Indexed OCR Text

Pages 121-140

٧ - كتاب البيوع
٥ - أبواب السلم والقرض والرهن
٨٠٩ - حديث عائشة
من حديث عائشة بلفظ : ((ما من عبد كانت له نية في وفاء دينه إلا كان له
من الله عون))، قالت - يعني عائشة -: فأنا ألتمس ذلك العون .
فإن قلت : قد ثبت حديث: ((إنه يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين))، وحديث :
((الآن بردت جلدته))، قاله لمن أدَّى ديناً عن ميت مات وعليه دين ، قلت : يحتمل
أن معنى: لا يغفر للشهيد الدين أنه باق عليه ، حتّى يوفيه الله عنه يوم القيامة ،
ولا يلزم من بقائه عليه أن يعاقب به في قبره، ومعنى قوله : ((بردت جلدته)):
خلصته من بقاء الدين عليه ، ويحتمل أن ذلك فيمن استدان ، ولم ينو الوفاء .
٨٠٩ - وعن عَائشَةَ رضيَ الله عنهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ الله! إن فلاناً
قَدَمَ لَهُ بَزِّ مِنَ الشَّامِ ، فَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ فَأَخَذْتَ مِنْهُ ثَوْبَيْنٍ نَسِيئَةً إِلَى مَيْسَرَةِ ،
فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَامْتَنَعَ . أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَرَجالُهُ ثِقَاتٌ .
(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله! إن فلاناً قدم له
بز من الشام ، فلو بعثت إليه فأخذت منه ثوبين نسيئة إلى ميسرة ، فبعث إليه
فامتنع . أخرجه الحاكم والبيهقي ، ورجاله ثقات(١)) :
فيه دليل على بيع النسيئة ، وصحة التأجيل إلى ميسرة ، وفيه ما كان عليه
(١) وهو كما قال، وإنما لم يصححه؛ لأنه من رواية عكرمة - وهو مولى ابن عباس - عن
عائشة ؛ وقد اختلف قول أبي حاتم في سماعه منها ؛ فمرة أثبته ، ومرة نفاه !
وقد صححه الحاكم ، ووافقه الذهبي ، واحتج به ابن حزم .
وأخرجه النسائي أيضاً ، والترمذي ؛ وقال :
«حديث حسن غريب صحيح)) .
١٢١

٧ - كتاب البيوع
٥ - أبواب السلم والقرض والرهن
٨١٠ - حديث أبي هريرة
من حسن معاملة العباد، وعدم إكراههم على الشيء، وعدم الإلحاح عليهم(١) .
وهذا من باب الرهن ، وهو لغة الاحتباس من قولهم : رهن الشيء ؛ إذا دام
وثبت؛ ومنه: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ [المدثر: ٣٨]، وفي الشرع: جعل
مال وثيقة على دين ، ويطلق على العين المرهونة .
٨١٠ - وعن أبي هُرَيْرَةَ رضيَ اللهُ عنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلَّى اللهُ تعالى
عليه وعلى آله وسلَّم: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُوناً ، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ
بنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُوناً، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَّةُ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم: ((الظّهْرُ يُرْكَبُ): بالبناء للمفعول، ومثله : ((يشرب)) (بِنَفَقتهِ
إذا كانَ مرهوناً، ولَبِنُ الدَّرِّ)(٢): بفتح الدال المهملة وتشديد الراء ، وهو اللبن ؛
تسمية بالمصدر . قيل : هو من إضافة الشيء إلى نفسه ، وقيل : من إضافة
الموصوف إلى صفته (يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُوناً، وعَلى الّذِي يَرْكَبُ
وَيَشْرَبِ النّفَقَةُ)) . رواه البخاري(٣)) :
(١) ورواية النسائي ومن ذكرنا أوضح في الدلالة على ذلك؛ فإن فيها - بدل قوله: فامتنع -
فقال : قد علمت ما يريد محمد ؛ إنما يريد أن يذهب بمالي ، أو يذهب بهما ! فقال رسول الله
﴿: ((كذب! قد علم أني من أتقاهم الله، وآداهم للأمانة)).
(٢) بمعنى : الدارّة.
(٣) ورواه أبو داود أيضاً، والترمذي - وصححه -، وابن ماجه، والطحاوي (٢٥١/٢، ٢٥٢)،
وأحمد (٢٢٨/٢ ، ٢٧٢) .
وفي رواية لهما بلفظ: ((فعلى المرتهن علفها)).
وفيها هشيم ، وهو مدلس ، وقد عنعنه . وقال أبو داود :
(هو عندنا صحیح)) .
١٢٢

٧ - كتاب البيوع
٥ - أبواب السلم والقرض والرهن
٨١٠ - حديث أبي هريرة
فاعل يركب ويشرب هو المرتهن ؛ بقرينة العوض ، وهو الركوب ، وإن كان
يحتمل أنه الراهن ، إلا أنه احتمال بعيد لأن النفقة لازمة له ؛ فإنَّ المرهون
ملكه ، وقد جعلت في الحديث على الراكب والشارب ، وهو غير المالك ؛ إذ
النفقة لازمة للمالك على كل حال .
والحديث دليل على أنه يستحق المرتهن الانتفاع بالرهن في مقابلة نفقته ،
وفي المسألة ثلاثة أقوال :
الأول : ذهب أحمد وإسحاق إلى العمل بظاهر الحديث ، وخصوا ذلك
بالركوب والدرّ، فقالوا : ينتفع بهما بقدر قيمة النفقة ، ولا يقاس غيرهما عليهما .
والثاني للجمهور: قالوا : لا ينتفع المرتهن بشيء ، قالوا : والحديث خالف
القياس من وجهين : أولهما : تجويز الركوب والشرب لغير المالك بغير إذنه ،
وثانيهما : تضمينه ذلك بالنفقة لا بالقيمة .
قال ابن عبد البر: هذا الحديث - عند جمهور الفقهاء - ترده أصول مجتمعة ،
وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها ، ويدل على نسخه حديث ابن عمر: ((لا
تحلب ماشية امرئ بغير إذنه)). أخرجه البخاري في أبواب المظالم.
قلت : أما النسخ؛ فلا بد له من معرفة التاريخ ، على أنه لا يحمل عليه إلا
إذا تعذر الجمع ، ولا تعذرهنا؛ إذْ يخص عموم النهي بالمرهونة .
وأما مخالفة القياس فليست الأحكام الشرعية مطردة على نسق واحد ؛ بل
الأدلة تُفَرِّقُ بينها في الأحكام ، والشارع حكم هنا بركوب المرهون وشرب لبنه
وجعله قيمة النفقة .
١٢٣

٧ - كتاب البيوع
٥ - أبواب السلم والقرض والرهن
٨١١ - حديث أبي هريرة
وقد حكم الشارع ببيع الحاكم عن المتمرّد بغير إذنه ، وجعل صاع التمر
عوضاً عن اللبن ، وغير ذلك .
وقال الشافعي: المراد أنه لا يمنع الراهن من ظهرها ودرّها ؛ فجعل الفاعل
الراهن ، وتعقب بأنه ورد بلفظ المرتهن فتعين الفاعل .
والقول الثالث للأوزاعي والليث : أن المراد من الحديث أنه إذا امتنع الراهن
من الإنفاق على المرهون ، فيباح حينئذ الإنفاق على الحيوان حفظاً لحياته ،
وجعل له في مقابل النفقة الانتفاع بالركوب ، أو شرب اللبن بشرط ألا يزيد قدر
ذلك أو قيمته على قدر علفه وقوّى هذا القول في ((الشرح)).
ولا يخفى أنه تقييد للحديث بما لم يقيده به الشرع ، وإنما قيده بالضابط
المتصيد من الأدلة ، وهو أن كل عين في يده لغيره بإذن الشارع ؛ فإنه ينفق عليها
بنية الرجوع على المالك وله أن يؤجرها ، أو يتصرف في لبنها في قيمة العلف ، إلا
أنه إذا كان في البلد حاكم ، ولم يستأذنه ، فلا رجوع بما أنفق ويلزمه غرامة المنفعة
واللبن ؛ فإن لم يكن في البلد حاكم ، أو كان يتضرر الحيوان بمدة الرجوع ، فله أن
ينفق ويرجع بما أنفق ، إلا أنه قد يقال : إنها قاعدة عامة فتخص بحديث الكتاب .
: ((لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الذي
٨١١ - وعنه قالَ: قالَ رَسُولُ الله ◌ِ
رَهَنَهُ؛ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيهِ غُرْمُهُ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، إلا
أنَّ المَحْفوظَ عِنْدَ أَبي داودَ وَغَيْرِهِ إِرْسالُهُ .
(وعنه): أي: أبي هريرة (قال: قال رسول الله عَ مية: ((لا يغلق): بفتح
حرف المضارعة وغين معجمة ساكنة ولام مفتوحة وقاف ، يقال : غلق الرهن ،
١٢٤

٧ - كتاب البيوع
٥ - أبواب السلم والقرض والرهن
٨١١ - حديث أبي هريرة
إذا خرج عن ملك الراهن ، واستولى عليه المرتهن بسبب عجزه عن أداء ما رهنه
فيه ، وكان هذا عادة العرب فنهاهم النبي ◌َ﴿ (الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ؛
لَهُ غُنْمُهُ) : زيادته (وعليْه غُرْمُهُ) : هلاكه ونفقته (رواه الدارقطني والحاكم،
ورجاله ثقات، إلا أن المحفوظ عند أبي داود وغيره إرساله(١)) .
قال الحافظ ابن عبد البر: اختلف في قوله : ((له غنمه وعليه غرمه)) ، فقيل :
هي مدرجة من قول سعيد بن المسيب ، قال : ورفعها ابن أبي ذئب ومعمر وغيرهما ،
مع كونهم أرسلوا الحديث على اختلاف على ابن أبي ذئب ، ووقفها غيرهم .
وقد روى ابن وهب هذا الحديث فجوَّده وبيّن أن هذه اللفظة من قول ابن
المسيب ، وكذا أبو داود في ((المراسيل)) قوى أنه من قوله .
ومعنى: ((يغلق)): لا يستحقه المرتهن ، إذا عجز صاحبه عن فكه ، والحديث
ورد لإبطال ما كان عليه في الجاهلية من غلق الرهن عند المرتهن ، وبيان أن
زيادته للمرتهن ونفقته عليه كما سلف فيما قبله .
(١) وقال الدارقطني: ((إسناده حسن متصل)). وقال الحاكم:
((صحيح على شرط الشيخين))، ووافقه الذهبي؛ وهو كما قالا .
ولا يصح إعلاله بالإرسال ؛ لأن الذين وصلوه جماعة ثقات .
لكن ذكر الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٢٠/٤) أن قوله: ((له غنمه ... )) من كلام سعيد بن
المسيب ؛ وأيّده ، فليراجع .
وإن صحت ؛ فالمعنى كما قال الشافعي : غنمه زيادته ، وغرمه هلاكه .
وفيه دليل على أنه إذا هلك في يد المرتهن يكون من ضمان الراهن ، ولا يسقط بهلاكه شيء
من حق المرتهن . وعليه الشافعي ؛ خلافاً لأبي حنيفة على تفصيل له .
١٢٥

٧ - كتاب البيوع
٥ - أبواب السلم والقرض والرهن ٨١٢ ٨١٣ - حديثا أبي رافع وعلي
وهو من أحاديث باب القرض ؛ والأحاديث في فضله والحث عليه كثيرة .
٨١٢ - وعن أبي رافعِ رَضي الله عَنْهُ: أَنَّ النبي ◌َ ◌ّهِ اسْتَلَفَ مِنْ رَجُلِ
2
بَكْراً ، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِيلِ الصَّدَقَةِ ، فَأَمَرِ أَبَا رَافِعْ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجلَ
بَكْرَهُ فَقَالَ: لا أجدُ إلا خِيَاراً رَبَاعِياً، فَقَالَ: ((أَعْطِهِ إيّاهُ؛ فإن خِيارَ النّاسِ
أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً)) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
اسْتَلَفَ من رجل بَكْراً) :
(وعن أبي رافع رضي الله عنه: أن النبي :
بفتح الموحدة وسكون الكاف : الصغير من الإبل (فَقَدمَتْ عليه إِبِلٌ من إِبِلِ
الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أبا رافع أن يَقْضِيَ الرجلَ بَكْرَهُ فقال: لا أجدُ إلا خياراً
رَباعياً): هو - بفتح الراءً - الذي يدخل في السنة السابعة وتبقى رباعيته (فقال :
((أَعْطِهِ إِيّاهُ؛ فإن خِيارَ النّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً)) . رواهُ مسلمٌ) :
تقدم الكلام على الخلاف في قرض الحيوان .
والحديث دليل على جوازه وأنه يستحب لمن عليه دين من قرض أو غيره أن
يرد أجود من الذي عليه ، وأن ذلك من مكارم الأخلاق المحمودة عرفاً وشرعاً ،
ولا يدخل في القرض الذي يجر نفعاً؛ لأنه لم يكن مشروطاً من المقرض وإنما
ذلك تبرع من المستقرض .
وظاهره العموم للزيادة عدداً ، أو صفة ، وقال مالك : الزيادة في العدد لا تحل .
٨١٣ - وعن عَلي رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِعَ ◌ّهِ: ((كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ
مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبا)) . رَوَاهُ الحارثُ بنُ أَبِي أُسَامَةَ ، وَإِسْنَادُهُ سَاقِطٌ .
وَلَهُ شَاهِدٌ ضَعِيفٌ عَنْ فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِي .
١٢٦

٧ - كتاب البيوع
٥ - أبواب السلم والقرض والرهن
٨١٣ - حديث علي
وَآَخَرُ مَوْقُوفٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ سَلامِ عِنْدَ البُخَارِيِّ .
(وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله سبحانه: ((كل قرض جر
منفعة فهو رباً)). رواه الحارث بن أبي أسامة، وإسناده ساقط): لأن في إسناده
سوار بن مصعب الهمداني المؤذن الأعمى ، وهو متروك .
(وله شاهد ضعيف عن فضالة بن عبيد عند البيهقي) : أخرجه البيهقي
في المعرفة بلفظ : ((كل قرض جرّ منفعة فهو وجه من وجوه الربا)).
(وآخر موقوف عن عبد الله بن سلام عند البخاري(١)): لم أجده في
(١) في (مناقب الأنصار) بسنده عن أبي بردة: أن عبدالله بن سلام قال له: إنك بأرض
(يعني : العراق) الربا بها فاش ، إذا كان لك على رجل حق ، فأهدى إليك حمل تبن ، أو حمل
شعير ، أو حمل قَتِّ (علف الدواب) فلا تأخذه ؛ فإنه ربا .
ورواه الطبراني في ((الكبير)) (١/٢٢٢/٤)، والبيهقي (٣٤٩/٥). قال الحافظ :
((يحتمل أن يكون ذلك رأي عبدالله بن سلام؛ وإلا فالفقهاء على أنه إنما يكون رباً إذا
شرطه . نعم ، الورع تركه)) !
قلت : لكن قد روى البيهقي نحوه عن أبيٍّ بسند صحيح .
وروى ابن ماجه معناه عن أنس مرفوعاً ، وسنده ضعيف ، وحسنه ابن تيمية ، ورمز له
السيوطي بالحسن ، وصححه العزيزي !
فالصواب ما ذهب إليه ابن تيمية : أن النهي على ظاهره ، ولكنه خاص بأخذ الهدية قبل
الوفاء . قال :
(لأن المقصود بالهدية أن يؤخر الاقتضاء ، وإن كان لم يشرط ذلك ولم يتكلم به ؛ فيصير
بمنزلة أن يأخذ الألف بهدية ناجزة وألف مؤخرة؛ وهذا رباً . ولهذا جاز أن يزيده عند الوفاء ،
ویهدي له بعد ذلك ؛ لزوال معنی الربا» .
١٢٧

٧ - كتاب البيوع
٥ - أبواب السلم والقرض والرهن
٨١٣ - حديث علي
البخاري في باب الاستقراض ، ولا نسبه المصنف في ((التلخيص)) إلى البخاري ؛
بل قال: إنه رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) عن ابن مسعود وأبيّ بن كعب
وعبد الله بن سلام وابن عباس موقوفاً عليهم . انتهى . فلو كان في البخاري لما
أهمل نسبته إليه في ((التلخيص)).
والحديث بعد صحته لا بدّ من التوفيق بينه وبين ما تقدّم ، وذلك بأن هذا
محمول على أن المنفعة مشروطة من المقروض ، أو في حكم المشروطة ، وأمّا لو
كانت تبرعاً من المقترض ، فقد تقدم أنه يستحب له أن يعطي خيراً مما أخذه .
١٢٨

٧ - كتاب البيوع
٦ - باب التفليس والحجر
٨١٤ - حديث أبي هريرة
٦ - بابُ التَّفْليس والحَجْر
هو لغة مصدر فلسته ، نسبته إلى الإفلاس الذي هو مصدر أفلس ؛ أي : صار
إلى حالة لا يملك فيها فلساً (١).
والحجر لغة : مصدر حجر؛ أي : منع وضيّق ، وشرعاً : قول الحاكم للمديون :
حَجَرْتُ عليك التصرف في مالك .
٨١٤ - عَنْ أَبِي بَكْرِ بنِ عَبْد الرَّحْمنِ رضيَ اللهُ عنهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي
الله عنه قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم يَقُولُ: ((مَنْ أَدْرَكَ
مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَس ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ)) . مُتّفقٌ عَلَيْه .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَمَالِكٌ مِنْ روَايةِ أَبِي بَكْر بِنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ مُرْسَلاً بِلَفْظ :
(أَيُّمَا رَجُلِ باعَ مَتَاعاً فَأَفْلَس الذي ابْتَاعَهُ ، ولم يَقْضِ الذي باعَهُ مِنْ ثمنهِ
شَيْئاً فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ؛ فإِن ماتَ المشْتَرِي فَصَاحِبُ المتَاعِ
أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ))، وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِي وَضَعَفَهُ تَبَعاً لأبي دَاوُدَ .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وابنُ مَاجَهْ مِنْ رَوَايَةٍ عُمَرَ بْنِ خَلدَةَ قال: أَتَيْنا أَبا هُريرةَ فى
صَاحِبِ لَنا قَدْ أَفلس فَقَالَ: لأَقْضِيَنَّ فِيكُمْ بِقَضَاءِ رَسُولِ اللهِنَّهِ: ((مَنْ
أَفْلَس أو مَاتَ فَوَجَدَ رَجُلٌ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ)، وَصَحّحَهُ الْحاكمُ،
وَضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَضَعْفَ أيضاً هذهِ الزَِّادَةَ في ذِكْرِ الَّوْتِ .
(١) والمفلس - شرعاً -: من يزيد دَيْنه على موجوده؛ سمي مفلساً؛ لأنه صار ذا فلوس بعد
أن کان ذا دراهم ودنانیر .
١٢٩

٧ - كتاب البيوع
٦ - باب التفليس والحجر
٨١٤ - حديث أبي هريرة
(عن أبي بكر بن عبد الرحمن رضي الله عنه) : أي : ابن الحارث بن هشام
المخزومي قاضي المدينة ، تابعي سمع عائشة وأبا هريرة ، روى عنه الشعبي والزهري
(عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
يقول: ((مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ) : لم يتغير بصفة من الصفات لا بزيادة ، ولا نقصان .
(عِنْدَ رَجُلٍ(١) قَدْ أَفْلسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ(٢)) . متفق عليه ، ورواه أبو
داود ومالك(٣) من رواية أبي بكر بن عبد الرحمن مرسلاً) .
وقد وصله أبو داود من طريق أخرى فيها إسماعيل بن عياش ؛ لأنها من
روايته عن الشاميين وروايته عنهم صحيحة .
(بلفظ : ((أَيُّمَا رَجُلِ بَاعَ مَتَاعاً فَأَفْلَسَ الذي ابْتَاعَهُ ، ولم يَقْضِ الذي بَاعَهُ
مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئاً فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ؛ فإن مَاتَ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ
الَّمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ». ووصله البيهقي وضعفه تبعاً لأبي داود (٤).
(١) زاد مسلم في رواية: ((ولم يُفَرِّقْهُ)).
(٢) وفي رواية لمسلم: ((من الغرماء)).
(٣) لو قدمه المصنف على أبي داود لأحسن ؛ لأن هذا إنما رواه من طريقه .
(٤) وصله أبو داود، والبيهقي (٤٧/٦)، وكذا الدارقطني (٣٠١) كلهم من طريق إسماعيل بن
عياش عن الزبيدي عن الزهري عن أبي بكر بن عبدالرحمن عن أبي هريرة رفعه به ؛ إلا أنه قال :
((فإن كان قضاه من ثمنها شيئاً ، فما بقي فهو أسوة الغرماء . وأيما امرئ هلك وعنده متاع
امرئ بعينه - اقتضى منه شيئاً أو لم يقتض -، فهو أسوة الغرماء)) . وقال الدارقطني :
(«إسماعيل بن عياش مضطرب الحديث ، ولا يثبت هذا عن الزهري مسنداً؛ وإنما هو مرسل))!
يعني : كما رواه مالك . ولهذا قال البيهقي :
=
٠٠
١٣٠

٧ - كتاب البيوع
٦ - باب التفليس والحجر
٨١٤ - حديث أبي هريرة
راجعنا ((سنن أبي داود)) فلم نجد فيها تضعيفاً للرواية هذه؛ بل قال في هذه
الرواية بعد إخراجه لها من طريق مالك : وحديث مالك أصح ، يريد أنه أصح
من رواية أبي بكر بن عبد الرحمن التي ساقها أبو داود ، وفيها قال أبو بكر :
قضى رسول الله يا أن من توفي وعنده سلعة رجل بعينها ، لم يقض من ثمنها
شيئاً ، فصاحب السلعة أسوة الغرماء فيها ، ولم يتكلم الشارح رحمهُ الله على
هذا بشيء (ورواه أبو داود وابن ماجه من رواية عمر بن خلدة) : بفتح الخاء
المعجمة واللام ودال مهملة (قال : أتينا أبا هريرة في صاحب لنا قد أفلس
فقال: لأقضينَّ فيكم بقضاء رسول الله عَظِ: ((مَنْ أَفْلَسَ ، أو مَاتَ فِوَجَدَ
رَجُلٌ مِتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ))(١) ، وصححه الحاكم ، وضعفه أبو داود ،
وضعف أيضاً هذه الزيادة في ذكر الموت) :
= ((لا يصح)) .
وسبقه إلی ذلك أبو داود بقوله :
(وحدیث مالك أصح)) ؛ يعني من حديث ابن عیاش الموصول ، ومن حدیث یونس عن ابن
شهاب قال: أخبرني أبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول الله :{ .... فذكر
معنی حدیث مالك ؛ زاد :
((وإن كان قد قضى من ثمنها شيئاً؛ فهو أسوة الغرماء)).
: أنه من توفي ... فذكره
وفي نسخة مكان هذه الزيادة : قال أبو بكر: وقضى رسول الله قم
كما أورده الشارح . فهذه الرواية المرسلة والرواية الموصولة كلتاهما مرجوحة وضعيفة ، ورواية
مالك هي الراجحة عند أبي داود .
ومن ذلك تعلم وجه قول الحافظ: («تبعاً لأبي داود)).
(١) زاد الشافعي: ((إلا إن ترك صاحبها وفاءً)) .
١٣١

٧ - كتاب البيوع
٦ - باب التفليس والحجر
٨١٤ - حديث أبي هريرة
سكت عليه الشارح، وقد راجعت ((سنن أبي داود)) فلم أجد فيها تضعيفاً
لرواية عمر بن خلدة (١)؛ بل قال البيهقي بعد رواية حديث أبي بكر بن عبد
الرحمن المرسلة التي ساق لفظها المصنف هنا بلفظ: ((أيما رجل)) إلى آخره ، أنَّه
قال الشافعي : رواية عمر بن خلدة أولى من رواية أبي بكر هذه ، قال : لأنها
موصولة جمع فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين الموت والإفلاس .
قال : وحديث ابن شهاب - يريد به رواية أبي بكر بن عبد الرحمن المذكورة -،
منقطع ، وساق في ذلك كلاماً كثيراً يُرجِّح به رواية عمر بن خلدة فليُنْظر .
هذا الحديث اشتمل على مسائل :
الأولى : أنّه إذا وجد البائع متاعه عند من شراه منه ، وقد أفلس ، فإنه أحق
بمتاعه من سائر الغرماء ، فيأخذه إذا كان له غرماء ؛ وعموم قوله: ((من أدرك
ماله))، يعم من كان له مال عند الآخر بقرض، أو بيع ، وإن كان قد وردت
أحاديث مصرحة بلفظ البيع ، فقد أخرج ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما الحديث
بلفظ : ((إذا ابتاع الرجل سلعة ، ثم أفلس وهي عنده بعينها ، فهو أحق بها من
الغرماء)) .
فقد عرف في الأصول أن الخاص الموافق للعامّ لا يُخَصِص العامّ ، إلا عند
(١) وقع ذلك في نسخة من ((سننه)) ، قال:
((من يأخذ بهذا؟! أبو المعتمر من هو؟!))؛ أي: لا نعرفه. وفي ((التقريب)) :
«مجهول الحال)) .
والصواب أنه مجهول العين ؛ لأنه لم يرو عنه غير ابن أبي ذئب .
١٣٢

٧ - كتاب البيوع
٦ - باب التفليس والحجر
٨١٤ - حديث أبي هريرة
أبي ثور، وقد زيفوا ما ذهب إليه من ذلك؛ ولذلك ذهب الشافعي وآخرون إلى
أن المقرض أولى بماله في القرض ، كما أنه أولى به في البيع .
وذهب غيره إلى أنه يختص ذلك بالبيع ، للتصريح به في أحاديث الباب ،
لكن قد عرفت أن ذلك لا يخص عموم حديث الباب .
المسألة الثانية : أفاد قوله: ((بعينه)) أنه إذا وجده ، وقد تغير بصفة من الصفات
أو بزيادة أو نقصان ، فإنه ليس صاحبه أولى به ؛ بل يكون أسوة الغرماء .
وقد اختلف العلماء في ذلك ؛ فذهبت الهادوية والشافعي إلى أنَّه إذا
تغيرت صفته بعيب فللبائع أخذه ، ولا أرش له ، وإن تغير بزيادة كان للمشتري
غرامة تلك الزيادة ، وهي ما أنفق عليه حتّى حصلت .
وكذلك الفوائد للمشتري ، ولو كانت متصلة ؛ لأنها إنما حدثت في ملكه ،
ويلزم له قيمة ما لا حدّ لبقائه ، كالشجرة إذا غرسها ، وإبقاء ماله حدّ بلا أجرة
کالزرع .
وكذلك إذا نقصت العين فله أخذ الباقي بحصته من الثمن ، والحديث
يتناوله ؛ لأن الباقي مبيع باق بعينه .
المسألة الثالثة : دلَّ لفظ أبي بكر بن عبد الرحمن المرسل أن البائع إذا كان
قد قبض بعض الثمن ، فليس له حق في استرجاع المبيع ؛ بل يكون أسوة
الغرماء ، وبهذا أخذ جمهور العلماء . وعند الهادوية - وهو راجح قولي الشافعي -
أنه لا يصير المبيع بقبض بعض ثمنه أسوة الغرماء ؛ بل البائع أولى به ، وكأنّ
١٣٣

٧ - كتاب البيوع
٦ - باب التفليس والحجر
٨١٤ - حديث أبي هريرة
الشافعي ذهب إلى هذا؛ لأنه لم يصح الحديث عنده؛ بل قال : إنه منقطع ،
فمَنْ قال بصحة الحدیث وأنه موصول ، قال بما قاله الجمهور ، ومن لا فلا .
وفي وصله وعدمه خلاف: منهم من رجح إرساله وهم أكثر الحفاظ(١) .
المسألة الرابعة: قوله : ((فإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء))،
فيه حذف تقديره : فمتاع صاحب المتاع أسوة الغرماء ، وهذا دال على التفرقة
بين الموت والإفلاس ، وإلى التفرقة بينهما ذهب مالك وأحمد عملاً بهذه
الرواية ؛ قالوا : لأن الميت برئت ذمته ، وليس للغرماء محل يرجعون إليه ،
فاستووا في ذلك بخلاف المفلس ، وسواء خلف الميت وفاء ، أو لا .
وذهب الهادوية إلى أنه إذا خلف وفاء ، فليس البائع أولى بمتاعه ؛ بل يسلم
الورثة الثمن من التركة ، وحجتهم أنه قد ورد في حديث أبي بكر بن عبد الرحمن
زيادة لفظ: ((إلا إن ترك صاحبها وفاء)»(٢).
(١) قلت: لكن يرجح الموصول: أن الإمام أحمد رواه (٥٢٥/٢) من طريق الحسن عن أبي
هريرة مرفوعاً بلفظ :
((أيما رجل أفلس ، فوجد رجل عنده ماله ، ولم يكن اقتضى من ماله شيئاً، فهو له)) . وقال
الهيثمي (١٤٤/٤) :
«ورجاله رجال (الصحيح))) .
قلت : لكن الحسن - وهو البصري - لم يسمع من أبي هريرة .
(٢) هذه الزيادة ليست في حديث أبي بكر بن عبد الرحمن ، وقد مضى لفظه ؛ وإنما هي في
حديث عمر بن خلدة المتقدم من رواية البيهقي (٤٦/٦) .
والشافعي قد قال بهذه الزيادة، كما رواه البيهقي عنه. والاحتمال الذي ذكره الشارح =
١٣٤

٧ - كتاب البيوع
٦ - باب التفليس والحجر
٨١٥ - حدیث الشرید
لكن قال الشافعي : يحتمل أن الزيادة من رأي أبي بكر بن عبد الرحمن ،
وقرينة الاحتمال أن الذين وصلوه عنه لم يذكروا قضية الموت ، وكذلك الذين
رووه عن أبي هريرة .
وذهب الشافعي إلى أنه لا فرق بين الموت والإفلاس ، وأن صاحب المتاع
أولى بمتاعه؛ عملاً بعموم: ((من أدرك ماله عند رجل)) ... الحديث. متفق
عليه ، قال : ولا فرق بين الموت والإفلاس ، والتفرقة بينهما برواية أبي بكر بن
عبد الرحمن ، وقوله فيها : ((فإن مات فصاحب المتاع أسوة الغرماء)) غير
صحيحة ؛ لأن الحديث مرسل ، لم يصح وصله ؛ فلا يعمل به ؛ بل في رواية
عمر بن خلدة التسوية بين الموت والإفلاس ، وهو حديث حسن يحتج بمثله .
٨١٥ - وعن عَمْرو بنِ الشّريدِ عَنْ أَبيهِ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : قالَ رسولُ الله
صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: ((لَيُّ الْوَاجدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
وَالنّسَائِيُّ ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَصَحّحَهُ ابنُ حِبّانَ .
= عنه إنما قاله الشافعي في حديث أبي بكر المتقدم بلفظ: ((فإن مات المشتري ؛ فصاحب المتاع
أسوة الغرماء)) .
لكن يرد هذا الاحتمال أن هذه الزيادة وردت بمعناها موصولة في حديث ابن عياش ، كما تقدم .
وتابعه اليمان بن عدي عند ابن ماجه وغيره ؛ واليمان هذا - وإن كان لين الحديث ، كما ((في
التقريب)) - فلا بأس به في المتابعات .
وحديث ابن خلدة ضعيف ، كما تقدم ، ولم يأت ما يشهد له ؛ فليس بحسن ؛ خلافاً
للشارح، وهو في ذلك تابع للحافظ في ((الفتح)) (٥٠/٥)، وإن صححه الحاكم ووافقه الذهبي ؛
فقد ضعفه أبو داود ، كما تقدم ، وتبعه عبدالحق في ((أحكامه))، والطحاوي ، وابن المنذر.
١٣٥

٧ - كتاب البيوع
٦ - باب التفليس والحجر
٨١٥ - حديث الشريد
(وعن عمرو بن الشريد) : بفتح الشين المعجمة وكسر الراء ، تابعي سمع
ابن عباس وغيره (عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم: ((ليُّ) : بفتح اللام ، ثم مثناة تحتية مشدّدة مصدر لوى يلوي ؛ أي :
مطل ، أضيف إلى فاعله ، وهو (الْوَاجِدِ) : بالجيم يعني من الوجد بالضم ؛ أي :
القدرة (يُحِلُّ): بضم حرف المضارعة (عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ)) . رواه أبو داود
والنسائي، وعلقه البخاري(١)، وصححه ابن حبان(٢)):
وأخرجه أحمد وابن ماجه والبيهقي ، وفسّر البخاري حل العرض بما علقه
عن سفيان قال : يقول : مطلني ، وعقوبته : حبسه ، وهو دليل لزيد بن علي أنه
یحبس ، حتی یقضي دينه .
وأجاز الجمهور الحجز ، وبيع الحاكم عنه ماله ، وهذا أيضاً داخل تحت لفظ :
((عقوبته)) لا سيما وتفسيرها بالحيس ليس بمرفوع.
(١) لكنه عنده (٤٧/٥) بصيغة التمريض، فقال: ((ويذكر عن النبي ح﴿ .... )) فذكره؛ وقال :
((وقال سفيان: عرضه ؛ يقول: مطلني. وعقوبته الحبس)). ثم عزاه الحافظ لأحمد وإسحاق
في ((مسنديهما)) أيضاً ، وقال :
((وإسناده حسن، وذكر الطبراني أنه لا يروى إلا بهذا الإسناد))!
وفيه نظر؛ فإن مداره على محمد بن ميمون بن مسيكة ، لم يوثقه غير ابن حبان ، وتفرد عنه
وبر بن أبي دليلة ، وقد سكت عنه ابن أبي حاتم (٨٠/١/٤). وقال الحافظ في («التقريب)):
((مقبول))؛ يعني : عند المتابعة ؛ وإلا فلين الحديث .
فإذا تفرد بالحديث ؛ فهو لین غير مقبول !
(٢) (رقم ١١٦٤) .
١٣٦

٧ - كتاب البيوع
٦ - باب التفليس والحجر ٨١٦ - حديث أبي سعيد الخدري
ودلّ الحديث على تحريم مطل الواجد ؛ ولذا أبيحت عقوبته ، وإنما اختلف
العلماء ؛ هل يبلغ إلى حدّ الكبيرة فيفسق وترد شهادته بمطله مرة واحدة أم لا؟
فذهبت الهادوية إلى أنه يَفْسُق بذلك ، واختلفوا في قدر ما يفسق به ، فقال
الجمهور منهم : إنه يفسق بمطل عشرة دراهم فما فوق قياساً على نصاب السرقة ،
وفي كلام الهادي عليهِ السَّلام ما يقضي بأنه يفسق بدون ذلك .
وكذلك ذهبت إلى هذا المالكية والشافعية ، إلا أنهم تردّدوا في اشتراط
التكرار ؛ ومقتضى مذهب الشافعي اشتراطه .
ثم يدل بمفهومه على أن مَطْل غير الواجد - وهو المعسر - لا يحل عرضه ، ولا
عقوبته ، والحكم كذلك عند الجماهير، وهو الذي دلَّ له قوله تعالى: ﴿فنظرة
إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠] .
٨١٦ - وعن أبي سَعيد الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قالَ: أُصيبَ رَجُلٌ في
عَهْدِ رَسُولِ الله ◌َ ﴿ِ فِي ثمَارِ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فقال رَسُولُ اللّه ◌َاهِ: (تَصدَّقُوا
عَلَيْهِ))، فَتَصَدَّق النّاسُ عَلَيْهِ ؛ ولم يَبْلُغْ ذلك وَفاءَ دَيْنِهِ ، فقال رَسُولُ الله
لِغُرَمَائِهِ: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ ، وليس لَكُمْ إلا ذلكَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : أصيب رجل في عهد
رسول الله ◌َ ي في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال رسول الله عَ ليه: «تصدقوا
عليه))، فتصدق الناس عليه؛ ولم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله صل خلاله
لغرمائه : ((خذوا ما وجد تم، وليس لكم إلا ذلك)). رواه مسلم(١)) :
(١) واستدركه الحاكم (٤١/٢) على الشيخين ؛ فوهم في ذلك على مسلم !
١٣٧

٧ - كتاب البيوع
٦ - باب التفليس والحجر
٨١٧ - حديث كعب بن مالك
تقدم الكلام في الجمع بين هذا الحديث وحديث جابر ، وقوله : ((فلا يحلّ لك
أن تأخذ))، بأن هذا على جهة الاستحباب ، والحث على جبر من حدث عليه
حادث، ويدل أيضاً قوله: ((وليس لكم إلا ذلك)) على أن الثمرة غير مضمونة ؛ إذْ لو
كانت مضمونة لقال : وما بقي فنظرة إلى ميسرة ، أو نحوه ؛ إذ الدّين لا يسقط
بإعسار المدين ، وإنما تتأخر عنه المطالبة في الحال ، ومتى أيسر وجب عليه القضاء(١).
﴿ حَجَرَ عَلى مُعاذ
٨١٧ - وعن ابن كَعْبٍ بن مَالكِ عَنْ أبيه : أَنَّ النبيَّ
مَالَهُ ، وَبَاعِهُ عنِ دَيْن كانَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ، وصَحّحَهُ الحاكمُ ، وَأَخْرَجَهُ
أَبُو داودَ مُرْسلاً، وَرَجَّحَ إِرْسَالَهُ .
(وعن ابن كعب بن مالك): اسمه عبد الرحمن ؛ سماه عبد الرزاق(٢) (عن
أبيه: أن النبي ◌ُزمنٍ حجر على معاذ ماله ، وباعه عن دين كان عليه . رواه
ء
ء
الدارقطني ، وصححه الحاكم(٣)، وأخرجه أبو داود(٤) مرسلاً ، ورجح إرساله) :
قال عبد الحق: المرسل أصح من المتصل، وقال ابن الطلاع(٥) في ((الأحكام)):
هو حديث ثابت .
(١) انظر الجواب فيما تقدم (ص١١٢).
(٢) وكذلك سماه هشام بن يوسف: عند الحاكم (٢٧٣/٣)، وعند البيهقي (٤٨/٦).
وقد أخرج هذا رواية عبدالرزاق ، وليس فيها هذه التسمية ! فالله أعلم .
(٣) على شرط الشيخين ، ووافقه الذهبي .
(٤) أي: في ((المراسيل))، كما قيّده في ((التلخيص)) (ص٢٤٦).
ء)) (٤٠٤ - ٤٩٧) .
(٥) ابن الطلاع: هو محمد بن الفرج القرطبي المالكي، له ((أحكام النبي :
١٣٨

٧ - كتاب البيوع
٦ - باب التفليس والحجر
٨١٧ - حدیث کعب بن مالك
كان ذلك في سنة تسع ، وجعل لغرمائه خمسة أسباع حقوقهم ، فقالوا : يا
رسول الله! بعه لنا ، فقال: ((ليس لكم إليه سبيل)).
وأخرجه البيهقي(١) من طريق الواقدي، وزاد أن النبي ◌ٍَّ بعثه بعد ذلك
إلى اليمن ليجبره .
والحديث دليل على أنه يحجر الحاكم على المدين التصرف في ماله ، ويبيعه
عنه لقضاء غرمائه .
والقول بأنه حكاية فعل غير صحيح ؛ فإن هذا فعل لا يتم إلا بأقوال تصدر
عنه ◌َيٍ يحجر بها تصرفه ، وألفاظ يبيع بها ماله ، وألفاظ يقضي بها غرمائه ،
وما كان بهذه المثابة لا يقال : إنه حكاية فعل ، إنما حكاية الفعل مثل حديث :
خلع نعله فخلعوا نعالهم ، كما لا يخفى .
ظاهر الحديث أن ماله كان مستغرقاً بالدين ، فهل يلحق به من لم يستغرق
ماله في الحجر والبيع عنه كالواجد إذا مطل؟ اختلف العلماء في ذلك .
فقال جمهور الهادوية والشافعي : إنه يلحق به فيحجر عليه ويباع ماله لأنه
قد حصل المقتضي لذلك ؛ وهو عدم المسارعة بقضاء الدين .
وقال زيد بن علي والحنفية : إنه لا يلحق به ؛ فلا يحجر عليه ، ولا يباع
عنه ؛ بل يجب حبسه ، حتّى يقضي دينه لحديث: ((إنه لا يحل مال امرئ
(١) في ((سننه)) (٥٠/٦)، وهو من طريق الحاكم (٢٧٤/٣).
والواقدي متروك، وعنه ابن سعد (٥٨٧/٣ -٥٨٨).
١٣٩

٧ - كتاب البيوع
٦ - باب التفليس والحجر
٨١٧ - حديث كعب بن مالك
مسلم إلا بطيبة من نفسه)) (١)، ولقوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض﴾
[النساء: ٢٩]، ومقتضى الحجر والبيع إخراج المال من غير طيبة من نفسه ، ولا
رضا .
والجواب عنه بأن الحديث والآية عامان خصصا بحديث معاذ ، لا يتم ؛ لأن
حديث معاذ ليس إلا في المستغرق ماله بدينه ، والكلام في غيره ، وهو الواجد
الماطل .
فالأولى أن يقال : إنَّهما خُصصا بقياس الماطل الواجد على من استغرق دينه
ماله ، إلا أنه لا يخفى عدم نهوض القياس .
نعم في حديث : ((لَيُّ الواجد يُحِلُّ عرضه وعقوبته)) ، دليل على أنه يحجر
عليه ويباع عنه ماله ؛ فإنه داخل تحت مفهوم العقوبة . وتفسيرها بالحبس فقط
مجرد رأي مِن قائِله .
(١) حديث صحيح؛ أخرجه أبو يعلى عن أبي حرة الرقاشي عن عمه مرفوعاً به ؛ إلا أنه
قال : ((إلا بطيب نفس منه)). قال الهيثمي :
((وأبو حرة؛ وثقه أبو داود ، وضعفه ابن معين)).
قلت : لكن الحديث صحيح ؛ فإن له شواهد كثيرة ؛ منها : عن عمرو بن يثربي : عند
الطحاوي في كتابيه ، والدارقطني، والبيهقي (٩٧/٦)، وأحمد والطبراني في ((الأوسط)»
(١/١٤٨/١ - من زوائده).
ومنها : عن ابن عباس وابن عمر : عند البيهقي .
وأخرجه أحمد (٤٢٥/٥) من حديث أبي حميد الساعدي مرفوعاً بلفظ: ((لا يحل لامرئ
أن يأخذ مال أخيه بغیر حقه» . وسنده صحيح .
١٤٠