Indexed OCR Text

Pages 501-520

١٠ - كتاب الرجعة
١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة
١٠٢٤ - حديث ابن عمر
أخذه من هذا الحديث ، ولا مستند له غيره ؛ فإنه قال المصنف :
لم أقف على نقل صريح في ذلك ؛ فإنه لا يلزم من عدم دخوله عليهنّ أن لا
تدخل إحداهنّ عليه في المكان الذي اعتزل فيه ، إلا إن كان المكان المذكور من
المسجد ، فيتم استلزام عدم الدخول عليهنّ ، مع استمرار الإقامة في المسجد ،
العزم على ترك الوطء ؛ لامتناع الوطء في المسجد .
١٠٢٤ - وعن ابن عُمَرَ رضيَ اللّه عنهُمَا قالَ: إِذا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُر ،
وَقَفَ الْمُؤْلي، حتّى يُطلِّقَ ، ولا يَقَعُ عَلَيْهِ الطّلاقُ، حتّى يُطَلِّقَ. أَخْرَجَهً
البُخَاريُّ .
(وَعَنِ ابنِ عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: إذا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُر، وَقَفَ
الْمُوْلِي، حتّى يُطلِّقَ ، ولا يَقَعُ عَلَيْهِ الطّلاقُ، حتّى يُطَلِّقَ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيِّ) .
الحديث كالتفسير لقوله تعالى : ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة
أشهر﴾ [البقرة: ٢٢٦].
وقد اختلف العلماء في مسائل من الإيلاء :
الأولى : في اليمين ، فإنهم اختلفوا فيها ؛ فقال الجمهور: ينعقد الإيلاء
بكل يمين على الامتناع من الوطء ؛ سواء حلف بالله ، أو بغيره .
وقالت الهادوية : إنه لا ينعقد إلا بالحلف بالله ، قالوا : لأنه لا يكون يميناً إلا
ما كان بالله تعالى ؛ فلا تشمل الآية ما كان بغيره .
قلت : وهو الحق .
٥٠١

١٠ - كتاب الرجعة
١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة
٤ ١٠٢ - حديث ابن عمر
الثانية : في الأمر الذي تعلق به الإيلاء ، وهو ترك الجماع صريحاً أو كناية ،
أو ترك الكلام عند البعض؟
والجمهور على أنه لا بد فيه من التصريح بالامتناع من الوطء ، لا مجرد
الامتناع عن الزوجة . ولا كلام أن الأصل في الإيلاء قوله تعالى : ﴿للذين يؤلون
من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ الآية [البقرة: ٢٢٦]؛ فإنها نزلت لإبطال ما كان
عليه الجاهلية من إطالة مدة الإيلاء ؛ فإنه كان الرجل يولي من امرأته سنة
وسنتين ، فأبطل الله تعالى ذلك، وأُنْظِر المولي أربعة أشهر ؛ فإمّا أن يفيء ، أو يطلق .
الثالثة : اختلفوا فى مدة الإيلاء ؛ فعند الجمهور والحنفية أنه لا بد أن يكون
أكثر من أربعة أشهر ، وقال الحسن وآخرون : ينعقد بقليل الزمان وكثيره ؛ لقوله
تعالی : ﴿یؤلون من نسائهم﴾ .
ورُدَّ بأنه لا دليل في الآية ؛ إذْ قد قدر الله المدة فيها بقوله تعالى: ﴿أربعة
أشهر﴾ .
فالأربعة قد جعلها الله مدة الإمهال ؛ وهي كأجل الدين ؛ لأنه تعالى قال :
﴿فإن فاؤوا﴾ [البقرة: ٢٢٦]، بفاء التعقيب ، وهو بعد الأربعة فلو كانت المدة أربعة،
أو أقل لكانت قد انقضت ؛ فلا يطالب بعدها ، والتعقيب للمدة لا للإيلاء ؛ لبعده .
والرابعة : أن مضي المدة لا يكون طلاقاً عند الجمهور .
وقال أبو حنيفة : بل إذا مضت الأربعة الأشهر، طلقت المرأة ؛ قالوا : والدليل
على أنه لا يكون بمضيها طلاقاً ، أنه تعالى خيرٌ في الآية بين الفيئة والعزم على
٥٠٢

١٠ - كتاب الرجعة
١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة
١٠٢٤ - حديث ابن عمر
الطلاق ؛ فيكونان في وقت واحد ، وهو بعد مضي الأربعة ، فلو كان الطلاق يقع
بمضي الأربعة والفيئة بعدها ؛ لم يكن تخييراً .
لأن حق المخير فيهما أن يقع أحدهما في الوقت الذي يصح فيه الآخر ،
كالكفارة ؛ لأنه تعالى أضاف عزم الطلاق إلى الرجل ، وليس مضي المدة من
فعل الرجل .
ولحديث ابن عمر هذا الذي نحن في سياقه ، وإن كان موقوفاً فهو مُقَوَّ للأدلة .
الخامسة : الفيئة هي الرجوع ، ثم اختلفوا بماذا تكون؟ فقيل : تكون بالوطء
على القادر ، والمعذور يبين عذره بقوله : لو قدرت ، لفئت ؛ لأنه الذي يقدر
عليه ؛ لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقيل بقوله : رجعت عن يميني ، وهذا للهادوية ؛ كأنهم يقولون : المراد رجوعه
عن يمينه ، لا إيقاع ما حلف عليه .
وقيل : تكون في حق المعذور بالنية ؛ لأنها توبة يكفي فيها العزم ، وَرُدَّ بأنها
توبة عن حق مخلوق ؛ فلا بد من إفهامه الرجوع عن الأمر الذي عزم عليه .
السادسة : اختلفوا هل تجب الكفارة على من فاء؟ فقال الجمهور: تجب ؛
لأنها يمين قد حنث فيها ، فتجب الكفارة؛ لحديث: ((من حلف على يمين فرأى
غيرها خيراً منها ، فليكفر عن يمينه ، وليأت الذي هو خير)).
وقيل : لا تجب ؛ لقوله تعالى: ﴿فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم﴾ [البقرة: ٢٢٦]،
وأجيب بأن الغفران يختص بالذنب لا بالكفارة ، ويدل للمسألة الخامسة قوله :
٥٠٣

١٠ - كتاب الرجعة
١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٥ - حديث سليمان بن يسار
١٠٢٥ - وعن سُلَيْمانَ بن يَسَار قالَ: أدْرَكْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَاب
رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ كُلُّهُمْ يَقِفُونَ الْمُؤْلِي . رواهُ الشافعِيُّ .
(وعن سليمان بن يسار) : بفتح المثناة فسين مهملة مخففة ، بعد الألف
راء ، هو أبو أيوب سليمان بن يسار ، مولى ميمونة زوج رسول الله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم ، وهو أخو عطاء بن يسار، كان سليمان من فقهاء المدينة ، وكبار
التابعين ، ثقة فاضلاً ورعاً حجة ، هو أحد الفقهاء السبعة ، روى عن ابن عباس
وأبي هريرة وأم سلمة ، مات سنة سبع ومائة ، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة
(قال : أدركت بضعة عشر رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم كلهم يقفون المولي . رواه الشافعي) .
وفي ((الإرشاد)) لابن كثير: أنه قال الشافعي بعد رواية الحديث : وأقل ذلك
ثلاثة عشر. اهـ. يريد أقل ما يطلق عليه لفظ بضعة عشر.
وقوله : يقفون ؛ بمعنى يقفونه أربعة أشهر ، كما أخرجه إسماعيل - هو ابن أبي
إدريس - عن سليمان أيضاً قال : أدركنا الناس يقفون الإيلاء إذا مضت الأربعة .
فإطلاق رواية الكتاب محمولة على هذه الرواية المقيدة .
وقد أخرج الدارقطني من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه : أنه قال :
سألت اثني عشر رجلاً من الصحابة عن الرجل يولي؟ فقالوا : ليس عليه شيء ،
حتّى تمضي أربعة أشهر فيوقف ؛ فإن فاء ، وإلا طلق .
وأخرج إسماعيل المذكور من حديث ابن عمر أنه قال : إذا مضت أربعة
أشهر ، يوقف حتّى يطلق ، ولا يقع عليه الطلاق ، حتّى يطلق .
٥٠٤

١٠ - كتاب الرجعة
١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة
١٠٢٦ - حديث ابن عباس
وأخرج الإسماعيلي أثر ابن عمر بلفظ : أنه كان يقول : أيما رجل آلى من
امرأته ؛ فإذا مضت أربعة أشهر، يوقف حتّى يطلق أو يفيء ، ولا يقع عليها
طلاق إذا مضت ، حتّی یوقف .
وفي الباب آثار كثيرة عن السلف كلها قاضية بأنه : لا بد بعد مضي الأربعة
الأشهر من إيقاف المولي .
ومعنى إيقافه هو : أن يطالب إما بالفيء وإما بالطلاق .
ولا يقع الطلاق بمجرد مضي المدة ، وإلى هذا ذهب الجماهير، وعليه دلَّ ظاهر
الآية؛ إذْ قوله تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم﴾ [البقرة: ٢٢٧]،
يدل قوله : ﴿سميع﴾ على أن الطلاق يقع بقول يتعلق به السمع، ولو كان يقع
بمضي المدة، لكفى قوله: ﴿عليم﴾؛ لما عرف من بلاغة القرآن ، وأن فواصل
الآيات تشير إلى ما دلت عليه الجملة السابقة .
فإذا وقع الطلاق ؛ فإنه يكون رجعياً عند الجمهور، وهو الظاهر . ولغيرهم
تفاصيل لا يقوم عليها دليل .
١٠٢٦ - وعن ابْن عَبّاس رضيَ اللهُ عنهما قَال: كَانَ إيلاءُ الجَاهليّة السّنَةَ
والسّنَتَيْن ، فَوَقّتَ اللَّهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُر؛ فإن كانَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُر؛ فليس بإيلاءٍ.
أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ .
(وَعَنِ ابْنِ عَبّاس رضي الله عنهُمَا قال: كَانَ إيلاءُ الجَاهليّة السّنَةَ
والسّنَتَيْنِ ، فَوَقّتَ اللَّهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُر؛ فإن كانَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُر، فليس
بإيلاءِ. أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ) : وأخرجه الطبراني أيضاً عنه ، وقال الشافعي : كانت
٥٠٥

١٠٠ - كتاب الرجعة
١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة
١٠٢٧ - حديث ابن عباس
العرب في الجاهلية تحلف بثلاثة أشياء ، وفي لفظ : كانوا يطلقون الطلاق والظهار
والإيلاء ؛ فنقل تعالى الإيلاء والظهار عما كان عليه الجاهلية من إيقاع الفرقة
على الزوجة ، إلى ما استقر عليه حكمهما في الشرع ، وبقي حكم الطلاق على
ما كان عليه .
والحديث دليل على أن أقل ما ينعقد به الإيلاء أربعة أشهر .
١٠٢٧ - وعن ابن عباس رضي الله عنه: أنَّ رَجُلاً ظَاهَرَ من امْرَأَته ، ثم
فَقَالَ: إِنِّي وَقَعْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ؟ قَالَ: ((فَلا
وَقَعَ عَلَيْها، فَأَتَّى النّبِيَّ ◌َ﴾
تَقْرَبْهَا، حتّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللهُ بِهِ)). رَوَاهُ الأرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِي،
وَرَجّحَ النِّسَائِيُّ إِرْسَلَهُ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ وَجْهِ آَخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَزَادَ فِيهِ :
((كَفِّرْ، ولا تَعُدْ)).
(وَعَن ابن عباس رضي الله عنه: أنَّ رَجُلاً ظَاهَرَ مِن امْرَأَتِهِ ، ثم وَقَعَ عَلَيْها ،
فَأَتَى النّبِيِّ ◌َ﴿ فَقَالَ: إِنِّي وَقَعْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ؟ قَالَ: ((فَلا تَقْرَبِهَا،
حتّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللهُ بِهِ)). رَوَاهُ الأرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِي ، وَرَجّحَ
النّسَائِيُّ إِرْسَالَهُ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ، وَزَادَ فِيهِ: («كَفِّرْ،
ولا تَعُدْ))) .
هذا من باب الظهار، والحديث لا يضر إرساله ، كما قررناه من أن إتيانه من
طريق مرسلة وطريق موصولة لا يكون علة ؛ بل يزيده قوّة .
والظهار: مشتق من الظهر؛ لأنه قول الرجل لامرأته : أنت عليَّ كظهر أمي ،
فأخذ اسمه من لفظه ، وكنوا بالظهر عما يستهجن ذكره .
:
٥٠٦

١٠ - كتاب الرجعة
١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة
١٠٢٧ - حديث ابن عباس
وأضافه إلى الأمّ؛ لأنها أم المحرمات ، وقد أجمع العلماء على تحريم الظهار وإثم
فاعله ، كما قال تعالى : ﴿وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً﴾ [المجادلة: ٢].
وأما حكمه بعد إيقاعه فيأتي .
وقد اتفق العلماء على أنه يقع بتشبيه الزوجة بظهر الأم ، ثم اختلفوا فيه في
مسائل :
الأولى : إذا شبهها بعضو منها غيره ؛ فذهب الأكثر إلى أنه يكون ظهاراً
أيضاً، وقيل : يكون ظهاراً إذا شبهها بعضو يحرم النظر إليه ، وقد عرفت أن
النص لم يرد إلا في الظهر .
الثانية : أنهم اختلفوا أيضاً فيما إذا شبهها بغير الأم من المحارم ؛ فقالت
الهادوية : لا يكون ظهاراً؛ لأن النص ورد في الأم ، وذهب آخرون منهم مالك
والشافعي وأبو حنيفة إلى أنه يكون ظهاراً ، ولو شبهها بمحرم من الرضاع .
ودليلهم القياس؛ فإن العلة التحريم المؤبد ، وهو ثابت في المحارم كثبوته في الأم .
وقال مالك وأحمد : إنه ينعقد ، وإن لم يكن المشبه به مؤبد التحريم كالأجنبية .
بل قال أحمد: حتّى في البهيمة ، ولا يخفى أن النص لم يرد إلا في الأم .
وما ذكر من إلحاق غيرها فبالقياس وملاحظة المعنى ، ولا ينتهض دليلاً على
الحكم .
الثالثة : أنهم اختلفوا أيضاً هل ينعقد الظهار من الكافر؟ فقيل : نعم ؛ لعموم
الخطاب في الآية ، وقيل : لا ينعقد منه ؛ لأن من لوازمه الكفارة ، وهي لا تصح
٥٠٧

١٠ - كتاب الرجعة
١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة
١٠٢٧ - حديث ابن عباس
من الكافر ، ومن قال : ينعقد منه قال : يكفر بالعتق ، أو الإطعام ؛ لا بالصوم؛
لتعذره في حقه .
وأجيب بأن العتق والإطعام إذا فعلا لأجل الكفارة ، كانا قربة ، ولا قربة
لکافر .
الرابعة : أنهم اختلفوا أيضاً في الظهار من الأمة المملوكة ؛ فذهبت الهادوية
والحنفية والشافعية : أنه لا يصح الظهار منها؛ لأن قوله تعالى: ﴿من نسائهم﴾
[المجادلة: ٢]، لا يتناول المملوكة في عرف اللغة؛ للاتفاق في الإيلاء على أنها غير
داخلة في عموم النساء ، وقياساً على الطلاق .
وذهب مالك وغيره إلى أنه يصح من الأمة ؛ لعموم لفظ النساء .
إلا أنه اختلف القائلون بصحته منها في الكفارة ، فقيل : لا تجب إلا نصف
الكفارة ؛ فكأنه قاس ذلك على الطلاق عنده .
الخامسة : الحديث دليل على أنه يحرم وطء الزوجة التي ظاهر منها قبل
التكفير، وهو مجمع عليه ؛ لقوله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة: ٣]، فلو
وطئ، لم يسقط التكفير، ولا يتضاعف؛ لقوله تعَّهُ: ((حتى تفعل ما أمرك
الله))، قال الصلت بن دينار: سألت عشرة من الفقهاء عن المظاهر يجامع قبل
التكفير؟ فقالوا : كفارة واحدة ، وهو قول الفقهاء الأربعة .
وعن ابن عمر : أن عليه كفارتين : إحداهما للظهار الذي اقترن به العود ، والثانية
للوطء المحرم كالوطء في رمضان نهاراً ، ولا يخفى ضعفه .
٥٠٨

١٠ - كتاب الرجعة
١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٨ - حديث سلمة بن صخر
وعن الزهري وابن جبير: أنها تسقط الكفارة ؛ لأنه فات وقتها ؛ فإنه قبل
المسيس ، وقد فات ، وأجيب بأن فوات وقت الأداء لا يسقط الثابت في الذمة
كالصلاة وغيرها من العبادات .
واختلف في تحريم المقدمات ، فقيل : حكمها حكم المسيس في التحريم ؛
لأنه شبهها بمن يحرم في حقها الوطء ومقدماته ، وهذا قول الأكثر .
وعن الأقل : لا تحرم المقدمات ؛ لأن المسيس هو الوطء وحده ؛ فلا يشمل
المقدمات إلا مجازاً .
ولا يصح أن يرادا ؛ لأنه جمع بين الحقيقة والمجاز، وعن الأوزاعي : يحل له
الاستمتاع بما فوق الإزار .
١٠٢٨ - وعن سَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ رضي الله عنه قالَ: دَخَلَ رَمَضَانُ ، فَخِفْتُ
أَنْ أُصِيبَ امْرَأَنِي ، فَظَاهَرْتُ مِنْهَا، فَانْكَشَفَ لي شَيءٌ منها لَيْلَةً ، فَوَقَعْتُ
عَلَيْهَا، فقال لي رَسُولُ اللّه ◌َزِ: ((حَرِّرْ رَقَبَةً)) ، فَقُلْتُ: مَا أَمْلِكُ إلا رَقَبَتي،
قَالَ: ((فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَينٍ))، قُلْتُ: وهَلْ أَصَبْتُ الْذِي أَصَبْتُ إلا مِنَ
الْصِّيام؟! قَالَ: ((أَطْعِمْ عَرْقاً مِنْ تَمْرِ سِتِّينَ مسْكيناً)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ والأَرْبَعَةُ
إلا النسائيّ ، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَأَبْنُ الْجَارُودِ .
(وعن سلمة بن صخر رضي الله عنه): هو البَيّاضي ؛ بفتح الموحدة
وتخفيف المثناة التحتية وضاد معجمة ؛ أنصاري خزرجي ، كان أحدَ البكائين ،
روى عنه سليمان بن يسار وابن المسيب ، قال البخاري : لا يصح حديثه ؛ يعني
هذا الذي في الظهار (قال : دخل رمضان ، فخفت أن أصيب امرأتي) : وفي
٥٠٩

١٠ - كتاب الرجعة
١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٨ - حديث سلمة بن صخر
((الإرشاد)) قال : إني كنت امرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري (فظاهرت
منها ، فانكشف لي شيء منها ليلة، فوقعت عليها، فقال لي رسول الله عزانٍ :
((حَرِّرْ رَقَبَةً))، فقلت: ما أملك إلا رقبتي، قال: ((فصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ))،
قلت: وهل أصبتُ الذي أصبتُ إلا من الصيام؟! قال: ((أَطْعِمْ عَرْقاً مِنْ تَّمر
ستِّينَ مسْكيناً)) . أخرجه أحمد والأربعة إلا النسائي، وصححه ابن خزيمة
وابن الجارود) .
وقد أعله عبد الحق بالانقطاع بين سليمان بن يسار وسلمة ؛ لأن سليمان لم
يدرك سلمة ؛ حكى ذلك الترمذي عن البخاري .
وفي الحديث مسائل :
الأولى : أنه دلَّ على ما دلت عليه الآية من ترتيب خصال الكفارة ، والترتيب
إجماع بين العلماء .
الثانية : أنها أطلقت الرقبة في الآية ، وفي الحديث أيضاً ، ولم تقيد بالإيمان ،
كما قيدت به في آية القتل .
فاختلف العلماء في ذلك ؛ فذهب زيد بن علي وأبو حنيفة وغيرهما إلى
عدم التقييد ، وأنها تجزئ رقبة ذمية ، وقالوا : لا تقيد بما في آية القتل ؛ لاختلاف
السبب .
وقد أشار الزمخشري إلى عدم اعتبار القياس ؛ لعدم الاشتراك في العلة ؛ فإن
المناسبة أنه لما أخرج رقبة مؤمنة من صفة الحياة إلى الموت ، كان كفارته إدخال
رقبة مؤمنة في حياة الحرية ، وإخراجه عن موت الرقبة .
٥١٠

١٠ - كتاب الرجعة
١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٨ - حديث سلمة بن صخر
فإن الرق يقتضي سلب التصرف عن المملوك ؛ فأشبه الموت الذي يقتضي
سلب التصرف عن الميت ، فكان في إعتاقه إثبات التصرف ؛ فأشبه الإحياء
الذي يقتضي إثبات التصرف للحي .
وذهبت الهادوية ومالك والشافعي إلى أنه لا يجزئ إعتاق رقبة كافرة ،
وقالوا : تقيد آية الظهار كما قيدت آية القتل ، وإن اختلف السبب .
قالوا : وقد أيدت ذلك السنة ؛ فإنه لما جاءه صلى الله عليه وآله وسلم السائل
يستفتيه في عتق رقبة كانت عليه ، سأل صلى الله عليه وآله وسلم الجارية :
((أين الله؟)) فقالت: في السماء فقال: ((من أنا؟)) فقالت : أنت رسول الله قال :
(فأعتقها؛ فإنها مؤمنة)) . أخرجه البخاري(١) وغيره .
قالوا : فسؤاله صلى الله عليه وآله وسلم لها عن الإيمان ، وعدم سؤاله عن
صفة الكفارة وسببها ، دال على اعتبار الإيمان في كل رقبة تعتق عن سبب ؛ لأنه
قد تقرر أن ترك الاستفصال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال ، كما
قد تقرر .
قلت : الشافعي قائل بهذه القاعدة ؛ فإن قال بها من معه من المخالفین ، كان
الدليل على التقييد هو السنة لا الكتاب؛ لأنهم قرروا في الأصول أنه لا يحمل
المطلق على المقيد إلا مع اتحاد السبب ؛ ولكنه وقع في حديث أبي هريرة عند
أبي داود ما لفظه :
(١) كذا قال المؤلف رحمه الله ! والحق أن الحديث ليس في البخاري ، بل هو في مسلم برقم
(٥٣٧) . (الناشر) .
٥١١

١٠ - كتاب الرجعة
١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٨ - حديث سلمة بن صخر
فقال: يا رسول الله! إن عليَّ رقبة مؤمنة ... الحديث إلى آخره.
قال عز الدين الذهبي : هذا الحديث صحيح ، وحينئذ ؛ فلا دليل في الحديث
على ما ذكر؛ فإنه ◌َّليٍ لم يسألها عن الإيمان إلا لأن السائل قال: عليه رقبة
مؤمنة .
الثالثة : اختلف العلماء في الرقبة المعيبة بأي عيب ؛ فقالت الهادوية وداود :
تجزئ المعيبة ؛ لتناول اسم الرقبة لها .
وذهب آخرون إلى عدم إجزاء المعيبة ؛ قياساً على الهدايا والضحايا ؛ بجامع
التقرب إلى الله .
وفصل الشافعي فقال : إن كانت كاملة المنفعة كالأعور ، أجزأت ، وإن نقصت
منافعه ، لم تجز إذا كان ذلك ينقصها نقصاناً ظاهراً كالأقطع والأعمى ؛ إذ العتق
تمليك المنفعة ، وقد نقصت .
وللحنفية تفاصيل في العيب يطول تعدادها ، ويعزّ قيام الأدلة عليه .
الرابعة: أن قوله ◌َّ هُ: ((فصم شهرين متتابعين))، دال على وجوب التتابع،
وعليه دلت الآية ، وشرطت أن تكون قبل المسيس ؛ فلو مسَّ فيهما ، استأنف؛
وهو إجماع إذا وطئها نهاراً متعمداً .
وكذا ليلاً عند الهادوية وأبي حنيفة وآخرين ، ولو ناسياً؛ للآية ، وذهب
الشافعي وأبو يوسف إلى أنه لا يضر ويجوز؛ لأن علة النهي إفساد الصوم ، ولا
إفساد بوطء الليل ، وأجيب بأن الآية عامّة .
واختلفوا إذا وطئ نهاراً ناسياً؛ فعند الشافعي وأبي يوسف : لا يضر؛ لأنه
٥١٢

١٠ - كتاب الرجعة
١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٨ - حديث سلمة بن صخر
لم يفسد الصوم ، وقالت الهادوية وأبو حنيفة : بل يستأنف ، كما إذا وطئ عامداً؛
لعموم الآية .
قالوا : وليست العلة إفساد الصوم؛ بل دلَّ عموم الدليل للأحوال كلها على
أنها لا تتم الكفارة ، إلا بوقوعها قبل المسيس .
الخامسة : اختلفوا أيضاً فيما إذا عرض له في أثناء صيامه عذر مأيوس ، ثم
زال ؛ هل يبني على صومه ، أو يستأنف؟ فقالت الهادوية ومالك وأحمد : إنه
يبني على صومه ؛ لأنه فرقه بغير اختياره .
وقال أبو حنيفة ، وهو أحد قولي الشافعي : بل يستأنف ؛ لاختياره التفريق .
وأجيب بأن العذر صيره كغير المختار .
وأما إذا كان العذر مرجوّاً ، فقيل : يبني أيضاً ، وقيل : لا يبني ؛ لأن رجاء
زوال العذر صيره كالمختار، وأجيب بأنه مع العذر لا اختيار له .
السادسة : أن ترتيب قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((فصم))، على قول
السائل : ما أملك إلا رقبتي ، يقضي بما قضت به الآية ؛ من أنه لا ينتقل إلى
الصوم إلا لعدم وجدان الرقبة ؛ فإن وجد الرقبة - إلا أنه يحتاجها لخدمته للعجز -،
فإنه لا يصح منه الصوم .
فإن قيل : إنه قد صح التيمم لواجد الماء ، إذا كان يحتاج إليه ؛ فهلا قستم
هذا عليه !
قلت: لا يقاس؛ لأن التيمم قد شرع مع العذر؛ فكأن الاحتياج إلى الماء
کان لعذر .
٥١٣

١٠ - كتاب الرجعة
١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٨ - حديث سلمة بن صخر
فإن قيل : فهل يجعل الشبق إلى الجماع عذراً يكون له معه العدول إلى
الإطعام ، ويعد صاحب الشبق غير مستطيع للصوم؟
قلت : هو ظاهر حديث سلمة ، وقوله في الاعتذار عن التكفير بالصيام :
وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟ وإقراره صلى الله تعالى عليه وآله
وسلم على عذره ، وقوله: ((أطعم))، يدل على أنه عذر يعدل معه إلى الإطعام.
السابعة : أن النص القرآني والنبوي صريح في إطعام ستين مسكيناً ، كأنه
جعل عن كل يوم من الشهرين إطعام مسكين .
واختلف العلماء: هل لا بدّ من إطعام ستين مسكيناً، أو يكفي إطعام
مسكين واحد ستين يوماً؟ فذهبت الهادوية ومالك وأحمد والشافعي إلى الأول ؛
لظاهر الآية .
وذهبت الحنفية - وهو أحد قولي زيد بن علي ، والناصر - إلى الثاني ، وأنه
يكفي إطعام واحد ستين يوماً ، أو أكثر من واحد بقدر إطعام ستين مسكيناً .
قالوا : لأنه في اليوم الثاني مستحق كقبل الدفع إليه ؛ وأجيب بأن ظاهر
الآية تغاير المساكين بالذات .
ویروی عن أحمد ثلاثة أقوال کالقولين هذين .
والثالث : إن وجد غير المسكين ، لم يجز الصرف إليه، وإلا أجزأ إعادة
الصرف إليه .
الثامنة : اختلف في قدر الإطعام لكل مسكين ؛ فذهبت الهادوية والحنفية
إلى أن الواجب ستون صاعاً من تمر ، أو ذرة ، أو شعير، أو نصف صاع من بر.
٥١٤

١٠ - كتاب الرجعة
١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٨ - حديث سلمة بن صخر
وذهب الشافعي إلى أن الواجب لكل مسكين مدّ - والمدّ ربع الصاع -،
واستدل بقوله في حديث الباب: ((أطعم عرقاً من تمر ستين مسكيناً))، والعرق:
مكتل يأخذ خمسة عشر صاعاً من تمر ، ولأنه أكثر الروايات في حديث سلمة .
هذا، واستدل الأوّلون بأنه ورد في رواية عبد الرزاق: ((اذهب إلى صاحب
صدقة بني زريق ، فقل له فليدفعها إليك ، فأطعم عنك منها وسقاً ستين
مسكيناً)). قالوا: والوسق : ستون صاعاً، وفي رواية لأبي داود والترمذي: ((فأطعم
وسقاً من تمر ستين مسكيناً))، وجاء في تفسير العرق : أنه ستون صاعاً .
وفي رواية لأبي داود : أن العرق مكتل يسع ثلاثين صاعاً؛ قال أبو داود :
وهذا أصح الحديثين . ولما اختلف في تفسير العرق على ثلاثة أقوال ، واضطربت
الروايات فيه ؛ جنح الشافعي إلى الترجيح بالكثرة .
وأكثر الروايات خمسة عشر صاعاً .
وقال الخطابي في ((معالم السنن)): العرق : السفيفة التي من الخوص ؛ فيتخذ
منها المكاتل ؛ قال : وجاء تفسيره أنه ستون صاعاً ، وفي رواية لأبي داود : يسع
ثلاثين صاعاً ، وفي رواية سلمة : يسع خمسة عشر صاعاً؛ فذكر أن العرق
يختلف في السعة والضيق .
قال : فذهب الشافعي إلى رواية الخمسة عشر صاعاً .
قلت : يؤيد قوله ، أن الأصل براءة الذمة عن الزائد ؛ وهو وجه الترجيح .
التاسعة : في الحديث دليل على أن الكفارة لا تسقط جميع أنواعها بالعجز؛
وفيه خلاف .
٥١٥

١٠٠ - كتاب الرجعة
١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٨ - حديث سلمة بن صخر
فذهب الشافعي وأحد الروايتين عن أحمد إلى عدم سقوطها بالعجز؛ لما في
حديث أبي داود عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة قالت : ظاهر مني زوجي أوس
ابن الصامت ... إلى أن قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يعتق
رقبة))، قالت: لا يجد ، قال: ((يصوم شهرين متتابعين)) ، قالت : إنه شيخ كبير
ما به من صيام، قال: ((يطعم ستين مسكينا))، قالت: ما عنده من شيء
يتصدق به ، قال: ((فإني سأعينه بعرق))، الحديث . فلو كان يسقط عنه بالعجز
لأ بانه صلی الله عليه وآله وسلم ، ولم یعنه من عنده .
وذهب أحمد في رواية ، وطائفة إلى سقوطها بالعجز، كما تسقط الواجبات
بالعجز عنها ، وعن أبدالها .
وقيل : إنها تسقط كفارة الوطء في رمضان بالعجز عنها ؛ لا غيرها من
الكفارات .
قالوا: لأن النبي ◌َ ي أمر المجامع في نهار رمضان أن يأكل الكفارة هو وعياله ،
والرجل لا يكون مصرفاً لكفارته .
وقال الأولون: إنَّما حَلت له ؛ لأنه إذا عجز وكفّر عنه الغير ، جاز أن يصرفها
إليه ، وهو مذهب أحمد في كفارة الوطء في رمضان ، وله في غيرها من
الكفارات قولان ، وهو نظير ما قالته الهادوية من أنه يجوز للإمام إذا قبض الزكاة
من شخص ، أن يردّها إليه .
العاشرة : قال الخطابي : دل الحديث على أن الظهار المقيد كالظهار المطلق ؛
وهو إذا ظاهر من امرأته إلى مدة ، ثم أصابها قبل انقضاء تلك المدة .
٥١٦

١٠ - كتاب الرجعة
١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٨ - حديث سلمة بن صخر
واختلفوا فيه إذا برّ ، ولم يحنث ؛ فقال مالك وابن أبي ليلى : إذا قال لا مرأته
أنت عليَّ كظهر أمي إلى الليل ، لزمته الكفارة ، وإن لم يقربها .
وقال أكثر أهل العلم : لا شيء عليه إذا لم يقربها ، وجعل الشافعي في
الظهار المؤقت قولين : أحدهما أنه ليس بظهار .
فائدة : قد يتوهم أن سبب نزول آية الظهار حديث سلمة هذا؛ لاتفاق
الحكمين في الآية والحديث ، وليس كذلك ؛ بل سبب نزولها قصة أوس بن
الصامت ؛ ذكره ابن كثير في ((الإرشاد)) من حديث خويلة بنت ثعلبة قالت :
فيّ والله وفي أوس أنزل الله سورة المجادلة . قالت : كنت عنده ، وكان شيخاً كبيراً
قد ساء خلقه ، وقد ضجر ، قالت : فدخل عليَّ يوماً فراجعته بشيء فغضب ،
فقال : أنت عليَّ كظهر أمي ، قالت : ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة ، ثم
دخل عليّ؛ فإذا هو يريدني عن نفسي ، قالت : قلت : كلا والذي نفس خويلة
بيده ، لا تخلص إليَّ، وقد قلت ما قلت . فحكم الله ورسوله فيهما ... الحديث .
رواه الإمام أحمد وأبو داود ، وإسناده مشهور .
وأخذ منه أنه إذا قصد بلفظ الظهار الطلاق ، لم يقع الطلاق ، وكان ظهاراً،
وإلى هذا ذهب أحمد والشافعي وغيرهما .
قال الشافعي : ولو ظاهر يريد به طلاقاً، كان ظهاراً ، ولو طلق يريد ظهاراً ،
كان طلاقاً .
وقال أحمد : إذا قال : أنت عليَّ كظهر أمي ، وعنى به الطلاق ، كان ظهاراً ،
٥١٧

١٠ - كتاب الرجعة
١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة ١٠٢٨ - حديث سلمة بن صخر
ولا تطلق . وعلله ابن القيم بأن الظهار كان طلاقاً في الجاهلية ؛ فنسخ ، فلم يجز
أن يعاد إلى الأمر المنسوخ .
وأيضاً؛ فأوس إنما نوى به الطلاق لما كان عليه ، فأجرى عليه حكم الظهار
دون الطلاق . وأيضاً؛ فإنه صريح في حكمه ؛ فلم يجز في جعله كناية في
الحكم الذي أبطل الله شرعه ، وقضاء الله أحق وحكمه أوجب .
٥١٨

١٠ - كتاب الرجعة
٢ - باب اللعان
١٠٢٩ - حديث ابن عمر
٢ - باب اللَّعان
هو مأخوذ من اللعن ؛ لأنه يقول الزوج في الخامسة : لعنة الله عليه إن كان
من الكاذبين ، ويقال فيه : اللعان والالتعان والملاعنة .
واختلف في وجوبه على الزوج، فقال في ((الشفاء)) للأمير الحسين : يجب
إذا كان ثمة ولد ، وعلم أنه لم يقربها .
وفي ((المهذب)) و ((الانتصار)): أنه مع غلبة الظن بالزنا من المرأة ، أو العلم ،
يجوز ، ولا يجب ، ومع عدم الظن ، يحرم .
١٠٢٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: سَأَلَ فُلانٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله !
أَرَأَيْتَ أنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُّنَا امْرَأَتَهُ عَلى فَاحِشَةٍ ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إنْ تَكَلِّمَ تَكَلّمَ ،
بِأَمْرٍ عَظيم ، وإِن سَكَتَ ، سَكَتَ عَلى مِثْلِ ذلِكَ؟ فَلَمْ يُجِبُهُ . فلما كانَ بَعْدَ
ذلكَ، أَتَاهَ فَقَالَ: إِنَّ الذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِتُ بِهِ ، فَأَنْزَلَ اللهُ الآياتِ في
سُورَةِ النورِ، فَتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ وَوَعَظَهُ وَذَكّرَهُ ، وأخْبَرْهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ
عَذابِ الآخِرَةِ ، قَالَ : لا ، والذي بَعَثَك بالْحَقِّ ، مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا، ثم دَعَاهَا
فَوَعَظَهَا كَذَلِكَ ، قَالَتْ: لا، وَالّذِي بَعَثَكَ بالْحَقِّ، إنّهُ لَكَاذِبٌ؛ فَبَدَأُ بِالرَّجُلِ
فشهد أَرْبَعَ شَهَاداتٍ بِاللهِ ، ثم ثَنّى بِالْمَرْأَةِ، ثم فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
(وعن ابن عُمَرَ رضي الله عنه قالَ: سَأَلَ فلانٌ) : هو عويمر العجلاني ، كما
في أكثر الروايات (فقال: يا رسول الله ! أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على
فاحشة ، کیف یصنع؟ إن تكلم ، تكلم بأمر عظيم ، وإن سكت ، سكت على
٥١٩

١٠ - كتاب الرجعة
٢ - باب اللعان
١٠٢٩ - حديث ابن عمر
مثل ذلك؟) : أي : على أمر عظيم (فلم يجبه . فلما كان بعد ذلك ، أتاه فقال :
إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به ، فأنزل الله الآيات في سورة النور):
والأكثر في الروايات أن سبب نزول الآيات قصة هلال بن أمية وزوجته ، وكانت
متقدّمة على قصة عويمر ، وإنما تلاها صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن حكمها عامّ
للأمة (فتلاهنَّ عليه وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ) : عطف تفسير؛ إذ الوعظ هو التذكير
(وَأَخْبَرَهُ أنَّ عذابَ الدنيا أهونُ من عذابِ الآخِرَةِ) : الموعود به في قولِهِ :
﴿لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم﴾ [النور: ٢٣] (قال: لا، والذي
بَعَثَكَ بالحقِّ ، مَا كَذَبْتُ عَلَيْها ، ثم دعاها فَوَعَظَهَا كذلك ، قالت: لا ، والذي
بَعَثَكَ بالحقِّ ، إنهُ لَكَاذِبٌ ؛ فَبَدَّأَ بالرَّجُلِ فَشَهِدَ أربعَ شهاداتٍ بِالله ، ثم ثَنِی
بالمرأة ، ثم فَرَّقَ بَيْنَهُما . رواه مسلم) .
في الحديث مسائل :
الأولى: قوله: فلم يجبه، ووقع عند أبي داود: فكره مَلُ المسائل وعابها.
قال الخطابي : يريد المسألة عما لا حاجة بالسائل إليه .
وقال الشافعي : كانت المسائل فيما لم ينزل فيه حكم زمن نزول الوحي
ممنوعة ؛ لئلا ينزل في ذلك ما يوقعهم في مشقة وتعنت ، كما قال تعالى: ﴿لا
تسألوا عن أشياء﴾ [المائدة: ١٠١].
وفي الحديث الصحيح: ((أعظم الناس جرماً من سأل عن شيء لم يحرم،
فحرم من أجل مسألته)).
وقال الخطابي : قد وجدنا المسألة في كتاب الله على وجهين :
٥٢٠