Indexed OCR Text
Pages 561-580
١٠ - كتاب الرجعة ٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٤٩ - حديث ابن عمر الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ، وهو قول جمهور الأمة ؛ والفرق بين الاستبراء والعدة : أن العدة وجبت قضاء لحق الزوج ؛ فاختصت بزمان حقه ؛ وهو الطهر ، وبأنها تتكرر فيعلم فيها البراءة بواسطة الحيض ؛ بخلاف الاستبراء . واعلم أنه قد أكثر الاستدلال المتنازعون في المسألة من الطرفين ؛ كل يستدل على ما ذهب إليه ، وغاية ما أفادت الأدلة أنه أطلق القرء على الحيض ، وأطلق على الطهر؛ وهو في الآية محتمل كما عرفت ؛ فإن كان مشتركاً - كما قاله جماعة -، فلا بد من قرينة معينة لأحد معنييه ، وإن كان في أحدهما حقيقة ، وفي الآخر مجازاً ، فالأصل الحقيقة ؛ ولكنهم مختلفون هل هو حقيقة في الحيض مجاز في الطهر ، أو العكس؟ قال الأكثرون بالأول ، وقال الأقلون بالثاني . فالأوّلون يحملونه في الآية على الحيض ؛ لأنه الحقيقة ، والأقلون على الطهر؛ ولا ينهض دليل على تعيين أحد القولين ؛ لأن غاية الموجود في اللغة الاستعمال في المعنيين ، وللمجاز علامات من التبادر ، وصحة النفي ، ونحو ذلك ، ولا ظهور لها هنا . وقد أطال ابن القيم الاستدلال على أنه الحيض ، واستوفى المقال . قال السيد رحمه الله: ولم يقهرنا دليله إلى تعيين ما قاله ، ومن أدلة القول بأن الأقراء الحيض قوله : ١٠٤٩ - وعن ابْنِ عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا قالَ : طَلَاقُ الأمَةِ تَطْلِيقتَان ، وَعَدَّتُهَا حَيْضَتَانِ . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَخْرَجَهُ مَرْفُوعاً وَضَعَّفَهُ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابنُ مَاجَهْ مِنْ حَديثِ عَائِشَةَ ، وَصَحّحَهُ الحاكِمُ ، ٥٦١ ١٠ - كتاب الرجعة ٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٤٩ - حديث ابن عمر وَخَالَفُوهُ ؛ فَاتّفَقُوا عَلی ضَعْفِهِ. (وعن ابن عمر رضي الله عنهما: طَلاقُ الأَمَة) : المزوجة (تطليقتان ؛ وَعدَّتُهَا حَيْضَتَانِ . رواه الدارقطني): موقوفاً على ابن عمر (وأخرجه مرفوعاً وضعفه) : لأنه من رواية عطية العوفي ، وقد ضعفه غير واحد من الأئمة (وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث عائشة): بلفظ : ((طلاق الأمة طلقتان ، وقرؤها حيضتان))، وهو ضعيف ؛ لأنه من حديث مظاهر بن مسلم ، قال فيه أبو حاتم : منكر الحديث . وقال ابن معين : لا يعرف . (وصححه الحاكم، وخالفوه؛ فاتفقوا على ضعفه) : لما عرفته ؛ فلايتم به الاستدلال للمسألة الأولى . واستدل به هنا على أن الأمة تخالف الحرّة ؛ فتبين على الزوج بطلقتين ، وتكون عدّتها قرأین . واختلف العلماء في المسألة على أربعة أقوال : أقواها ما ذهب إليه الظاهرية من أن طلاق العبد والحرّ سواء ؛ لعموم النصوص الواردة في الطلاق ، من غير فرق بين حرّ وعبد؛ وأدلة التفرقة كلها غير ناهضة ، وقد سردها في ((الشرح))؛ فلا حاجة بالإطالة بذكرها مع عدم نهوض دليل قول منها عندنا . وأما عدّتها ، فاختلف أيضاً فيها ؛ فذهبت الظاهرية إلى أنها كعدّة الحرّة ، قال أبو محمد بن حزم: لأن الله علمنا العدد في الكتاب ، فقال : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقال: ﴿والذين ٥٦٢ ١٠ - كتاب الرجعة ٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٤٩ - حديث ابن عمر يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهنَّ أربعة أشهر وعشراً﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وقال : ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤]، وقد علم الله تعالى؛ إذْ أباح لنا الإماء ، أن عليهنّ العُدد المذكورات، وما فرّق عزَّ وَجَلَّ بين حرّة ، ولا أمة في ذلك ﴿وما كان ربك نسياً﴾ [مريم: ٦٤] . وتعقب استدلاله بالآيات بأنها كلها في الزوجات الحرائر ؛ فإن قوله : ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة: ٢٢٩]، في حق الحرائر ؛ فإن افتداء الأمة إلى سيدها لا إليها؛ وكذا قوله: ﴿فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فجعل ذلك إلى الزوجين ؛ والمراد به العقد ؛ وفي الأمة ذلك يختص بسيدها . وكذا قوله : ﴿فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٤] والأمة لا فعل لها في نفسها . قلت : لكنها إذا لم تدخل في هذه الآيات ، ولا تثبت فيها سنة صحيحة ، ولا إجماع ، ولا قياس ناهض هنا ، فماذا يكون حكمها في عدتها؟ فالأقرب أنها زوجة شرعاً قطعاً؛ فإن الشارع قسم لنا من أحل لنا وطأها إلى زوجة ، أو ما ملكت اليمين في قوله : ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ [المؤمنون : ٦]. وهذه التي هي محل النزاع ليست ملك يمين قطعاً؛ فهي زوجة ؛ فتشملها الآيات ؛ وخروجها عن حكم الحرائر فيما ذكر من الافتداء ، والعقد ، والفعل بالمعروف في نفسها ، لا ينافي دخولها في حكم العدّة؛ لأن هذه أحكام أُخر ٥٦٣ ١٠ - كتاب الرجعة ٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٥٠ - حدیث رویفع بن ثابت تعلق الحق فيها بالسيد ، كما يتعلق في الحرّة الصغيرة بالولي ، فالراجح أنها كالحرّة تطليقاً وعدّة . ١٠٥٠ - وعن رُوَيْفع بنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه، عَنِ النّبِيِّ:﴿ قَالَ: ((لا يَحِلُّ لامْرئ يُؤمِنُ بِاللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ ماءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ». أَخْرَجَهُ أَبُو داودَ والتِّرْمِذيُّ ، وَصَحّحَهُ ابنُ حِبّانَ ، وَحَسَنَهُ الْبِزَّارُ. (وعن رويفع) : تصغير رافع (ابن ثابت رضي الله عنه) : من بني مالك بن النجار، عداده في المصريين، توفي سنة ست وأربعين (عن النبي ثَ ل قال: ((لا يَحلُّ لامْرِئٍ يُؤْمنُ باللهِ والْيَوْمِ الآخرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ)). أخرجه أبو داود والترمذي ، وصححه ابن حبان ، وحسنه البزار) . فيه دليل على تحريم وطء الحامل من غير الواطئ ، وذلك كالأمة المشتراة إذا كانت حاملاً من غيره ، والمسبية . وظاهره أن ذلك إذا كان الحمل متحققاً ، أما إذا كان غير متحقق وملكت الأمة بسبي ، أو شراء ، أو غيره ، فسيأتي أنه لا يجوز وطؤها ، حتّى تستبرأ بحيضة . وقد اختلف العلماء في الزانية غير الحامل ؛ هل تجب عليها العدّة ، أو تستبرأ بحيضة؟ فذهب الأقل إلى وجوب العدة عليها ، وذهب الأكثر إلى عدم وجوبها عليها ، والدليل غير ناهض مع الفريقين ؛ فإن الأكثر استدلوا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الولد للفراش)) ، ولا دليل فيه إلا على عدم لحوق ولد الزنا بالزاني ، والقائل بوجوب العدة استدل بعموم الأدلة ، ولا يخفى أن الزانية غير داخلة فيها ؛ فإنها في الزوجات . ٥٦٤ ١٠ - كتاب الرجعة ٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٥١ - حديث عمر نعم تدخل في دليل الاستبراء ؛ وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا توطأ حامل ، حتّى تضع ، ولا غير ذات حمل ، حتّى تحيض حيضة)). قال المصنف في ((التلخيص)): إنما استدلت الحنابلة بحديث رويفع على فساد نكاح الحامل من الزنا ، واحتج به الحنفية على امتناع وطئها ؛ قال : وأجاب الأصحاب عنه بأنه ورد في السبي لا في مطلق النساء ، وتعقب بأن العبرة بعموم اللفظ . ١٠٥١ - وعن عُمَرَ رضي الله عنه - في امْرَأَة المَفْقُود - : تَرَبَّصُ أَرْبَعَ سنينَ ، ثم تَعْتَدُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً، أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَالشّافِعِيُّ . (وَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه - في امْرَأَةُ المَفْقُودِ . : تَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثم تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْراً. أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَالشّافِعِيُّ) . وله طرق أخرى ، وفيه قصة أخرجها عبد الرزاق - بسنده - في الفقيد الذي فقد ، قال : دخلت الشعب فاستهوتني الجن ، فمكثت أربع سنين ، فأتت امرأتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأمرها أن تربص أربع سنين من حين رفعت أمرها إليه ، ثم دعا وليه - أي: ولي الفقيد - فطلقها، ثم أمرها أن تعتدّ أربعة أشهر وعشراً ، ثم جئت بعد ما تزوجت ، فخيّرني عمر بينها وبين الصداق الذي أصدقتها . ورواه ابن أبي شيبة عن عمر ، ورواه البيهقي . وقصة المفقود أخرجها البيهقي ؛ وفيها أنه قال لعمر لما رجع : إني خرجت لصلاة العشاء فسبتني الجن ، فلبثت فيهم زماناً طويلاً؛ فغزاهم جنُّ مؤمنون - أو قال : مسلمون - فقاتلوهم وظهروا عليهم ، فسبوا منهم سبايا ، فسبوني فيما سبوا ٥٦٥ ١٠ - كتاب الرجعة ٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٥١ - حديث عمر منهم ، فقالوا : نراك رجلاً مسلماً ، لا يحل لنا سباؤك! فخيروني بين المقام وبين القفول ، فاخترت القفول إلى أهلي ، فأقبلوا معي ؛ فأمّا الليل ، فلا يحدثوني ، وأمّا النهار، فإعصار ريح أتبعها . فقال له عمر: فما كان طعامك فيهم؟ قال : الفول ، وما لا يذكر اسم الله عليه ، قال : فما كان شرابك؟ قال : الجدف . قال قتادة : والجدف ما لا يخمر من الشراب . وفيه دليل على أن مذهب عمر : أن امرأة المفقود بعد مضي أربع سنين من يوم رفعت أمرها إلى الحاكم تبين من زوجها ، كما يفيد ظاهر رواية الكتاب ، وإن كانت رواية ابن أبي شيبة دالة على أنه يأمر الحاكم ولي الفقيد بطلاق امرأته . وقد ذهب إلى هذا مالك وأحمد وإسحاق ، وهو أحد قولي الشافعي وجماعة من الصحابة بدليل فعل عمر . وذهب أبو يوسف ومحمد ورواية عن أبي حنيفة ، وأحد قولي الشافعي إلى أنها لا تخرج عن الزوجية ، حتّى يصح لها موته ، أو طلاقه ، أو ردّته ، ولا بد من تيقن ذلك ؛ قالوا : لأن عقدها ثابت بيقين ؛ فلا يرتفع إلا بيقين ، وعليه يدل ما رواه الشافعي عن عليّ موقوفاً : امرأة المفقود امرأة ابتليت ؛ فلتصبر حتّى يأتيها يقين موته . قال البيهقي : هو عن عليّ مطولاً مشهوراً ، ومثله أخرجه عنه عبد الرزاق . قالت الهادوية : فإن لم يحصل اليقين بموته ولا طلاقه ، تربصت العمر الطبيعي مائة وعشرين سنة ، وقيل : مائة وخمسين إلى مائتين ! وهذا - كما قال ٥٦٦ ١٠ - كتاب الرجعة ٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٥٢ - حديث المغيرة بن شعبة بعض المحققين -: قضية فلسفية طبيعية يتبرأ الإسلام منها ؛ إذ الأعمار قسم من الخالق الجبار، والقول بأنها العادة غير صحيح ، كما يعرفه كل ميز؛ بل هو أندر النادر؛ بل معترك المنايا - كما أخبر به الصادق - بين الستين والسبعين . وقال الإمام يحيى : ولا وجه للتربص ، لكن إن ترك لها الغائب ما يقوم بها ، فهو كالحاضر؛ إذْ لم يفتها إلا الوطء، وهو حق له لا لها ، وإلا فسخها الحاكم عند مطالبتها من دون المفقود؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تمسكوهن ضراراً﴾ [البقرة: ٢٣١]، ولحديث: ((لا ضرر، ولا ضرار في الإسلام))، والحاكم وضع لرفع المضارة في الإيلاء والظهار؛ وهذا أبلغ ، والفسخ مشروع بالعيب ونحوه . قلت : وهذا أحسن الأقوال ، وما سلف عن عليّ وعمر أقوال موقوفة . وفي ((الإرشاد)) لابن كثير عن الشافعي بسنده إلى أبي الزناد قال: سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته؟ قال : يفرق بينهما ، قلت : سُنّة؟ قال : سنة . قال الشافعي : الذي يشبه أن قول سعيد سنة أن يكون سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد طُوِّلَ الكلام في هذا في ((حواشي ضوء النهار)) واخترنا الفسخ بالغيبة ، أو بعدم قدرة الزوج على الإنفاق، نعم ، لو ثبت قوله : ١٠٥٢ - وعن الْمُغيرة بن شُعْبَةَ قال: قالَ رَسُولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ: ((امْرَأَةُ المَفْقُودِ امْرَأَتُهُ، حَتَّى يَأْتِيَهَا الْبَيَانُ)). أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بإِسْنادٍ ضَعِيف . (وَعَنِ الْمُغِيرِةِ بنِ شُعْبَةَ قال : قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم : ٥٦٧ ١٠ - كتاب الرجعة ٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٥٣ -حديث جابر ((امْرَأَةُ المَفْقُودِ امْرَأَتُهُ، حَتّى يَأْتِيَهَا الْبَيَانُ)). أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بإسْنادٍ ضَعِيفٍ) . لكان مقوّياً لتلك الآثار ، إلا أنه ضعفه أبو حاتم والبيهقي وابن القطان وعبد الحق وغيرهم . ١٠٥٣ - وعن جابر رضي الله عنه قالَ: قَالَ رسولُ اللهِعَ لَّهِ: ((لا يَبِيتنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَة ؛ إلا أَنْ يَكُونَ نَاكحاً، أو ذَا مَحْرَم)). أخرجَهُ مُسْلِمٌ. (وَعَنْ جَابر رضي الله عنه قالَ: قَالَ رسولُ اللهِ ◌ّهِ: ((لا يَبِيتنَّ): من البيتوتة ؛ وهي بقاء الليل (رَجُلٌ عِنْدَ امْرأَةٍ، إلا أَنْ يَكُونَ نَاكِحاً، أو ذَا مَحْرَم))، أخرجه مُسْلِمٌ): وفي لفظ لمسلم أيضاً زيادة: ((عند امرأة ثيب))، قيل: إنما خص الثيب لأنها التي يدخل عليها غالباً ، وأمّا البكر ، فهي متصونة في العادة مجانبة للرجال أشد مجانبة ، ولأنه يعلم بالأولى أنه إذا نهى عن الدخول على الثيب التي يتساهل الناس في الدخول عليها ، فبالأولى البكر . والمراد من قوله : ((ناكحاً))؛ أي: متزوجاً بها . وفي الحديث دليل على أنها تحرم الخلوة بالأجنبية ، وأنه يباح له الخلوة بالمحرم ، وهذان الحكمان مجمع عليهما ، وقد ضبط العلماء المحرم بأنه كل من حرم عليه نكاحها على التأبيد ، بسبب مباح يحرمها . فقوله : على التأبيد ؛ احتراز من أخت الزوجة وعمتها وخالتها ونحوهن . وقوله : بسبب مباح؛ احتراز عن أم الموطوءة بشبهة وبنتها ، فإنها حرام على التأبيد لكن لا بسبب مباح ؛ فإن وطء الشبهة لا يوصف بأنه مباح ، ولا محرم، ولا بغيرهما من أحكام الشرع الخمسة ؛ لأنه ليس فعل مكلف . ٥٦٨ ١٠ - كتاب الرجعة ٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٥٤ و١٠٥٥ - حديثا ابن عباس وأبي سعيد وقوله : يحرمها ؛ احتراز عن الملاعنة ؛ فإنها محرمة على التأبيد ؛ لا لحرمتها ؛ بل تغليظاً عليها . ومفهوم قوله : ((لا يبيتن)) أنه يجوز له البقاء عند الأجنبية في النهار خلوة ، أو غيرها لکن قوله : ١٠٥٤ - وعن ابنِ عَبّاسٍ رضي الله عنهُ عَنِ النَّبي ◌َ﴿ِ قالَ: ((لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمَ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ . (وَعَنِ ابنِ عَبّاسٍ رضيَ اللّه عنهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ ﴿ِ قالَ: ((لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بامْرَأَةٍ إلا مَعَ ذِي مَحْرَم)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ) : دل على تحريم خلوته بها ليلاً، أو نهاراً؛ وهو دليل لما دلَّ عليه الحديث الذي قبله وزيادة ، وأفاد جواز خلوة الرجل بالأجنبية مع محرمها ، وتسميتها خلوة تسامح ، فالاستثناء منقطع . ١٠٥٥ - وعن أبي سَعيدٍ رضي الله عنه أَنَّ النّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسِ: ((لا تُوطَأُ حَامِلٌ، حتّى تَضَعَ ، ولا غَيْرُ ذاتٍ حَمْلٍ، حتّى تحِيضَ حَيْضَةً)). أَخْرَجَهُ أَبو دَاود ، وَصَحّحَهُ الحاكِمُ ، وَلَهُ شَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فِي الدَّارَقُطْنِيِّ . (وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في سبايا أوطاس) : اسم واد في ديار هوازن ، وهو موضع حرب حنين ، وقيل : وادي أوطاس غير وادي حنين (لا توطَأَ حَاملٌ ، حتّى تضَعَ ، ولا غَيْرُ ذَاتٍ ٥٦٩ ١٠ - كتاب الرجعة ٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٥٥ ۔ حديث أبي سعيد حَمْل، حتّى تَحيضَ حَيْضَةً)) . أخرجه أبو داود ، وصححه الحاكم ، وله شاهد عن ابن عباس): بلفظ: نهى رسول الله ◌َّ ةٍ أن توطأ حامل ، حتّى تضع ، أو حائل ، حتّى تحيض (في الدارقطني) : إلا أنه من رواية شريك القاضي؛ وفيه كلام؛ قاله ابن كثير في ((الإرشاد)). والحديث دليل على أنه يجب على السابي استبراء المسبية - إذا أراد وطأها - بحيضة ، إن كانت غير حامل ليتحقق براءة رحمها ، وبوضع الحمل ، إن كانت حاملاً ، وقيس على غير المسبية المشتراة والمتملكة بأي وجه من وجوه التملك ؛ بجامع ابتداء التملك . وظاهر قوله : ((ولا غير ذات حمل ، حتّى تحيض حيضة))، عموم البكر والثيب ؛ فالثيب لما ذكر ، والبكر أخذاً بالعموم ، وقياساً على العدة فإنها تجب على الصغيرة مع العلم ببراءة الرحم ، وإلى هذا ذهب الأكثرون . وذهب آخرون إلى : أن الاستبراء إنما يكون في حق من لم يعلم براءة رحمها ، أمّا من علم براءة رحمها ، فلا استبراء عليها . وهذا رواه عبد الرزاق عن ابن عمر قال : إذا كانت الأمة عذراء ، لم يستبرئها إن شاء . ورواه البخاري في ((الصحيح)) عنه، وأخرج في ((الصحيح)) مثله عن علي رضي الله عنه من حديث بريدة . ويؤيد هذا القول مفهوم ما أخرجه أحمد من حديث رويفع : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا ينكح ثيباً من السبايا، حتّى تحيض))، وإلى هذا ذهب ٥٧٠ ١٠ - كتاب الرجعة ٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٥٥ - حديث أبي سعيد مالك ، على تفصيل أفاده قول المازري من المالكية في تحقيق مذهبه ، حيث قال : إن القول الجامع في ذلك أن كل أمة أمن عليها الحمل ، فلا يلزم فيها الاستبراء ، وكل من غلب على الظن كونها حاملاً، أو شك في حملها ، أو تردد فيه ، فالاستبراء لازم فيها . وكل من غلب على الظن براءة رحمها - لكنه يجوز حصوله -، فالمذهب على قولين في ثبوت الاستبراء وسقوطه ، وأطال بما خلاصته أن مأخذ مالك في الاستبراء إنما هو العلم بالبراءة ؛ فحيث لا تعلم ، ولا تظنّ البراءة ، وجب الاستبراء . وحيث تعلم أو تظن البراءة ، فلا استبراء ، وبهذا قال ابن تيمية وتلميذه ابن القيم . والأحاديث الواردة في الباب تشير إلى أن العلة الحمل ، أو تجويزه ؛ وقد عرفت أن النص ورد في السبايا ، وقيس عليه انتقال الملك بالشراء ، أو غيره . وذهب داود الظاهري إلى أنه لا يجب الاستبراء في غير السبايا ؛ لأنه لا يقول بالقياس ، فوقف على محل النص ، ولأن الشراء ونحوه عنده كالتزويج. واعلم أن ظاهر أحاديث السبايا جواز وطئهن ، وإن لم يدخلن في الإسلام ؛ فإنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يذكر في حل الوطء إلا الاستبراء بحيضة ، أو بوضع الحمل ، ولو كان الإسلام شرطاً؛ لبينه ، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة - ولا يجوز -، والذي قضى به إطلاق الأحاديث ، وعمل الصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جواز الوطء للمسبية من دون إسلام، وقد ذهب إلى هذا طاوس وغيره . ٥٧١ ١٠ - كتاب الرجعة ٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٥٦ - حديث أبي هريرة واعلم أن الحديث دلَّ بمفهومه على جواز الاستمتاع قبل الاستبراء بدون الجماع ، وعليه دل فعل ابن عمر أنه قال : وقعت في سهمي جارية يوم جلولاء كأن عنقها إبريق فضة ، قال : فما ملكت نفسي أن جعلت أَقَبِّلُها والناس ينظرون . أخرجه البخاري . ١٠٥٦ - وعن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أنَّ النّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ قَالَ: ((الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلْعَاهِرِ الحَجَرُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَديثِهِ . (وعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أنَّ النّبِيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّمَ قَالَ: ((الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الحِجَرُ)). مُتّفَقٌّ عَلَيْهِ مِنْ حَديثِهِ) : أي : أبي هريرة؛ قال ابن عبد البر: إنه جاء عن بضع وعشرين نفساً من الصحابة . والحديث دليل على ثبوت نسب الولد بالفراش من الأب . واختلف العلماء في معنى الفراش ؛ فذهب الجمهور إلى أنه اسم للمرأة ، وقد يعبر به عن حالة الافتراش ، وذهب أبو حنيفة إلى أنه اسم للزوج . ثم اختلفوا بماذا يثبت؟ فعند الجمهور إنما يثبت للحرة بإمكان الوطء ، في نكاح صحيح ، أو فاسد ؛ وهو مذهب الهادوية والشافعي وأحمد . وعند أبي حنيفة أنه يثبت بنفس العقد ، وإن علم أنه لم يجتمع بها ، بل ولو طلقها عقيبه في المجلس . وذهب ابن تيمية إلى أنه لا بدّ من معرفة الدخول المحقق ، واختاره تلميذه ابن القيم قال : وهل يعدّ أهل اللغة وأهل العرف المرأة فراشاً قبل البناء بها؟! وكيف تأتي ٥٧٢ ١٠ - كتاب الرجعة ٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٥٦ - حديث أبي هريرة الشريعة بإلحاق نسب من لم يُبْن بامرأته ، ولا دخل بها ، ولا اجتمع بها ؛ لمجرد إمكان ذلك؟ وهذا الإمكان قد يقطع بانتفائه عادة ؛ فلا تصير المرأة فراشاً إلا بدخول محقق . قال في ((المنار)): هذا هو المتيقن، ومن أين لنا الحكم بالدخول بمجرد الإمكان؟! فإن غايته أنه مشكوك فيه ، ونحن متعبدون في جميع الأحكام بعلم أو ظن ، والممكن أعم من المظنون . والعجب من تطبيق الجمهور بالحكم مع الشك ! فظهر لك قوة كلام ابن تيمية ، وهو رواية عن أحمد . هذا في ثبوت فراش الحرة ، وأمّا ثبوت فراش الأمة ، فظاهر الحديث شموله له ، وأنه يثبت الفراش للأمة بالوطء ، إذا كانت مملوكة للواطئ ، أو في شبهة ملك ، إذا اعترف السيد ، أو ثبت بوجه . والحديث وارد في الأمة ، ولفظه في رواية عائشة قالت : اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام ، فقال سعد : يا رسول الله ! هذا ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه ، انظر إلى شبهه . وقال عبد بن زمعة : هذا أخي يا رسول الله! ولد على فراش أبي من وليدته؟ فنظر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى شبهه فرأى شبهاً بيناً بعتبة ؛ فقال : ((هو لك يا عبد بن زمعة ، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سَوْدة)) . ٥٧٣ ١٠ - كتاب الرجعة . ٣ - باب العدة والإحداد . ١٠٥٦ - حديث أبي هريرة فأثبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم الولد لفراش زمعة - للوليدة المذكورة - ؛ فسبب الحكم ومحله إنما كان في الأمَةِ ؛ وهذا قول الجمهور ، وإليه ذهب الشافعي ومالك والنخعي وأحمد وإسحاق . وذهبت الهادوية والحنفية إلى : أنه لا يثبت الفراش للأمة إلا بدعوى الولد ، ولا يكفي الإقرار بالوطء ؛ فإن لم يدعه ؛ فلا نسب له ، وكان ملكاً لمالك الأمة. وإذا ثبت فراشها بدعوى أول ولد منها ؛ فما ولدته بعد ذلك ، لحق بالسيد ، وإن لم يدّع المالك ذلك . قالوا : وذلك للفرق بين الحرة والأمة ؛ فإن الحرة تراد للاستفراش والوطء ، بخلاف ملك اليمين ، فإن ذلك تابع ، وأغلب المنافع غيره . وأجيب بأن الكلام في الأمة التي اتخذت للوطء ؛ فإن الغرض من الاستفراش قد حصل بها ؛ فإذا عرف الوطء ، كانت فراشاً ، ولا يحتاج إلى استلحاق . والحديث دال لذلك؛ فإنه لما قال عبد بن زمعة : ولد على فراش أبي ، ألحقه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بزمعة صاحب الفراش ، ولم ينظر إلى الشبه البيِّن الذي فيه المخالفة للملحوق به . وتأولت الحنفية والهادوية حديث أبي هريرة بتأويلات كثيرة ، وزعموا أنه لم يلحق الغلام المتنازع فيه بنسب زمعة، واستدلوا بأنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر سودة بنت زمعة بالاحتجاب منه ، وأجيب بأنه أمرها بالاحتجاب منه على سبيل الاحتياط والورع ، والصيانة لأمهات المؤمنين من بعض المباحات ٥٧٤ ١٠ - كتاب الرجعة ٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٥٦ - حديث أبي هريرة مع الشبهة ، وذلك لما رآه صلى الله عليه وآله وسلم في الولد من الشبه البيِّن بعتبة بن أبي وقاص . والمالكية هنا مسلك آخر ؛ فقالوا : الحديث دل على مشروعية حكم بين حكمين ، وهو أن يأخذ الفرع شبهاً من أكثر من أصل ، فيعطى أحكاماً؛ فإن الفراش يقتضي إلحاقه بزمعة ، والشبه يقتضي إلحاقه بعتبة ، فأعطى الفرع حكماً بين حكمين ، فروعي الفراش في إثبات النسب ، وروعي الشبه البيّن بعتبة ؛ في أمر سودة بالاحتجاب . قالوا : وهذا أولى التقديرين ؛ فإن الفرع إذا دار بين أصلين فألحق بأحدهما فقط ، فقد أبطل شبهه بالثاني من كل وجه ؛ فإذا ألحق بكل واحد منهما من وجه ، كان أولى من الغاء أحدهما في كل وجه ؛ فيكون هذا الحكم - وهو إثبات النسب بالنظر إلى ما يجب للمدعي من أحكام البنوّة -، ثابتاً ، - وبالنظر إلى ما يتعلق بالغير من النظر إلى المحارم -، غير ثابت . قالوا : ولا يمتنع ثبوت النسب من وجه دون وجه ، كما ذهب أبو حنيفة والأوزاعي وغيرهم إلى أنه لا يحل أن يتزوج بنته من الزنا ، وإن كان لها حكم الأجنبية . وقد اعترض هذا ابن دقيق العيد بما ليس بناهض . وفي الحديث دليل على أن لغير الأب أن يستلحق الولد ؛ فإن عبد بن زمعة استلحق أخاه بإقراره بأن الفراش لأبيه ؛ وظاهر الرواية أن ذلك يصح ، وإن لم ٥٧٥ ١٠ - كتاب الرجعة ٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٥٦ - حديث أبي هريرة يصدقه الورثة ؛ فإن سَودة لم يذكر منها تصديق ، ولا إنكار إلا أن يقال : إن سکوتها قائم مقام الإقرار . وفي المسألة قولان : الأول : أنه إذا كان المستلحق غير الأب ، ولا وارث غيره - وذلك کان یستلحق الجد ، ولا وارث سواه - ، صح إقراره وثبت نسب المقر به . وكذلك إن كان المستلحق بعض الورثة ، وصدّقه الباقون . والأصل في ذلك أن من حاز المال ، ثبت النسب بإقراره ؛ واحداً كان أو جماعة ؛ وهذا مذهب أحمد والشافعي ؛ لأن الورثة قاموا مقام الميت وحلوا محله . الثاني للهادوية : أنه لا يصح الاستلحاق من غير الأب ، وإنما المقر به يشارك المقر في الإرث دون النسب، ولكن قوله ◌َّ﴿ٍ لعبد: ((هو أخوك)) - كما أخرجه البخاري - دليل ثبوت النسب في ذلك . ثم اختلف القائلون بلحوق النسب بإقرار غير الأب ؛ هل هو إقرار خلافة ونيابة عن الميت ؛ فلا يشترط عدالة المستلحق ؛ بل ولا إسلامه ، أو هو إقرار شهادة فتعتبر فيه أهلية الشهادة؟ فقالت الشافعية وأحمد : إنه إقرار خلافة ونيابة . وقال المالكية : إنه إقرار شهادة . واستدل الهادوية والحنفية بالحديث على عدم ثبوت النسب بالقيافة ؛ لقوله: ((الولد للفراش))، قالوا : ومثل هذا التركيب يفيد الحصر ، ولأنه لو ثبت ٥٧٦ ١٠ - كتاب الرجعة ٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٥٦ - حديث أبي هريرة بالقيافة ، لكانت قد حصلت بما رآه من شبه المدعى به بعتبة ، ولم يحكم به له ؛ بل حكم به لغيره . وذهب الشافعي وغيره إلى ثبوته بالقيافة ، إلا أنه إنما يثبت بها فيما حصل من وطأين محرمين؛ كالمشتري والبائع يطان الجارية في طهر قبل الاستبراء ؛ واستدلوا بما أخرجه الشيخان من استبشاره مع اليه بقول مجزز المدلجي - وقد رأى قدمي أسامة ابن زيد وزيد -: إن هذه الأقدام بعضها من بعض ، فاستبشر صلى الله عليه وآله وسلم بقوله ، وقرره على قيافته ؛ وسيأتي الكلام فيه في آخر باب الدعاوى . وبما ثبت من قوله صلى الله عليه وآله وسلم في قصة اللعان : إن جاءت به على صفة كذا ، فهو لفلان ، أو على صفة كذا ، فهو لفلان . فإنه دليل الإلحاق بالقيافة ، ولكن منعته الأيمان عن الإلحاق ، فدل على أن القيافة مقتض ، لكنه عارض العمل بها المانع ، وبأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لأم سليم - لما قالت: أو تحتلم المرأة ؟ -: ((فمن أين يكون الشبه؟)). ولأنه أمر سودة بالاحتجاب - كما سلف - ؛ لما رأى من الشبه ، وبأنه قال للذي ذكر له أن امرأته أتت بولد على غير لونه : ((لعله نزعه عرق))؛ فإنه ملاحظة للشبه . ولكنه لا حكم للقيافة مع ثبوت الفراش في ثبوت النسب . وقد أجاب النفاة للقيافة بأجوبة لا تخلو عن تكلف ، والحكم الشرعي يثبته الدليل الظاهر ، والتكلف لرد الظواهر من الأدلة ؛ محاماة عن المذهب ، ليس من شأن المتبع لما جاء عن الله ورسوله طان !!! ٥٧٧ ١٠ - كتاب الرجعة ٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٥٦ - حديث أبى هريرة وأما الحصر في حديث ((الولد للفراش))، فنعم، هو لا يكون الولد إلا للفراش ، مع ثبوته والكلام مع انتفائه ، ولأنه قد يكون حصراً أغلبياً ، وهو غالب ما يأتي من الحصر؛ فإن الحصر الحقيقي قليل ؛ فلا يقال : قد رجعتم إلى ما دمتم من التأويل . وأما قوله: ((وللعاهر)) - أي: الزاني - ((الحجر))، فالمراد له الخيبة والحرمان، وقيل له : الرمي بالحجارة ، إلا أنه لا يخفى أنه يقصر الحديث على الزاني المحصن ، والحديث عام . ٥٧٨ ١٠ - كتاب الرجعة ٤ - باب الرضاع ١٠٥٧ - حديث عائشة ٤ - باب الرِّضاع بكسر الراء وفتحها ، ومثله الرضاعة . ١٠٥٧ - عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنهَا قالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َ يَّةِ: ((لا تُحَرِّمُ المِصَّةُ وَالمِصَّتَانِ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . (عَنْ عَائِشَةَ رضيَ الله عنهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ََّةِ: ((لا تُحَرِّمُ المِصَّةُ وَالمِصَّتَانِ)) . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) . المصة الواحدة: من المص، وهو أخذ اليسير من الشيء؛ كما في ((الضياء))، وفي ((القاموس)»: مَصِصْتُه - بالكسر - أَمَصُّهُ ، ومصصته أمصه - كخَصَصْتُهُ أَخُصُّهُ - : شربْتُه شرباً رفيقاً . والحديث دل على أن مص الصبي للثدي مرة أو مرتين ، لا يصير به رضيعاً؛ وفي المسألة أقوال : الأول : أن الثلاث فصاعداً تحرم ، وإلى هذا ذهب داود وأتباعه ، وجماعة من العلماء؛ لمفهوم حديث مسلم هذا، وحديثه الآخر بلفظ: ((لا تحرم الإملاجة والإِملاجتان))؛ فأفاد بمفهومه تحريم ما فوق الاثنتين . والقول الثاني : لجماعة من السلف والخلف ، وهو أن قليل الرضاع وكثيره يحرم ؛ وهذا يروى عن عليّ وابن عباس وآخرين من السلف؛ وهو مذهب الهادوية والحنفية ومالك . قالوا : وحدّه ما وصل الجوف بنفسه ، وقد ادعي الإجماع على أنه يحرم من ٥٧٩ ١٠ - كتاب الرجعة ٤ - باب الرضاع ١٠٥٧ - حديث عائشة الرضاع ما يفطر الصائم ، واستدلوا بأنه تعالى علق التحريم باسم الرضاع ؛ فحيث وجد اسمه ، وجد حكمه ، وورد الحديث موافقاً للآية ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)). ولحديث عقبة الآتي وقوله ◌َ مريم: ((كيف، وقد زعمت أنها أرضعتكما؟!))، ولم يستفصل عن عدد الرضعات . فهذه أدلتهم ، ولكنها اضطربت أقوالهم في ضبط الرضعة وحقيقتها ، اضطراباً کثیراً ، ولم يرجع إلى دليل . ويجاب عما ذكروه من التعليق باسم الرضاع : أنه مجمل بينه الشارع بالعدد ، وضبطه به ، وبعد البيان لا يقال : إنه ترك الاستفصال . القول الثالث : أنها لا تحرم إلا خمس رضعات ، وهو قول ابن مسعود وابن الزبير والشافعي ورواية عن أحمد . واستدلوا بما يأتي من حديث عائشة - وهو نص في الخمس -، وبأن سهلة بنت سهيل أرضعت سالماً خمس رضعات ، ويأتي أيضاً . وهذا إن عارضه مفهوم حديث ((المصة والمصتان))؛ فإن الحكم في هذا منطوق ، وهو أقوى من المفهوم ، فهو مقدّم عليه . وعائشة - وإن روت أن ذلك كان قرآناً - فإن له حكم خبر الآحاد في العمل به - كما عرف في الأصول -، وقد عضده حديث سَهْلَة ؛ فإن فيه أنها أرضعت سالماً خمس رضعات لتحرم علیہ ۔ وإن کان فعل صحابية ۔ فإنه دال أنه قد کان ٥٨٠