Indexed OCR Text
Pages 61-80
٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٧٢ - حديث عائشة ٧٧٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ رضيَ اللهُ عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ: (الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ)). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وضعفه البُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وابن خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ الْجَارودِ، وابْنُ حِبَّنَ ، والحاكم ، وابْنُ القَطَّان . (وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الخراج بالضمان)). رواه الخمسة، وضعفه البخاري): لأن فيه مسلم بن خالد الزنجي ، وهو ذاهب الحديث (وأبو داود ، وصححه الترمذي وابن خزيمة ، وابن الجارود وابن حبان والحاكم وابن القطان) : الحديث أخرجه الشافعي وأصحاب ((السنن)) بطوله؛ وهو: أن رجلاً اشترى غلاماً في زمن رسول الله عَ ليه ، وكان عنده ما شاء الله ، ثم رده من عيب وجده ؛ فقضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برده بالعيب ، فقال المقضي عليه : قد استعمله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الخراج بالضمان))، والخراج: هو الغلة والكراء ، ومعناه: أن المبيع إذا كان له دخل وغلة فإن مالك الرقبة الذي هو ضامن لها يملك خراجها لضمان أصلها ، فإذا ابتاع رجل أرضاً فاستعملها أو ماشية فنتجها أو دابة فركبها أو عبداً فاستخدمه ، ثم وجد به عيباً، فله أن يرد الرقبة ، ولا شيء عليه فيما انتفع به ؛ لأنها لو تلفت ما بين مدة الفسخ والعقد لكانت في ضمان المشتري ، فوجب أن يكون الخراج له . وقد اختلف العلماء في المسألة على ثلاثة أقوال : الأول : للشافعي : أن الخراج بالضمان على ما قررناه في معنى الحديث ، وما وجد من الفوائد الأصلية والفرعية فهو للمشتري ، ويرد المبيع ما لم يكن ناقصاً عما أخذه . ٦١ ٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٧٣ - حديث عروة البارقي الثاني : للهادوية : أنه يفرق بين الفوائد الأصلية والفرعية فيستحق المشتري الفرعية ، وأما الأصلية فتصير أمانة في يده ، فإن رد المشتري المبيع بالحكم وجب الرد ويضمن التلف ، وإن كان بالتراضي لم يردها . الثالث : للحنفية : أن المشتري يستحق الفوائد الفرعية كالكراء ، وأما الفوائد الأصلية كالثمر؛ فإن كانت باقية ردها مع الأصل ، وإن كانت تالفة امتنع الرد ، واستحق الأرش . الرابع : لمالك : أنه يفرق بين الفوائد الأصلية كالصوف والشعر فيستحقه المشتري ، والولد يرده مع أمه ، وهذا مالم تكن متصلة بالمبيع وقت الرد ، فإن كانت متصلة وجب الرد لها إجماعاً . هذا ما قاله المذكورون . والحديث ظاهر فيما ذهب إليه الشافعية ، وأما إذا وطئ المشتري الأمة ، ثم وجد فيها عيباً، فقد اختلف العلماء في ذلك ؛ فقالت الهادوية وأهل الرأي والثوري وإسحاق : يمتنع الرد لأن الوطء جناية ؛ لأنه لا يحل وطء الأمة لأصل المشتري ، ولا لفصله ؛ فقد عيَّبها بذلك ، قالوا : وكذا مقدمات الوطء يمتنع الرد بعدها لذلك ، قالوا : ولكنه يرجع على البائع بأرش العيب ، وقيل : يردها ويرد معها مهر مثلها ، ومنهم من فرق بين الثيب والبكر ، وقد استوفى الخطابي ذلك ، ونقله الشارح ، والكل أقوال عارية عن الاستدلال ، ودعوى أن الوطء جناية دعوى غير صحيحة ، والتعليل بأنه حرمها به على أصوله وفصوله فكانت جناية ، عليل ؛ فإنه لم ينحصر المشتري لها فيهما . ٧٧٣ - وَعَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم أَعْطَاهُ دِيناراً لِيَشْتَرِي بِهِ أُضْحِية، أَوْ شَاةً، فاشْتَرِى بِهِ شَاتَيْنِ ، فَبَاعَ ٦٢ ٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٧٣ - حديث عروة البارقي إِحْدَاهمَا بِدِينَار، فَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ، فَدَعَا لَهُ بِالبَرَكَةِ فِي بَيْعِه ؛ فَكَانَ لَو اشْتَرَى تُرَابَاً لَّرَبِحَ فِيهِ . رَوَاهُ الْخَّمْسَةُ، إِلا النَّسَائِيَّ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ضمن حَدِيثٍ ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ . وَأَوْرَدَ التِّرْمِذِيُّ لَهُ شَاهِداً مِنْ حَدِيث حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ. (وعن عروة البارقي رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطاه ديناراً يشتري به أضحية أو شاة ، فاشترى به شاتين ، فباع إحداهما بدينار ، فأتاه بشاة ودينار ، فدعا له بالبركة في بيعه ؛ فكان لو اشترى تراباً الربح فيه . رواه الخمسة ، إلا النسائي ، وقد أخرجه البخاري ضمن حديث ، ولم يسق لفظه ، وأورد له الترمذي شاهداً من حديث حكيم بن حزام) : الحديث في إسناده سعيد بن زيد أخو حماد ؛ مختلف فيه ، قال المنذري والنووي : إسناده حسن صحيح، وفيه كلام كثير(١) ، وقال المصنف : الصواب أنه متصل ، في إسناده مبهم ، وفي الحديث دلالة على أن عروة شرى ما لم يوكل (١) قلت: لكن تابعه هارون بن موسى - وهو الأزدي العتكي -: عند الترمذي (٢٤٩/٢ - تحفة) ؛ وهو ثقة محتج به عند الشيخين . لكن فوقه أبو لَبيد لِمازة بن زَبَّار؛ وهو صدوق، كما في ((التقريب))؛ فالسند حسن . وأما الحديث فصحيح؛ لأنه عند البخاري (٤٩٥/٦) من طريق أخرى ، قال فيها شبيب بن غرقدة : سمعت الحيّ يحدثون عن عروة . وفي رواية للبيهقي : سمع قومه يحدّثون . وقول الحافظ : ((ضمن حديث)) ، لا وجه له ؛ فالحديث عنده هو هذا بمعناه ، ليس فيه زيادة ، وهذا لفظه لأبي داود مع اختلاف يسير في بعض الأحرف ؛ وهو عند الآخرين باختلاف أكثر . ٦٣ ٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٧٣ - حديث عروة البارقي بشرائه ، وباع كذلك ؛ لأنه أعطاه ديناراً لشراء أضحية ، فلو وقف على الأمر لشرى ببعض الدينار الأضحية ، ورد البعض ، وهذا الذي فعله هو الذي تسميه الفقهاء : العقد الموقوف الذي ينفذ بالإجازة ، وقد وقعت هنا ، وللعلماء فيه خمسة أقوال : الأول : أنه يصح العقد الموقوف ، وذهب إلى هذا جماعة من السلف والهادوية عملاً بالحديث . والثاني : أنه لا يصح ، وإليه ذهب الشافعي ، وقال : إن الإجازة لا تصححه ، محتجاً بحديث: ((لا تبع ما ليس عندك)). أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي ، وهو شامل للمعدوم وملك الغير ، وتردد الشافعي في صحة حديث عروة ، وعلق القول به على صحته . والثالث : التفصيل لأبي حنيفة ، فقال : يجوز البيع لا الشراء ، وكأنه فرق بينهما ؛ بأن البيع إخراج عن ملك المالك ، وللمالك حق في استبقاء ملكه ؛ فإذا أجاز فقد أسقط حقه ، بخلاف الشراء فإنه إثبات لملك فلا بد من تولي المالك لذلك . والرابع : لمالك ، وهو عكس ما قاله أبو حنيفة ، وكأنه أراد الجمع بين الحديثين : حديث : ((لا تبع ما ليس عندك)) وحديث عروة ؛ فيعمل به ما لم يعارض . والخامس : أنه يصح إذا وكل بشراء شيء ، فيشتري بعضه ، وهو للجصاص . وإذا صح حديث عروة ، فالعمل به هو الراجح ، وفيه دليل على صحة بيع الأضحية وإن تعينت بالشراء ؛ لإبدال المثل ، ولا تطيب زيادة الثمن ؛ ولذا أمره بالتصدق بها ، وفي دعائه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم له بالبركة دليل على أن شكر الصنيع لمن فعل المعروف ومكافأته مستحبة ، ولو بالدعاء . ٦٤ ٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٧٤ - حديث أبي سعيد الخدري ٧٧٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيد الخُدَرِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ِ نَهَى عَنْ شِرَاء مَا فِي بُطُون الأَنْعَامِ حَتَى تَضَعَ ، وَعَنْ بَيْعِ مَا فِي ضُرُوعِهَا ، وَعَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ وَهُوَ آَبِقٍ ، وَعَنْ شِرَاء الْمَغَانِمِ حَتَى تُقْسَم ، وَعَنْ شِرَاء الصَّدَقَات حتَّى تُقْبَضَ ، وَعَنْ ضَرْبَةِ الغَائِص. رَوَاهُ أَبْنُ مَاجَه وَالبَزَّارُ والدَّارِقُطْنِي بِإِسْنَادِ ضَعيف . (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي ◌َّهُ نهى عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع ، وعن بيع ما في ضروعها ، وعن شراء العبد وهو آبق ، وعن شراء المغانم حتى تقسم ، وعن شراء الصدقات حتى تقبض ، وعن ضربة الغائص . رواه ابن ماجه والبزار والدارقطني بإسناد ضعيف) : لأنه من حديث شهر بن حوشب ، وشهر تكلم فيه جماعة كالنضر بن شميل والنسائي وابن عدي وغيرهم ، وقال البخاري : شهر حسن الحديث وقوى أمره ، ورُوي عن أحمد أنه قال : ما أحسن حديثه ! والحديث اشتمل على ست صور منهي عنها : الأولى : بيع ما في بطون الحيوان ، وهو مجمع على تحريمه . والثانية : اللبن في الضروع وهو مجمع عليه أيضاً ، وقد تقدم . والثالثة : العبد الآبق ؛ وذلك لتعذر تسليمه . والرابعة : شراء المغانم قبل القسمة ؛ وذلك لعدم الملك . والخامسة : شراء الصدقات قبل القبض ؛ فإنه لا يستقر ملك المتصدق عليه إلا بعد القبض ، إلا أنه استثنى الفقهاء من ذلك بيع المصدق للصدقة قبل القبض بعد التخلية ؛ فإنه يصح لأنهم جعلوا التخلية كالقبض في حقه . ٦٥ ٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٧٥ و٧٧٦ - حديثا ابن مسعود وابن عباس السادسة : ضربة الغائص ، وهو أن يقول : أغوص في البحر غوصة بكذا فما خرج فهو لك . والعلة في ذلك هو الغرر . ٧٧٥ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُود رضيَ اللهُ عنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله عَزِ: ((لا تَشْتَروا السَّمَكَ في الماء ؛ فإنَّه غَرَرٌ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الصَّوَابِ وَقْفُهُ. (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ليه: ((لا تشتروا السمك في الماء ؛ فإنه غرر)). رواه أحمد وأشار إلى أن الصواب وقفه): وهو دليل على حرمة بيع السمك في الماء ، وقد علله بأنه غرر؛ وذلك لأنه تخفى في الماء حقيقته ، ويرى الصغير كبيراً وعكسه ، وظاهره النهي عن ذلك مطلقاً ، وفصل الفقهاء في ذلك ؛ فقالوا : إن كان في ماء كثير لا يمكن أخذه إلا بتصيد ، ويجوز عدم أخذه ، فالبيع غير صحيح ، وإن كان في ماء لا يفوت فيه ، ويؤخذ بتصيد ، فالبيع صحيح ، ويثبت فيه الخيار بعد التسليم ، وإنْ كان لا يحتاجُ إلى تصيد ، فالبيع صحيح ، ويثبت فيه خيار الرؤية ، وهذا التفصيل يؤخذ من الأدلة ، والتعليل المقتضي للإلحاق يخصص عموم النهي . ٧٧٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم أنْ تُبَاعَ ثَمَرَّةٌ حَتَّى تُطْعِمَ ، وَلا يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرِ، وَلا لَبَنٌ فِي ضَرْعٍ - رَوَاُ الطَّبَرَانِيُّ في ((الأوسط))، والدَّارَقُطْنِيُّ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد في ((الَرَاسِيل)) لِعِكْرِمَةَ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضاً مَوْقُوفاً عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ بإسنادٍ قَوِيٌّ ، وَرَجَّحَهُ البَيْهَقِيُّ . (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تباع ثمرة حتى تطعم) : بضم المثناة الفوقية وكسر العين المهملة : ٦٦ ٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٧٧ - حديث أبى هريرة يبدو صلاحها (ولا يباع صوف على ظهر ، ولا لبن في ضرع . رواه الطبراني في ((الأوسط))، والدارقطني، وأخرجه أبو داود في ((المراسيل)) لعكرمة) : وهو الراجح (وأخرجه أيضاً موقوفاً على ابن عباس بإسناد قوي، ورجحه البيهقي) : اشتمل الحديث على ثلاث مسائل : الأولى : النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها ويطيب أكلها ، ويأتي الكلام في ذلك . والثانية : النهي عن بيع الصوف على الظهر، وفيه قولان للعلماء : الأول : أنه لا يصح عملاً بالحديث ، ولأنه يقع الاختلاف في موضع القطع من الحيوان فيقع الإضرار به ، وهذا قول الهادوية والشافعي وأبي حنيفة . والقول الثاني : أنه يصح البيع لأنه مشاهد يمكن تسليمه ؛ فيصح كما صح من المذبوح ، وهذا قول مالك ومن وافقه ، قالوا : والحديث موقوف على ابن عباس ، والقول الأول أظهر ، والحديث قد تعاضد فيه المرسل والموقوف ، وقد صح النهي عن الغرر ، والغرر حاصل فيه . والثالثة : النهي عن بيع اللبن في الضرع ؛ لما فيه من الغرر، وذهب سعيد بن جبير إلى جوازه، قال: لأنه ﴿ سمى الضرع خزانة في قوله فيمن يحلب شاة أخيه بغير إذنه : ((يعمد أحدكم إلى خزانة أخيه ويأخذ ما فيها)) . وأجيب بأن تسميته خزانة مجاز، ولئن سلم فبيع ما في الخزانة بيع غرر ، ولا يدرى بكميته وكيفيته . ٧٧٧ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم نَهَى عن بيع الَمَضَامين والملاقِيح . رواهُ البَزَّارُ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ . ٦٧ ٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٧٨ - حديث أبي هريرة (وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن بيع المضامين): المراد بها ما في بطون الإبل (والملاقيح) : هو ما في ظهور الجمال (رواه البزار، وفي إسناده ضعف): لأن في رواته صالح بن أبي الأخضر عن الزهري ، وهو ضعيف ، ورواه مالك عن الزهري عن سعيد مرسلاً، قال الدارقطني في ((العلل)): تابعه معمر ، ووصله عمر بن قيس عن الزهري ، وقول مالك هو الصحيح ، وفي الباب عن ابن عمر . أخرجه عبد الرزاق بإسناد قوي . والحديث دليل على عدم صحة بيع المضامين والملاقيح وقد تقدم وهو إجماع . ٧٧٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: ((مَنْ أَقَالَ مُسْلِمَاً بَيْعَتَهُ أقال اللهُ عَثْرَتَهُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وابْنُ مَاجَه ، وَصَحَّحْهُ ابن حبّانِ وَالحَاكِمُ . (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ليه: ((من أقال مسلماً بيعته أقال الله عثرته)) . رواه أبو داود وابن ماجه ، وصححه ابن حبان والحاكم): وهو عنده بلفظ: ((من أقال مسلماً أقال الله عثرته يوم القيامة)). قال أبو الفتح القشيري : هو على شرطهما ، وفي الباب ما يشده من الأحاديث الدالة على فضل الإقالة . وحقيقتها شرعاً رفع العقد الواقع بين المتعاقدين وهي مشروعة إجماعاً ، ولا بد من لفظ يدل عليها ، وهو: أقلت أو ما يفيد معناه عرفاً . وللإقالة شرائط ذكرت في كتب الفروع لا دليل عليها ، وإنما دلَّ الحديثُ على أنها تكون بين المتبايعين؛ لقوله: ((بيعته))، وأما كون المقال مسلماً ، فليس بشرطٍ ، وإنما ذكره لكونه حكماً أغلبياً، وإلا فثواب الإقالة ثابت في إقالة غير المسلم، وقد ورد بلفظ: ((من أقال نادماً)) . أخرجه البزار. ٦٨ ٧ - كتاب البيوع ٢ - باب الخيار ٧٧٩ - حديث ابن عمر ٢ - باب الخيار الخيار، بكسر الخاء المعجمة : اسم من الاختيار، أو التخيير، وهو طلب خير الأمريْن ؛ من إمضاء البيع أو فسخه . وهو أنواع ، ذكر المصنف في هذا الباب خيار الشرط ، وخيار المجلس . ٧٧٩ - عن ابْنِ عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا، عَنْ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم قالَ : ((إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلانِ، فكلْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بالخِيارِ ، ما لم يَتَفَرَّقَا وَكَانا جَميعاً ، أو يُخيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ ؛ فإن خَيّرَ أَحَدُهُما الآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلى ذلكَ، فقد وَجَبَ البَيْعُ ، وإن تَفَرَّقا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعا ، ولم يَتْرُكْ واحدٌ مِنْهُمَا البيعَ ، فقد وجَبَ البَيْعُ)). مُتَّفَقَ عَلَيْهِ ، وَاللّفْظُ لمسْلم . (عن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((إذا تَبَايعَ الرَّجلانِ): أي : أوقعا العقد بينهما ، لا تساوما من غير عقد (فكُلُّ واحد مِنْهُما بالخيار، مَا لَمْ يَتَفَرَّقًا): وفي لفظ: (يفترقا)) والمراد: بالأبدان (وكانَا جميعاً، أو يُخَيّرُ): من التخيير (أَحَدُهُمَا الآخَرَ): فإن خيَّر أحدهما الآخر ؛ أي : إذا اشترط أحدهما الخيار مدة معلومة ، فإنَّ الخيار لا ينقضي بالتفرق ؛ بل يبقى ، حتّى تمضي مدة الخيار التي شرطها . وقيل : المراد إذا اختار إمضاء البيع قبل التفرق ، لزمه البيع حينئذ ، وبطل اعتبار التفرق . ويدل لهذا قوله : (فإنْ خَيّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فَتَبَايَعا عَلى ذلكَ، فقد وجَبَ البَيْعُ) : أي : نفذ وتم . ٦٩ ٧ - كتاب البيوع ٢ - باب الخيار ٧٧٩ - حديث ابن عمر (وإنْ تَفَرّقا): بالأبدان (بَعْدَ أَنْ تَبَايَعا): أي: عقدا عقد البيع (ولَمْ يَتْرُكْ واحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ ، فقد وَجَبَ البَيْع. متفق عليه ، واللفظ لمسلم). الحديث دليل على ثبوت خيار المجلس للمتبايعيْن ، وأنه يمتد إلى أن يحصل التفرق بالأبدان . وقد اختلف العلماء في ثبوته على قولين : الأول : ثبوته ، وهو لجماعة من الصحابة منهم عليّ عليهِ السَّلام وابن عباس ، وابن عمر وغيرهم ، وإليه ذهب أكثر التابعين والشافعي وأحمد وإسحاق والإمام يحيى ؛ قالوا: والتفرق الذي يبطل به الخيار ما يسمى عادة تفرُّقاً ، ففي المنزل الصغير بخروج أحدهما ، وفي الكبير بالتحوّ من مجلسه إلى آخر بخطوتين، أو ثلاث ، ودلَّ على أنَّ هذا تفرق فعلُ ابن عمر المعروف(١) . فإن قاما معاً ، أو ذهبا معاً، فالخيار باق ، وهذا المذهب دليله هذا الحديث المتفق عليه . القول الثاني : للهادوية والحنفية ومالك والإمامية أنه لا يثبت خيار المجلس ؛ بل متى تفرق المتبايعان بالقول فلا خيار إلا ما شرط مستدلين بقوله تعالى : ﴿تجارة عن تراض﴾ [النساء: ٢٩]، وبقوله: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة: ٢٨٢]. (١) يشير إلى الزيادة التي عند الشيخين في رواية: فكان ابن عمر إذا بايع الرجل ولم يخيّره ، فأراد أن لا يقيله ، قام فمشى هُنيَّة ، ثم رجع . ورواه الترمذي (٢٤٢/٢ - تحفة) مختصراً بلفظ : ... وهو قاعد ، قام ليجب له . ٧٠ ٧ - كتاب البيوع ٢ - باب الخيار ٧٧٩ - حديث ابن عمر : قالوا : والإشهاد إن وقع بعد التفرق لم يطابق الأمر، وإن وقع قبله لم يصادف محله . وحديث: ((إذا اختلف البيعان فالقول قول البائع))، ولم يفصل. وأجيب بأن الآية مطلقة قيدت بالحديث ، وكخيار الشرط ، وكذلك الحديث وآية الإشهاد يراد بهما عند العقد ، ولا ينافيه ثبوت خيار المجلس ، كما لا ينافيه سائر الخيارات . قالوا: والحديث منسوخ بحديث: ((المسلمون على شروطهم))، والخيار بعد لزوم العقد يفيد(١) الشرط . ورُدّ بأن الأصل عدم النسخ ، ولا يَثْبُتُ بالاحتمال . قالوا : ولأنه من رواية مالك ، ولم يعمل به . وأجيب بأن مخالفة الراوي لا توجب عدم العمل بروايته ؛ لأن عمله مبني على اجتهاده ، وقد يظهر له ما هو أرجح عنده مما رواه ، وإن لم يكن أرجح في نفس الأمر . قالوا : وحديث الباب يحمل على المتساومين ؛ فإنَّ استعمال البائع في المساوم شائع . وأجيب عنه بأنه إطلاق مجازي والأصل الحقيقة . وعورض بأنه يلزم أيضاً حمله على المجازي على القول الأول ؛ فإنه على (١) لعله: (يفسد))، كما وقع في الشوكاني (١٥٨/٥). ٧١ ٧ - كتاب البيوع ٢ - باب الخيار ٧٨٠ - حديث عبد الله بن عمرو تقدير القول : بأن المراد التفرق بالأبدان هو بعد تمام الصيغة ، وقد مضى فهو مجاز في الماضي . وردت هذه المعارضة بأنا لا نسلم أنه مجاز في الماضي ؛ بل هو حقيقة فيه ، كما ذهب إليه الجمهور ، بخلاف المستقبل فمجاز اتفاقاً . قالوا : المراد التفرق بالأقوال . والمراد بالتفرق فيها هو ما بين قول البائع : بعتك بكذا ، أو قول المشتري : اشتريت . قالوا : فالمشتري بالخيار في قوله : اشتريت ، أو تركه ، والبائع بالخيار إلى أن يوجب المشتري . ولا يخفى ركاكة هذا القول وبطلانه؛ فإنه إلغاء للحديث عن الفائدة؛ إذْ من المعلوم يقيناً أن كلاً من البائع والمشتري في هذه الصورة على الخيار؛ إذْ لا عقد بينهما ، فالإخبار به لاغ عن الإفادة ويرده لفظ الحديث كما لا يخفى . فالحق هو القول الأول ، وأمّا معارضة حديث الباب بالحديث الآتي ، وهو قوله : ٧٨٠ - وعن عَمْرو بنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عنْ جَدِِّ رضيَ الله عنهُ: أَنّ النّبِيَّ ◌ِ﴿ِ قالَ: ((الْبَائِعُ وَالُبْتَاعُ بالخيار، حتّى يَتَفَرَّقَا، إلا أَنْ تَكونَ صَفَقَةً خيار، ولا يحلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ)). رواه الْخَمْسَةُ ، إلا ابن مَاجَهُ ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وابنُ خُزَيْمَةَ وابنُ الْجَارُودِ . وَفِي روَايَة: ((حتّى يَتَفَرَّقَا عَنْ مَكانِهِمَا)» . وهو قوله : (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه : أن ٧٢٠ ٧ - كتاب البيوع ٢ - باب الخيار ٧٨٠ - حديث عبدالله بن عمرو النبي ◌َ قال: ((البائع والمبتاع بالخيار، حتّى يتفرقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله)). رواه الخمسة إلا ابن ماجه ، ورواه الدارقطني وابن خزيمة وابن الجارود(١)، وفي رواية (٢): ((حتّى يتفرقا عن مکانھما))) . وبحديث أبي داود عن ابن عمرو(٣) بلفظ: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله)). قالوا : فقوله : ((أن يستقيله)) دال على نفوذ البيع ؛ فقد أجيب عنه بأن الحديث دليل خيار المجلس أيضاً؛ لقوله : ((بالخيار ما لم يتفرقا)). وأما قوله : ((أن يستقيله)) فالمراد به الفسخ؛ لأنه لو أريد الاستقالة حقيقة لم يكن للمفارقة معنى ؛ فتعين حملها على الفسخ ، وعلى ذلك حمله الترمذي وغيره من العلماء ؛ فقالوا : معناه لا يحل له أن يفارقه بعد البيع خشية أن يختار فسخ المبيع ، فالمراد بالاستقالة فسخ النادم . وحملوا نفي الحل على الكراهة ؛ لأنه لا يليق بالمروءة وحسن معاشرة المسلم ، لا أن اختيار الفسخ حرام(٤) . (١) (٢٩٢) . (٢) يعني: للدارقطني (٣١٠)، وعنه البيهقي (٢٧٠/٥) من طريق عمرو به. وسنده حسن أيضاً . (٣) هو نفس حديث الباب المذكور في الكتاب ؛ لكنه بلفظ آخر . وإسناده حسن . (٤) وكذا في ((الشوكاني)) (١٦٠/٥)! وهو عجيب؛ فالحديث صريح في التجريم أولاً . ثم = ٧٣ ٧ - كتاب البيوع ٢ - باب الخيار ٧٨١ - حديث ابن عمر وأما ما روي عن ابن عمر: أنه كان إذا بايع رجلاً ، فأراد أن يتم بيعته ، قام يمشي هنيهة فرجع إليه ؛ فإنه محمول على أن ابن عمر لم يبلغه النهي . وقال ابن حزم : حمل حديث ابن عمر هذا على التفرق بالأقوال ؛ تذهب معه فائدة الحديث ؛ لأنه يلزم معه حل التفرق سواء خشي أن يستقيله ، أو لا ؛ لأن الإقالة تصح قبل التفرق وبعده . قال ابن عبد البر: قد أكثر المالكية والحنفية من الكلام برد الحديث بما يطول ذكره، وأكثره لا يحصل منه شيء، وإذا ثبت لفظ: ((مكانهما)) لم يبق للتأويل مجال ، وبطل بطلاناً ظاهراً حمله على تفرق الأقوال . ٧٨١ - وعن ابن عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: ذَكَرَ رَجُلٌ للنبيِّ ﴿﴿ أَنّهُ يُخدَعُ فِي الْبُيُوعِ فَقَالَ : ((إذا بَايَعْتَ فَقُلْ: لا خِلاَبَةَ)) . مُتّفقٌ عَلَيْهِ . (وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا قال: ذكر رجل) : هو حَبّان بن منقذ ؛ . أنه يُخْدَعُ في البيوع فقال: ((إِذَا بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة (للنبي بايَعْتَ فَقُلْ: لا خلابَةَ))): بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام وبموحدة ؛ أي : لا خديعة (متفق عليه) . زاد ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير وعبد الأعلى عنه : «ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال ؛ فإن رضيت فأمْسكْ، وإن سخطت فاردُدْ)) ، فبقي ذلك الرجل ، حتّى أدرك زمان عثمان ، وهو ابن مائة وثلاثين = نص على أن المحرم ليس هو اختيار الفسخ ؛ بل قصد المفارقة بالبدن ؛ لكي يقطع الطريق على من بايعه أن يستقيله . ٧٤ ٧ - كتاب البيوع ٢ - باب الخيار ٧٨١ - حديث ابن عمر سنة ، فكثر الناس في زمان عثمان ، فكان إذا اشترى شيئاً ، فقيل له : إنك غبنت فيه رجع ، فيشهدُ له رجلٌ من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد جعل له الخيار ثلاثاً؛ فيردُّ له دراهمَهُ(١) . والحديث دليل على خيار الغبن في البيع والشراء إذا حصل الغبن . واختلف فيه العلماء على قولين : الأول : ثبوت الخيار بالغبن ، وهو قول أحمد (٢) ومالك؛ ولكن إذا كان الغبن فاحشاً لمن لا يعرف ثمن السلعة . وقيَّده بعض المالكية بأن يبلغ الغبن ثلث القيمة ، ولعلهم أخذوا التقييد مما علم من أنه لا يكاد يسلم أحد من مطلق الغبن في غالب الأحوال ، ولأن القليل يتسامح به في العادة ، وأنه من رضي بالغبن بعد معرفته ؛ فإن ذلك لا يسمى غبناً، وإنما يكون من باب التساهل في البيع الذي أثنى صلى الله عليه وآله وسلم على فاعله ، وأخبر أن الله يحب الرجل سهل البيع سهل الشراء. وذهب الجماهير من العلماء إلى عدم ثبوت الخيار بالغبن ؛ لعموم أدلة البيع ونفوذه من غير تفرقة بين الغبن أو لا ؛ قالوا : وحديث الباب إنما كان الخيار فيه لضعف عقل ذلك الرجل ، إلا أنه ضَعْفٌ (١) رواه الحميدي في ((مسنده)) ( وسنده حسن . ) (*) ، والبخاري في ((تاريخه))، والبيهقي (٢٧٣/٥) . (٢) وهو اختيار ابن تيمية؛ بشرط أن يكون الشاري مسترسلاً، ولا يثبت للبائع . قال : ((وهو مذهب أحمد)). (*) كذا الأصل بغير رقم ، ووقع مثله في مواضع كثيرة من الكتاب؛ فانتبه . (الناشر). ٧٥ ٧ - كتاب البيوع ٢ - باب الخيار ٧٨١ - حديث ابن عمر لم يخرج به عن حد التمييز ، فتصرُّفه كتصرف الصبي المأذون له ، ويثبت له الخيار مع الغبن . قلت: ويدل لضعف عقله ما أخرجه أحمد وأصحاب ((السنن))(١) من حديث أنس بلفظ: إن رجلاً كان يبايع ، وكان في عقله - أيْ: إدراكه - ضعفٌ . ولأنه لقنه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «لا خلابة»، اشتراطَ عدم الخداع ، فكان شراؤه وبيعه مشروطاً بعدم الخداع ؛ ليكون من باب خيار الشرط . قال ابن العربي : إن الخديعة في هذه القصة يُحْتَمَلُ أن تكون في العيب ، أو في الملك ، أو في الثمن ، أو في العين ؛ فلا يحتج بها في الغبن بخصوصه ، وهي قصة خاصة لا عموم فيها . قلت : في رواية ابن إسحاق أنه شكا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يلقى من الغبن ، وهي ترد ما قاله ابن العربي . وقال بعضهم : إنه إذا قال الرجل البائع ، أو المشتري : لا خلابة ، ثبت الخيار، وإن لم يكن فيه غبن . ورُدَّ بأنه مقيد بما في الرواية أنه كان يغبن . وأثبت الهادوية الخيار بالغبن في صورتين : الأولى : من تصرف عن الغير. والثانية : في الصبي المميز محتجين بهذا الحديث . وهو دليل لهم على الصورة الثانية ، إذا ثبت أنه كان في عقله ضعف دون الأولى . (١) وصححه الترمذي. ورواه ابن الجارود أيضاً (٢٧٥). ويشهد له حديث ابن عمر من رواية ابن إسحاق في رواية عنه . ٧٦ ٧ - كتاب البيوع ٣ - باب الربا ٧٨٢ ۔ حديث جابر ٣ - باب الربا " الربا ؛ بكسر الراء مقصورة ، من ربا يربو؛ ويقال : الرماء - بالميم والمدّ - بمعناه . والربية بضم الراء والتخفيف ، وهو الزيادة ؛ ومنه قوله تعالى: ﴿اهتزت وربت﴾ [الحج: ٥]، ويطلق الربا على كل بيع محرم، وقد أجمعت الأمة على تحريم الربا في الجملة ، وإن اختلفوا في التفاصيل . والأحاديث في النهي عنه وذم فاعله ، ومن أعانه ، كثيرة جداً. ووردت بلعنه ، ومنها : ٧٨٢ - عنْ جَابرِ رضي الله عنه قالَ: لعَنَ رسولُ الله ◌َّةٍ أَكلَ الرِّبًا وَمُوكِلَهُ وَكاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: ((هُمْ سَوَاءٌ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَلْبُخارِي نَحْوُهُ مِنْ حَديثِ أَبِي جُحَيْفَةَ . (عن جابر رضي الله عنه قال: لعن رسول اللّه ◌َ اةِ آكل الربا ومُوكله وكاتبه وشاهديه ، وقال : ((هم سواء)) . رواه مسلم ، وللبخاري نحوه من حديث أبي جحيفة) : أي : دعا على المذكورين بالإبعاد عن الرحمة . وهو دليل على إثم من ذكر ، وتحريم ما تعاطوه ، وخص الأكل ؛ لأنه الأغلب في الانتفاع ، وغيره مثله . والمراد من موكله الذي أعطى الربا؛ لأنه ما تحصَّل الربا إلا منه ، فكان داخلاً في الإثم . وإثم الكاتب والشاهدين لإعانتهم على المحظور، وذلك إذا قصدا وعرفا ٧٧ ٧ - كتاب البيوع ٣ - باب الربا ٧٨٣ - حديث عبد الله بن مسعود بالربا ، وورد في رواية لعن الشاهد بالإفراد ؛ على إرادة الجنس . فإن قلت حديث: ((اللهم ما لعنت من لعنة فاجعلها رحمة))، أو نحوه ، وفي لفظ: ((ما لعنت فعلى من لعنت))، يدل على أنه لا يدل اللعن منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على التحريم ، وأنه لم يرد به حقيقة الدعاء على من أوقع عليه اللعن . قلت : ذلك فيما إذا كان من أوقع عليه اللعن غير فاعل لمحرم معلوم ، أو کان اللعن في حال غضب منه ٧٨٣ - وعن عَبْدِ الله بن مَسْعودِ رضي الله عنه عَنِ النّبيِّ ◌َُِ قالَ: «الرِّبَا ثَلاثَةٌ وَسَبْعُونَ باباً(١)؛ أَيَسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ، وإن أَرْبى الرِّبًا عِرْضُ الرَّجُلِ المُسْلم)). رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ مُخْتَصَراً ، وَالحاكِمُ بِتمامِهِ وَصَحّحَهُ . (وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي ◌َّةٍ قال: ((الربا ثلاثة وسبعون باباً؛ أيسرها): في الإثم (مثل أن ينكح الرجل أمه ، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم)). رواه ابن ماجه مختصراً، والحاكم بتمامه وصححه)(٢). وفي معناه أحاديث ، وقد فسر الربا في عرض المسلم، بقوله: ((السبتان بالسبة))، وفيه دليل على أنه يطلق الربا على الفعل المحرم ، وإن لم يكن من أبواب الربا المعروفة ، وتشبيه أيسر الربا بإتيان الرجل أمه ؛ لما فيه من استقباح ذلك عند العقل (٣). (١) وفي حديث البراء: ((حُوبًا)). (٢) ووافقه الذهبي؛ وهو كما قالا . وصححه المنذري والبوصيري . (٣) وحديث: (( ... أشد من ست وثلاثين زنية)). ٧٨ ٧ - كتاب البيوع ٣ - باب الربا ٧٨٤ - حديث أبي سعيد الخدري ٧٨٤ - وعن أبي سَعيدِ الخُدريِّ رضي الله عنه: أَنَّ رسولُ الله ◌َّةٍ قالَ: ((لا تبيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهب إلا مِثْلاً بمثل ، ولا تُشفّوا بَعْضَها عَلى بَعْض ، ولا تبيعوا الوَرق بالوَرقِ إلا مِثْلاً بمثْل ، ولا تُشفُوا بَعْضَهَا عَلى بَعْض ، ولا تَبيعُوا مِنْهَا غَائِباً بِنَاجزٍ) . مُتَّفقٌ عَلَيْهِ . (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله مجهول قال: ((لا تبيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ إلا مِثْلاً بمثْل ، ولا تُشفَّوا) : بضم المثناة الفوقية فشين معجمة مكسورة ففاء مشددة؛ أي : لا تفضلوا (بَعْضَهَا عَلى بَعْض ، ولا تَبيعُوا الْوَرق بالورق(١) إلا مثْلاً بمثْل ، ولا تُشفوا بَعْضَهَا عَلى بَعْض ، ولا تَبيعُوا مِنْهَا غائباً بِنَاجِزِ(٢)) : بالجيم والزاي ؛ أي : حاضر (متفق عليه) . الحديث دليل على تحريم بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة متفاضلاً، سواء كان حاضراً، أو غائباً؛ لقوله: ((إلا مثلاً بمثل))؛ فإنه استثني من أعم الأحوال ، كأنه قال : لا تبيعوا ذلك في حال من الأحوال إلا في حال كونه مثلاً بمثل ؛ أي : متساويين قدراً . وزاده تأكيداً بقوله : ((ولا تشفوا))؛ أي: لا تفاضلوا ، وهو من الشف ؛ بكسر الشين ، وهي الزيادة هنا . وإلى ما أفاده الحديث ذهبت الجلة من العلماء : الصحابة والتابعين والعترة (١) ((قال العلماء: هذا يتناول جميع أنواع الذهب والورق: من جيد ورديء، وصحيح ومكسور، وحلي وتبر، وغير ذلك؛ وسواء الخالص والمخلوط بغيره. وهذا كله مجمع عليه)): ((نووي)). (٢) زاد مسلم في رواية: ((إلا يداً بيد)). ٧٩ ٧ - كتاب البيوع ٣ - باب الربا ٧٨٥ - حديث عبادة بن الصامت والفقهاء ؛ فقالوا : يحرم التفاضل فيما ذكر غائباً كان أو حاضراً، وذهب ابن عباس وجماعة من الصحابة إلى أنه لا يحرم الربا إلا في النسيئة ، مستدلين بالحديث الصحيح: ((لا ربا إلا في النَّسيئة)). وأجاب الجمهور بأن معناه : لا ربا أشد إلا في النَّسيئة . فالمراد نفي الكمال لا نفي الأصل ، ولأنه مفهوم ، وحديث أبي سعيد منطوق ، ولا يقاوم المفهوم المنطوق؛ فإنه مطروح مع المنطوق . وقد روى الحاكم أن ابن عباس رجع عن ذلك القول ؛ أي : بأنه لا ربا إلا في النسيئة ، واستغفر الله من القول به(١) . ولفظ الذهب عام لجميع ما يطلق عليه من مضروب وغيره ، وكذلك لفظ الورق . وقوله : ((لا تبيعوا غائباً منها بناجز))؛ المراد بالغائب ما غاب عن مجلس البيع ؛ مؤجلاً كان ، أو لا ، والناجز الحاضر . ٧٨٥ - وعن عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ◌َانِ : ((الذَّهبُ بالذَّهَبِ، وَالْفضةُ بالْفضَّة، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ ، وَالشّعيرُ بالشعير، وَالتّمْرُ بالتّمْرِ ، وَالْمِلْحُ بالِلْحِ؛ مِثْلاً بمثْلٍ، سَوَاءً بِسَواءٍ ، يَداً بيدٍ؛ فإذا اخْتَلَّفَتْ هذِهِ الأصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إذا كانَ يَدَأَ بَيَدٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ . : * (وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : قال رسول الله (١) إسناده عند الحاكم ضعيف . لكن قد ثبت رجوع ابن عباس عن ذلك من طرق بعضها عن أَبيِّ نفسه : عند الطحاوي بسند صحيح؛ خلافاً لما يوهمه كلام ابن حزم في ((المحلى)) (٤٨٢/٨). وقد جمعت طرق الحديث وألفاظه في ((أحاديث البيوع)) . ٨٠