Indexed OCR Text
Pages 181-200
٧ - كتاب البيوع ١١ - باب العارية ٨٣٩ - حديث أبي هريرة أخذت ، حتّى تؤدي ؛ ولذلك قلنا : وربما يفهم . ولم يبق دليل على تضمين العارية إلا قوله عَ هُ: ((عارية مضمونة)) في حديث صفوان ؛ فإن وصفها بمضمونة يحتمل أنها صفة موضحة ، وأن المراد من شأنها الضمان ، فيدل على ضمانها مطلقاً ، ويحتمل أنها صفة للتقييد ، وهو الأظهر ؛ لأنها تأسيس ولأنها كثيرة . ثم ظاهره أن المراد عارية قد ضمناها لك . وحينئذ يحتمل أن يلزم ، ويحتمل أنه غير لازم؛ بل كالوعد ، وهو بعيد ؛ فيتم الدليل بالحديث للقائل : إنها تضمن - وهو الأظهر - بالتضمين ؛ إما بطلب صاحبها له ، أو بتبرع المستعير . ٨٣٩ - وعن أَبي هُرَيْرَةَ رضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قال: قالَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: ((أَدِّ الأمانَةَ إلى مَن اثْتَمَنَكَ، ولا تخُنْ مَنْ خَانَك)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والترمِذِيُّ وَحَسّنَهُ ، وَصَحّحَهُ الحاكِمُ ، وَاستنكَرَهُ أَبُو حَاتمِ الرَّازيّ ، وَأَخْرَجَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفّاظِ ، وهو شَامِلٌ لِلْعَارِيةِ . (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قال: قالَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: ((أَدِّ الأمانَةَ إِلَى مَنِ اْتَمَنَكَ، ولا تَخُنْ مَنْ خَانَك)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتّرمذيُّ وَحَسّنَهُ ، وَصَحّحَهُ الحَاكِمُ، وَاستنكَرَهُ أَبُو حَاتِمِ الرَّزيّ(١)، وأَخْرَجَهُ (١) حكاه عنه ابنه في ((العلل)) (٣٧٥/١)؛ ولم يذكر حجة على ذلك ؛ سوى أنه تفرد به طلق بن غنام ! وهذا لا شيء ؛ فإن (طلقاً) ثقة بلا نزاع؛ إلا من ابن حزم ؛ ولا يعتد به ! والحق أنه حسن الإسناد ؛ لا سيّما وقد روي من طرق أخرى عن جماعة من الصحابة ! ١٨١ ٧ - كتاب البيوع ١١ - باب العارية ٨٣٩ - حديث أبي هريرة جَمَاعةٌ مِنَ الْحُفّاظِ، وهو شَامِلٌ لِلْعَارِيَةِ) : والوديعة ونحوهما ، وأنه يجب أداء الأمانة ؛ كما أفاده قوله تعالى : ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء: ٥٨] . وقوله : ((لا تخن من خانك))، دليل على أنه لا يجازي بالإساءة من أساء، وحمله الجمهور على أنه مستحب ؛ لدلالة قوله تعالى : ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: ٤٠]، ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: ١٢٦]، على الجواز . وهذه هي المعروفة بمسألة الظَفَر ، وفيها أقوال للعلماء . هذا القول الأول ؛ وهو الأشهر من أقوال الشافعي ؛ وسواء كان من جنس ما أخذ علیه ، أو من غير جنسه . والثاني : يجوز إذا كان من جنس ما أخذ عليه لا من غيره ؛ لظاهر قوله : ﴿بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: ١٢٦]، وقوله: ﴿مثلها﴾؛ وهو رأي الحنفية والمؤيد . والثالث : لا يجوز ذلك إلا بحكم الحاكم ؛ لظاهر النهي في الحديث ، ولقوله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨] ، وأجيب أنه ليس أكلاً بالباطل ، والحديث يحمل فيه النهي على التنزيه . الرابع : لابن حزم أنه يجب عليه أن يأخذ بقدر حقه سواء كان من نوع ما هوله ، أو من غيره ، ويبيعه ويستوفي حقه ؛ فإن فضل على ما هو له رده له ، أو لورثته ، وإن نقص بقي في ذمة من عليه الحق ؛ فإن لم يفعل ذلك فهو عاص لله عزَّ وَجَلَّ ، إلا أن يحلله ويبرئه فهو مأجور ؛ فإن كان الحق الذي له لا بينة له ١٨٢ ٧ - كتاب البيوع ١١ - باب العارية ٨٣٩ - حديث أبي هريرة عليه ، وظفر بشيء من مال من عنده له الحق ، أخذه ؛ فإن طولب أنكر ؛ فإن استحلف حلف ، وهو مأجور في ذلك ، قال : وهذا هو قول الشافعي وأبي سليمان وأصحابهما ، وكذلك عندنا : كل من ظفر لظالم بمال ففرض عليه أخذه ، وإنصاف المظلوم منه ، واستدل بالآيتين وبقوله تعالى : ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾ [الشورى: ٤١]، وبقوله تعالى: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون﴾ [الشورى: ٣٩]، وبقوله تعالى: ﴿والحرمات قصاص﴾ [البقرة : ١٩٤]، وبقوله تعالى: ﴿فمن اعتدی علیکم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤]، وبقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لهند امرأة أبي سفيان: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) ، لما ذكرت له أن أبا سفيان رجل شحيح ، وأنه لا يعطيني ما يكفيني وبنيَّ؛ فهل عليَّ من جناح أن أخذ من ماله شيئاً؟ ولحديث البخاري: ((إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا ، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف)). واستدل لكونه إذا لم يفعل يكون عاصياً ، بقوله تعالى : ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ [المائدة: ٢]، قال: فمن ظفر بمثل ما ظلم فيه هو ، أو مسلم ، أو ذميّ ، فلم يزله عن يد الظالم ، ويردّ إلى المظلوم حقه ، فهو أحد الظالمين ، ولم يعن على البر والتقوى ؛ بل أعان على الإثم والعدوان . وكذلك أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من رأى منكراً أن يغيره بيده إن استطاع ؛ فمن قدر على قطع الظلم وكفه ، وإعطاء كل ذي حق حقه فلم يفعل ، فقد قدر على إنكار المنكر ، ولم يفعل ، فقد عصى الله ورسوله . ١٨٣ ٧ - كتاب البيوع ١١ - باب العارية ٨٤٠ - حديث يعلى بن أمية ثم ذكر حديث أبي هريرة ، فقال : هو من رواية طلق بن غنام عن شريك وقيس ابن الربيع ؛ وكلهم ضعيف(١)، قال : ولئن صح ، فلا حجة فيه ؛ لأنه ليس انتصاف المرء من حقه خيانة ؛ بل هو حق واجب ، وإنكار منكر ، وإنما الخيانة أن يخون بالظلم ، والباطل من لا حق له عنده . قلت ويؤيد ما ذهب إليه حديث: ((انصر أخاك ظالماً، أو مظلوماً))؛ فإن الأمر ظاهر في الإيجاب . ونصر الظالم بإخراجه عن الظلم ، وذلك بأخذ ما في يده لغيره ظلماً . ٨٤٠ - وعن يَعْلِى بْنِ أُميّةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ لي رسولُ الله : ية : ((إذا أَتْكَ رُسُلي، فَأَعْطِهِمْ ثلاثين دِرْعاً)). قُلْتُ: يَا رسولَ الله، أَعاريةٌ مَضْمُونَةٌ ، أو عَارِيَةٌ مُؤَدَّاةٌ؟ قالَ: ((بل عَارِيةٌ مُؤَدَّةٌ)). رَوَاهُ أَحمَدُ وأَبُو دَاوَدَ والنّسَائِيُّ ، وصحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ . (وَعَنْ يَعْلِى بْنِ أُميّةَ رضيَ اللهُ عنه): ويقال: منيَّة ؛ بضم الميم وفتح النون وتشديد التحتية المثناة ، صحابي مشهور (قالَ: قال لي رسول اللّه ◌َاتٍ: ((إذا أَتَتْكَ رُسُلِي، فَأَعْطِهِمْ ثلاثين دِرْعاً)). قُلْتُ: يَا رسولَ الله، أَعاريةٌ مَضْمُونةٌ ، أو عَارِيةٌ مُؤَدَّاةٌ؟ قالَ : ((بل عَارِيةٌ مُؤَدَّاةٌ)). رَوَاهُ أَحمَدُ(٢) وأَبو دَاودَ (١) قلت: أما طلق بن غنّام، فهو ثقة اتفاقاً؛ وتضعيف ابن حزم له ، مما لا يعتد به ، كما سبقت الإشارة إليه في تخريج الحديث ! وأما شريك وقيس ، فهما ضعيفان من قبل الحفظ ؛ فمتابعة أحدهما للآخر ، مما يقوي الحديث ؛ لذلك قلنا هناك : إن إسناده حسن . (٢) في ((المسند)) (٢٢٢/٤)، وابن حبان (١١٧٣). وسنده صحيح. ١٨٤ ٧ - كتاب البيوع ١١ - باب العارية ٨٤١ - حديث صفوان بن أمية والنّسَائِيُّ، وصحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ) . المضمونة : التي تضمن إن تلفت بالقيمة ، والمؤداة : التي تجب تأديتها مع بقاء عينها ؛ فإن تلفت ، لم تضمن بالقيمة ، والحديث دليل لمن ذهب إلى أنها لا تضمن العارية إلا بالتضمين ، وتقدم أنه أوضح الأقوال . ٨٤١ - وعن صَفْوانَ بْنِ أُميّة رضي الله عنه: أَنَّ النّبي ◌َّةِ اسْتَعَار مِنْهُ دُرُوعاً يَوْمَ حُنَيْنِ ، فَقَالَ: أَغصْبٌ يا محمدُ؟ قالَ: ((بَلْ عاريةٌ مَضْمُونَةٌ)) . رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَأَحْمَدُ(١) وَالنّسائيُّ، وَصَحّحَهُ الحاكِمُ ، وَأَخْرَجَ لَهُ شَاهداً ضعيفاً عَن ابْنِ عَبّاسٍ . (وعن صفوان بن أمية رضي الله عنه) : قرشي من أشراف قريش ، هرب (١) في ((المسند)) (٤٦٥/٦) ؛ وفيه جهالة وضعف ؛ لكنه قوي بمجموع طرقه وشاهديه عن ابن عباس وجابر . وحديث هذا؛ قال فيه الحاكم (٤٨/٣ - ٤٩) : ((صحيح الإسناد))، ووافقه الذهبي ! وفيه ابن إسحاق ، وقد صرّح بالتحديث ؛ فهو حسن الإسناد . وفي الباب: عمّن سمع النبي ثل يقول: ((ألا إن العارية مؤداة ... )). رواه أحمد (٢٩٣/٥) بسند صحيح . ورواه أبو داود وغيره عن أبي أمامة مرفوعاً بسند فيه ضعف . وأما الشاهد من حديث ابن عباس، فهو - مع ضعفه - لا يصلح شاهداً؛ لأن لفظه: ((عارية مؤداة))! والمؤدّاة غير المضمونة ، كما تقدم بيانه في الحديث الذي قبله . وقد رواه البيهقي (٨٨/٦) عن الحاكم؛ وفي سنده إسحاق بن عبدالواحد ؛ قال الذهبي : ((وأه)) ! ١٨٥ ٧ - كتاب البيوع ١١ - باب العارية ٨٤١ - حديث صفوان بن أمية يوم الفتح ، واستؤمن له ، فعاد وحضر مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم حنيناً والطائف کافراً ، ثم أسلم وحسن إسلامه . (أن النبي ◌َّ﴾﴾ استعار منه دروعاً يوم حنين، فقال: أغصبٌ يا محمد؟ قال: ((بَلْ عَارِيةٌ مَضْمُونَةٌ)) . رواه أبو داود وأحمد والنسائي ، وصححه الحاكم ، وأخرج له شاهداً ضعيفاً عن ابن عباس): ولفظه: ((بل عارية مؤداة))، وفي عدد الدروع روايات ؛ فلأبي داود : كانت ما بين الثلاثين إلى الأربعين ، وللبيهقي في حديث مرسل : كانت ثمانين ، وللحاكم من حديث جابر: كانت مائة درع ، وما يصلحها . وزاد أحمد والنسائي في رواية ابن عباس : فضاع بعضها ، فعرض عليه النبي ﴿ أن يضمنها له ، فقال: أنا اليوم يا رسول الله، أرغب في الإسلام. وقوله ((مضمونة)): تقدم الكلام عليها ، وأن أصل الوصف التقييد ، وأنه الأكثر؛ فهو دليل على ضمانها بالتضمين كما أسلفنا ، لا أنه محتمل ، ويكون مجملاً كما قيل ؛ قاله الشارع . ١٨٦ ٧ - كتاب البيوع ١٢ - باب الغصب ٨٤٢ - حديث سعيد بن زيد ١٢ - بابُ الغَصْب ٨٤٢ - عَنْ سَعِيد بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ رَسولَ الله ◌َّ﴾ قال: ((مَن اقْتطِعَ شِبراً مِنَ الأرْضِ ظُلْماً، طَوَّقَهُ الله يَوْم القيامةِ إِياهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ). مُتَّفقٌ عَلَيْهِ . (عن سعيد بن زيد: أن رسول الله عَ ﴿ قال: ((مَن اقْتَطَعَ شِبراً مِنَ الأرْضِ): أي: من أخذه؛ وهو أحد ألفاظ ((الصحيحين)) (ظُلْماً، طَوَّقَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِيّهُ مِنْ سَبْع أَرضِين)) . متفق عليه). اختلف في معنى التطويق ؛ فقيل : معناه : يعاقب بالخسف إلى سبع أرضين ، فتكون كل أرض في تلك الحالة طوقاً في عنقه ، ويؤيده أن في حديث ابن عمر: ((خسف به يوم القيامة، إلى سبع أرضين)). وقيل : يكلف نقل ما ظلمه منها يوم القيامة إلى المحشر، ويكون كالطوق في عنقه ، لا أنه طوق حقيقة، ويؤيده حديث: ((أيما رجل ظلم شبراً من الأرض، كلفه الله أن يحفره، حتّى يبلغ آخر سبع أرضين، ثم يطوّقه، حتّى يقضي بين الناس)). أخرجه الطبراني وابن حبان من حديث يعلى بن مرة مرفوعاً (١). ولأحمد(٢) والطبراني: «من أخذ أرضاً بغير حقها ، كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر))، وفيه قولان آخران ، والحديث دليل على تحريم الظلم والغصب وشدة عقوبته ، وإمكان غصب الأرض ، وأنه من الكبائر؛ وأن من ملك أرضاً، (١) وكذا رواه أحمد (١٧٣/٤)، وابن حبان (١١٦٧). (٢) في ((المسند)) (١٧٢/٤، ١٧٣). ١٨٧ ٧ - كتاب البيوع ١٢ - باب الغصب ٨٤٢ - حدیث سعيد بن زيد ملك أسفلها إلى تخوم الأرض ، وله منع من أراد أن يحفر تحتها سرباً ، أو بئراً، وأنه من ملك ظاهر الأرض ، ملك باطنها بما فيه من حجارة ، أو أبنية ، أو معادن ، وأن له أن ينزل بالحفر ما شاء ، ما لم يضر من يجاوره ، وأن الأرضين السبع ، متراكمة لم يفتق بعضها من بعض ؛ لأنها لو فتقت ، لاكتُفِيَ في حق هذا الغاصب بتطويق التي غصبها ؛ لانفصالها عما تحتها . وفيه دلالة على أن الأرض تصير مغصوبة بالاستيلاء عليها . وهل تضمن إذا تلفت بعد الغصب؟ فيه خلاف : فقيل : لا تضمن ؛ لأنه إنما يضمن ما أخذ ؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((على اليد ما أخذت، حتی تؤديه)) . قالوا : ولا يقاس ثبوت اليد في غير المنقول على النقل في المنقول ؛ لاختلافهما في التصرف . وذهب الجمهور إلى أنها تضمن بالغصب ؛ قياساً على المنقول ، المتفق على أنه يضمن بعد النقل ؛ بجامع الاستيلاء الحاصل في نقل المنقول ، وفي ثبوت اليد على غير المنقول ؛ بل الحق أن ثبوت اليد استيلاء ، وإن لم ينقل ؛ يقال : استولى الملك على البلد ، واستولى زيد على أرض عمرو . وقوله ((شبراً)): وكذا ما فوقه بالأولى، وما دونه داخل في التحريم ، وإنما لم يذكر ؛ لأنه قد لا يقع إلا نادراً . وقد وقع في بعض ألفاظه عند البخاري ((شيئاً)) عوضاً عن ((شبراً))، فَعَمَّ . إلا أن الفقهاء يقولون : إنه لا بد أن يكون المغصوب له قيمة ، فألزموا أنه ١٨٨ ٧ - كتاب البيوع ١٢ - باب الغصب ٨٤٣ - حديث أنس حينئذٍ يأكل الرجل صاع تمر ، أو زبيب على واحدة واحدة ، فلا يضمن ، فيأكل عمره من المال الحرام ، فلا يضمن ، وإن أثم ، كأكله من الخبز واللحم على لقمة لقمة من غير استيلاء على الجميع . ٨٤٣ - وعن أَنَس رَضي اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ اللهَ يَّةٍ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نسَائِهِ، فأرسلتْ إحْدى أمهات المؤمنينَ مَعَ خادم لهَا ، بِقَصْعَةِ فيها طعامٌ، فَضَرَبَتْ بيدِها، فَكَسَرَتِ الْقَصْعَةَ، فَضَمَهَا وجَعَلَ فَّيها الطعامَ وَقَال : ((كُلُوا)) ، وَدَفَعَ القصعةَ الصّحيحَةَ للرَّسول، وَحَبَسَ المكْسُورة. رَوَاهُ البخَارِيُّ وَالتِّرْمِذيُّ، وَسَمّى الضّارَبَةَ عَائِشَةَ، وَزَادَ : فقال النّبِيُّ بِهِ: ((طَعَامٌ بطعَامِ وَإِنَاءٌ بِإِنَاءٍ))، وَصَحّحَهُ . (وعن أنس رضي الله عنه: أن رسول اللّه ◌َ ارٍ كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين) : سماها ابن حزم : زينب بنت جحش (مع خادم لها): قال المصنف : لم أقف على اسم الخادم (بقصعة فيها طعام، فضربت بيدها ، فكسرت القصعة ، فضمها وجعل فيها الطعام وقال : ((كلُوا))، ودفع القصعة الصحيحة للرسول ، وحبس المكسورة . رواه البخاري والترمذي ، وَسَمَّى الضاربة عائشة، وزاد: فقال النبي ◌َُّ: ((طَعَامٌ بِطَعَام وإِنَاءٌ بإِنَاءٍ)) ، وصححه(١)): واتفقت مثل هذه القصة من عائشة في صحفة أم سلمة ؛ فيما (١) أي : الترمذي . وإسناده صحيح . ورواه أبو داود (٢٦٦/٢ - ٢٦٧)، والنسائي (١٥٩/٢) نحو رواية البخاري ، وزادا : ((غارت أمكم؛ كلوا))؛ وإسنادهم صحيح . وكذا رواه أحمد (٢٦٣/٣)، وابن ماجه (٥٥/٢ - ٥٦). ١٨٩ ٧ - كتاب البيوع ١٢ - باب الغصب ٨٤٣ حديث أنس أخرجه النسائي(١) عن أم سلمة: أنها أتت بطعام في صحفة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، فجاءت عائشة متزرة بكساء، ومعها فهر(٢)، ففلقت به الصحفة . الحديث . وقد وقع مثلها لحفصة ، وأن عائشة كسرت الإناء(٣) ، ووقع مثلها لصفية مع عائشة(٤). والحديث دليل على أن من استهلك على غيره شيئاً، كان مضموناً بمثله ، وهو متفق عليه في المثلي من الحبوب وغيرها . وأما في القيمي ، ففيه ثلاثة أقوال : الأول للشافعي والكوفيين : أنه يجب فيه المثل حيواناً كان ، أو غيره ، ولا تجزئ القيمة إلا عند عدمه . . (١) في «سننه)) (١٥٩/٢) من طريق أبي المتوكل عنها. وسنده جيد. (٢) حجر قدر ما يدق به الجوز ، أو يملأ الكف . (٣) الجزم بوقوع ذلك لحفصة مع عائشة فيه نظر؛ لأن في سند الحديث رجلاً تابعيّاً لم يسمَّ ، وفي الطريق إليه شريك بن عبدالله القاضي؛ وهو سيّئ الحفظ . أخرجه ابن ماجه (٥٥/٢)، وأحمد (١١١/٦). (٤) في الجزم بذلك أيضاً نظر؛ لأنه من رواية فُلَيْتِ العامري عن جسرة بنت دجاجة عن عائشة . قال في ((التقريب)) : ((جسرة مقبولة))، وفليت - ويقال له : أفلت : ـــ صدوق . قلت : وفيه خلاف : أخرجه أبو داود ، والنسائي، وأحمد (١٤٨/٦، ٢٧٧)، والبيهقي (٩٦/٦)، وقال: ((فليت وجسرة فيهما نظر)). ١٩٠ ٧ - كتاب البيوع ١٢ - باب الغصب ٨٤٣ ۔ حديث أنس والثاني للهادوية : أن القيمي يضمن بقيمته . وقال مالك والحنفية : أما ما يكال أو يوزن ، فمثله ، وما عدا ذلك من العروض والحيوانات ، فالقيمة . ٤: ((إناء بإناء وطعام بطعام))، وبما واستدل الشافعي ومن معه ، بقول النبي وقع في رواية ابن أبي حاتم: ((من كسر شيئاً فهو له وعليه مثله))، زاد في رواية الدارقطني: فصارت قضية ؛ أي: من النبي ◌َ يٍ ؛ أي: حكماً عاماً لكل من وقع له مثل ذلك ، فاندفع قول من قال إنها قضية عين لا عموم فيها ، ولو كانت كذلك ، لكان قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((طعام بطعام ، وإناءَ بإناء))، كافياً في الدليل . على أن ذكره للطعام واضح في التشريع العام ؛ لأنه لا غرامة هنا للطعام ؛ بل الغرامة للإناء . وأما الطعام ، فهو هدية له صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإن عدم المثل ، فالمضمون له مخير بين أن يمهله ، حتّى يجد المثل ، وبين أن يأخذ القيمة . واستدل في ((البحر)) وغيره لمن قال بوجوب القيمة ؛ بأنه صلى الله عليه وآله وسلم قضى على من أعتق شركاً له في عبد أن يقوم عليه باقيه لشريكه ؛ قالوا : فقضى لي بالقيمة . وأجيب بأن المعتق نصيبه من عبد بينه وبين آخر لم يستهلك شيئاً ، ولا غصب شيئاً ، ولا تعدّى أصلاً؛ بل أعتق حصته التي أباح الله له عتقها ، ثم إن المستهلك بزعم المستدل هنا هو الشقص من العبد ، ومناظرة شقص لشقص تبعد ؛ فيكون النقد أقرب وأبعد من الشجار . ١٩١ ٧ - كتاب البيوع ١٢ - باب الغصب ٨٤٣ - حديث أنس على أن التقويم لغة يشمل التقدير بالمثل ، أو بالقيمة ، وإنما خص اصطلاحاً بالقيمة ، وكلام الشارع يفسر باللغة لا بالاصطلاح الحادث . واستدل بإمساكه ي أكسار القصعة في بيت التي كسرت الهادوية والحنفية القائلين : بأن العين المغصوبة إذا زال بفعل الغاصب اسمها ومعظم نفعها ، تصير ملكاً للغاصب . قال ابن حزم : إنه ليس في تعليم الظلمة أكل أموال الناس أكثر من هذا؛ فيقال لكل فاسق : إذا أردت أخذ قمح يتيم ، أو غيره ، أو أكل غنمه ، أو استحلال ثيابه ، فقطعها ثياباً على رغمه ، واذبح غنمه واطبخها ، وخذ الحنطة واطحنها ، وكُلْ ذلك حلالاً طيباً ، وليس عليك إلا قيمة ما أخذت! وهذا خلاف القرآن في نهيه تعالى أن تؤكل أموال الناس بالباطل ، وخلاف المتواتر عن رسول الله عَّالية: ((إن أموالكم عليكم حرام)). واحتج المخالف بقضية القصعة ، وقد تقدم الكلام فيها . واحتجوا بخبر الشاة المعروف ، وهو أن امرأة دعته صلی الله عليه وآله وسلم إلى طعام ، فأخبرته أنها أرادت ابتياع شاة ، فلم تجدها ، فأرسلت إلى جارة لها : أن أبعثي لي الشاة التي لزوجك ، فبعثت بها إليها ؛ فأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالشاة أن تطعم الأسارى . قالوا : فهذا يدل على أن حق صاحب الشاة قد سقط عنها إذا شويت . وأجيب بأن الخبر لا يصح ؛ فإن صح فهو حجة عليهم؛ لأنه خلاف قولهم ؛ إذْ فيه أنه ◌َيٍ لم يبق ذلك اللحم في ملك التي أخذتها بغير إذن مالكها ، وهم ١٩٢ ٧ - كتاب البيوع ١٢ - باب الغصب ٨٤٤ - حدیث رافع بن خديج يقولون: إنه للغاصب، وقد تصدق بها ◌َلله بغير إذنها، وخبر شاة الأسارى قد بحثنا فيه في ((منحة الغفار)). : ٨٤٤ - وعن رَافع بن خديج رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ الله ◌ِ ((مَنْ زَرَعَ في أَرْضِ قَوْمٍ بغير إِذْنِهِمْ، فليس لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شيءٌ ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ)) . رَوَاهُ أَحْمِدُ وَالأَرْبعةُ إلَّا النّسائيَّ، وَحَسّنَهُ التِّرْمذيُّ ، ويُقالُ: إِنَّ البُخَارِيَّ ضَعَّفَهُ . (وعن رَافع بن خديج رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ الله ◌َ ◌ُِهِ: ((مَنْ زَرَعَ في أَرْضِ قَوْمُ بَغير إذْنِهِمْ، فليس لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شيءٌ، وَلَهُ نَفَقْتُهُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبعةُ إلا النّسائِيَّ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، ويُقالُ: إنَّ البُخَارِيَّ ضَعّفَهُ) . هذا القول عن البخاري ذكره الخطابي ، وخالفه الترمذي ، فنقل عن البخاري تحسينه ، إلا أنه قال أبو زرعة وغيره : ولم يسمع عطاء بن أبي رباح من رافع بن خديج . وقد اختلف فيه الحفاظ اختلافاً كثيراً ، وله شواهد تقويه ، وهو دليل على أن غاصب الأرض ، إذا زرع الأرض ، لا يملك الزرع ، وأنه لمالكها ، وله ما غرم على الزرع من النفقة والبذر؛ وهذا مذهب أحمد بن حنبل وإسحاق ومالك(١)؛ وهو قول أكثر علماء المدينة والقاسم بن إبراهيم ، وإليه ذهب أبو محمد بن حزم، (١) واستحسنه الطحاوي في ((المشكل)) (٢٨٠/٣ - ٢٨١)؛ مع أنه زعم أنه لم يقل به أحد من أهل العلم غير شريك بن عبدالله النخعي ! ١٩٣ ٧ - كتاب البيوع ١٢ - باب الغصب ٨٤٥ - حديث رجل من أصحابه ويدل له حديث: ((ليس لعرق ظالم حق))، وسيأتي؛ إذ المراد به من غرس ، أو زرع ، أو حفر في أرض غيره بغير حق ، ولا شبهة . وذهب أكثر الأمة إلى أن الزرع لصاحب البذر الغاصب ؛ وعليه أجرة الأرض؛ واستدلوا بحديث ((الزرع للزارع؛ وإن كان غاصباً))(١)، إلا أنه لم يخرجه أحد. قال في ((المنار)): وقد بحثت عنه فلم أجده ، والشارح نقله وبيض لمخرجه، واستدلوا بحديث: ((ليس لعرق ظالم حق))، ويأتي ، وهو لأهل القول الأول أظهر في الاستدلال . ٨٤٥ - وعن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبِيْر رضيَ الله عنهُ قالَ : قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصحابٍ رَسُولِ الله ◌َّهُ: إِنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلى رَسُولِ اللهِعَهُ فِي أَرْضٍ، غَرَسَ أَحَدُهما فيها نَخْلاً، والأرضُ للآخَرِ، فَقَضَى رَسُولُ الله ◌ِ هِ بِالأرضِ لِصَاحِبها، وأَمَرَ صَاحبَ النّخْلِ أَنْ يُخْرِجَ نَخْلَهُ، وَقَالَ : ((لَيْسَ لِعِرْقٍ ظالم حَقِّ). رَوَاهُ أَبو داودَ ، وإِسْنَادُهُ حَسَنٌ . ء وآخِرُهُ عِنْدَ أَصْحَابِ ((السنن)) مِنْ روايةٍ عُرْوَةً عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيِّد ، واخْتُلِفَ في وَصْلِهِ وإرسالِهِ ، وفي تَعْيين صَحابيِّهِ . (وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: قالَ رَجُلٌ مِنْ أَصحابِ رَسُولِ الله ◌َُّ: إِنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ الله ◌َ ◌ّهِ فِي أَرْضٍ، غَرَسَ أَحَدُهُمَا فيْها نَخْلاً، والأرضُ للآخَرِ، فَقَضى رَسُولُ الله ◌َ ◌ُّهِ بِالأرضِ لِصَاحِبها، وأَمَرَ صَاحِبَ النّخْلِ أَنْ يُخْرِجَ نَخْلَهُ، وَقَالَ: ((لَيْسَ لِعِرْقٍ ظالم) بالإضافة والتوصيف ، (١) انظر ((الأحاديث الضعيفة)) (٨٨) . ١٩٤ ٧ - كتاب البيوع ١٢ - باب الغصب ٨٤٥ - حديث رجل من أصحابه وذكر الخطابي الإضافة (حَقِّ)). رَوَاهُ أَبو داودَ وإسْنَادُهُ حَسَنٌ(١). وآخِرُهُ عِنْدَ أَصْحابِ ((السنن)) مِنْ روايةٍ عُرْوَةً عَنْ سعِيدِ بْنِ زَّيِّد ، واخْتُلِفَ في وَصْلهِ وإرسالِهِ ، وفي تَعْيين صَحابيِّهِ) . فرواه أبو داود من طريق عروة مرسلاً، ومن طريق آخر متصلاً ، من رواية محمد ابن إسحاق، وقال: فقال رجل من أصحاب النبي ◌َّ له، وأكثر ظني أنه أبو سعيد(١). وفي الباب عن عائشة ، أخرجه أبو داود الطيالسي (٢) . وعن سمرة عند أبي داود والبيهقي ، وعن عبادة وعبد الله بن عمرو عند الطبراني (٣) . واختلفوا في تفسير ((عرق ظالم)): فقيل : هو أن يغرس الرجل في أرض فيستحقها بذلك . (١) فيه نظر! فإنه - عند أبي داود (١٥٨/٢)، وكذا البيهقي (١٤٢/٦) - من طريق ابن إسحاق عن يحيى بن عروة عن أبيه به . وهو مدلس ، وقد عنعنه . ومن هذه الطريق أخرجه أبو داود بالرواية التي فيها : وأكثر ظني أنه أبو سعيد ! لكن رواه من طريق أيوب عن هشام بن عروة عن أبيه ، عن سعيد بن زيد مرفوعاً ، بلفظ : ((من أحيا أرضاً ميتة ، فهي له ، وليس لعرق ظالم حقٍّ)). وإسناده صحيح . وقال الترمذي (٢٩٩/٢) : ((حديث حسن غريب)). (٢) وعنه البيهقي (١٤٢/٦). (٣) وحديث عبادة: عند عبدالله بن أحمد أيضاً في ((زوائد مسند أبيه)) (٣٢٧/٥). وفيه إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن عبادة ؛ ولم يسمع منه ، ثم هو مجهول ، كما في ((التقریب)) ! ١٩٥ ٧ - كتاب البيوع ١٢ - باب الغصب ٨٤٦ - حديث أبي بكرة وقال مالك : كل ما أخذ واحتفر وغرس بغير حق . وقال ربيعة : العرق الظالم يكون ظاهراً ويكون باطناً؛ فالباطن : ما احتفر الرجل من الآبار، واستخرجه من المعادن ؛ والظاهر : ما بناه ، أو غرسه . وقيل : الظالم من بنى ، أو زرع ، أو حفر في أرض غيره بغير حق ، ولا شبهة ، وكل ما ذكر من التفاسير متقارب . ودليل على أن الزارع في أرض غيره ظالم ، ولا حق له ؛ بل يخير بين إخراج ما غرسه وأخذ نفقته عليه ؛ جمعاً بين الحديثين من غير تفرقة بين زرع وشجر . والقول بأنه دليل على أن الزرع للغاصب ، حَمْلٌ له على خلاف ظاهره . وكيف يقول الشارع: ((ليس لعرق ظالم حق)): ويسميه ظالماً ، وينفي عنه الحق ، ونقول : بل الحق له؟! ٨٤٦ - وعن أَبِي بَكْرَةَ رضيَ الله عَنْهُ: أَنَّ النّبِيِّ ◌َ ﴿ِ قالَ في خُطْبَتِهِ يَوْمَ النّحْرِ بِنِّى: ((إنَّ دمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرامٌ ، كَحُرْمَةٍ يَوْمِكُمْ هذا، في شَهْرَكُمْ هذا، في بَلَدِكُم هذا)) . مُتَفَقٌ عَلَيْهِ . (وعن أَبِي بَكْرَة رضيَ الله عَنْهُ: أَنَّ النّبيَّ ◌ِ﴿ِ قالَ في خُطْبَتِهِ يَوْمَ النّحْرِ بِنَّى: ((إِنَّ دمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ ، كَحُرْمَةٍ يَوْمِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، في بَلَدِكُم هذا)) . مُتّفّقٌ عَلَيْهِ) . وما دل عليه واضح وإجماع ، ولو بدأ به المصنف في أول باب الغصب ، لكان أليق أساساً ، وأحسن افتتاحاً . ١٩٦ ٧ - كتاب البيوع ١٣ - باب الشفعة ٨٤٧ ۔ حديث جابر ١٣ - باب الشُّفْعَة الشفعة ؛ بضم الشين المعجمة وسكون الفاء . في اشتقاقها ثلاثة أقوال : قيل : من الشفع ، وهو الزوج ، وقيل : من الزيادة ، وقيل : من الإعانة . وهي شرعاً : انتقال حصة إلى حصة - بسبب شرعي - كانت انتقلت إلى أجنبي ، بمثل العوض المسمّى . وقال أكثر الفقهاء : إنها وردت على خلاف القياس؛ لأنها تؤخذ كرهاً ، ولأن الأذية لا تدفع عن واحد بضرر آخر . وقيل : خالفت هذا القياس ، ووافقت قياسات أخر يدفع فيها ضرر الغير بضرر الآخر ، ثم يؤخذ حقه كرهاً ، كبيع الحاكم عن المتمرد والمفلس ، ونحوهما . ٨٤٧ - عَنْ جابر بن عبد الله رضي الله عنهُمَا قَالَ : قضى رسُولُ الله بالشَّفْعةِ في كُلِّ ما لم يُقسمْ ؛ فإذا وَقَعَتِ الْحُدُودِ وَصُرِّفَت الطرقُ ، فلا شُفعةَ. مُتَفِقٌ عَلَيْهِ ، وَاللفْظُ لْلْبُخاريِّ، وفي روايةٍ مسْلم: الشفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْك في أَرْضِ، أو رَبْع، أو حائطٍ. لا يَصْلُحُ، - وفي لَفْظٍ: لا يحل - أنْ يَبِيعَ، حتّى يَعْرِضَ عَلَّ شريكه، وَفي روايةِ الطّحاويِّ: قضى النبي صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم بالشفعةِ في كلِّ شيء . ورجالُهُ ثِقاتٌ . (عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قضى رسول الله عَ ل ** بالشّفْعة في كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ؛ فإِذا وقَعَتِ الْحُدودُ وصُرِّفَتِ) : بضم الصاد المهملة وتشديد الراء ففاء؛ معناه: بُيِّنَتْ مصارف (الطُّرُقُ): وشوارعها (فَلَا شُفْعَةَ . ١٩٧ ٧ - كتاب البيوع ١٣ - باب الشفعة ٨٤٧ ۔ حديث جابر متفق عليه ، واللفظ للبخاري ، وفي رواية مسلم(١)) : أي : من حديث جابر (الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ) : أي: مشترك (في أَرْض ، أو رَبْع): بفتح الراء وسكون الموحّدة، الدار، ويطلق على الأرض (أوْ حائطٍ لا يَصْلُحُّ، - وفي لفظ (٢): لا يحل - أَنْ يَبيعَ) : الخليط لدلالة السياق عليه (حَتى يَعْرِضَ عَلَى شريكهِ (٣) . وفي رواية الطحاوي(٤)): أي : من حديث جابر (قضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالشفعة في كل شيء . ورجاله ثقات(٥)) . الألفاظ في هذا الحديث قد تضافرت في الدلالة على ثبوت الشفعة للشريك، في الدور والعقار والبساتين ، وهذا مجمع عليه ، إذا كان مما يقسم . وفيما لا يقسم كالحمّام الصغير ونحوه ، خلاف . وذهب الهادوية - وفي ((البحر)): العترة - إلى صحة الشفعة في كل شيء. (١) وهي عند أبي داود أيضاً (٢٥٦/٢)، والنسائي (٢٢٩/٢، ٢٣٤)، وابن الجارود (رقم ٦٤٢)، وأحمد (٣١٦/٣) كلهم من طريق أبي الزبير عن جابر هكذا معنعناً؛ إلا في رواية لمسلم (٥٧/٥)؛ فقد صرّح فيها بالسماع من جابر؛ وهي رواية الطحاوي (٢٦٥/٢). (٢) لمسلم ، والنسائي . (٣) زاد مسلم وغيره في رواية: ((فإن باع ولم يؤذنه ، فهو أحق به)). (٤) (٢٦٩/٢) . (٥) وقال في ((الفتح)) (٣٤٥/٤): ((إسناده لا بأس به))! قلت : وهو كما قال ؛ لولا أن فيه عنعنة ابن جريج ! وأخشى أن يكون قوله: ((شيء)) محرفاً من قوله: ((شرك)» الذي في رواية مسلم وغيره الصحيحة ! ١٩٨ ٧٠ - كتاب البيوع ١٣ - باب الشفعة ٨٤٧ ۔ حديث جابر ومثله في ((البحر)) عن أبي حنيفة وأصحابه(١) ، ويدل له حديث الطحاوي . ومثله عن ابن عباس عند الترمذي مرفوعاً ((الشفعة في كل شيء))، وإن قيل : إن رفعه خطأ ؛ فقد ثبت إرساله عن ابن عباس ، وهو شاهد لرفعه . على أن مرسل الصحابي ، إذا صحت إليه الرواية ، حجة . وعن المنصور: أنه لا شفعة في المكيل والموزون ؛ لأنه لا ضرر فيه . فأجيب بأن فيه ضرراً ، وهو إسقاط حق الجوار ، ولأنا لا نسلم أن العلة الضرر . وذهب الأكثر على عدم ثبوتها في المنقول مستدلين بقوله : ((فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق ، فلا شفعة))؛ فإنه دل على أنها لا تكون إلا في العقار، وتلحق به الدار؛ لقوله في حديث مسلم: ((أو ربع)). قالوا : ولأن الضرر في المنقول نادر . أجيب بأن ذكر حكم بعض أفراد العام ، لا یقصره علیه . قالوا : ولأنه أخرج البزار من حديث جابر ، والبيهقي من حديث أبي هريرة ؛ بلفظ الحصر فيهما: الأول: ((لا شفعة إلا في ربع، أو حائط)). ولفظ الثاني: ((لا شفعة إلا في دار، أو عقار)). إلا أنه قال البيهقي بعد سياقه له : الإسناد ضعيف ، وأجيب بأنها لو ثبتت لكانت مفاهيم، ولا يُقاوم منطوقَ ((في كل شيء)). (١) الذي ذكره الطحاوي (٢٦٥/٢ - ٢٦٨) عن أبي حنيفة وصاحبيه، إنما هو الشفعة في الشركة في العقار، وفي الشركة في الطريق ، وبالجوار، ثم تأول حديث جابر: ((في كل شيء)) ؛ أي: في الدور والعقار والأرضين! فهذا خلاف ما في ((البحر)) ! ١٩٩ ٧ - كتاب البيوع ١٣ - باب الشفعة ٨٤٧ ۔ حديث جابر ومنهم من استثنى من المنقول الثياب ، فقال : تصح فيها الشفعة . ومنهم من استثنى منه الحيوان ، فقال : تصح فيه الشفعة . وفي حديث مسلم دليل على أنه لا يحل للشريك بيع حصته ، حتّى يعرض على شريكه ، وأنه محرَّم عليه البيع قبل عرضه ، ومن حمله على الكراهة ، فهو حَمْل على خلاف أصل النهي بلا دليل . واختلف العلماء ؛ هل للشريك الشفعة بعد أن آذنه شريكه ثم باعه من غيره؟ فقيل : له ذلك ، ولا يمنع صحتها تقدم إيذانه ؛ وهو قول الأكثر. وقال الثوري والحكم وأبو عبيد وطائفة من أهل الحديث : تسقط شفعته بعد عرضه عليه ؛ وهو الأوفق بلفظ الحديث ، وهو الذي اخترناه في ((حاشية ضوء النهار)). وفي قوله : ((أن يبيع))، ما يشعر بأنها إنما تثبت فيما كان بعقد البيع ، وهذا مجمع عليه ، وفي غيره خلاف . وقوله : ((في كل شيء))، يشمل الشفعة في الإجارة ، وقد منعها الهادوية وقالوا : إنما تكون في عين لا منفعة ، وضعف قولهم؛ لأن المنفعة تسمى : شيئاً، وتكون مشتركة؛ فشملها: ((في كل شرك))، أيضاً؛ إذْ لو لم تكن شيئاً ، ولا مشتركة ، لما صح التأجير فيها ، ولا القسمة بالمهايأة(١) ونحو ذلك؛ وهي بيع مخصوص ، فيشملها : ((لا يحل له أن يبيع)) . (١) ((هو الأمر المتهايا عليه)). ((قاموس)). ٢٠٠٠