظاهره من غير أيمان قسامة ؛ وقد اختلف في ذلك : فقالت الهادوية : إن كان الحاضرون الذين وقع بينهم القتل منحصرين ، لزمت القسامة ، وجرى فيها حكمها من الأيمان والدية . وإن كانوا غير منحصرين ، لزمت الدية في بيت المال . وقال الخطابي : اختلف ؛ هل تجب الدية في بيت المال أو لا؟ قال إسحاق بالوجوب ، وتوجيهه من حيث المعنى : أنه مسلم مات بفعل قوم من المسلمين ، ٣١ ١١ - کتاب الجنايات ١٠٩٨ - حديث ابن عباس فوجبت ديته في بيت مال المسلمين . وذهب الحسن إلى أن ديته تجب على جميع من حضر ؛ وذلك لأنه مات بفعلهم، فلا تتعدّاهم إلى غيرهم . وقال مالك : إنه يهدر؛ لأنه إذا لم يوجد قاتله بعینه ، استحال أن يؤخذ به أحد . وللشافعي قول : إنه يقال لوليه: ادَّع على من شئت ، واحلف ! فإن حلف ، استحق الدية ، وإن نكل ، حلف المدّعى عليه على النفي ، وسقطت المطالبة ؛ وذلك لأن الدم لا يجب إلا بالطلب . وإذا عرفت هذا الاختلاف ، وعدم المستند القوي في أي هذه الأقوال ، وقد عرفت أن سند الحديث قوي - كما قاله المصنف -، علمت أن القول به أولى الأقوال . المسألة الثانية : في قوله : ((ومن قتل عمداً، فهو قود))، دليل على أن الذي يوجبه القتل عمداً ، هو القود عيناً. وفي المسألة قولان : الأوّل : أنه يجب القود عيناً ، وإليه ذهب زيد بن علي وأبو حنيفة وجماعة ، ويدل له قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص﴾ [البقرة: ١٧٨]، وحدیث: «کتاب الله القصاص)) . قالوا : وأما الدية ، فلا تجب إلا إذا رضي الجاني، ولا يجبر الجاني على تسليمها . والثاني : للهادوية وأحمد ومالك وغيرهم ، وقول للشافعي ، أنه يجب بالقتل عمداً أحد أمرين : القصاص أو الدية ؛ لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله ٣٢ ١١ - کتاب الجنايات ١٠٩٩ - حديث ابن عمر وسلم: ((من قتل له قتيل ، فهو بخير النظرين ؛ إما أن يقيد ، وإما أن يدي)). أخرجه أحمد والشيخان وغيرهم . وأجيب عنه بأن المراد من الحديث : أن ولي المقتول مخير ؛ بشرط أن يرضى الجاني أن يغرم الدية ؛ قالوا : وفي هذا التأويل جمع بين الدليلين . قلنا : الاقتصار في الآية ، وفي بعض الأحاديث على بعض ما يجب ، لا يدل على أنه لا يجب غير ما قام الدليل على وجوبه . وقد أخرج أحمد وأبو داود عن أبي شريح الخزاعي قال : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: ((من أصيب بدم أو خبل - والخبل الجراح -، فهو بالخيار بين إحدى ثلاث : إما أن يقتص أو يأخذ العقل أو یعفو ؛ فإن أراد الرابعة ، فخذوا علی یدیه ، فإن قبل من ذلك شيئاً ، ثم عدا بعد ذلك ، فإن له النار)) . ١٠٩٩ - وَعَنْ ابنِ عُمَرَ رضيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَن رسول الله عَ ﴿ِ قالَ: ((إذا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَقَتَلَهُ الآخَرُ، يُقْتَلُ الذي قَتَلَ ، وَيُحْبَسُ الّذِي أَمْسَكَ)) . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي مَوْصُولاً وَمُرْسَلاً، وَصَحّحَهُ ابنُ الْقَطّانِ ، وَرِجَالُهُ ثقَاتٌ ، إلا أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ رَجّحَ الْمُرْسَلَ . (وَعَن ابنِ عُمَرَ رضيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَن رسول الله عَ ◌ّهُ قالَ: ((إذا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَقَتَلَهُ الآخَرُ، يُقْتَلُ الذِي قَتَلَ ، وَيُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَ)). رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي مَوْصُولاً وَمُرْسَلاً، وَصَحّحَهُ ابنُ الْقَطّانِ، وَرَجَالُهُ ثقَاتٌ، إلا أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ رَجْحَ الْمُرْسَلَ). ٣٣ ١١ - كتاب الجنايات ١١٠٠ - حديث عبد الرحمن بن البيلماني قال الحافظ ابن كثير في ((الإرشاد)): وهذا الإسناد على شرط مسلم . قلت : إشارة إلى إسناد الدارقطني ؛ فإنه رواه من حديث أبي داود الحفري عن الثوري لـ ... الحديث ، عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر : أن رسول الله ثم قال : قال الحافظ البيهقي : ما رواه غير أبي داود الحفري عن الثوري ، وغيره عن إسماعيل بن أمية مرسلاً؛ وهذا هو الصحيح . والحديث دليل على أنه ليس على الممسك سوى حبسه ، ولم يذكر قدر مدته ؛ فهي راجعة إلى نظر الحاكم ، وأن القود أو الدية على القاتل ؛ وإلى هذا ذهبت الهادوية والحنفية والشافعية للحديث؛ ولقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤]. وذهب مالك والنخعي وابن أبي ليلى إلى أنهما يقتلان جميعاً؛ إذ هما مشتركان في قتله ؛ فإنه لولا الإمساك ما قتل . وأجيب بأن النص منع الإلحاق ؛ فإن حكم ذلك حكم الحافر للبئر والمردي إليها ؛ فإن الضمان على المردي دون الحافر اتفاقاً، ولكن الحديث الآتي دليل للأولين . ١١٠٠ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ البَيْلِمَانيَّ رضيَ اللهُ عنهُ: أَنَّ النّبي قَتَلَ مُسْلماً بُعَاهدِ، وَقَالَ: ((أَنَا أَوْلَى مَنْ وفِى بِذِمّتِهِ)). أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ هكذا مُرْسَلاً، وَوَصَّلَهُ الدَّارَقُطني بِذِكْرِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ، وَإِسْنَادُ المَوْصُولِ وَاهٍ. (وعن عبد الرحمن بن البيلماني رضي الله عنه) : بفتح الموحدة وسكون ٣٤ ١١ - كتاب الجنايات ١١٠١ - حديث ابن عمر المثناة التحتية وفتح اللام ؛ ضعفه جماعة فلا يحتج بما انفرد به إذا وصل ؛ فكيف إذا أرسل؟! فكيف إذا خالف؟! وفيه إبراهيم بن محمد بن أبي ليلى ضعيف (أن النبي ◌َ﴿ قتل مسلماً بمعاهد، وقال: ((أنا أَوْلَى مَنْ وفى بِذمّتِهِ)). أخرجه عبد الرزاق هكذا مرسلاً ، ووصله الدارقطني بذكر ابن عمر فيه ، وإسناد الموصول واه) : تقدم الكلام في الحديث قريباً . ١١٠١ - وَعَن ابْنِ عُمَرَ رضيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: قُتلَ غُلامٌ غِيلَةً، فَقَالَ عُمَرُ رضيَ اللهُ عنهُ: لَّو اشْتَرَكَ فِيهِ أَهْلُ صَنعَاءَ ، لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِي . (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قتل غلام غيلة) : بكسر الغين المعجمة وسكون المثناة التحتية ؛ أي : سراً (فقال عمر رضي الله عنه : لو اشترك فيه أهل صنعاء ، لقتلتهم به . أخرجه البخاري) : وأخرجه ابن أبي شيبة من وجه آخر عن نافع : أن عمر قتل سبعة من أهل صنعاء برجل ، وأخرجه في ((الموطأ)) بسند آخر من حديث ابن المسيب : أن عمر قتل خمسة أو ستة برجل ؛ قتلوه غيلة ، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء ، لقتلتهم به جميعاً . وللحديث قصة أخرجها الطحاوي والبيهقي ، عن ابن وهب قال : حدثني جرير بن حازم : أن المغيرة بن حكيم الصنعاني ، حدثه عن أبيه : أن امرأة بصنعاء غاب عنها زوجها ، وترك في حجرها ابناً له من غيرها ؛ غلاماً يقال له : أصيل ، فاتخذت المرأة بعد زوجها خليلاً ، فقالت له : إن هذا الغلام يفضحنا فاقتله! فأبى ، فامتنعت منه ، فطاوعها ، فاجتمع على قتل الغلام الرجل ورجل آخر والمرأة وخادمها ! فقتلوه ، ثم قطعوا أعضاءه، وجعلوه في عَيْبَة وطرحوه في ٣٥ ١١ - کتاب الجنايات ١١٠١ - حديث ابن عمر ركية في ناحية القرية ، ليس فيها ماء ! وذكر القصة ، وفيها : فأخذ خليلها فاعترف ، ثم اعترف الباقون ، فكتب يعلى - وهو يومئذ أمير شأنهم - إلى عمر رضي الله عنه ، فكتب عمر بقتلهم جميعاً. وقال : والله ، لو أن أهل صنعاء اشتركوا في قتله ، لقتلتهم أجمعين . وفي هذا دليل أن رأي عمر رضي الله عنه أنه تقتل الجماعة بالواحد ، وظاهره ، ولو لم يباشره كل واحد ، ولذا قلنا : إن فيه دليلاً لقول مالك والنخعي ، وقول عمر: لو تمالأ - أي توافق -، دليل على ذلك ، وفي قتل الجماعة بالواحد مذاهب : الأول : هذا ، وإليه ذهب جماهير فقهاء الأمصار ، وهو مروي عن علي رضي الله عنه وغيره . وقد أخرج البخاري : عن علي رضي الله عنه في رجلين شهدا على رجل بالسرقة ، فقطعه علي رضي الله عنه ، ثم أتياه بآخر ، فقالا : هذا الذي سرق ، وأخطأنا على الأول! فلم يجز شهادتهما على الآخر ، وأغرمهما دية الأول ، وقال : لو أعلم أنكما تعمدتما ، لقطعتكما . ولا فرق بين القصاص في الأطراف والنفس . والثاني : للناصر والشافعي وجماعة ، ورواية عن مالك: أنه يختار الورثة. واحداً من الجماعة ، وفي رواية عن مالك : يقرع بينهم؛ فمن خرجت عليه القرعة ، قتل ، ويلزم الباقون الحصة من الدية ؛ وحجتهم أن الكفاءة معتبرة ، ولا تقتل الجماعة بالواحد، كما لا يقتل الحر بالعبد ، وأجيب بأنهم لم يقتلوا لصفة زائدة في المقتول ؛ بل لأن كل واحد منهم قاتل . والثالث : لربيعة وداود : أنه لا قصاص على الجماعة ، بل الدية ؛ رعاية للمماثلة . ولا وجه لتخصيص بعضهم . هذه أقوال العلماء في المسألة . ٣٦ ١١ - كتاب الجنايات ١١٠٢ - حديث أبي شريح الخزاعي والظاهر قول داود ؛ لأنه تعالى أوجب القصاص ؛ وهو المماثلة ، وقد انتفت هنا ، ثم موجب القصاص هو الجناية التي تزهق الروح بها ، فإن زهقت بمجموع فعلهم ، فكل فرد ليس بقاتل ، فكيف يقتل عند الجمهور؟! وإنما يصح على قول النخعي . وإن کان کل واحد قاتلاً بانفراده ، لزم توارد المؤثرات على أثر واحد ؛ والجمهور يمنعونه ، على أنه لا سبيل إلى معرفة أنه مات بفعلهم جميعاً، أو بفعل بعضهم؛ فإن فرض معرفتنا بأن كل جناية قاتلة بانفرادها ، لم يلزم أنه مات بكل منها ؛ فلا عبرة بالأسبق ، كما قيل . وأما حكم عمر رضي الله عنه ففعل صحابي لا تقوم به الحجة . ودعوى أنه إجماع غير مقبولة ، وإذا لم يجب قتل الجماعة بالواحد ، فإنها تلزمهم دية واحدة ؛ لأنها عوض عن دم المقتول . وقيل : تلزم كل واحد؛ ونسب قائله إلى خلاف الإجماع. هذا ما قرّرناه هنا ، ثم قوي لنا قتل الجماعة بالواحد، وحرّرنا دليله في ((حواشي ضوء النهار))، وفي ((ذيلنا)) على ((الأبحاث المسدّدة)). ١١٠٢ - وَعَنْ أَبِي شُريح الْخُزَاعِيِّ رضيَ اللهُ تعالى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َ ﴿: (فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتيلٌ بَعْدَ مَقَالَتِي هذِهِ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ: إمّا أَن يَأْخُذُوا الْعَقْلَ أَوْ يَقْتُلُوا)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاودَ والنّسائي، وَأَصْلُهُ في (الصحيحَيْنِ) مِنْ حَديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِعْنَاهُ . (وعن أبي شريح) : بضم الشين المعجمة وسكون المثناة التحتية ، فحاء مهملة (الخزاعي رضي الله تعالى عنه): بضم الخاء المعجمة فزاي بعد الألف ٣٧ ١١ - كتاب الجنايات ١١٠٢ - حديث أبي شريح الخزاعي عين مهملة ، واسمه عمرو بن خويلد ، وقيل غيره (قال : قال رسول الله ((مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ مَقَالتي هذِهِ ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خيرَتَيْنِ) : بالخاء المعجمة فراء ؛ تثنية خيرة ، بينهما بقوله : (إمّا أَنْ يأخُذُوا العقْلَ أَوْ يَقْتُلُوا)). أخرجه أبو داود والنسائي، وأصله في ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة بمعناه). أصل الحديث أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم في أثناء كلامه : «ثم إنكم معشر خزاعة قتلتم هذا الرجل من هذيل ، وإني عاقله ، فمن قتل له ... الحديث))، وتقدم حديث أبي شريح فيه التخيير بين إحدى ثلاث ولا منافاة . قال في ((الهدي النبوي)) : إن الواجب أحد الشيئين ؛ إما القصاص أو الدية ، والخيرة في ذلك إلى الولي بين أربعة أشياء : العفو مجاناً ، أو العفو إلى الدية ، أو القصاص ، ولا خلاف في تخييره بين هذه الثلاثة ، والرابعة المصالحة إلى أكثر من الدية ، وفيه وجهان : أحدهما : أشهرهما مذهباً؛ أي : للحنابلة جوازه . الثاني : ليس له العفو على مال إلا الدية ، أو دونها ، وهذا أرجح دليلاً. فإن اختار الدية سقط القود ، ولم يملك طلبه بعد ، وهذا مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن مالك . وتقدم القول الثاني : أن موجبه القود عيناً ، وليس له العفو إلى الدية إلا برضا الجاني ، وتقدم المختار. ٣٨ ١١ - كتاب الجنايات ١ - باب الدیات ١١٠٣ - حديث عمرو بن حزم ١ - باب الدیات الديات؛ بتخفيف المثناة التحتية ، جمع دية ، كعِدَات جمع عِدَة ، أصل دية ودية ؛ بكسر الواو مصدر ودى القتيل يديه ، إذا أعطى وليه ديته ؛ حذفت فاء الكلمة وعوّضت عنها تاء التأنيث ، كما في عدة، وهي اسم لأعم مما فيه القصاص ، وما لا قصاص فيه . ١١٠٣ - عَنْ أَبِي بَكْر بْنِ محمّد بْنِ عَمْرو بْنِ حَزْمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ؛ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهُمْ: أَنَّ النّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ كَتَبَ إلى أَهْلٍ الْيَمَنِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ -؛ وَفِيهِ: ((أَنَّ مَن اعْتَبَطَ مُؤْمِناً قَتْلاً عَنْ بَيِّنَةٍ ، فإِنه قَوَدٌ ، إلا أَنّ يَرْضِى أَولِياءُ المَفْتُولِ ، وإنَّ فِي النّفْسِ الدِّيَةَ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ ، وفي الأنْفِ إذا أُوْعِبَ جَدْعُهُ الدَِّةُ، وفي العَيْنَيْنِ الدِّيَّةُ ، وفي اللِّسَان الدِّيَّةُ، وفي الشّفَتَيْنِ الدِّيَّةُ ، وفي الذَّكَر الدِّيّةُ ، وفي البَيْضَتَيْنِ الدِّيّةُ ، وفي الصلْبِ الدِّيَّةُ، وفي الرَّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وفي الْأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَّةِ ، وفي الجائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَّةِ ، وفي المُنَقَِّةِ خَمْسَ عَشْرَةَ منَ الإِلِ ، وفي كُلِّ إصْبَعِ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ والرَّجْلِ عَشِرٌ مِنَ الإِبِلِ ، وفي السِّنَّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ ، وَفي الموضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، وإن الرَّجُلَ يُقْتَل بالمرْأَةِ ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دينار)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ في ((الَرَاسيلٍ)) ، وَالنسائي وابْنُ خُزَيْمَةَ وابنُ الجارودِ وابْن حِبّانَ وَأَحْمَدُ ، وَاخْتَلَفُوا في صِحّتِهِ . (عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم): بالحاء المهملة مفتوحة وسكون الزاي ، وهو تابعي ولِيَ القضاء في المدينة لعمر بن عبد العزيز ، اسمه ٣٩ ١١ - كتاب الجنايات ١ - باب الديات ١١٠٣ - حديث عمرو بن حزم كنيته (عن أبيه عن جده رضي الله تعالى عنهم) : عمرو بن حزم (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتب إلى أهل اليمن - فذكر الحديث -) : أوله ((من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال قَيْل ذي رعين. أما بعد))، إلى آخر ما هنا (وفيه: ((أَنَّ مَن اعْتَبَطَ) : بالعين المهملة بعدها مثناة فوقية ، ثم موحدة آخرها طاء مهملة ؛ أي : من قتل قتيلاً بلا جناية منه ، ولا جريرة توجب قتله (مُؤْمِناً قَتْلاً عَنْ بِينَة ، فإنه قَوَدٌ ، إلا أَنْ يَرْضِى أَوْلِياءُ الْمَقْتُول) : فيه دليل على أنهم مخيرون كما قررناه . (وإنَّ في النّفس الدِّيّة مِائةً مِنَ الإبِلِ) : بدل من الدية (وفي الأَنْفِ إِذَا أوعِبَ) : بضم الهمزة وسكون والواو وكسر العين المهملة فموحدة (جَدْعُهُ) : أي : قطع جميعه (الدِّيَّةُ، وفي العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وفي اللسَانِ الدِّيَةُ) : إذا قطع من أصله ، أو ما يمنع منه الكلام. (وفي الشّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وفي الذكَرِ الدِّيَةُ) : إذا قطع من أصله . (وفي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَّةُ، وفي الصَّلْبِ الدِّيَّةُ ، وفي الرَّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَّةِ) : إذا قطعت من مفصل الساق . (وفي الْمأمُومَةِ) : هي الجناية التي بلغت أم الرأس ؛ وهي الدماغ ، أو الجلدة الرقيقة عليها (ثُلُثُ الدِّيَةِ، وفي الْجَائِفَةِ): قال في ((القاموس)): هي الطعنة تبلغ الجوف ، ومثله في غيره : (ثُلُثُ الدِّيّةِ) . (وفي المنَقِّلَةِ) : اسم فاعل من نقل مشدد القاف ، وهي التي تخرج منها صغار العظام ، وتنتقل من أماكنها ، وقيل : التي تنقل العظم ؛ أي : تكسره ٤٠