Indexed OCR Text

Pages 141-160

٧ - كتاب البيوع
٦ - باب التفليس والحجر
٨١٧ - حديث كعب بن مالك
هذا ، وقد حكم عمر في أسیفع جهینة کحکمه صلی الله عليه وآله وسلم
في معاذ، فأخرج مالك(١) في ((الموطأ)) بسند منقطع، ورواه الدارقطني في ((غرائب
مالك» بإسناد متصل :
أن رجلاً من جهينة كان يشتري الرواحل فيغالي فيها ، فيسرع المسير فيسبق
الحاج، فأفلس ، فرفع أمره إلى عمر بن الخطاب ، فقال : أما بعد ؛ أيها الناس ،
فإن الأسيفعَ أسيفعَ جهينة قد رضي من دينه وأمانته أن يقال : سبق الحاج .
وفيه : إلا أنه ادَّان معرضاً فأصبح وقد دين به (٢) - أيْ : أحاط به الدين - فمن
كان له عليه دين ، فليأتنا بالغداة ، فنقسم ماله بين غرمائه . وإياكم والدين ؛ فإن
أوله هم وآخره حرب ! انتھی .
وأما قصة جابر مع غرماء أبيه ، وهي أنه لما قتل أبوه في أُحُد وعليه دين ؛
فاشتد الغرماء في حقوقهم ، قال :
أتيت النبي ◌َ﴿ ، فسألهم أن يقبلوا ثمر حائطي ، ويحللوا أبي ، فأبوا، فلم
(١) (٢٣٦/٢)، وعنه البيهقي في ((سننه)) (٤٩/٦) عن عمر بن عبدالرحمن بن دلاف عن
أبيه به .
ووصله الدارقطني من هذا الوجه بذكر بلال بن الحارث عن عمر. ورجح الدارقطني هذا على
المنقطع، وأقره الحافظ في ((التلخيص)) (٢٤٨) ..
وعبدالرحمن هذا : هو ابن عطية بن دلاف ؛ لم أجد من ذكره ، وابنه عمر ، أورده ابن أبي
حاتم (١٢١/١/٣)، ولم يذكر فيه جرحاً .
وله عند البيهقي طريق أخرى عن أيوب قال: نُبِّئت عن عمر بن الخطاب ... بمثل ذلك .
وقال : نقسم ماله بينهم بالحصص .
(٢) صححها الشيخ رحمه الله فجعلها: رين ؛ بالراء لا بالدال . (الناشر) .
١٤١

٧ - كتاب البيوع
٦ - باب التفليس والحجر
٨١٧ ۔ حدیث کعب بن مالك
يعطهم النبي لة حائطي، وقال: ((سنغدوا عليك))، فغدا علينا حين أصبح
فطاف في النخل ، ودعا في ثمره بالبركة ، فجذذتها فقضيتهم وبقي لنا من
ثمرها ، فإن فيها دليلاً على أن انتظار الغلة والتمكن منها لا يعد مطلاً .
قيل : ويؤخذ منها أن مَنْ كان له دخل ينظر إلى دخله ، وإن طالت مدته ؛ إذْ
لا فرق بين المدة الطويلة والقصيرة في حق الآدمي ، ومَنْ لا دخل له لا ينظر
ويبيع الحاكم ماله لأهل الدين .
نعم ، وأمّا الحجر على البالغ لسفه وسوء تصرف ، فقال به الشافعي ، ولم
يقل به زيد بن علي ، ولا أبو حنيفة. وبوّب له البيهقي في ((السنن الكبرى)) :
باب الحجر على البالغين بالسفه ، وذكر فيه بسنده(١) :
أن عبد الله بن جعفر اشترى أرضاً بستمائة ألف درهم ، فهمَّ علي وعثمان
أن يحجرا عليه ، قال : فلقيت الزبير فقال : ما اشترى أحد بيعاً أرخص مما
اشتريت ! قال : فذكر له عبد الله الحجر؛ قال : لو أن عندي مالاً لشاركتك ،
قال : فإني أقرضك نصف المال ، قال : فأنا شريكك . فأتاهما علي وعثمان وهما
(١) أخرجه (٦١/٦) من طريقين عن هشام بن عروة عن أبيه: أن عبد الله بن جعفر
اشترى . . .
وهذا سند صحيح ؛ والرواية الأخرى له .
ورواه أبو عبيد في ((الأموال» من طريق أخرى نحوه ، وفيه : أنه اشترى سبخة بستين درهماً .
قال عثمان : ما يسرني أنها لي بنعليَّ!
ذكره في ((التلخيص)) (٢٤٩)؛ وعند الشافعي (١٩١/٢ - ١٩٢) الرواية الثانية.
١٤٢

٧ - كتاب البيوع
٦ - باب التفليس والحجر
٨١٧ - حديث كعب بن مالك
يتراوضان(١). قالا: ما تراوضان؟ فذكر (٢) له الحجر على عبد الله بن جعفر،
قال : أتحجران على رجل أنا شريكه؟ قالا : لا لعمري ، قال : فإني شريكه ، وفي
رواية قال عثمان : كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه الزبير؟!
قال الشافعي : فعليٌّ لا يطلب الحجر ، إلا وهو يراه، والزبير لو كان الحجر
باطلاً لقال : لا يحجر على بالغ ، وكذلك عثمان ؛ بل كلهم يعرف الحجر ، ثم
ساق(٣) حديث عائشة وإرادة عبد الله بن الزبير الحجر عليها ، وغير ذلك من
الأدلة من أفعال السلف .
ويستدل له بالحديث الصحيح، وهو النهي عن إضاعة المال ؛ فإنَّ السفيه
يضيعه بسوء تصرفه ، فيجب الإنكار عليه بحجره عنه .
قال النووي : والصغير لا ينقطع عنه حكم اليُتْم بمجرد علوّ السن ، ولا بمجرد
البلوغ ؛ بل لا بد أن يظهر منه الرشد في دينه وماله .
وقال أبو حنيفة : إذا بلغ خمساً وعشرين سنة يجب تسليم ماله إليه ، وإن
كان غير ضابط .
(١) أي: يتجاذبان الحديث. في ((القاموس)):
((راوضه: داراه. والمراوضة المكروهة في الأثر: أن تواصف الرجل بالسلعة ليست عندك ... )).
(٢) فذكرا .
(٣) يعني: البيهقي (٦١/٦ -٦٢). وهو عند البخاري أيضاً (٤٠٥/١٠)، و((المسند)) (٣٢٧/٤
- ٣٢٨) من طريق عوف بن الطفيل - وهو ابن أخي عائشة لأمها - أن عائشة حدثت : أن عبدالله
ابن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة : والله لتنتهين عائشة أو لأحجرنّ عليها ! فقالت :
أهو قال هذا؟! قالوا : نعم. قالت : هو الله عليَّ نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبداً ... الحديث . وفيه:
أنها كلمت ابن الزبير ، وأعتقت في نذرها أربعين رقبة . رضي الله عنها !
١٤٣

٧ - كتاب البيوع
٦ - باب التفليس والحجر
٨١٨ - حديث ابن عمر
٨١٨ - وعن ابْنِ عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: عُرِضْتُ عَلَى النّبِيِّ نَ ﴿ يَوْمَ
أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عشرةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي ، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدق وأَنا
ابنُ خَمْسَ عَشِرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي . مُتَفَقٌّ عَلَيْهِ ، وفي روايةٍ للبَيْهَقِي : فَلَم
يجِزْني، ولم يرَنِي بَلَغْتُ. وَصَحّحَها ابنُ خُزَيمَةَ .
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: عُرِضْتُ عَلَى النّبِيِّ :﴿ يَوْمَ أُحُد
وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عشرةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي ، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدِق وأَنا ابنُ
خَمْسَ عَشِرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي(١). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ ، وفي روايةٍ للبيْهَقِي(٢): فَلَم
يجِزْني ، ولم يرَنِي بَلَغْتُ. وَصَحّحَهُا ابنُ خُزَيمَةَ) .
وجه ذكر الحديث هنا أن مَنْ لم يبلغ خمس عشرة سنة لا تنفذ تصرفاته ،
من بيع وغيره .
(١) أمضاني .
(٢) في ((سننه)) (٥٥/٦) عن ابن جريج عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر به.
وقال :
((قال ابن صاعد: في هذا الحديث حرف غريب ؛ وهو قوله : ولم يرني بلغت)).
قلت : وهي زيادة شاذة أو منكرة عندي ؛ لأن البيهقي قد أخرجه - كالشيخين - عن جماعة
من الثقات عن عبيدالله به دونها .
فهي شاذة إن كان ابن جريج سمعها من عبيدالله ؛ وإلا فهي منكرة ؛ لأن ابن جريج مدلس ،
وقد عنعنه !
(تنبيه): في ((المستدرك)) (٥٥٨/٣) حديث آخر، فيه أن ابن عمر شهد أُحُداً .
ورجاله ثقات؛ لكن الأحوص بن جواب صدوق ربما وهم، كما في («التقريب)».
١٤٤

٧ - كتاب البيوع
٦ - باب التفليس والحجر
٨١٩ - حديث عطية القرظي
ومعنى قوله : لم يجزني : لم يجعل لي حكم الرجال المتقاتلين ؛ في إيجاب
الجهاد عليَّ ، وخروجي معه .
وقوله : فأجازني؛ أي : رآني فيمن يجب عليه الجهاد ، ويُؤذن له في الخروج
إليه ، وفيه دليل على أن من استكمل خمس عشرة سنة ، صار مكلفاً بالغاً له
أحكام الرجال ، ومَنْ كان دونها فلا . ويدل له قوله : ولم يرني بلغت .
وناقش في الاستدلال به على البلوغ بعضُ المتأخرين ، قائلاً: إن الإذن في
الخروج للحرب يدور على الجلادة والأهلية ؛ فليس له في رده دليل على أنه
لأجل عدم البلوغ ، وَفَهْم ابن عمر ليس بحجة .
قلت : وهو احتمال بعيد ، والصحابي أعرف بما رواه(١) .
وفيه دليل على أن الخندق كانت سنة أربع ، والقول بأنها سنة خمس يرده
هذا الحديث ، ولأنهم أجمعوا أن أحداً كانت سنة ثلاث .
٨١٩ - وعن عَطِيّةَ الْقُرَظِيِّ رضيَ الله عَنْهُ قالَ: عُرضْنَا عَلَى النّبِيِّ ◌َِله
يَوْمَ قُرَيْظَةَ ، فكانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خُلِّيَ سَبِيلُهُ، فَكُنْتُ مَمَنْ لَمْ
(١) قلت: وهذا مسلّم لو أن قوله: (ولم يرني بلغت) صح سنده! وإذ قد عرفت ما فيه ؛ فلا!
ومما يؤيد ما ذهب البعض المشار إليه حديث سمرة بن جندب قال : كان رسول الله
يعرض غلمان الأنصار في كل عام ، فيلحق من أدرك منهم . قال : وعُرضت عاماً ، فألحق غلاماً
وردّني. فقلت: يا رسول الله! لقد ألحقته ورددتني، ولو صارعته لصرعته! قال: ((فصارعْه))؛
فصارعته فصرعته ؛ فألحقني .
أخرجه البيهقي (٢٢/٩)؛ وسنده صحيح. وهو في ((المستدرك)) (٦٠/٢).
١٤٥

٧ - كتاب البيوع
٦ - باب التفليس والحجر
٨٢٠ - حديث عبد الله بن عمرو
يُثْبتْ، فَخُلِّيَ سَبيلي. رَوَاهُ الأربعة، وصَحّحَهُ ابنُ حِبّانَ والحاكمُ ، وَقَالَ:
عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْن .
(وعن عطية القرظي رضي الله عنه) : بضم القاف فراء ؛ نسبة إلى بني
قريظة (قال: عرضنا على النبي :﴿ يوم قريظة، فكان من أنبت قُتِلَ ، ومن لم
يُنْبِتْ خُلِّيَ سبيلُهُ، فكُنْتُ ممن لم ينبت، فَخُلِّيَ سبيلي. رواه الأربعة(١)،
وصححه ابن حبان والحاكم ، وقال: على شرط الشيخين) : وهو كما قال إلا
أنهما لم يخرجا لعطية .
والحديث دليل على أنه يحصل بالإنبات البلوغ ، فتجري على من أنبت
أحكام المكلفين ، ولعله إجماع .
٨٢٠ - وعن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّ: أَنَّ رسول الله عَُّؤلِ قالَ:
((لا يجُوزُ لامِرَةٍ عَطِيَّةٌ إلاَ بإذْنِ زَوْجِها)» .
وَفِي لَفْظٍ : «لا يجُوزُ للمرْأَةِ أمر في مَالها إذا مَلكَ زَوْجُها عِصْمَتَهَا)). رَوَاهُ
أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ ((السُّنن)»، إلا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ .
(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّه: أَنَّ رسول الله عَّهِ قالَ: ((لا
يجُوزُ لامِرَةِ عَطِيّةٌ إلا بإِذْنِ زَوْجِها)» .
(١) وكذا أحمد (٣٨٣/٤). وسنده صحيح على شرطهما، كما قال الحاكم (١٢٣/٢)؛
وزاد: ((وألحقني بالسبي)) ، وزاد في رواية :
((فها أنا ذا بين أظهركم)) . ورواه البيهقي أيضاً (٥٨/٥) ؛ وله عنده طرق أخرى .
ورواه ابن الجارود (١٠٤٥) من الطريق الأولى.
١٤٦

٧ - كتاب البيوع
٦ - باب التفليس والحجر
٨٢١ - حديث قبيصة بن مخارق
وَفِي لَفْظٍ : «لا يجُوزُ للمرْأَةِ أمر في مَالها إذا مَلكَ زَوْجُها عِصْمَتَهَا)). رَوَاهُ
أَحْمَدُ ، وَأَصْحَابُ ((السُّنْنِ)) إلا التِّرْمذيَّ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ(١)):
قال الخطابي : حمله الأكثر على حسن العشرة واستطابة النفس ، أو يحمل
على غير الرشيدة، وقد ثبت عن النبي ◌َّةُ أنه قال للنساء: (تصدقن))،
فجعلت المرأة تلقي القرط والخاتم ، وبلال يتلقاه بردائه ، وهذه عطية بغير إذن
الزوج ، انتهى . وهذا مذهب الجمهور مستدلين بمفهومات الكتاب والسنة ، ولم
يذهب إلى معنى الحديث إلا طاوس ، فقال : إن المرأة محجورة عن مالها إذا
كانت مزوجة ، إلا فيما أذن لها فيه الزوج .
وذهب مالك إلى أن تصرفها من الثلث(٢).
٨٢١ - وعن قَبيصةَ بن مُخَارِق رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله ◌ِ الهِ: ((إنَّ
المسْأَلَةَ لا تحلُّ إلا لأحَدٍ ثَلاثة: رَجُلِ تَحَمّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ المسْأَلَةُ، حتّى
يُصِيبَهَا ، ثم يُمْسِكَ، وَرَجلِ أَصَابَتْهُ جائحة اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ ،
حتّى يُصيبَ قِوَاماً مِنْ عَيْشَ ، وَرَجُلٍ أَصابَتْهُ فَاقَةٌ ، حتّى يَقُول ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوي
الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتَّ قُلاناً فاقَّةٌ فَحَلَّتْ لَهُ المسْأَلَةُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
(١) ووافقه الذهبي (٤٧/٢)! وإنما هو حسن فقط ؛ للخلاف المعروف في (عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده) .
وله شاهد من حديث كعب بن مالك . أخرجه ابن ماجه والطحاوي ؛ وفيه رجلان مجهولان .
(٢) وقال الخطابي في ((المعالم)) (١٩٤/٥) - بعد قوله الذي نقله الشارح آنفاً -:
((إلا أن مالك بن أنس قال: يرد ما فعلت من ذلك حتى يأذن الزوج)).
١٤٧

٧ - كتاب البيوع
٦ - باب التفليس والحجر ٨٢١ - حديث قبيصة بن مخارق
(وعن قبيصة) : بفتح القاف فموحدة فمثناة تحتية فصاد مهملة (ابن
مخارق رضي الله عنه) : بضم الميم فخاء معجمة فراء مكسورة (قال : قال
رسول الله ◌َّهُ: ((إنَّ الْمَسْأَلَةَ لا تَحِلُّ إلا لأَحَدِ ثَلاثةٍ: رَجُلٍ(١) تَحَمّلَ حَمَالَةً):
بفتح الحاء المهملة وتخفيف الميم(٢) (فَحَلّت لَّهُ الْمَسْأَلَةُ، حتّى يُصِيبَها ، ثم
يُمْسِكَ، وَرَجُلِ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ(٣) اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلّتْ لَهُ المسْأَلَةُ، حتّى
يُصِيبَ قِوَاماً مِنْ عَيْشِ ، وَرَجُلِ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ(٤) ، حتّى يَقُولَ ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوي
الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَِّابَتْ فُلَاناً فاقَةٌ فَحَلّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ)). رواه مسلم) :
فقد تقدم بلفظه(٥) في باب قسمة الصدقات ، ولعل إعادته هنا أن الرجل
الذي تحمل حمالة قد لزمه دين ؛ فلا يكون له حكم المفلس في الحجر عليه ؛
بل يترك ، حتّى يسأل الناس فيقضي دينه ، وهذا يستقيم على القواعد إذا لم
یکن قد ضمن ذلك المال .
(١) أي: ولو غنيّاً.
(٢) وهو الدَّين .
وقيل : هو ما يتحمله المصلح بين فئتين في ماله ؛ ليرتفع بينهم القتال ونحوه. (ترغيب)).
(٣) الآفة .
(٤) حاجة .
(٥) وتمامه هناك: ((فما سواهنّ من المسألة يا قبيصة! سحت يأكله صاحبه سحتاً)).
وفي حديث سمرة: ((إنما المسائل كدوح ... إلا أن يسأل ذا سلطان ، أو في أمر لا يجد منه
بدًا)). أبو داود ، والنسائي ، والترمذي ، والطحاوي بسند صحيح .
١٤٨

٧ - كتاب البيوع
٧ - باب الصلح
٨٢٢ - حديث عمرو بن عوف
٧ - باب الصلح
قد قسم العلماء الصلح أقساماً : صلح المسلم مع الكافر ، والصلح بين
الزوجين ، والصلح بين الفئة الباغية والعادلة ، والصلح بين المتقاضيين ، والصلح
في الجراح كالعفو على مال ، والصلح لقطع الخصومة إذا وقعت في الأملاك
والحقوق ، وهذا القسم هو المراد هنا ، وهو الذي يذكره الفقهاء في باب الصلح .
٨٢٢ - عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المزَنِيِّ رَضيَ الله عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِعَهِ قالَ:
((الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلَمِينَ إلا صُلْحاً حَرَّمَ حَلالاً ، أو أَحَلَّ حَرَاماً؛
وَالمسلمونَ عَلى شُرُوطِهِمْ إلا شَرْطاً حَرَّمَ حَلالاً، أو أَحَلَّ حِرَاماً)) . رَوَاهُ
التِّرْمذيُّ وَصَحّحِهُ ، وأَنْكَروا عَلَيْهِ ؛ لأنه من رواية كَثِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو
بْنِ عَوْفٍ ، وهو ضعيفٌ . وكأنهُ اعتَبرَهُ بِكَثْرَة طُرُقِه. وقَدْ صَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ
مِنْ حَديثِ أَبِي هُرَيْرَةٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
(عن عمرو بن عوف المزني رضي الله عنه: أن رسول الله عَّةٍ قال:
(الصُلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ(١) إلا صُلْحاً حَرَّمُ حَلالاً، أو أَحَلَّ حَرَاماً،
والْمُسْلمونَ): وفي لفظ أبي داود : ((والمؤمنون)) (عَلى شُرُوطِهِمْ إلا شَرْطاً حَرَّمَ
حَلالاً، أو أَحَلَّ حَرَاماً)) . رواه الترمذي وصحّحهُ ، وأنكروا عليه؛ لأنه من
رواية كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، وهو ضعيف(٢)): كذبه الشافعي ،
(١) خرج مخرج الغالب .
(٢) زاد الحافظ في ((التقريب)): ((منهم من نسبه إلى الكذب)).
ولذلك كان الأولى بالمؤلف أن يقول - كما قال الشوكاني (٢١٥/٥) -: ((ضعيف جداً))!
١٤٩

٧ - كتاب البيوع
٧ - باب الصلح
٨٢٢ ۔ حديث عمرو بن عوف
وتركه أحمد ، وفي ((الميزان)): عن ابن حبان : له عن أبيه عن جده نسخة
موضوعة ، وقال الشافعي وأبو داود : هو ركن من أركان الكذب ، واعتذر المصنف
عن الترمذي بقوله : (وكأنه اعتبره بكثرة طرقه ، وقد صححه ابن حبان من
حديث أبي هريرة رضي الله عنه(١)) .
فيه مسألتان :
الأولى : في أحكام الصلح ، وهو أن وضعه مشروط فيه المراضاة ؛ لقوله :
((جائز))؛ أي : أنه ليس بحكم لازم يُقضى به ، وإن لم يرض به الخصم ، وهو جائز
أيضاً بين غير المسلمين من الكفار، فتعتبر أحكام الصلح بينهم ، وإنما خص
المسلمون بالذكر ؛ لأنهم المعتبرون في الخطاب ، المنقادون لأحكام السنة والكتاب .
(١) ولفظه - عند ابن حبان (١١٩٩) -: ((الصلح جائز بين المسلمين؛ إلا صلحاً أحل حراماً،
أو حرَّم حلالاً)) .
وكذلك رواه أبو داود في (الأقضية) ، والحاكم (٤٩/٢، ١٠١/٤) ، وزادا :
((المسلمون على شروطهم ... )) .
ولأحمد (٣٦٦/٢)، والبيهقي (٦٣/٦) الجملة الأولى منه .
ورواه الدارقطني (٣٠٠)، والحاكم أيضاً (٥٠/٢) من طريق أخرى عن أبي هريرة مرفوعاً. وقال :
((صحيح على شرطهما؛ وهو معروف بعبدالله بن الحسين المصيصي، وهو ثقة))! وردّه الذهبي
بقوله :
((قلت: قال ابن حبان: يسرق الحديث)).
وساق له الحافظ في ((اللسان)» أخباراً سرقها ، وقلب إسنادها ؛ هذا أحدها .
وللحديث شواهد : عند الدارقطني ، والحاكم ، وغيرهما ، يرتقي بها إلى درجة الحسن ، كما
قال الشوكاني (٢١٦/٥)؛ بل الصحيح ؛ فإن سنده - عند ابن حبان وأبي داود وغيرهما -
حسن لذاته .
١٥٠

٧ - كتاب البيوع
٧ - باب الصلح
٨٢٢ - حديث عمرو بن عوف
وظاهره عموم صحة الصلح سواء كان قبل اتضاح الحق للخصم ، أو بعده .
ويدل للأول قصة الزبير والأنصاري؛ فإنَّه ◌َّه لم يكن قد أبان للزبير ما
استحقه ، وأمره أن يأخذ بعض ما يستحقه على جهة الإصلاح، فلما لم يقبل
الأنصاري الصلح وطلب الحق، أبان رسول اللّه ◌َاهُ للزبير قدر ما يستحقه(١)؛
كذا قال الشارح .
والثابت أن هذا ليس من الصلح مع الإنكار؛ بل من الصلح مع سكوت
المدعى عليه ، وهي مسألة مستقلة ، وذلك لأن الزبير لم يكن عالماً بالحق الذي
له ، حتّى يدعه بالصلح ؛ بل هذا أول التشريع في قدر السقيا .
والتحقيق أنه لا يكون الصلح إلا هكذا ، وأمّا بعد إبانة الحق للخصم ؛ فإنَّما
يطلب من صاحب الحق أن يترك لخصمه بعض ما يستحق .
وإلى جواز الصلح على الإنكار، ذهب مالك وأحمد وأبو حنيفة ، وخالف في
ذلك الهادوية والشافعي، وقالوا: لا يصح الصلح مع الإنكار، ومعنى عدم صحته ،
أنه لا يطيب مال الخصم مع إنكار المصالح، وذلك حيث يدعي عليه آخرُ عيناً ، أو
ديناً ، فيصالح ببعض العين ، أو الدين مع إنكار خصمه ؛ فإن الباقي لا يطيب له ؛
بل يجب عليه تسليمه لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يحل مال امرئ
مسلم؛ إلا بطيبة من نفسه))، وقوله تعالى: ﴿عن تراض﴾ [النساء: ٢٩].
وأجيب بأنها قد وقعت طيبة النفس بالرضا بالصلح ، وعقد الصلح قد صار
في حكم عقد المعاوضة ، فيحل له ما بقي .
ء
(١) انظر ((البخاري)) (٢٧/٦ - ٢٨).
١٥١

٧ - كتاب البيوع
٧ - باب الصلح
٨٢٢٠ - حديث عمرو بن عوف
قلت : الأولی أن یقال : إن کان المدعي یعلم أن له حقاً عند خصمه ، جاز له
قبض ما صولح عليه ، وإن كان خصمه منكراً .
وإن كان يدَّعي باطلاً ، فإنه يحرم عليه الدعوى وأخذ ما صولح به .
والمدعى عليه إن كان عنده حق يعلمه ، وإنما ينكر لغرض ، وجب عليه
تسلیم ما صولح به عليه .
وإن كان يعلم أنه ليس عنده حق ، جاز له إعطاء جزء من ماله في دفع
شجار غريم وأذيته ، وحرُم على المدعي أخذه ، وبهذا تجتمع الأدلة ؛ فلا يقال :
الصلح على الإنكار لا يصح ، ولا أنه يصح على الإطلاق؛ بل يفصل فيه .
المسألة الثانية : ما أفادها قوله: ((والمسلمون على شروطهم))؛ أيْ: ثابتون
عليها واقفون عندها ، وفي تعديته بعلى ووصفهم بالإسلام أو الإيمان ، دلالة
على علوّ مرتبتهم ، وأنهم لا يخلّون بشروطهم ، وفيه دلالة على لزوم الشرط ، إذا
شرطه المسلم ، إلا ما استثناه في الحديث .
وللمفرعين تفاصيل في الشروط وتقاسيم؛ منها ما يصح ، ويلزم حكمه ،
ومنها ما لا يصح ، ولا يلزم ، ومنها ما يصح ويلزم منه فساد العقد ، وهي هنالك
مبسوطة بعلل ومناسبات .
وللبخاري في كتاب الشروط تفاصيل كثيرة معروفة .
وقوله : ((إلا شرطاً حرم حلالاً)) : وذلك كاشتراط البائع أن لا يطأ الأمة .
((أو أحل حراماً)): مثل أن يشترط وطء الأمَة التي حرم الله عليه وطأها .
١٥٢

٧ - كتاب البيوع
٧ - باب الصلح
٨٢٣ - حديث أبي هريرة
٨٢٣ - وعن أَبِي هُرَيْرةَ رضي الله عنه: أَنَّ النّبيَّ ◌َ ﴿ قَالَ: ((لا يُمْنَعْ جَارٌ
جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً في جداره))؛ ثم يقُولُ أبو هُريْرةَ: مَا لِي أَرَاكِمْ عَنْهَا
مُعْرضينَ؟! والله ، لأرْمِيَنَّ بها بَينَ أَكتافِكُمْ . مُتفقٌ عَلَيْهِ .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي ◌َ﴿ُ قال: ((لا يمنَعْ): يروى
بالرفع على الخبر، والجزم على النهي (جارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً) : بالإفراد ،
وفي لفظ: ((خُشُبه)) بالجمع (في جدارِهِ))؛ ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم
عنها مُعْرضين؟! والله ، لأرمِيَنَّ بها بين أكتافكم) : بالتاء جمع كتف (متفق
عليه) : وفي لفظ لأبي داود(١) : فنكسوا رؤوسهم .
ولأحمد(١) حين حدثهم بذلك : فطأطأوا رؤوسهم ، والمراد المخاطبون ، وهذا
قاله أبو هريرة أيام إمارته على المدينة في زمن مروان ؛ فإنه كان يستخلفه فيها ؛
فالمخاطبون من يجوز أنهم جاهلون بذلك وليسوا بصحابة ، وقد روى أحمد(٢)
وعبدالرزاق من حديث ابن عباس: ((لا ضرر ولا ضرار، وللرجل أن يضع خشبة
في حائط جاره)) .
(١) في ((سننه)) (٢٨٣/٢ - الحلبي)، وأحمد (٢٤٠/٢) بلفظ: ((إذا استأذن أحدكم جاره أن
يغرز خشبةً في جداره. فلا يمنعه))، وإسنادهما على شرطهما ، وليس عند أبي داود: رؤوسهم.
(٢) في ((المسند)) (٣١٣/١) من طريق عبدالرزاق .
وفيه جابر - وهو ابن يزيد الجعفي -، وهو متروك، كما قال النسائي. وقال في ((التقريب)):
(ضعيف رافضي))؛ ومن طريقه أخرج ابن ماجه منه الجملة الأولى .
وله شواهد كثيرة من طرق متعددة يقوي بعضها بعضاً، كما في ((الأربعين))، و((شرحه)) لابن
رجب (٢١٩ - ٢٢٠). ويأتي في الكتاب (ص٢٣١).
١٥٣

٧ - كتاب البيوع
٧ - باب الصلح
٨٢٣ - حديث أبي هريرة
والحديث فيه دليل على: أنه ليس للجار أن يمنع جاره من وضع خشبة على
جداره ، وأنه إذا امتنع عن ذلك ، أجبر؛ لأنه حق ثابت لجاره ، وإلى هذا ذهب
· أحمد وإسحاق وغيرهما ؛ عملاً بالحديث .
وذهب إليه الشافعي في القديم ، وقضى به عمر في أيام وفور الصحابة .
وقال الشافعي : إن عمر لم يخالفه أحد من الصحابة ، وهو فيما رواه مالك(١)
بسند صحيح : أن الضحاك بن خليفة سأله محمد بن مسلمة أن يسوق خليجاً
له فيجريه في أرض محمد بن مسلمة ، فامتنع ، فكلمه عمر في ذلك ، فأبى ،
فقال : والله ، لتمرَّنَّ به ، ولو على بطنك .
وهذا نظير قصة حديث أبي هريرة ، وَعَمَّمَهُ عمر في كل ما يحتاج الجار إلى
الانتفاع به من دار جاره وأرضه .
وذهب آخرون إلى أنه لا يجوز أن يضع خشبة إلا بإذن جاره ؛ فإن لم يأذن ،
لم يجز .
قالوا : لأن أدلة أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه ، تمنع هذا
الحكم ، فهو للتنزيه . وأجيب عنه بما قاله البيهقي : لم نجد في السنن الصحيحة
ما يعارض هذا الحكم ، إلا عمومات لا ينكر أن يخصها ، وقد حمله الراوي على
ظاهره من التحريم ، وهو أعلم بالمراد بدليل قوله : ما لي أراكم عنها معرضين :
فإنه استنكار لإعراضهم ، دال على أن ذلك للتحريم .
(١) في ((الموطأ)) (٢١٨/٢) بسند صحيح، كما قال الشارح، وقد اختصره .
١٥٤

٧ - كتاب البيوع
٧ - باب الصلح
٨٢٤ - حديث أبي حميد الساعدي
قال الخطابي معنى قوله : بين أكتافكم : إن لم تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به
راضين لأجعلنها ؛ أي : الخشبة على رقابكم كارهين ، قال : وأراد بذلك المبالغة .
قلت : والذي يتبادر أنّ المراد لأرمين بها ؛ أي : هذه السنة المأمور بها بينكم
بلاغاً لما تحملته منها ، وخروجاً عن كتمها ، وإقامة الحجة عليكم بها .
٨٢٤ - وعن أبي حُميدِ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ الله
.: ((لا يحِلُّ لامْرِئٍ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخيه بغيرِ طِيبَةٍ نَفْسٍ مِنْهُ)) . رَوَاهُ ابْنُ
حِبّانَ والحاكمُ في ((صَحِيحَيْهِمَا)) .
(وَعَنْ أَبِي حُميدِ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ الله عَزَّةٍ: ((لا
يحِلُّ لامْرِئٍ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخيه بغيرِ طِيبةٍ نَفْسٍ مِنْهُ)) . رواهُ ابْنُ حِبّانَ
والحاكمُ في ((صَحِيحَيْهِمَا)(١)).
وفي الباب أحاديث كثيرة في معناه. أخرج الشيخان من حديث عمر: ((لا
يحْلبنَّ أحد ماشية أحد بغير إذنه))، وأخرج أبو داود والترمذي والبيهقي من
حديث عبد الله (٢) بن السائب بن يزيد، عن أبيه عن جده (٣) بلفظ: ((لا يأخذ
أحد كم متاع أخيه لاعباً ، ولا جاداً)).
(١) وكذا أحمد (٤٢٥/٥)، وابن حبان (١١٦٦) بسند صحيح؛ وتقدم بلفظ آخر على
حاشية (ص١٣١٦) .
(٢) تفرد عنه ابن أبي ذئب ، ووثقه النسائي ، وابن سعد ، وابن حبان .
(٣) هو يزيد بن السائب رضي الله عنه .
والحديث ؛ أخرجه أحمد أيضاً (٤٢١/٤)، وحسنه الترمذي؛ وهو محتمل .
١٥٥

٧ - كتاب البيوع
٧ - باب الصلح
٨٢٤ - حديث أبي حميد الساعدي
والأحاديث دالة على تحريم مال المسلم إلا بطيبة من نفسه ، وإن قَلَّ .
والإجماع واقع على ذلك ، وإيراد المصنف لحديث أبي حميد عقيب حديث
أبي هريرة ، إشارة إلى تأويل حديث أبي هريرة ، وأنه محمول على التنزيه ، كما
هو قول الشافعي في الجديد ، ويرد عليه أنه إنما يحتاج إلى التأويل إذا تعذر
الجمع ، وهو هنا ممكن بالتخصيص ؛ فإن حديث أبي هريرة خاص ، وتلك الأدلة
عامة كما عرفت .
وقد أُخْرِج من عمومها أشياء كثيرة؛ كأخذ الزكاة كرهاً ، وكالشفعة ، وإطعام
المضطر ، ونفقة القريب المعسر والزوجة ، وكثير من الحقوق المالية التي لا يخرجها
المالك برضاه ؛ فإنها تؤخذ منه كرهاً ، وغرز الخشبة منها ، على أنه مجرد انتفاع
والعين باقية .
١٥٦

٨ - بابُ الحوالة والضَّمان
الحوالة(١) ؛ بفتح الحاء ، وقد تكسر؛ حقيقتها عند الفقهاء : نَقْلُ دين من
ذمة إلى ذمة .
واختلفوا ؛ هل هي بيع دين بدين رُخِّص فيه ، وأخرج من النهي عن بيع
الدين بالدين ، أو هي استيفاء؟
وقيل : هي عقد إرفاق مستقل .
ويشترط فيها لفظها ، ورضا المحيل بلا خلاف ، والمحال (٢) عند الأكثر، والمحال
عليه(٣) عند البعض (٤) ، وتماثل الصفات ، وأن تكون في الشيء المعلوم .
ومنهم من خصها بما دون الطعام ؛ لأنه بيع طعام قبل أن يستوفى .
٨٢٥ - عَنْ أَبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه
وآله وسلَّم: ((مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وإذا أُتْبعَ أَحَدُكُمْ عَلى مليءٍ ، فَلْيُتْبَعْ)) . مُتّفقٌ
عَلَيه .
(عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله
(١) اسم من: أحال الغريم بدينه على آخر: صرفه عنه إليه ؛ فهو محيل ، والغريم محال ،
والغريم الآخر محال عليه .
(٢) المحتال .
(٣) وبه قال داود، كما في ((البداية)) (٢٤٨/٢). وما قبله مذهب مالك.
(٤) الدائن والمدين والمليء ..
١٥٧

٧ - كتاب البيوع
٨ - باب الحوالة والضمان
٨٢٥ - حديث أبي هريرة
وسلم: ((مَطْلُ الْغَنيّ) : إضافة للمصدر إلى الفاعل ؛ أي : مطل الغني غريمه ،
وقيل إلى المفعول؛ أي: مطل الغريم للغنيّ(١) (ظُلْمٌ): وبالأولى مطله الفقير
(وإذا أُتْبِعَ(٢)): بضم الهمزة وسكون المثناة الفوقية وكسر الموحدة (أَحَدُكُمْ عَلَى
مَليءٍ) : مأخوذ من الملاء بالهمزة ، يقال: ملؤ الرجل ؛ أي: صار مليئاً (فلْيُتْبَعْ) :
بإسكان المثناة الفوقية أيضاً مبني للمجهول كالأول ؛ أي : إذا أحيل ، فليحتل
(متفق عليه(٣)) :
دلَّ الحديث على تحريم المطل من الغنيّ .
والمطل : هو المدافعة ، والمراد هنا : تأخير ما استحق أداؤه ، بغير عذر، من
قادر على الأداء .
والمعنى - على تقدير أنه من إضافة المصدر إلى الفاعل -: أنه يحرم على
الغني القادر أن يمطل بالدين بعد استحقاقه ، بخلاف العاجز.
(١) واستبعد الحافظ (٣٦٧/٤) هذا التأويل، وعزا الأول للجمهور، وتبعه الشوكاني
(٢٠٠/٥) .
(٢) أي : أحيل ، فليحتل .
(٣) زاد في نسخة من (المتن) ، طبع مصطفى محمد :
((وفي رواية لأحمد: ((ومن أحيل، فليحتل)) ...
وهو في ((المسند)) (٤٦٣/٢) بهذا اللفظ: (( ... ومن أحيل على مليء، فليحتل)).
وسنده صحيح على شرط الشيخين ، وصححها الحافظ أيضاً في ((التلخيص)) (ص ٢٥٠).
ولكنها شاذة عندي ؛ لمخالفتها لجميع الثقات من هذه الطريق ، ولطريقين آخرين عن أبي
هريرة ، كما بينته في ((الحوض المورود في زوائد منتقى ابن الجارود)).
١٥٨

٧ - كتاب البيوع
٨ - باب الحوالة والضمان
٨٢٥ - حديث أبي هريرة
ومعناه على التقدير الثاني : أنه يجب وفاءُ الدين ، ولو كان مستحقه غنياً؛
فلا يكون غناه سبباً لتأخير حقه ، وإذا كان ذلك في حق الغني ، ففي حق
الفقير أولى .
ودل الأمر على وجوب قبول الإحالة ، وحمله الجمهور على الاستحباب ،
ولا أدري ما الحامل على صرفه عن ظاهره(١)؟
وعلى الوجوب حمله أهل الظاهر ، وتقدم البحث في أنَّ المطل كبيرة يَفْسُق
صاحبه ؛ فلا نكرره .
وإنما اختلفوا هل يفسق قبل الطلب ، أو لا بد منه؟ ، والذي يشعر به الحديث
أنه لا بد من الطلب ؛ لأن المطل لا يكون إلا معه .
ويشمل المطل كل مَنْ لزمه حق كالزوج لزوجته ، والسيد في نفقة عبده .
ودل الحديث بمفهوم المخالفة أن مطل العاجز عن الأداء لا يدخل في الظلم ، ومَنْ
لا يقول بالمفهوم ، يقول: لا يسمى العاجز ماطلاً .
والغني الغائب عنه ماله كالمعدوم .
ويؤخذ من هذا أن المعسر لا يطالب ، حتّى يوسر .
قال الشافعي : لو جازت مؤاخذته لكان ظالماً ، والفرض أنه ليس بظالم ؛ لعجزه .
ويؤخذ منه أنه ، إذا تعذر على المحال عليه التسليم ؛ لفقر ، لم يكن للمحتال
(١) وبظاهره قال أكثر الحنابلة، وأبو ثور، وابن جرير، وأهل الظاهر، كما في ((الفتح))
(٣٦٧/٤) .
١٥٩

٧ - كتاب البيوع
٨ - باب الحوالة والضمان
٨٢٦ - حديث جابر
الرجوع إلى المحيل ؛ لأنه لو كان له الرجوع ، لم يكن لاشتراط الغنى فائدة ، فلما
شرطه الشارع ، علم أنه انتقل انتقالاً لا رجوع له ، كما لو عوض في دينه
بعوض ، ثم تلف العوض في يد صاحب الدين .
وقالت الحنفية : يرجع عند التعذر ، وشبَّهوا الحوالة بالضمان ، وأمّا إذا جهل
الإفلاس حال الحوالة ، فله الرجوع(١) .
٨٢٦ - وعن جابر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنّا، فَغَسَلْنَاهُ
وَحَتَّطْنَاهُ وَكَفْنَاهُ، ثم أَتَيْنَا بِه رَسُولَ اللّه صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم فَقُلْنَا:
تُصَلِّي عليْهِ؟ فَخَطا خُطاً، ثم قالَ: ((أَعَلَيْهِ دَيْنَ؟»، فقُلْنا: دينارَانِ، فَانْصَرِفَ ،
فَتَحَمِّلُهُمَا أَبُو قَتَادة ، فَأَتَيْناه، فقال أبو قَتَادَةَ : الدِّينَارَانِ عَليَّ ، فقال رسول الله
عَِّ: ((أحَقَّ الغَريم، وَبَرِئ مِنْهُما الميْتُ؟))، قالَ: نَعَمْ، فَصَلَى عَلَيْهِ. رَوَاهُ
أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ والنسَائِيُّ ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حبانَ وَالْحَاكِمُ .
(وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال : توفي رجل منا ، فغسلناه وحنطناه
وكفناه ، ثم أتينا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقلنا: تصلي عليه؟
فخطا خُطاً، ثم قال: ((أعَلَيْهِ دَيْنٌ؟))، فقلنا: ديناران، فانصرف): أي : عن
الصلاة عليه (فتحملهما أبو قتادة ، فأتيناه ، فقال أبو قتادة : الديناران عليّ ،
فقال رسول الله عَّهُ: ((أحَقَّ الْغريم): منصوب على المصدر، مؤكد لمضمون
قوله : الديناران علي ؛ أي : حق عليك الحق ، وثبت عليك ، وكنت غريماً (وبَرئ
(١) وهذا وما قبل قوله: ((وقالت الحنفية)) مذهب الجمهور، كما في ((البداية)) (٢٤٩/٢).
١٦٠