Indexed OCR Text

Pages 21-40

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٤٤ - حديث عائشة
وراءين بينهما مثناة تحتية ، مولاة لعائشة (فقالت : إني كاتبت) : من المكاتبة
وهي العقد بين السيد وعبده (أهلي): هم ناس من الأنصار؛ كما هو عند
النسائي (على تسع أواق؛ في كل عام أوقية، فأعينيني) : بصيغة الأمر
للمؤنث من الإعانة (فقلت : إن أحب أهلك أن أعدها لهم، ويكون ولاؤك لي
فعلت ، فذهبت بريرة إلى أهلها ، فقالت لهم فأبوا عليها ، فجاءت من عندهم ،
ورسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم جالس ، فقالت : إني قد عرضت ذلك
عليهم فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء ، فسمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،
فأخبرت عائشة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال: ((خذيها واشترطي
لهم) : قال الشافعي والمزني : يعني : اشترطي عليهم . فاللام بمعنى : على (الولاء؛
فإنما الولاء لمن أعتق)) ، ففعلت عائشة، ثم قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم
في الناس؛ فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: ((أما بعد ، فما بال رجال
يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله تعالى؟! ما كان من شرط ليس في
كتاب الله) : أي : في شرعه الذي كتبه على العباد ؛ وحكمه أعم من ثبوته
بالقرآن أو السنة (فهو باطل ، وإن كان مائة شرط . قضاء الله أحق) : بالاتباع من
الشروط المخالفة لحكم الله (وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق)). متفق عليه ،
واللفظ للبخاري . وعند مسلم قال: ((اشتريها وأعتقيها واشترطي لهم الولاء))):
الحديث دليل على مشروعية الكتابة ، وهي عقد بين السيد وعبده على رقبته ،
وهي مشتقة من الكتب ؛ وهو الفرض والحكم؛ كما في قوله : ﴿كتب عليكم
الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣]، وهي مندوبة . وقال عطاء وداود: واجبة إذا طلبها العبد
بقدر قيمته ؛ لظاهر الأمر في : ﴿فكاتبوهم﴾ [النور: ٣٣]، وهو الأصل في الأمر.
٢١

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٤٤ - حديث عائشة
قلت : إلا أنه تعالى قيد الوجوب بقوله : ﴿إن علمتم فيهم خيرا﴾ [النور: ٣٣]،
ےے
نعم ، بعد علم الخير فيهم تجب الكتابة ، وفي تفسير الخير أقوال السلف :
الأول : ما جاء في حديث مرسل ومرفوع(١) عند أبي داود ؛ أنه قال
:
((إن علمتم فيهم حرفة ، ولا ترسلوهم كلاً على الناس)).
والثاني: لابن عباس، قال: ﴿خيراً﴾ [النور: ٣٣]، المال.
والثالث : عنه : أمانة ووفاء .
الرابع : عنه : إن علمت أن مكاتبك يقضيك .
وقولها : في كل عام أوقية ، وفي تقريره صلی الله عليه وآله وسلم لذلك ، دليل
على جواز التنجيم لا على تحتمه وشرطيته ؛ كما ذهب إليه الشافعي والهادي
وغيرهما ، وقالوا : التنجيم في الكتابة شرط ؛ وأقله نجمان ، واستدلوا بروايات عن
السلف لا تنهض دليلاً ، وذهب الجمهور وأحمد ومالك إلى جواز عقد الكتابة على
نجم ؛ لقوله: ﴿فكاتبوهم﴾ [النور: ٣٣]، ولم يفصل؛ وهو ظاهر، والقول بأنه قيَّد
إطلاقها الآثار عن السلف ، غير صحيح؛ إذ ليس بإجماع ، وتقييد الآيات بآراء
العلماء باطل . ودل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((خذيها)) على جواز بيع
المكاتب عند تعسر الإيفاء بمال الكتابة . وللعلماء في جواز بيع المكاتب ثلاثة أقوال :
الأول: جوازه وهو مذهب أحمد ومالك، وحجتهم قوله ◌َراي: ((المكاتب رق
ما بقي عليه درهم)) . أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده .
(١) هذا تكرار لا معنى له ؛ لأن المرسل مرفوع ، كما هو معروف !
٢٢

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٤٤ - حديث عائشة
والثاني : أنه يجوز بيعه برضاه إلى من يعتقه ، محتجين بظاهر حديث بريرة .
والقول الثالث : أنه لا يجوز بيعه مطلقاً، وهو لأبي حنيفة وجماعة ، قالوا :
لأنه خرج عن ملك السيد ، وتأولوا الحديث بأن قالوا : إن بريرة عجَّزت نفسها
وفسخوا عقد كتابتها . والقول الأول أظهر؛ لأن التقييد بالواقع في قصة بريرة
ليس فيه دليل على أنه شرط ، وإنما كان الواقع كذلك ، فمن أين أنه شرط؟! وأما
القول بأن بيعه يوجب سقوط حق الله ، فجوابه أن حق الله تعالى ما ثبت ، فإنه
لا يثبت إلا بالإيفاء ، والفرض أنه عجز المكاتب عنه .
وقوله : ((واشترطي لهم الولاء))؛ إن جعلت اللام بمعنى : على ، من باب قوله :
﴿وإن أسأتم فلها﴾ [الإسراء: ٧] و﴿يخرون للأذقان﴾ [الإسراء: ١٠٧]، كما قاله
الشافعي ؛ فلا إشكال ، إلا أنه قد ضعف ؛ بأنه لو كان كذلك لم ينكر عليهم
اشتراط الولاء . ويجاب عنه بأن الذي أنكره اشتراطهم له أول الأمر ، وقيل : أراد
بذلك الزجر والتوبيخ لهم ؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان قد بيَّن لهم
حكم الولاء ، وأن هذا الشرط لا يحل ، فلما ظهرت منهم المخالفة قال لعائشة
ذلك . ومعناه : لا تبالي ؛ لأن اشتراطهم مخالف للحق ، فلا يكون ذلك للإباحة ،
بل المقصود الإهانة وعدم المبالاة بالاشتراط ، وأن وجوده كعدمه ، وبعد معرفة
هذه الوجوه والتأويل يزول الإشكال بأنه كيف وقع منه صلى الله عليه وعلى آله
وسلم الإذن لعائشة بالشرط لهم ، فإنه ظاهر أنه خداع وغرر للبائع ؛ من حيث
إنه يعتقد عند البيع أنه بقي له بعض المنافع ؛ وانكشف الأمر على خلافه .
ولكن بعد تحقق وجوه التأويل يذهب الإشكال ، وفي قوله: ((إنما الولاء لمن
٢٣

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٤٥ ۔ حديث ابن عمر
أعتق))، دليل على حصر الولاء فيمن أعتق لا يتعداه إلى غيره .
٧٤٥ - وَعَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: نَهى عُمَرُ عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ
الأولاَدِ ، فَقَالَ: لا تَبَاعُ ، ولا تُوهَبُ ، ولا تُورَثُ. يَستَمتعُ بِهَا مَا بَدَا لَهُ . فإِذا
مَاتَ فَهِيَ حُرّةٌ . رَوَاهُ مالكٌ والبيهَقِيُّ ، وقال: رَفَعَهُ بَعضُ الرُّواةِ فَوَهِمَ .
(وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : نهى عمر عن بيع أمهات الأولاد ،
فقال : لا تباع ، ولا توهب ، ولا تورث. يستمتع بها ما بدا له ، فإذا مات فهي
حرة . رواه مالك والبيهقي ، وقال : رفعه بعض الرواة فوهم) : وقال الدارقطني :
الصحيح وقفه على عمر، ومثله قال عبد الحق ، قال صاحب ((الإلمام)): المعروف
فيه الوقف ، والذي رفعه ثقة ، وفي الباب آثار عن الصحابة ، وقد أخرج الحاكم
وابن عساكر، وابن المنذر عن بريدة قال : كنت جالساً عند عمر إذ سمع صائحة ،
قال : يا يرفأ! انظر ما هذا الصوت؟ فنظر ، ثم جاء فقال : جارية من قريش تباع
أمها . فقال عمر: ادع لي المهاجرين والأنصار. فلم يمكث ساعة حتى امتلأت
الدار والحجرة . فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد : فهل كان فيما جاء به
محمد صلى الله عليه وآله وسلم القطيعة؟ قالوا : لا ، قال : فإنها قد أصبحت
فيكم فاشية ، ثم قرأ: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا
أرحامكم﴾ [محمد: ٢٢]، ثم قال: وأي قطيعة أقطع من أن تباع أم امرئ منكم ،
وقد أوسع الله لكم؟! قالوا : فاصنع ما بدا لك . فكتب إلى الآفاق : أن لا تباع أم
حر؛ فإنها قطيعة ، وإنه لا يحل . فهذا ونحوه من الآثار والحديث دليل على أن
الأمة إذا ولدت من سيّدها حرم بيعها ؛ سواء كان الولد باقياً أو لا ؛ وإلى هذا
٢٤

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٤٦ - حديث جابر
ذهب أكثر الأمة ، وادّعى الإجماع على المنع من بيعها جماعة من المتأخرين ،
وأفرد الحافظ ابن كثير الكلام على هذه المسألة في جزء مفرد قال : وتلخص لي
عن الشافعي فيها أربعة أقوال . وفي المسألة من حيث هي ثمانية أقوال . وقد
ذهب الناصر والإمامية وداود إلى جواز بيعها ؛ لما أفاده الحديث الآتي .
٧٤٦ - وَعَنْ جَابِر رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: كُنَّا نَبِيعُ سَرارَيَنَا أُمَهَات الأولاد،
والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم حَيٌّ ، لا يَرَى بِذَلكَ بَأساً. رواهُ النَّسائِيُّ
وابن ماجه والدارقطني ، وصَححَهُ ابن حبانَ .
(وعن جابر رضي الله عنه قال: كنا نبيع سرارينا أمهات الأولاد ، والنبي
صلى الله عليه وآله وسلم حي ، لا يرى بذلك بأساً . رواه النسائي وابن ماجه
والدارقطني ، وصححه ابن حبان): وأخرجه أحمد والشافعي والبيهقي وأبو
داود والحاكم ، وزاد : في زمن أبي بكر ، وفيه : فلما كان عمر نهانا فانتهينا .
ورواه الحاكم من حديث أبي سعيد ، وإسناده ضعيف . قال البيهقي: ليس في
شيء من الطرق أنه صلى الله عليه وآله وسلم اطلع على ذلك ، وأقرهم عليه .
وترده رواية النسائي التي فيها : والنبي صلى الله عليه وآله وسلم حي لا يرى
بذلك بأساً . واستدل القائلون بجواز بيعها أيضاً؛ بأنه صح عن علي عليه
السلام أنه رجع عن تحريم بيعها إلى جوازه . وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن
أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة السلماني المرادي ، قال : سمعت علياً يقول :
اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن ، ثم رأيت بعد ذلك أن
يبعن ... الحديث، وهو معدود في أصح الأسانيد. وأجاب في (الشرح)) عن
٢٥

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٤٧ ۔ حديث جابر
هذه الأدلة بأنه يحتمل أن حديث جابر كان في أول الأمر ، وأن ما ذكر ناسخ،
وأيضاً فإنه راجع إلى التقرير ، وما ذكر قول ، وعند التعارض القول أرجح . قلت :
ولا يخفى ضعف هذا الجواب ؛ لأنه لا نسخ بالاحتمال ، فللقائل بجواز بيعها أن
يقلب الاستدلال ، ويقول : يحتمل أن حديث ابن عمر كان أول الأمر ثم نسخ
بحديث جابر ، وإن كان احتمالاً بعيداً ، ثم قوله : إن حديث جابر راجع إلى
التقرير ، وحديث ابن عمر قول ؛ والقول أرجح عند التعارض ؛ يقال عليه : القول
لم يصح رفعه ، بل صرح المصنف وغيره أن رفعه وهم ، وليس في منع بيعها إلا
رأي عمر رضي الله عنه لا غير ، ومن شاوره من الصحابة ، وليس بإجماع ؛ فليس
بحجة ، على أنه لو كان في المسألة نص لما احتاج عمر والصحابة إلى الرأي .
٧٤٧ - وَعَنْ جَابِرٍ رضيَ اللهُ عنهُ قَالَ: فَهَانا رَسُولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّمْ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ . رَوَاهُ مُسلِمٌ، وزادَ فِي رِوايَةٍ : وَعَنْ بَيْعُ ضِرَابِ الْجَمَلِ .
(وعن جابر رضي الله عنه قال : نهانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
عن بيع فضل الماء . رواه مسلم ، وزاد في رواية : وعن بيع ضراب الجمل) :
وأخرجه أصحاب ((السنن)) من حديث إياس بن عبد ، وصححه الترمذي ، وقال
أبو الفتح القشيري : هو على شرطهما . والحديث دليل على أنه لا يجوز بيع ما
فضل من الماء عن كفاية صاحبه . قال العلماء : وصورة ذلك أن ينبع في أرض
مباحة ماء فيسقي الأعلى ، ثم يفضل عن كفايته ، فليس له المنع ؛ وكذا إذا
اتخذ حفرة في أرض مملوكة يجمع فيها الماء ، أو حفر بئراً فيسقي منه ويسقي
أرضه ، فليس له منع ما فضل . وظاهر الحديث يدل على أنه يجب عليه بذل ما
٢٦

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٤٧ ۔ حديث جابر
فضل عن كفايته لشرب أو طهور أو سقي زرع ، وسواء كان في أرض مباحة أو
مملوكة . وقد ذهب إلى هذا العموم ابن القيم في ((الهدي)) وقال : إنه يجوز دخول
الأرض المملوكة لأخذ الماء والكلأ؛ لأن له حقاً في ذلك ، ولا يمنعه استعمال
ملك الغير ، وقال : إنه نص أحمد على جواز الرعي في أرض غير مباحة
الراعي ، وإلى مثله ذهب المنصور بالله والإمام يحيى في الحطب والحشيش ، ثم
قال : إنه لا فائدة لإذن صاحب الأرض ؛ لأنه ليس له منعه من الدخول ، بل
يجب عليه تمكينه ويحرم عليه منعه ، فلا يتوقف دخوله على الإذن ، وإنما يحتاج
إلى الإذن في الدخول في الدار ، إذا كان فيها سكن ؛ لوجوب الاستئذان ، وأما
إذا لم يكن فيها سكن ، فقد قال تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً
غير مسكونة فيها متاع لكم﴾ [النور: ٢٩]. ومن احتفر بئراً أو نهراً فهو أحق بمائه ،
ولا يمنع الفضلة عن غيره ، سواء قلنا : إن الماء حق للحافر لا ملك - كما هو قول
جماعة من العلماء -، أو قلنا : هو ملك ؛ فإن عليه بذل الفضلة لغيره ؛ لما أخرجه
أبو داود : أنه قال رجل : يا نبي الله ! ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال :
((الماء))، قال: يا نبي الله! ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: ((الملح)). وأفاد
أن في حکم الماء الملح ، وما شاكله ، ومثله الكلا ؛ فمن سبق بدوابه إلى أرض
مباحة فيها عشب ، فهو أحق برعيه ما دامت فيه دوابه ؛ فإذا خرجت منه فلیس
له بيعه . هذا ، وأما المحرز في الأسقية والظروف ، فهو مخصص من ذلك بالقياس
على الحطب؛ فقد قال ◌َ: ((لأن يأخذ أحدكم حبلاً، فيأخذ حزمة من
حطب ، فيبيع ذلك ، فيكف بها وجهه ، خير له من أن يسأل الناس أعطي أو
منع)) . فيجوز بيعه ، ولا يجب بذله إلا لمضطر، وكذلك بيع البئر والعين أنفسهما؛
٢٧

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٤٨ و٧٤٩ - حديثا ابن عمر
فإنه جائز، فقد قال ◌َ: ((من يشتري بئر رومة، يوسع بها على المسلمين،
فله الجنة))! فاشتراها عثمان . والقصة معروفة ، وقوله: ((وعن ضراب الجمل))؛
أي : نهى عن أجرة ضراب الجمل . وقد عبر عنه بالعسب في الحديث الآتي .
٧٤٨ - وَعَن ابن عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: نَهى رَسُولُ الله ◌َّهِ عَنْ
عَسْبِ الفَحْلِ . رَوَاهُ البُخَارِيُّ .
(وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله وَزله عن عسب
الفحل) : وهو بفتح العين المهملة وسكون السين المهملة فباء موحدة (رواه
البخاري) : وفيه وفيما قبله ، دليل على تحريم استئجار الفحل للضراب ، والأجرة
حرام ، وذهب جماعة من السلف إلى أنه يجوز ذلك ، إلا أنه يستأجره للضراب
مدة معلومة ، أو تكون الضربات معلومة ؛ قالوا : لأن الحاجة تدعو إليه ؛ وهي
منفعة مقصودة ، وحملوا النهي على التنزيه ، وهو خلاف أصله .
٧٤٩ - وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ الله ◌َّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الحَبَلَةِ. وَكَانَ بَيْعاً
يَبْتَاعُهُ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ؛ كَانَ الرَّجُلُ يبتَاعُ الْجَزُورَ إِلىَ أَنْ تُنْتَجَ ثُمَّ تُنْتَجُ التي فِي
بَطْنِهَا . متَّفَقٌ عَليهِ ، واللفظ للبخارِيِّ.
(وعنه) : أي: ابن عمر (أن رسول الله
نهى عن بيع حبل الحبلة) :
بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة فيهما (وكان بيعاً يبتاعه أهل الجاهلية) :
وفسره قوله (كان الرجل يبتاع الجزور) : بفتح الجيم وضم الزاي ؛ أي : البعير
ذكراً كان أو أنثى ، وهو مؤنث وإن أطلق على مذكر؛ تقول : هذه الجزور (إلى أن
تنتج) : بضم أوله وفتح ثالثه ؛ أي : تلد الناقة ، وهذا الفعل لم يأت في لغة
٢٨

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٤٩ - حديث ابن عمر
العرب إلا على بناء الفعل للمجهول (ثم تنتج التي في بطنها) : وهذا التفسير من
قوله : وكان بيعاً إلخ ، مدرج في الحديث من كلام نافع ، وقيل : من كلام ابن عمر
(متفق عليه ، واللفظ للبخاري) : ووقع في رواية : حمل ولد الناقة ؛ من دون
اشتراط الإنتاج ، وفي رواية : أن تنتج الناقة ما في بطنها ؛ من دون أن يكون نتاجها
قد حمل ، أو أنتج . والحبل : مصدر حبلت تحبل ؛ سمي به المبول ، والحبلة جمع
حابل ؛ مثل : ظلمة في ظالم ، وكتبة في كاتب ، ويقال : حابل وحابلة بالتاء ؛ قال
أبو عبيد : لم يرد الحبل في غير الآدميات إلا في هذا الحديث ، وقال غيره : بل
ثبت في غيره . والحديث دليل على تحريم هذا البيع ، واختلف العلماء في هذا المنهي
عنه ؛ لاختلاف الروايات ؛ هل هو من حيث يؤجل بثمن الجزور إلى أن يحصل
النتاج المذكور، أو إنه يبيع منه النتاج؟ ذهب إلى الأول مالك والشافعي وجماعة ؛
قالوا : وعلة النهي جهالة الأجل ، وذهب إلى الثاني أحمد وإسحاق وجماعة من
أئمة اللغة ، وبه جزم الترمذي ؛ قالوا : وعلة النهي هو كونه بيع معدوم ، ومجهول ،
وغير مقدور على تسليمه ، وهو داخل في بيع الغرر، وقد أشار إلى هذا البخاري
حيث صدر الباب ببيع الغرر ، وأشار إلى التفسير الأول ورجحه أيضاً في باب
السلم؛ بكونه موافقاً للحديث ؛ وإن كان كلام أهل اللغة موافقاً للثاني .
نعم ، ويتحصل من الخلاف أربعة أقوال ؛ لأنه يقال : هل المراد البيع إلى
أجل أو بيع الجنين؟ وعلى الأول ؛ هل المراد بالأجل ولادة الأم أو ولادة ولدها؟
وعلى الثاني : هل المراد بيع الجنين الأول أو جنين الجنين؟ فصارت أربعة أقوال .
هذا وحكي عن ابن كيسان وأبي العباس المبرد أن المراد بالحبلة الكرمة ، وأنه
٢٩

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٥٠ و٧٥١ - حديثا ابن عمر وأبي هريرة
نهى عن بيع ثمر العنب قبل أن يصلح ؛ فأصله على هذا بسكون الباء الموحدة ،
لكن الروايات بالتحريك ، إلا أنه قد حكي في الحبلة - بمعنى: الكرمة - فتحها .
٧٥٠ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ◌َِّ نَهى عَنْ بَيْعِ الوَلاءِ وَعَنْ
هَبَتِهِ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
(وعنه رضي الله عنه): أي ابن عمر (أن رسول الله عَ ظيم نهى عن بيع
الولاء) : بفتح الواو (وعن هبته . متفق عليه) : والولاء : هو ولاء العتق ؛ أي :
وهو إذا مات المعتق ورثه معتقه ؛ كانت العرب تهبه وتبيعه ، فنهي عنه ؛ لأن
الولاء كالنسب لا يزول بالإزالة . ذكره في ((النهاية)).
٧٥١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ◌ٍَّ عَنْ بَيْعِ
الحَصَاةِ ، وَعَنْ بَيْعِ الغَرَرِ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ يَ سُهُ عن بيع الحصاة،
وعن بيع الغرر . رواه مسلم) : اشتمل الحديث على النهي عن صورتين من صور
البيع .
الأولى : بيع الحصاة ؛ واختلف في تفسير بيع الحصاة ، قيل : هو أن يقول : ارم
بهذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بدرهم ، وقيل : هو أن يبيعه من
أرضه قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة ، وقيل : هو أن يقبض على كف من
حصا ، ويقول : لي بعدد ما خرج في القبضة من الشيء المبيع ، أو يبيعه سلعة
ويقبض على كف من حصا ، ويقول : لي بكل حصاة درهم . وقيل : أن يمسك
أحدهما حصاة بيده ، ويقول : أي وقت سقطت الحصاة فقد وجب البيع ، وقيل :
٣٠

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٥٢ - حديث أبي هريرة
هو أن يعترض القطيع من الغنم ، فيأخذ حصاة ويقول : أي شاة أصابتها فهي
لك بكذا ، وكل هذه متضمنة للغرر لما في الثمن أو المبيع من الجهالة ، ولفظ
الغرر يشملها ، وإنما أفردت لكونها كانت مما يبتاعها الجاهلية ، فنهى صلى الله
عليه وآله وسلم عنها ، وأضيف البيع إلى الحصاة ؛ للملابسة لاعتبار الحصاة
فيه . والثانية : بيع الغرر؛ بفتح الغين المعجمة والراء المتكررة ، وهو بمعنى :
مغرور؛ اسم مفعول ، وإضافة المصدر إليه من إضافته إلى المفعول ، ويحتمل غير
هذا ، ومعناه : الخداع الذي هو مظنة أن لا رضا به عند تحققه ؛ فيكون من أكل
المال بالباطل . ويتحقق في صور: إما بعدم القدرة على تسليمه ؛ كبيع العبد
الآبق ، والفرس النافر ، أو بكونه معدوماً أو مجهولاً ، أو لا يتم ملك البائع له ؛
كالسمك في الماء الكثير ، ونحو ذلك من الصور. وقد يحتمل بعض الغرر فيصح
معه البيع إذا دعت إليه الحاجة ؛ كالجهل بأساس الدار وكبيع الجبة المحشوة ، وإن
لم ير حشوها فإن ذلك مجمع عليه ، وكذا على جواز إجارة الدار والدابة شهراً؛
مع أنه قد يكون الشهر ثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين ، وعلى دخول الحمام بالأجرة
مع اختلاف الناس في استعمالهم الماء ، وقدر مكثهم ، وعلى جواز الشرب في
السقاء بالعوض مع الجهالة . وأجمعوا على عدم صحة بيع الأجنة في البطون ،
والطير في الهواء ، واختلفوا في صور كثيرة اشتملت عليها كتب الفروع .
﴿ قَالَ : ((مَن اشتَرَى طَعَاماً
٧٥٢ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّه ◌َا
فَلَا يَبِعْهُ حَتى يَكْتَالَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
(وعنه رضي الله عنه): أي أبي هريرة (أن رسول الله مح ملة قال: ((من اشترى
٣١

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٥٢ - حديث أبي هريرة
طعاماً فلا يبعه حتى يكتاله)). رواه مسلم): وقد ورد في الطعام أنه لا يبيعه
من اشتراه حتى يستوفيه ، من حديث جماعة من الصحابة ، وورد في أعم من
الطعام حديث حكيم بن حزام عند أحمد قال : قلت : يا رسول الله ! إني
أشتري بيوعاً؛ فما يحل لي منها وما يحرم علي؟ قال : ((إذا اشتريت شيئاً فلا
تبعه حتى تقبضه)). وأخرج الدارقطني وأبو داود من حديث زيد بن ثابت: ((أن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن تباع السلعة حيث تبتاع ، حتى
يحوزها التجار إلى رحالهم)) ، وأخرجه السبعة إلا الترمذي من حديث ابن
عباس: أن النبي ◌َّ﴾ قال: ((من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه)). قال ابن
عباس : ولا أحسب كل شيء إلا مثله ؛ فدلت الأحاديث أنه لا يجوز بيع أي
سلعة شريت ، إلا بعد قبض البائع لها واستيفائها .
وذهب قوم إلى أنه يختص هذا الحكم بالطعام لا غيره من المبيعات ، وذهب
أبو حنيفة إلى أنه يختص ذلك بالمنقول دون غيره ؛ لحديث زيد بن ثابت ؛ فإنه
في السلع . والجواب أن ذكر حكم الخاص لا يخص به العام ، وحديث حكيم
عام فالعمل عليه ، وإليه ذهب الجمهور ، وأنه لا يجوز البيع للمشتري قبل
القبض مطلقاً ، وهو الذي دل له حديث حكيم ، واستنبطه ابن عباس .
فائدة: أخرج الدارقطني من حديث جابر: نهى رسول الله وخل عن بيع
الطعام حتى يجري فيه الصاعان : صاع البائع وصاع المشتري . ونحوه للبزار من
حديث أبي هريرة بإسناد حسن ؛ فدل على أنه إذا اشترى الشيء مكايلة
وقبضه ، ثم باعه ، لم يجز تسليمه بالكيل الأول حتى يكيله على من اشتراه
٣٢

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٥٣ - حديث أبي هريرة
ثانياً؛ وبذلك قال الجمهور. وقال عطاء : يجوز بيعه بالكيل الأول . وكأنه لم
يبلغه الحديث ، ولعل علة الأمر بالكيل ثانياً؛ لتحقق ما يجوز من النقص بإعادة
الكيل ؛ لإذهاب الخداع ، وحديث الصاعين دليل على أنه لا يجوز بيع الجزاف ،
إلا أن في حديث ابن عمر: أنهم كانوا يبتاعون الطعام جزافاً ، ولفظه : كنا
نشتري الطعام من الركبان جزافاً ، فنهانا رسول الله ◌َّ م أن نبيعه حتى ننقله .
أخرجه الجماعة إلا الترمذي . قال ابن قدامة : يجوز بيع الصبرة جزافاً؛ لا نعلم
فيه خلافاً ، وإذا ثبت جواز بيع الجزاف حمل حديث الصاعين على أن المراد أنه
إذا اشترى الطعام كيلاً ، وأريد بيعه ، فلا بد من إعادة كيله للمشتري .
٧٥٣ - وَعَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِنَّهُ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ
والنَّسَائِيُّ، وصَحّحَهُ التِّرمِذِيُّ وابْنُ حِبَّانَ .
وَلْأَبِي دَاوُدَ : ((مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسَهُمَا، أو الرِّبَا)).
عن بيعتين في بيعة .
(وعنه): أي أبي هريرة (قال: نهى رسول الله عَلـ
رواه أحمد والنسائي ، وصححه الترمذي وابن حبان . ولأبي داود) : من
حديث أبي هريرة (((من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا(١))): قال
الشافعي : له تأويلان : أحدهما : أن يقول : بعتك بألفين نسيئة ، وبألف نقداً؛
فأيهما شئت أخذت به؟ وهذا بيع فاسد ؛ لأنه إبهام وتعليق .
والثاني : أن يقول : بعتك عبدي على أن تبيعني فرسك . انتهى .
(١) في سنده - عند الكل - محمد بن عمرو بن علقمة؛ وقد تكلم فيه غير واحد ، وأخرج
له الشيخان مقروناً بغيره .
٣٣

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهى عنه ٧٥٤ - حديث عمرو بن شعيب
وعلة النهي على الأول عدم استقرار الثمن ، ولزوم الربا عند من يمنع بيع
الشيء بأكثر من سعر يومه ؛ لأجل النساء ، وعلى الثاني لتعليقه بشرط مستقبل
يجوز وقوعه وعدم وقوعه ، فلم يستقر الملك ، وقوله : ((فله أوكسهما أو الربا))؛
يعني أنه إذا فعل ذلك فهو لا يخلو عن أحد الأمرين : إما الأوكس الذي هو
أخذ الأقل أو الربا ؛ وهذا مما يؤيد التفسير الأول .
٧٥٤ - وَعَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِِّ: ((لا يَحِلُّ سَلَفَّ وَبَيْعٌ ، وَلا شَرْطَانِ فِي بَيْعِ ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ
يضْمَنْ ، وَلا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ)). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ
خُزَيْمَةَ والْحَاكِمُ، وأَخْرَجَهُ في ((عُلُومِ الحَديثِ) مِنْ رِوَايَةٍ أبي حَنِيفَةَ عن
عَمرو الْمَذكور بِلَفظ: نَهى عَنْ بَيْع وشرطٍ . ومِنْ هذا الوَجهِ أخرَجَهُ
الطَّبَرَانيُّ في ((الأوسَطِ)) ، وَهُوَ غَرِيبٌ .
(وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهما قال : قال رسول
الله عَخالٍ: ((لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع ، ولا ربح ما لم يضمن ، ولا
بيع ما ليس عندك)) . رواه الخمسة ، وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم ،
وأخرجه): أي الحاكم (في ((علوم الحديث)) من رواية أبي حنيفة عن عمرو
المذكور بلفظ: نهى عن بيع وشرط . ومن هذا الوجه) : يعني : الذي أخرجه
الحاكم (أخرجه الطبراني في ((الأوسط))، وهو غريب(١)): وقد رواه جماعة
واستغربه النووي . والحديث اشتمل على أربع صور نهي عن البيع على صفتها .
(١) فيه متروك، انظر ((الضعيفة)) (٤٩١).
٣٤

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٥٤ - حديث عمرو بن شعيب
الأولى : سلف وبيع ، وصورة ذلك حيث يريد الشخص أن يشتري سلعة
بأكثر من ثمنها ؛ لأجل النساء ، وعنده أن ذلك لا يجوز؛ فيحتال بأن يستقرض
الثمن من البائع ليعجله إليه ؛ حيلة !
والثانية : شرطان في بيع ؛ اختلف في تفسيرهما ؛ فقيل : هو أن يقول : بعت
هذا نقداً بكذا وبكذا نسيئة ، وقيل : هو أن يشرط البائع على المشتري ألا يبيع
السلعة ولا يهبها ، وقيل : هو أن يقول : بعتك هذه السلعة بكذا؛ على أن تبيعني
السلعة الفلانية بكذا؛ ذكره في ((الشرح)) نقلاً عن ((الغيث)). وفي ((النهاية)): لا
يحل سلف وبيع ؛ هو مثل أن يقول : بعتك هذا العبد بألف على أن تسلفني ألفاً
في متاع أو على أن تقرضني ألفاً؛ لأنه يقرضه ليحابيه في الثمن ، فيدخل في حد
الجهالة ؛ ولأن كل قرض جر منفعة ، فهو ربا ؛ ولأن في العقد شرطاً ، ولا يصح .
وقوله : ((ولا شرطان في بيع))؛ فسره في ((النهاية)) بأنه كقولك: بعتك هذا
الثوب نقداً بدينار ، ونسيئة بدينارين ، وهو كالبيعتين في بيعة .
والثالثة: قوله : ((ولا ربح ما لم يضمن))؛ قيل : معناه: ما لم يملك ، وذلك
هو الغصب؛ فإنه غير ملك للغاصب ؛ فإذا باعه وربح في ثمنه لم يحل له
الربح . وقيل معناه : ما لم يقبض ؛ لأن السلعة قبل قبضها ليست في ضمان
المشتري ؛ إذا تلفت ، تلفت من مال البائع .
والرابعة : قوله : ((ولا بيع ما ليس عندك))، قد فسرها حديث حكيم بن
حزام عند أبي داود والنسائي أنه قال : قلت : يا رسول الله! يأتيني الرجل فيريد
مني المبيع ليس عندي ، فأبتاع له من السوق؟ قال: ((لا تبع ما ليس عندك))؛
٣٥

٧ - كتاب البيوع ١ - باب شروطه وما نهي عنه ٧٥٥ و٧٥٦ - حديثا عمرو بن شعيب وابن عمر
فدل على أنه لا يحل بيع الشيء قبل أن يملكه .
٧٥٥ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِعَ﴿ عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ.
رَوَاهُ مَالِكٌ ، قَالَ : بَلَغَنِي عَنْ عَمْرِو بن شُعَيبٍ ... بِهِ .
(وعنه رضي الله عنه): أي عمرو بن شعيب (قال: نهى رسول الله عَ زانة عن
بيع العربان) : بضم العين المهملة وسكون الراء والباء الموحدة ، ويقال : أربان ،
ويقال : عربون (رواه مالك ، قال: بلغني عن عمرو بن شعيب ... به) : وأخرجه
أبو داود وابن ماجه ، وفيه راو لم يسم ، وسمِّي في رواية ؛ فإذا هو ضعيف ، وله طرق
لا تخلو عن مقال ؛ فبيع العربان فسَّرَه مالك ، قال: هو أن يشتري الرجل العبد أو
الأمة أو يكتري ، ثم يقول للذي اشترى منه أو اكترى منه: أعطيتك ديناراً أو درهماً
على أني إن أخذت السلعة فهو من ثمنها ، وإلا فهو لك . واختلف الفقهاء في جواز
هذا البيع ؛ فأبطله مالك والشافعي لهذا النهي ، ولما فيه من الشرط الفاسد والغرر،
ودخوله في أكل المال بالباطل ؛ وروي عن عمر وابنه وأحمد جوازه .
٧٥٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ : ابْتَعْتُ زَيتًا فِي السُّوق ، فَلَمَّا
اسْتَوجَبْتُهُ لَقِيَنِي رَجُلٌ فَأَعْطَانِي بِهِ رِبْحاً حَسَناً، فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِ
الرَّجُل، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِن خَلْفِي بِذِرَاعِي ، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا هُوَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ،
فَقَالَ : لا تَبِعْه حَيْثُ ابْتَعْته، حَتى تَحُوزَهُ إلى رَحْلِكَ؛ فَإِنَّ رَسُولَ الله
نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعِ حَيْثُ تُبْتَاعُ ، حَتى يَحُوزَهَا الُّجَّارُ إلى رِحَالِهِم . رَوَاه
أحْمَد وَأَبُو دَاوُد ، وَاللفْظُ لَهُ، وَصَحَّحَه ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِم .
(وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ابتعت زيتاً في السوق ، فلما استوجبته
٣٦

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٥٧ - حديث ابن عمر
لقيني رجل ، فأعطاني به ربحاً حسناً، فأردت أن أضرب على يد الرجل) :
يعني : يعقد له البيع (فأخذ رجل من خلفي بذراعي ، فالتفت ، فإذا هو زيد بن
ثابت ، فقال: لا تبعه حيث ابتعته، حتى تحوزه إلى رحلك؛ فإن رسول الله عَزاله
نهى أن تباع السلع حيث تبتاع ، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم . رواه أحمد
وأبو داود ، واللفظ له ، وصححه ابن حبان والحاكم) : الحديث دليل على أنه لا
يصح من المشتري أن يبيع ما اشتراه قبل أن يحوزه إلى رحله ، والظاهر أن المراد به
القبض ، لكنه عبر عنه بما ذكر لما كان غالب قبض المشتري الحيازة إلى المكان الذي
يختص به ، وأما نقله من مكان إلى مكان لا يختص به ، فعند الجمهور أن ذلك
قبض . وفصل الشافعي فقال : إن كان مما يتناول باليد كالدراهم والثوب ، فقبضه
نقل ، وما ينقل في العادة كالأخشاب والحبوب والحيوان ، فقبضه بالنقل إلى مكان
آخر ، وما كان لا ينقل كالعقار والثمر على الشجر ، فقبضه بالتخلية .
قوله : فلما استوجبته ، في رواية أبي داود : استوفيته . وظاهر اللفظ أنه
قبضه ولم يكن قد حازه إلى رحله ، ويدل له قوله : نهى أن تباع السلعة حيث
تبتاع ، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم .
٧٥٧ - وَعَنْه رَضِيَ اللهُ عَنْه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنِّي أَبِيعُ الإِبِلَ
بِالْبَقِيعِ . فَأَبِيعُ بِالدََّانِيرِ وأَخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِم وَأَخُذُ الدََّانِيرَ؛ آخُذُ
هَذَا مَنْ هَذِه، وَأَعْطِي هَذِه مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ رَسُولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّم : ((لا بَأس أَنْ تَأخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا، مَا لَمْ تَفْتَرقَا، وَبَينَكُمَا شَيْءٌ)) . رَوَاه
الخَمسَةُ ، وَصَحَّحَه الحَاكِم .
٣٧

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٥٧ ۔ حديث ابن عمر
:
(وعنه رضي الله عنه): أي ابن عمر (قال : قلت: يا رسول الله ! إني
أبيع الإبل بالبقيع. فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم ، وأبيع بالدراهم وأخذ
الدنانير ؛ آخذ هذا من هذه ، وأعطي هذه من هذا؟ فقال رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم: ((لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ، مالم تفترقا وبينكما
شيء)) . رواه الخمسة ، وصححه الحاكم) : هو دليل على أنه يجوز أن يقبض
عن الذهب الفضة ، وعن الفضة الذهب ؛ لأن ابن عمر كان يبيع بالدنانير
فيلزم المشتري في ذمته له دنانير ، وهي الثمن ، ثم يقبض عنها الدراهم ،
وبالعكس . وبوب أبو داود : باب اقتضاء الذهب عن الورق ، ولفظه : كنت
أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وأخذ الدراهم ، وأبيع بالدارهم وآخذ
الدنانير، وأنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال: ((لا بأس أن
تأخذها بسعر يومها ، ما لم تفترقا وبينكما شيء))، وفيه دليل على أن
النقدين جميعاً غير حاضرين، والحاضر أحدهما، فبيّن ◌َ﴿ الحكم بأنهما إذا
فعلا ذلك فحقه ألا يفترقا إلا وقد قبض ما هو لازم عوض ما في الذمة ، فلا
يجوز أن يقبض البعض من الذهب ، ويبقى البعض في ذمة من عليه الدنانير
عوضاً عنها ، ولا العكس ؛ لأن ذلك من باب الصرف ، والشرط فيه ألا يفترقا
وبينهما شيء .
وأما قوله في رواية أبي داود: ((بسعر يومها))، فالظاهر أنه غير شرط ، وإن
كان أمراً أغلبياً في الواقع ؛ يدل على ذلك قوله : ((فإذا اختلفت الأصناف
فبيعوا كيف شئتم ، إذا كان يداً بيد)).
٣٨

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٥٨ - حديث ابن عمر
٧٥٨ - وَعَنْه قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللّهِ عَلَيِهِ وَآلِهِ وَسَلَّمْ عَنِ النَّجْشِ .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
(وعنه): أي ابن عمر (قال: نهى رسول الله ◌َّه عن النجش): بفتح النون
وسكون الجيم بعدها شين معجمة (متفق عليه) : النجش : لغة تنفير الصيد
واستثارته من مكانه ليصاد ، وفي الشرع : الزيادة في ثمن السلعة المعروضة للبيع
لا ليشتريها؛ بل ليغر بذلك غيره، وسمِّي الناجش في السلعة ناجشاً؛ لأنه
يثير الرغبة فيها ويرفع ثمنها . قال ابن بطال : أجمع العلماء على أن الناجش
عاص بفعله ، واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك، فقال طائفة من أئمة
الحديث : البيع فاسد ، وبه قال أهل الظاهر ، وهو المشهور في مذهب الحنابلة ،
ورواية عن مالك ، إلا أن الحنابلة يقولون بفساده إن كان مواطأة من البائع أو منه ،
وقالت المالكية : يثبت له الخيار - وهو قول الهادوية - قياساً على المصراة ، والبيع
صحيح عندهم ، وعند الحنفية ؛ قالوا : لأن النهي عائد إلى أمر مفارق للبيع ، وهو
قصد الخداع ؛ فلم يقتض الفساد ، وأما ما نقل عن ابن عبدالبر وابن العربي وابن
حزم : أن التحريم إذا كانت الزيادة المذكورة فوق ثمن المثل ؛ فلو أن رجلاً رأى سلعة
تباع بدون قيمتها ، فزاد فيها لتنتهي إلى قيمتها ، لم يكن ناجشاً عاصياً؛ بل يؤجر
على ذلك بنيته ؛ قالوا : لأن ذلك من النصيحة ، فهو مردود بأن النصيحة تحصل
بغير إيهام أنه يريد الشراء ، وأما مع هذا فهو خداع وغرر؛ وبأنه أخرج البخاري من
حديث ابن أبي أوفى في سبب نزول قوله تعالى : ﴿إن الذين يشترون بعهد الله
وأيمانهم ثمناً قليلاَ﴾ [آل عمران: ٧٧] الآية ، قال : أقام رجل سلعته بالله : لقد أعطي
بها ما لم يعط ، فنزلت . قال ابن أبي أوفى : الناجش آكل رباً خائن ؛ فجعل ابن
٣٩

٧ - كتاب البيوع
١ - باب شروطه وما نهي عنه
٧٥٩ ۔ حديث جابر
أبي أوفى من أخبر بأكثر مما اشترى به أنه ناجش؛ لمشاركته لمن يزيد في السلعة ،
وهو لا يريد أن يشتريها في ضرر الغير؛ فاشتركا في الحكم لذلك ، وحيث كان
الناجش غير البائع ، فقد يكون آكل رباً إذا جعل له البائع جُعْلاً .
٧٥٩ - وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم
نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَعَنْ الثُّنَيًّا، إِلا أَنْ تُعْلَمَ. رَوَاهُ
الْخَمسَةُ ، إلا ابْنِ مَاجَهْ ، وَصَخَّحَه التِّرْمِذِي .
(وعن جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن
المحاقلة) : مفاعلة ، بالحاء المهملة والقاف (والمزابنة) : بزنتها ، بالزاي بعد الألف
موحدة فنون (والمخابرة) : بزنتها ، بالخاء المعجمة فألف فموحدة فراء (وعن
الثنيا) : بالمثلثة مضمومة فنون مفتوحة فمثناة تحتية ، بزنة : ثريا : الاستثناء (إلا
أن تعلم) : عائد إلى الأخير (رواه الخمسة ، إلا ابن ماجه، وصححه الترمذي) :
اشتمل الحديث على أربع صور نهى الشارع عنها :
الأولى : المحاقلة ؛ وفسرها جابر راوي الحديث بأنها بيع الرجل من الرجل
الزرع بمائة فرق من الحنطة ، وفسرها أبو عبيد بأنها بيع الطعام في سنبله ،
وفسرها مالك بأن تكرى الأرض ببعض ما تنبت ، وهذه هي المخابرة ، ويبعد هذا
التفسير عطفها عليها في هذه الرواية بأن الصحابي أعرف بتفسير ما روي ، وقد
فسرها جابر بما عرف ؛ كما أخرجه عنه الشافعي .
والثانية : المزابنة ؛ مأخوذة من الزبن ؛ بفتح الزاي وسكون الموحدة ، وهو
الدفع الشديد ؛ كأن كل واحد من المتبايعين يدفع الآخر عن حقه ، وفسرها ابن
٤٠