Indexed OCR Text

Pages 61-80

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٧٢ - حديث عائشة
٧٧٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ رضيَ اللهُ عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله صلَّى اللهُ عليه
وآله وسلَّمَ: (الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ)). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وضعفه البُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ ،
وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وابن خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ الْجَارودِ، وابْنُ حِبَّنَ ، والحاكم ، وابْنُ
القَطَّان .
(وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم: ((الخراج بالضمان)). رواه الخمسة، وضعفه البخاري): لأن فيه مسلم بن
خالد الزنجي ، وهو ذاهب الحديث (وأبو داود ، وصححه الترمذي وابن خزيمة ،
وابن الجارود وابن حبان والحاكم وابن القطان) : الحديث أخرجه الشافعي
وأصحاب ((السنن)) بطوله؛ وهو: أن رجلاً اشترى غلاماً في زمن رسول الله عَ ليه ،
وكان عنده ما شاء الله ، ثم رده من عيب وجده ؛ فقضى رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم برده بالعيب ، فقال المقضي عليه : قد استعمله ، فقال رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم: ((الخراج بالضمان))، والخراج: هو الغلة والكراء ، ومعناه: أن
المبيع إذا كان له دخل وغلة فإن مالك الرقبة الذي هو ضامن لها يملك خراجها
لضمان أصلها ، فإذا ابتاع رجل أرضاً فاستعملها أو ماشية فنتجها أو دابة فركبها أو
عبداً فاستخدمه ، ثم وجد به عيباً، فله أن يرد الرقبة ، ولا شيء عليه فيما انتفع
به ؛ لأنها لو تلفت ما بين مدة الفسخ والعقد لكانت في ضمان المشتري ، فوجب أن
يكون الخراج له . وقد اختلف العلماء في المسألة على ثلاثة أقوال :
الأول : للشافعي : أن الخراج بالضمان على ما قررناه في معنى الحديث ، وما
وجد من الفوائد الأصلية والفرعية فهو للمشتري ، ويرد المبيع ما لم يكن ناقصاً
عما أخذه .
٦١

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٧٣ - حديث عروة البارقي
الثاني : للهادوية : أنه يفرق بين الفوائد الأصلية والفرعية فيستحق المشتري
الفرعية ، وأما الأصلية فتصير أمانة في يده ، فإن رد المشتري المبيع بالحكم وجب
الرد ويضمن التلف ، وإن كان بالتراضي لم يردها .
الثالث : للحنفية : أن المشتري يستحق الفوائد الفرعية كالكراء ، وأما الفوائد
الأصلية كالثمر؛ فإن كانت باقية ردها مع الأصل ، وإن كانت تالفة امتنع الرد ،
واستحق الأرش .
الرابع : لمالك : أنه يفرق بين الفوائد الأصلية كالصوف والشعر فيستحقه
المشتري ، والولد يرده مع أمه ، وهذا مالم تكن متصلة بالمبيع وقت الرد ، فإن كانت
متصلة وجب الرد لها إجماعاً . هذا ما قاله المذكورون . والحديث ظاهر فيما ذهب
إليه الشافعية ، وأما إذا وطئ المشتري الأمة ، ثم وجد فيها عيباً، فقد اختلف
العلماء في ذلك ؛ فقالت الهادوية وأهل الرأي والثوري وإسحاق : يمتنع الرد لأن
الوطء جناية ؛ لأنه لا يحل وطء الأمة لأصل المشتري ، ولا لفصله ؛ فقد عيَّبها
بذلك ، قالوا : وكذا مقدمات الوطء يمتنع الرد بعدها لذلك ، قالوا : ولكنه يرجع
على البائع بأرش العيب ، وقيل : يردها ويرد معها مهر مثلها ، ومنهم من فرق بين
الثيب والبكر ، وقد استوفى الخطابي ذلك ، ونقله الشارح ، والكل أقوال عارية عن
الاستدلال ، ودعوى أن الوطء جناية دعوى غير صحيحة ، والتعليل بأنه حرمها به
على أصوله وفصوله فكانت جناية ، عليل ؛ فإنه لم ينحصر المشتري لها فيهما .
٧٧٣ - وَعَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّم أَعْطَاهُ دِيناراً لِيَشْتَرِي بِهِ أُضْحِية، أَوْ شَاةً، فاشْتَرِى بِهِ شَاتَيْنِ ، فَبَاعَ
٦٢

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٧٣ - حديث عروة البارقي
إِحْدَاهمَا بِدِينَار، فَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ، فَدَعَا لَهُ بِالبَرَكَةِ فِي بَيْعِه ؛ فَكَانَ لَو
اشْتَرَى تُرَابَاً لَّرَبِحَ فِيهِ . رَوَاهُ الْخَّمْسَةُ، إِلا النَّسَائِيَّ .
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ضمن حَدِيثٍ ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ .
وَأَوْرَدَ التِّرْمِذِيُّ لَهُ شَاهِداً مِنْ حَدِيث حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ.
(وعن عروة البارقي رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
أعطاه ديناراً يشتري به أضحية أو شاة ، فاشترى به شاتين ، فباع إحداهما
بدينار ، فأتاه بشاة ودينار ، فدعا له بالبركة في بيعه ؛ فكان لو اشترى تراباً
الربح فيه . رواه الخمسة ، إلا النسائي ، وقد أخرجه البخاري ضمن حديث ،
ولم يسق لفظه ، وأورد له الترمذي شاهداً من حديث حكيم بن حزام) :
الحديث في إسناده سعيد بن زيد أخو حماد ؛ مختلف فيه ، قال المنذري
والنووي : إسناده حسن صحيح، وفيه كلام كثير(١) ، وقال المصنف : الصواب أنه
متصل ، في إسناده مبهم ، وفي الحديث دلالة على أن عروة شرى ما لم يوكل
(١) قلت: لكن تابعه هارون بن موسى - وهو الأزدي العتكي -: عند الترمذي (٢٤٩/٢ -
تحفة) ؛ وهو ثقة محتج به عند الشيخين .
لكن فوقه أبو لَبيد لِمازة بن زَبَّار؛ وهو صدوق، كما في ((التقريب))؛ فالسند حسن .
وأما الحديث فصحيح؛ لأنه عند البخاري (٤٩٥/٦) من طريق أخرى ، قال فيها شبيب بن
غرقدة : سمعت الحيّ يحدثون عن عروة .
وفي رواية للبيهقي : سمع قومه يحدّثون .
وقول الحافظ : ((ضمن حديث)) ، لا وجه له ؛ فالحديث عنده هو هذا بمعناه ، ليس فيه زيادة ،
وهذا لفظه لأبي داود مع اختلاف يسير في بعض الأحرف ؛ وهو عند الآخرين باختلاف أكثر .
٦٣

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٧٣ - حديث عروة البارقي
بشرائه ، وباع كذلك ؛ لأنه أعطاه ديناراً لشراء أضحية ، فلو وقف على الأمر لشرى
ببعض الدينار الأضحية ، ورد البعض ، وهذا الذي فعله هو الذي تسميه الفقهاء :
العقد الموقوف الذي ينفذ بالإجازة ، وقد وقعت هنا ، وللعلماء فيه خمسة أقوال :
الأول : أنه يصح العقد الموقوف ، وذهب إلى هذا جماعة من السلف والهادوية
عملاً بالحديث .
والثاني : أنه لا يصح ، وإليه ذهب الشافعي ، وقال : إن الإجازة لا تصححه ،
محتجاً بحديث: ((لا تبع ما ليس عندك)). أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي ،
وهو شامل للمعدوم وملك الغير ، وتردد الشافعي في صحة حديث عروة ، وعلق
القول به على صحته .
والثالث : التفصيل لأبي حنيفة ، فقال : يجوز البيع لا الشراء ، وكأنه فرق
بينهما ؛ بأن البيع إخراج عن ملك المالك ، وللمالك حق في استبقاء ملكه ؛ فإذا أجاز
فقد أسقط حقه ، بخلاف الشراء فإنه إثبات لملك فلا بد من تولي المالك لذلك .
والرابع : لمالك ، وهو عكس ما قاله أبو حنيفة ، وكأنه أراد الجمع بين الحديثين :
حديث : ((لا تبع ما ليس عندك)) وحديث عروة ؛ فيعمل به ما لم يعارض .
والخامس : أنه يصح إذا وكل بشراء شيء ، فيشتري بعضه ، وهو للجصاص .
وإذا صح حديث عروة ، فالعمل به هو الراجح ، وفيه دليل على صحة بيع
الأضحية وإن تعينت بالشراء ؛ لإبدال المثل ، ولا تطيب زيادة الثمن ؛ ولذا أمره
بالتصدق بها ، وفي دعائه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم له بالبركة دليل على
أن شكر الصنيع لمن فعل المعروف ومكافأته مستحبة ، ولو بالدعاء .
٦٤

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٧٤ - حديث أبي سعيد الخدري
٧٧٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيد الخُدَرِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ِ نَهَى عَنْ شِرَاء
مَا فِي بُطُون الأَنْعَامِ حَتَى تَضَعَ ، وَعَنْ بَيْعِ مَا فِي ضُرُوعِهَا ، وَعَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ
وَهُوَ آَبِقٍ ، وَعَنْ شِرَاء الْمَغَانِمِ حَتَى تُقْسَم ، وَعَنْ شِرَاء الصَّدَقَات حتَّى تُقْبَضَ ،
وَعَنْ ضَرْبَةِ الغَائِص. رَوَاهُ أَبْنُ مَاجَه وَالبَزَّارُ والدَّارِقُطْنِي بِإِسْنَادِ ضَعيف .
(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي ◌َّهُ نهى عن شراء ما
في بطون الأنعام حتى تضع ، وعن بيع ما في ضروعها ، وعن شراء العبد وهو
آبق ، وعن شراء المغانم حتى تقسم ، وعن شراء الصدقات حتى تقبض ، وعن
ضربة الغائص . رواه ابن ماجه والبزار والدارقطني بإسناد ضعيف) : لأنه من
حديث شهر بن حوشب ، وشهر تكلم فيه جماعة كالنضر بن شميل والنسائي
وابن عدي وغيرهم ، وقال البخاري : شهر حسن الحديث وقوى أمره ، ورُوي عن
أحمد أنه قال : ما أحسن حديثه !
والحديث اشتمل على ست صور منهي عنها :
الأولى : بيع ما في بطون الحيوان ، وهو مجمع على تحريمه .
والثانية : اللبن في الضروع وهو مجمع عليه أيضاً ، وقد تقدم .
والثالثة : العبد الآبق ؛ وذلك لتعذر تسليمه .
والرابعة : شراء المغانم قبل القسمة ؛ وذلك لعدم الملك .
والخامسة : شراء الصدقات قبل القبض ؛ فإنه لا يستقر ملك المتصدق عليه
إلا بعد القبض ، إلا أنه استثنى الفقهاء من ذلك بيع المصدق للصدقة قبل
القبض بعد التخلية ؛ فإنه يصح لأنهم جعلوا التخلية كالقبض في حقه .
٦٥

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٧٥ و٧٧٦ - حديثا ابن مسعود وابن عباس
السادسة : ضربة الغائص ، وهو أن يقول : أغوص في البحر غوصة بكذا فما
خرج فهو لك . والعلة في ذلك هو الغرر .
٧٧٥ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُود رضيَ اللهُ عنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله عَزِ: ((لا تَشْتَروا
السَّمَكَ في الماء ؛ فإنَّه غَرَرٌ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الصَّوَابِ وَقْفُهُ.
(وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ليه: ((لا تشتروا
السمك في الماء ؛ فإنه غرر)). رواه أحمد وأشار إلى أن الصواب وقفه): وهو
دليل على حرمة بيع السمك في الماء ، وقد علله بأنه غرر؛ وذلك لأنه تخفى في
الماء حقيقته ، ويرى الصغير كبيراً وعكسه ، وظاهره النهي عن ذلك مطلقاً ،
وفصل الفقهاء في ذلك ؛ فقالوا : إن كان في ماء كثير لا يمكن أخذه إلا بتصيد ،
ويجوز عدم أخذه ، فالبيع غير صحيح ، وإن كان في ماء لا يفوت فيه ، ويؤخذ
بتصيد ، فالبيع صحيح ، ويثبت فيه الخيار بعد التسليم ، وإنْ كان لا يحتاجُ إلى
تصيد ، فالبيع صحيح ، ويثبت فيه خيار الرؤية ، وهذا التفصيل يؤخذ من
الأدلة ، والتعليل المقتضي للإلحاق يخصص عموم النهي .
٧٧٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله صلَّى اللهُ
عليه وآله وسلَّم أنْ تُبَاعَ ثَمَرَّةٌ حَتَّى تُطْعِمَ ، وَلا يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرِ، وَلا لَبَنٌ
فِي ضَرْعٍ - رَوَاُ الطَّبَرَانِيُّ في ((الأوسط))، والدَّارَقُطْنِيُّ.
وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد في ((الَرَاسِيل)) لِعِكْرِمَةَ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضاً مَوْقُوفاً عَلَى ابْنِ
عَبَّاسٍ بإسنادٍ قَوِيٌّ ، وَرَجَّحَهُ البَيْهَقِيُّ .
(وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم أن تباع ثمرة حتى تطعم) : بضم المثناة الفوقية وكسر العين المهملة :
٦٦

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٧٧ - حديث أبى هريرة
يبدو صلاحها (ولا يباع صوف على ظهر ، ولا لبن في ضرع . رواه الطبراني
في ((الأوسط))، والدارقطني، وأخرجه أبو داود في ((المراسيل)) لعكرمة) :
وهو الراجح (وأخرجه أيضاً موقوفاً على ابن عباس بإسناد قوي، ورجحه
البيهقي) : اشتمل الحديث على ثلاث مسائل :
الأولى : النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها ويطيب أكلها ، ويأتي
الكلام في ذلك .
والثانية : النهي عن بيع الصوف على الظهر، وفيه قولان للعلماء : الأول :
أنه لا يصح عملاً بالحديث ، ولأنه يقع الاختلاف في موضع القطع من الحيوان
فيقع الإضرار به ، وهذا قول الهادوية والشافعي وأبي حنيفة .
والقول الثاني : أنه يصح البيع لأنه مشاهد يمكن تسليمه ؛ فيصح كما صح
من المذبوح ، وهذا قول مالك ومن وافقه ، قالوا : والحديث موقوف على ابن
عباس ، والقول الأول أظهر ، والحديث قد تعاضد فيه المرسل والموقوف ، وقد صح
النهي عن الغرر ، والغرر حاصل فيه .
والثالثة : النهي عن بيع اللبن في الضرع ؛ لما فيه من الغرر، وذهب سعيد بن
جبير إلى جوازه، قال: لأنه ﴿ سمى الضرع خزانة في قوله فيمن يحلب شاة أخيه
بغير إذنه : ((يعمد أحدكم إلى خزانة أخيه ويأخذ ما فيها)) . وأجيب بأن تسميته
خزانة مجاز، ولئن سلم فبيع ما في الخزانة بيع غرر ، ولا يدرى بكميته وكيفيته .
٧٧٧ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّم نَهَى عن بيع الَمَضَامين والملاقِيح . رواهُ البَزَّارُ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ .
٦٧

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٧٨ - حديث أبي هريرة
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
نهى عن بيع المضامين): المراد بها ما في بطون الإبل (والملاقيح) : هو ما في ظهور
الجمال (رواه البزار، وفي إسناده ضعف): لأن في رواته صالح بن أبي الأخضر
عن الزهري ، وهو ضعيف ، ورواه مالك عن الزهري عن سعيد مرسلاً، قال
الدارقطني في ((العلل)): تابعه معمر ، ووصله عمر بن قيس عن الزهري ، وقول
مالك هو الصحيح ، وفي الباب عن ابن عمر . أخرجه عبد الرزاق بإسناد قوي .
والحديث دليل على عدم صحة بيع المضامين والملاقيح وقد تقدم وهو إجماع .
٧٧٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلَّى اللهُ عليه
وآله وسلَّم: ((مَنْ أَقَالَ مُسْلِمَاً بَيْعَتَهُ أقال اللهُ عَثْرَتَهُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وابْنُ
مَاجَه ، وَصَحَّحْهُ ابن حبّانِ وَالحَاكِمُ .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ليه: ((من أقال
مسلماً بيعته أقال الله عثرته)) . رواه أبو داود وابن ماجه ، وصححه ابن حبان
والحاكم): وهو عنده بلفظ: ((من أقال مسلماً أقال الله عثرته يوم القيامة)). قال
أبو الفتح القشيري : هو على شرطهما ، وفي الباب ما يشده من الأحاديث الدالة
على فضل الإقالة . وحقيقتها شرعاً رفع العقد الواقع بين المتعاقدين وهي
مشروعة إجماعاً ، ولا بد من لفظ يدل عليها ، وهو: أقلت أو ما يفيد معناه
عرفاً . وللإقالة شرائط ذكرت في كتب الفروع لا دليل عليها ، وإنما دلَّ الحديثُ
على أنها تكون بين المتبايعين؛ لقوله: ((بيعته))، وأما كون المقال مسلماً ، فليس
بشرطٍ ، وإنما ذكره لكونه حكماً أغلبياً، وإلا فثواب الإقالة ثابت في إقالة غير
المسلم، وقد ورد بلفظ: ((من أقال نادماً)) . أخرجه البزار.
٦٨

٧ - كتاب البيوع
٢ - باب الخيار
٧٧٩ - حديث ابن عمر
٢ - باب الخيار
الخيار، بكسر الخاء المعجمة : اسم من الاختيار، أو التخيير، وهو طلب خير
الأمريْن ؛ من إمضاء البيع أو فسخه . وهو أنواع ، ذكر المصنف في هذا الباب
خيار الشرط ، وخيار المجلس .
٧٧٩ - عن ابْنِ عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا، عَنْ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّم قالَ : ((إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلانِ، فكلْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بالخِيارِ ، ما لم يَتَفَرَّقَا وَكَانا
جَميعاً ، أو يُخيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ ؛ فإن خَيّرَ أَحَدُهُما الآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلى ذلكَ،
فقد وَجَبَ البَيْعُ ، وإن تَفَرَّقا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعا ، ولم يَتْرُكْ واحدٌ مِنْهُمَا البيعَ ، فقد
وجَبَ البَيْعُ)). مُتَّفَقَ عَلَيْهِ ، وَاللّفْظُ لمسْلم .
(عن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
قال : ((إذا تَبَايعَ الرَّجلانِ): أي : أوقعا العقد بينهما ، لا تساوما من غير عقد
(فكُلُّ واحد مِنْهُما بالخيار، مَا لَمْ يَتَفَرَّقًا): وفي لفظ: (يفترقا)) والمراد:
بالأبدان (وكانَا جميعاً، أو يُخَيّرُ): من التخيير (أَحَدُهُمَا الآخَرَ): فإن خيَّر
أحدهما الآخر ؛ أي : إذا اشترط أحدهما الخيار مدة معلومة ، فإنَّ الخيار لا
ينقضي بالتفرق ؛ بل يبقى ، حتّى تمضي مدة الخيار التي شرطها .
وقيل : المراد إذا اختار إمضاء البيع قبل التفرق ، لزمه البيع حينئذ ، وبطل
اعتبار التفرق . ويدل لهذا قوله : (فإنْ خَيّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فَتَبَايَعا عَلى ذلكَ،
فقد وجَبَ البَيْعُ) : أي : نفذ وتم .
٦٩

٧ - كتاب البيوع
٢ - باب الخيار
٧٧٩ - حديث ابن عمر
(وإنْ تَفَرّقا): بالأبدان (بَعْدَ أَنْ تَبَايَعا): أي: عقدا عقد البيع (ولَمْ يَتْرُكْ
واحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ ، فقد وَجَبَ البَيْع. متفق عليه ، واللفظ لمسلم).
الحديث دليل على ثبوت خيار المجلس للمتبايعيْن ، وأنه يمتد إلى أن يحصل
التفرق بالأبدان .
وقد اختلف العلماء في ثبوته على قولين :
الأول : ثبوته ، وهو لجماعة من الصحابة منهم عليّ عليهِ السَّلام وابن
عباس ، وابن عمر وغيرهم ، وإليه ذهب أكثر التابعين والشافعي وأحمد وإسحاق
والإمام يحيى ؛ قالوا: والتفرق الذي يبطل به الخيار ما يسمى عادة تفرُّقاً ، ففي
المنزل الصغير بخروج أحدهما ، وفي الكبير بالتحوّ من مجلسه إلى آخر
بخطوتين، أو ثلاث ، ودلَّ على أنَّ هذا تفرق فعلُ ابن عمر المعروف(١) .
فإن قاما معاً ، أو ذهبا معاً، فالخيار باق ، وهذا المذهب دليله هذا الحديث
المتفق عليه .
القول الثاني : للهادوية والحنفية ومالك والإمامية أنه لا يثبت خيار المجلس ؛
بل متى تفرق المتبايعان بالقول فلا خيار إلا ما شرط مستدلين بقوله تعالى : ﴿تجارة
عن تراض﴾ [النساء: ٢٩]، وبقوله: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة: ٢٨٢].
(١) يشير إلى الزيادة التي عند الشيخين في رواية: فكان ابن عمر إذا بايع الرجل ولم
يخيّره ، فأراد أن لا يقيله ، قام فمشى هُنيَّة ، ثم رجع .
ورواه الترمذي (٢٤٢/٢ - تحفة) مختصراً بلفظ : ... وهو قاعد ، قام ليجب له .
٧٠

٧ - كتاب البيوع
٢ - باب الخيار
٧٧٩ - حديث ابن عمر
:
قالوا : والإشهاد إن وقع بعد التفرق لم يطابق الأمر، وإن وقع قبله لم
يصادف محله .
وحديث: ((إذا اختلف البيعان فالقول قول البائع))، ولم يفصل.
وأجيب بأن الآية مطلقة قيدت بالحديث ، وكخيار الشرط ، وكذلك الحديث
وآية الإشهاد يراد بهما عند العقد ، ولا ينافيه ثبوت خيار المجلس ، كما لا ينافيه
سائر الخيارات .
قالوا: والحديث منسوخ بحديث: ((المسلمون على شروطهم))، والخيار بعد
لزوم العقد يفيد(١) الشرط .
ورُدّ بأن الأصل عدم النسخ ، ولا يَثْبُتُ بالاحتمال .
قالوا : ولأنه من رواية مالك ، ولم يعمل به .
وأجيب بأن مخالفة الراوي لا توجب عدم العمل بروايته ؛ لأن عمله مبني
على اجتهاده ، وقد يظهر له ما هو أرجح عنده مما رواه ، وإن لم يكن أرجح في
نفس الأمر .
قالوا : وحديث الباب يحمل على المتساومين ؛ فإنَّ استعمال البائع في
المساوم شائع .
وأجيب عنه بأنه إطلاق مجازي والأصل الحقيقة .
وعورض بأنه يلزم أيضاً حمله على المجازي على القول الأول ؛ فإنه على
(١) لعله: (يفسد))، كما وقع في الشوكاني (١٥٨/٥).
٧١

٧ - كتاب البيوع
٢ - باب الخيار
٧٨٠ - حديث عبد الله بن عمرو
تقدير القول : بأن المراد التفرق بالأبدان هو بعد تمام الصيغة ، وقد مضى فهو مجاز
في الماضي .
وردت هذه المعارضة بأنا لا نسلم أنه مجاز في الماضي ؛ بل هو حقيقة فيه ،
كما ذهب إليه الجمهور ، بخلاف المستقبل فمجاز اتفاقاً .
قالوا : المراد التفرق بالأقوال .
والمراد بالتفرق فيها هو ما بين قول البائع : بعتك بكذا ، أو قول المشتري :
اشتريت .
قالوا : فالمشتري بالخيار في قوله : اشتريت ، أو تركه ، والبائع بالخيار إلى أن
يوجب المشتري .
ولا يخفى ركاكة هذا القول وبطلانه؛ فإنه إلغاء للحديث عن الفائدة؛ إذْ
من المعلوم يقيناً أن كلاً من البائع والمشتري في هذه الصورة على الخيار؛ إذْ لا
عقد بينهما ، فالإخبار به لاغ عن الإفادة ويرده لفظ الحديث كما لا يخفى .
فالحق هو القول الأول ، وأمّا معارضة حديث الباب بالحديث الآتي ، وهو قوله :
٧٨٠ - وعن عَمْرو بنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عنْ جَدِِّ رضيَ الله عنهُ: أَنّ
النّبِيَّ ◌ِ﴿ِ قالَ: ((الْبَائِعُ وَالُبْتَاعُ بالخيار، حتّى يَتَفَرَّقَا، إلا أَنْ تَكونَ صَفَقَةً
خيار، ولا يحلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ)). رواه الْخَمْسَةُ ، إلا ابن
مَاجَهُ ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وابنُ خُزَيْمَةَ وابنُ الْجَارُودِ . وَفِي روَايَة: ((حتّى
يَتَفَرَّقَا عَنْ مَكانِهِمَا)» .
وهو قوله : (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه : أن
٧٢٠

٧ - كتاب البيوع
٢ - باب الخيار
٧٨٠ - حديث عبدالله بن عمرو
النبي ◌َ قال: ((البائع والمبتاع بالخيار، حتّى يتفرقا، إلا أن تكون صفقة
خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله)). رواه الخمسة إلا ابن ماجه ،
ورواه الدارقطني وابن خزيمة وابن الجارود(١)، وفي رواية (٢): ((حتّى يتفرقا عن
مکانھما))) .
وبحديث أبي داود عن ابن عمرو(٣) بلفظ: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ،
إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله)).
قالوا : فقوله : ((أن يستقيله)) دال على نفوذ البيع ؛ فقد أجيب عنه بأن
الحديث دليل خيار المجلس أيضاً؛ لقوله : ((بالخيار ما لم يتفرقا)).
وأما قوله : ((أن يستقيله)) فالمراد به الفسخ؛ لأنه لو أريد الاستقالة حقيقة لم
يكن للمفارقة معنى ؛ فتعين حملها على الفسخ ، وعلى ذلك حمله الترمذي
وغيره من العلماء ؛ فقالوا : معناه لا يحل له أن يفارقه بعد البيع خشية أن يختار
فسخ المبيع ، فالمراد بالاستقالة فسخ النادم .
وحملوا نفي الحل على الكراهة ؛ لأنه لا يليق بالمروءة وحسن معاشرة المسلم ،
لا أن اختيار الفسخ حرام(٤) .
(١) (٢٩٢) .
(٢) يعني: للدارقطني (٣١٠)، وعنه البيهقي (٢٧٠/٥) من طريق عمرو به.
وسنده حسن أيضاً .
(٣) هو نفس حديث الباب المذكور في الكتاب ؛ لكنه بلفظ آخر . وإسناده حسن .
(٤) وكذا في ((الشوكاني)) (١٦٠/٥)! وهو عجيب؛ فالحديث صريح في التجريم أولاً . ثم =
٧٣

٧ - كتاب البيوع
٢ - باب الخيار
٧٨١ - حديث ابن عمر
وأما ما روي عن ابن عمر: أنه كان إذا بايع رجلاً ، فأراد أن يتم بيعته ، قام
يمشي هنيهة فرجع إليه ؛ فإنه محمول على أن ابن عمر لم يبلغه النهي .
وقال ابن حزم : حمل حديث ابن عمر هذا على التفرق بالأقوال ؛ تذهب
معه فائدة الحديث ؛ لأنه يلزم معه حل التفرق سواء خشي أن يستقيله ، أو لا ؛
لأن الإقالة تصح قبل التفرق وبعده .
قال ابن عبد البر: قد أكثر المالكية والحنفية من الكلام برد الحديث بما يطول
ذكره، وأكثره لا يحصل منه شيء، وإذا ثبت لفظ: ((مكانهما)) لم يبق للتأويل
مجال ، وبطل بطلاناً ظاهراً حمله على تفرق الأقوال .
٧٨١ - وعن ابن عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: ذَكَرَ رَجُلٌ للنبيِّ
﴿﴿ أَنّهُ
يُخدَعُ فِي الْبُيُوعِ فَقَالَ : ((إذا بَايَعْتَ فَقُلْ: لا خِلاَبَةَ)) . مُتّفقٌ عَلَيْهِ .
(وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا قال: ذكر رجل) : هو حَبّان بن منقذ ؛
. أنه يُخْدَعُ في البيوع فقال: ((إِذَا
بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة (للنبي
بايَعْتَ فَقُلْ: لا خلابَةَ))): بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام وبموحدة ؛ أي :
لا خديعة (متفق عليه) .
زاد ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير وعبد الأعلى عنه : «ثم أنت
بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال ؛ فإن رضيت فأمْسكْ، وإن سخطت
فاردُدْ)) ، فبقي ذلك الرجل ، حتّى أدرك زمان عثمان ، وهو ابن مائة وثلاثين
= نص على أن المحرم ليس هو اختيار الفسخ ؛ بل قصد المفارقة بالبدن ؛ لكي يقطع الطريق على
من بايعه أن يستقيله .
٧٤

٧ - كتاب البيوع
٢ - باب الخيار
٧٨١ - حديث ابن عمر
سنة ، فكثر الناس في زمان عثمان ، فكان إذا اشترى شيئاً ، فقيل له : إنك
غبنت فيه رجع ، فيشهدُ له رجلٌ من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم قد جعل له الخيار ثلاثاً؛ فيردُّ له دراهمَهُ(١) .
والحديث دليل على خيار الغبن في البيع والشراء إذا حصل الغبن .
واختلف فيه العلماء على قولين :
الأول : ثبوت الخيار بالغبن ، وهو قول أحمد (٢) ومالك؛ ولكن إذا كان الغبن
فاحشاً لمن لا يعرف ثمن السلعة .
وقيَّده بعض المالكية بأن يبلغ الغبن ثلث القيمة ، ولعلهم أخذوا التقييد مما
علم من أنه لا يكاد يسلم أحد من مطلق الغبن في غالب الأحوال ، ولأن القليل
يتسامح به في العادة ، وأنه من رضي بالغبن بعد معرفته ؛ فإن ذلك لا يسمى
غبناً، وإنما يكون من باب التساهل في البيع الذي أثنى صلى الله عليه وآله
وسلم على فاعله ، وأخبر أن الله يحب الرجل سهل البيع سهل الشراء.
وذهب الجماهير من العلماء إلى عدم ثبوت الخيار بالغبن ؛ لعموم أدلة البيع
ونفوذه من غير تفرقة بين الغبن أو لا ؛ قالوا :
وحديث الباب إنما كان الخيار فيه لضعف عقل ذلك الرجل ، إلا أنه ضَعْفٌ
(١) رواه الحميدي في ((مسنده)) (
وسنده حسن .
) (*) ، والبخاري في ((تاريخه))، والبيهقي (٢٧٣/٥) .
(٢) وهو اختيار ابن تيمية؛ بشرط أن يكون الشاري مسترسلاً، ولا يثبت للبائع . قال :
((وهو مذهب أحمد)).
(*) كذا الأصل بغير رقم ، ووقع مثله في مواضع كثيرة من الكتاب؛ فانتبه . (الناشر).
٧٥

٧ - كتاب البيوع
٢ - باب الخيار
٧٨١ - حديث ابن عمر
لم يخرج به عن حد التمييز ، فتصرُّفه كتصرف الصبي المأذون له ، ويثبت له
الخيار مع الغبن .
قلت: ويدل لضعف عقله ما أخرجه أحمد وأصحاب ((السنن))(١) من حديث
أنس بلفظ: إن رجلاً كان يبايع ، وكان في عقله - أيْ: إدراكه - ضعفٌ .
ولأنه لقنه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «لا خلابة»، اشتراطَ عدم
الخداع ، فكان شراؤه وبيعه مشروطاً بعدم الخداع ؛ ليكون من باب خيار الشرط .
قال ابن العربي : إن الخديعة في هذه القصة يُحْتَمَلُ أن تكون في العيب ، أو
في الملك ، أو في الثمن ، أو في العين ؛ فلا يحتج بها في الغبن بخصوصه ،
وهي قصة خاصة لا عموم فيها .
قلت : في رواية ابن إسحاق أنه شكا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما
يلقى من الغبن ، وهي ترد ما قاله ابن العربي .
وقال بعضهم : إنه إذا قال الرجل البائع ، أو المشتري : لا خلابة ، ثبت
الخيار، وإن لم يكن فيه غبن .
ورُدَّ بأنه مقيد بما في الرواية أنه كان يغبن .
وأثبت الهادوية الخيار بالغبن في صورتين : الأولى : من تصرف عن الغير.
والثانية : في الصبي المميز محتجين بهذا الحديث .
وهو دليل لهم على الصورة الثانية ، إذا ثبت أنه كان في عقله ضعف دون الأولى .
(١) وصححه الترمذي. ورواه ابن الجارود أيضاً (٢٧٥).
ويشهد له حديث ابن عمر من رواية ابن إسحاق في رواية عنه .
٧٦

٧ - كتاب البيوع
٣ - باب الربا
٧٨٢ ۔ حديث جابر
٣ - باب الربا "
الربا ؛ بكسر الراء مقصورة ، من ربا يربو؛ ويقال : الرماء - بالميم والمدّ - بمعناه .
والربية بضم الراء والتخفيف ، وهو الزيادة ؛ ومنه قوله تعالى: ﴿اهتزت
وربت﴾ [الحج: ٥]، ويطلق الربا على كل بيع محرم، وقد أجمعت الأمة على
تحريم الربا في الجملة ، وإن اختلفوا في التفاصيل .
والأحاديث في النهي عنه وذم فاعله ، ومن أعانه ، كثيرة جداً. ووردت
بلعنه ، ومنها :
٧٨٢ - عنْ جَابرِ رضي الله عنه قالَ: لعَنَ رسولُ الله ◌َّةٍ أَكلَ الرِّبًا وَمُوكِلَهُ
وَكاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: ((هُمْ سَوَاءٌ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَلْبُخارِي نَحْوُهُ مِنْ حَديثِ أَبِي جُحَيْفَةَ .
(عن جابر رضي الله عنه قال: لعن رسول اللّه ◌َ اةِ آكل الربا ومُوكله
وكاتبه وشاهديه ، وقال : ((هم سواء)) . رواه مسلم ، وللبخاري نحوه من حديث
أبي جحيفة) : أي : دعا على المذكورين بالإبعاد عن الرحمة .
وهو دليل على إثم من ذكر ، وتحريم ما تعاطوه ، وخص الأكل ؛ لأنه الأغلب
في الانتفاع ، وغيره مثله .
والمراد من موكله الذي أعطى الربا؛ لأنه ما تحصَّل الربا إلا منه ، فكان
داخلاً في الإثم .
وإثم الكاتب والشاهدين لإعانتهم على المحظور، وذلك إذا قصدا وعرفا
٧٧

٧ - كتاب البيوع
٣ - باب الربا
٧٨٣ - حديث عبد الله بن مسعود
بالربا ، وورد في رواية لعن الشاهد بالإفراد ؛ على إرادة الجنس .
فإن قلت حديث: ((اللهم ما لعنت من لعنة فاجعلها رحمة))، أو نحوه ،
وفي لفظ: ((ما لعنت فعلى من لعنت))، يدل على أنه لا يدل اللعن منه صلى
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على التحريم ، وأنه لم يرد به حقيقة الدعاء على
من أوقع عليه اللعن . قلت : ذلك فيما إذا كان من أوقع عليه اللعن غير فاعل
لمحرم معلوم ، أو کان اللعن في حال غضب منه
٧٨٣ - وعن عَبْدِ الله بن مَسْعودِ رضي الله عنه عَنِ النّبيِّ ◌َُِ قالَ: «الرِّبَا
ثَلاثَةٌ وَسَبْعُونَ باباً(١)؛ أَيَسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ، وإن أَرْبى الرِّبًا عِرْضُ
الرَّجُلِ المُسْلم)). رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ مُخْتَصَراً ، وَالحاكِمُ بِتمامِهِ وَصَحّحَهُ .
(وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي ◌َّةٍ قال: ((الربا ثلاثة
وسبعون باباً؛ أيسرها): في الإثم (مثل أن ينكح الرجل أمه ، وإن أربى الربا
عرض الرجل المسلم)). رواه ابن ماجه مختصراً، والحاكم بتمامه وصححه)(٢).
وفي معناه أحاديث ، وقد فسر الربا في عرض المسلم، بقوله: ((السبتان
بالسبة))، وفيه دليل على أنه يطلق الربا على الفعل المحرم ، وإن لم يكن من
أبواب الربا المعروفة ، وتشبيه أيسر الربا بإتيان الرجل أمه ؛ لما فيه من استقباح
ذلك عند العقل (٣).
(١) وفي حديث البراء: ((حُوبًا)).
(٢) ووافقه الذهبي؛ وهو كما قالا . وصححه المنذري والبوصيري .
(٣) وحديث: (( ... أشد من ست وثلاثين زنية)).
٧٨

٧ - كتاب البيوع
٣ - باب الربا
٧٨٤ - حديث أبي سعيد الخدري
٧٨٤ - وعن أبي سَعيدِ الخُدريِّ رضي الله عنه: أَنَّ رسولُ الله ◌َّةٍ قالَ: ((لا
تبيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهب إلا مِثْلاً بمثل ، ولا تُشفّوا بَعْضَها عَلى بَعْض ، ولا
تبيعوا الوَرق بالوَرقِ إلا مِثْلاً بمثْل ، ولا تُشفُوا بَعْضَهَا عَلى بَعْض ، ولا تَبيعُوا
مِنْهَا غَائِباً بِنَاجزٍ) . مُتَّفقٌ عَلَيْهِ .
(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله مجهول قال: ((لا
تبيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ إلا مِثْلاً بمثْل ، ولا تُشفَّوا) : بضم المثناة الفوقية فشين
معجمة مكسورة ففاء مشددة؛ أي : لا تفضلوا (بَعْضَهَا عَلى بَعْض ، ولا تَبيعُوا
الْوَرق بالورق(١) إلا مثْلاً بمثْل ، ولا تُشفوا بَعْضَهَا عَلى بَعْض ، ولا تَبيعُوا مِنْهَا
غائباً بِنَاجِزِ(٢)) : بالجيم والزاي ؛ أي : حاضر (متفق عليه) .
الحديث دليل على تحريم بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة متفاضلاً،
سواء كان حاضراً، أو غائباً؛ لقوله: ((إلا مثلاً بمثل))؛ فإنه استثني من أعم
الأحوال ، كأنه قال : لا تبيعوا ذلك في حال من الأحوال إلا في حال كونه مثلاً
بمثل ؛ أي : متساويين قدراً .
وزاده تأكيداً بقوله : ((ولا تشفوا))؛ أي: لا تفاضلوا ، وهو من الشف ؛ بكسر
الشين ، وهي الزيادة هنا .
وإلى ما أفاده الحديث ذهبت الجلة من العلماء : الصحابة والتابعين والعترة
(١) ((قال العلماء: هذا يتناول جميع أنواع الذهب والورق: من جيد ورديء، وصحيح ومكسور،
وحلي وتبر، وغير ذلك؛ وسواء الخالص والمخلوط بغيره. وهذا كله مجمع عليه)): ((نووي)).
(٢) زاد مسلم في رواية: ((إلا يداً بيد)).
٧٩

٧ - كتاب البيوع
٣ - باب الربا
٧٨٥ - حديث عبادة بن الصامت
والفقهاء ؛ فقالوا : يحرم التفاضل فيما ذكر غائباً كان أو حاضراً، وذهب ابن
عباس وجماعة من الصحابة إلى أنه لا يحرم الربا إلا في النسيئة ، مستدلين
بالحديث الصحيح: ((لا ربا إلا في النَّسيئة)). وأجاب الجمهور بأن معناه : لا
ربا أشد إلا في النَّسيئة . فالمراد نفي الكمال لا نفي الأصل ، ولأنه مفهوم ،
وحديث أبي سعيد منطوق ، ولا يقاوم المفهوم المنطوق؛ فإنه مطروح مع المنطوق .
وقد روى الحاكم أن ابن عباس رجع عن ذلك القول ؛ أي : بأنه لا ربا إلا في
النسيئة ، واستغفر الله من القول به(١) .
ولفظ الذهب عام لجميع ما يطلق عليه من مضروب وغيره ، وكذلك لفظ الورق .
وقوله : ((لا تبيعوا غائباً منها بناجز))؛ المراد بالغائب ما غاب عن مجلس
البيع ؛ مؤجلاً كان ، أو لا ، والناجز الحاضر .
٧٨٥ - وعن عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ◌َانِ :
((الذَّهبُ بالذَّهَبِ، وَالْفضةُ بالْفضَّة، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ ، وَالشّعيرُ بالشعير، وَالتّمْرُ
بالتّمْرِ ، وَالْمِلْحُ بالِلْحِ؛ مِثْلاً بمثْلٍ، سَوَاءً بِسَواءٍ ، يَداً بيدٍ؛ فإذا اخْتَلَّفَتْ هذِهِ
الأصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إذا كانَ يَدَأَ بَيَدٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
: *
(وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : قال رسول الله
(١) إسناده عند الحاكم ضعيف .
لكن قد ثبت رجوع ابن عباس عن ذلك من طرق بعضها عن أَبيِّ نفسه : عند الطحاوي
بسند صحيح؛ خلافاً لما يوهمه كلام ابن حزم في ((المحلى)) (٤٨٢/٨). وقد جمعت طرق
الحديث وألفاظه في ((أحاديث البيوع)) .
٨٠