Indexed OCR Text
Pages 521-540
٦ - كتاب الحج
٤ - باب الإحرام ، وما يتعلق به
٦٨٢ و٦٨٣ - حديثا زيد بن ثابت وابن عمر
كل ذلك دال على استحباب رفع الصوت بالتلبية ، وإن كان ظاهر الأمر
الوجوب . وأخرج ابن أبي شيبة : أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية ، حتّى تبح أصواتهم ؛ وإلى هذا ذهب الجمهور .
وعن مالك : لا يرفع صوته بالتلبية إلا عند المسجد الحرام ، ومسجد منى .
تجرَّد لإهلاله
٦٨٢ - وعنْ زيد بن ثابت رضي الله عنه: أَنَّ رسولَ الله
واغتسل . رواه الترمذي وحسّنهُ .
(وعنْ زيد بن ثابت رضي الله عنه: أَنَّ رسول الله عَّةٍ تجرَّد لإهلاله
واغتسل . رواه الترمذي وحسّنهُ) : وغربه ، وضعفه العقيلي ، وأخرجه الدارقطني
والبيهقي والطبراني ، ورواه الحاكم والبيهقي من طريق يعقوب بن عطاء ، عن أبيه.
عن ابن عباس قال: اغتسل رسول الله عَ ليه ، ثم لبس ثيابه ، فلما أتى ذا الحليفة
صلى ركعتين ، ثم قعد على بعيره، فلما استوى به على البيداء أحرم بالحج .
ويعقوب بن عطاء بن أبي رباح ضعيف . وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا قال : من
السنة أن يغتسل إذا أراد الإحرام ، وإذا أراد دخول مكة .
ويستحب التطيب قبل الإحرام ؛ لحديث عائشة : كنت أطيب النبي
بأطيب ما أجد. وفي رواية: كنت أطيب رسول الله تَّ له بأطيب ما أقدر عليه
قبل أن يحرم ، ثم يحرم . متفق عليه ، ويأتي الكلام في ذلك .
٦٨٣ - وعن ابن عُمر رضيَ الله عنهُمَا: أَنَّ رسول الله ◌َّ هِ سئل: عما يلبس
المحرم من الثِّياب؟ قال: ((لا يلبس القميص ، ولا العمائمَ، ولا السّراويلات،
ولا البرانس، ولا الخفاف ، إلا أحدٌ لا يجد نعلين فَليلبس الخُفّين ،
٥٢١
٦ - كتاب الحج
٤ - باب الإحرام، وما يتعلق به
٦٨٣ - حديث ابن عمر
ولْيقطعهما أَسْفل من الكعبين ، ولا تلبسوا شيئاً من الثِّياب مَسّهُ الزَّعْفران ،
ولا الْوَرْس». مُتّفقٌ عليهِ، واللفظُ لمسْلم .
سئل عما يلبس المحرم
(وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا: أن رسول الله عَام
من الثياب؟ قال: ((لا يَلْبسُ القميص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا
البرانس ، ولا الخفاف ، إلا أحدٌ لا يجد نعلين) : أي : لا يجدهما يباعان ، أو
يجدهما يباعان ولكن ليس معه ثمن فائض عن حوائجه الأصلية ، كما في
سائر الأبدال (فَلْيَلْبس الخفين ، وليقطعهما أسفل من الكعبين ، ولا تَلْبسوا
شيئاً من الثياب مَسّه الزعفران ، ولا الورس))): بفتح الواو وسكون الراء آخره
سين مهملة (متفق عليه ، واللفظ لمسلم) : وأخرج الشيخان من حديث ابن
﴿ يخطب بعرفات: ((من لم يجد إزاراً فليلبس
عباس: سمعت رسول الله ﴿
سراويل ، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين))، ومثله عند أحمد ، والظاهر أنه
ناسخ لحديث ابن عمر بقطع الخفين ؛ لأنه قاله بعرفات في وقت الحاجة ،
وحديث ابن عمر كان في المدينة؛ قاله ابن تيمية في ((المنتقى)).
واتفقوا على أن المراد بالتحريم هنا على الرجل ، ولا تلحق به المرأة في ذلك .
واعلم أنه تحصل من الأدلة أنه يحرم على المحرم : الخف ، ولبس القميص ،
والعمامة ، والبرانس ، والسراويل ، وثوب مسه ورس أو زعفران ، ولبس الخفين إلا
لعدم غيرهما ؛ فيشقهما ويلبسهما ، والطيب ، والوطء .
والمراد من القميص : كل ما أحاط بالبدن مما كان عن تفصيل وتقطيع .
وبالعمامة : ما أحاط بالرأس ، فيلحق بها غيرها مما يغطي الرأس . قال
٥٢٢
٦ - كتاب الحج
٤ - باب الإحرام ، وما يتعلق به
٦٨٣ - حديث ابن عمر
الخطابي : ذكر البرانس والعمامة معاً؛ ليدل على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا
بالمعتاد ، ولا بالنادر كالبرانس ؛ وهو كل ثوب رأسه منه ملتزقاً به ؛ من جبة ، أو
دراعة ، أو غيرهما .
واعلم أن المصنف لم يأت بالحديث فيما يحرم على المرأة المحرمة ، والذي
يحرم عليها في الأحاديث : الانتقاب ؛ أي : لبس النقاب ، كما يحرم لبس
الرجل القميص والخفين فيحرم عليها النقاب ، ومثله البرقع ؛ وهو : الذي فُصِّل
على قدر ستر الوجه ؛ لأنه الذي ورد به النص ، كما ورد بالنهي عن القميص
للرجل ، مع جواز ستر الرجل لبدنه بغيره اتفاقاً ، فكذلك المرأة المحرمة تستر
وجهها بغير ما ذكر؛ كالخمار والثوب . ومن قال : إن وجهها كرأس الرجل المحرم
لا يغطى بشيء ، فلا دليل معه .
ويحرم عليها لبس القفازين ، ولبس ما مسّه ورس أو زعفران من الثياب .
ويباح لها ما أحبت من غير ذلك من حلية وغيرها والطيب .
وأما الصيد وحلق الرأس فالظاهر أنهن كالرجل في ذلك ، والله أعلم .
وأما الانغماس في الماء ، ومباشرة المحمل بالرأس ، وستر الرأس باليد ، وكذا
وضعه على المخدة عند النوم ، فإنه لا يضر لأنه لا يسمى لابساً .
والخفاف : جمع خف ، وهو ما يكون إلى نصف الساق ، ومثله في الحكم
الجوارب ، وهو ما يكون إلى فوق الركبة ، وقد أبيح لمن لم يجد النعلين بشرط
القطع ، إلا أنك قد سمعت ما قاله في ((المنتقى)) من نسخ القطع ، وقد رجحه
٥٢٣
٦ - كتاب الحج
٤ - باب الإحرام ، وما يتعلق به
٦٨٤ - حديث عائشة
في ((الشرح)) بعد إطالة الكلام بذكر الخلاف في المسألة ، ثم ألحق أنه لا فدية
على لابس الخفين لعدم النعلين .
وخالفت الحنفية فقالوا : تجب الفدية .
ودل الحديث على تحريم لبس ما مسّه الزعفران والورس ، واختلف في العلة
التي لأجلها النهي ؛ هل هي الزينة ، أو الرائحة؟ فذهب الجمهور إلى أنها الرائحة ،
فلو صار الثوب بحيث إذا أصابه الماء لم يظهر له رائحة ، جاز الإحرام فيه ، وقد
ورد في رواية: ((إلا أن يكون غسيلاً))، وإن كان فيها مقال ، ولبس المعصفر
والمورّس محرم على الرجال في حال الحل ، كما في الإحرام .
٦٨٤ - وعَنْ عائشةَ رضيَ الله عنها قالت: كُنْتُ أُطيِّبُ رسولَ الله
الإحرامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرمَ ، ولحلِّه قبل أن يطوف بالبيت . متفقٌ عليه .
(وعَنْ عائشةَ رضيَ الله عنها قالت: كُنْتُ أُطَيِّبُ رسولَ الله ◌ِّهِ لإحرامهِ
قَبْلَ أَنْ يُحْرَمَ ، ولحلَّه قبل أن يطوف بالبيت . مُتفقٌ عليه) : فيه دليل على
استحباب التطيب عند إرادة فعل الإحرام ، وجواز استدامته بعد الإحرام ، وأنه
لا يضر بقاء لونه وريحه ، وإنما يحرم ابتداؤه في حال الإحرام؛ وإلى هذا ذهب
جماهير الأئمة من الصحابة والتابعين .
وذهب جماعة منهم إلى خلافه ، وتكلفوا لهذه الرواية ونحوها بما لا يتم به
مدعاهم؛ فإنهم قالوا: إنه ﴿﴿ تطيب ثم اغتسل بعده فذهب الطيب !
قال النووي في ((شرح مسلم )) بعد ذكره : الصواب ما قاله الجمهور من أنه
يستحب الطيب للإحرام ؛ لقولها : لإحرامه .
٥٢٤
٦ - كتاب الحج
٤ - باب الإحرام ، وما يتعلق به
٦٨٤ - حديث عائشة
ومنهم من زعم أن ذلك خاص به ﴿ ، ولا يتم ثبوت الخصوصية إلا بدليل
عليها ؛ بل الدليل قائم على خلافها ، وهو ما ثبت من حديث عائشة : كنا ننضح
وجوهنا بالمسك المطيب قبل أن نحرم ، فنعرق ويسيل على وجوهنا ونحن مع رسول
الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، فلا ينهانا . رواه أبو داود ، وأحمد
بلفظ: كنا نخرج مع رسول الله ﴿﴿ إلى مكة فننضح جباهنا بالمسك المطيب عند
الإحرام؛ فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها، فيراه النبي ﴿، فلا ينهانا . ولا
يقال : هذا خاص بالنساء ؛ لأن الرجال والنساء في الطيب سواء بالإجماع،
فالطيب يحرم بعد الإحرام لا قبله وإن دام حاله ؛ فإنه كالنكاح لأنه من دواعيه ،
والنكاح إنما يمنع المحرم من ابتدائه لا من استدامته ، فكذلك الطيب ، ولأن الطيب
من النظافة ؛ من حيث إنه يقصد به دفع الرائحة الكريهة ؛ كما يقصد بالنظافة
إزالة ما يجمعه الشعر والظفر من الوسخ ؛ ولذا استحب أن يأخذ قبل الإحرام من
شعره وأظفاره ؛ لكونه ممنوعاً منه بعد الإحرام ، وإن بقي أثره بعده .
وأما حديث مسلم في الرجل الذي جاء يسأل النبي صلى الله عليه وآله
وسلم كيف يصنع في عمرته ، وكان الرجل قد أحرم ، وهو متضمخ بالطيب ،
فقال : يا رسول الله ! ما ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعد ما تضمخ
بالطيب؟ فقال ◌َ: ((أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات)) الحديث؛
فقد أجيب عنه بأن هذا السؤال والجواب كانا بالجعرانة ، في ذي القعدة سنة
ثمان، وقد حج ﴿ سنة عشر، واستدام الطيب ، وإنما يؤخذ بالآخر من أمر
رسول الله ◌َّافة ؛ لأنه يكون ناسخاً للأول .
٥٢٥
٦ - كتاب الحج
٤ - باب الإحرام ، وما يتعلق به
٦٨٥ - حديث عثمان
وقولها : لحله قبل أن يطوف بالبيت ، المراد : لحله الإحلال الذي يحل به كل
محظور ، وهو طواف الزيارة ، وقد كان حل بعض الإحلال ، وهو بالرمي الذي
يحل به الطيب وغيره ، ولا يمنع بعده إلا من النساء ، وظاهر هذا أنه قد كان فعل
الحلق والرمي ، وبقي الطواف .
٦٨٥ - وعن عثمان رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم
قال : ((لا يَنْكِحُ الْمُحْرِم، ولا يُنْكِحُ، ولا يَخْطُبُ)) . رواهُ مُسْلمٌ.
(وعن عثمان رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :
((لا ينكحُ): بفتح حرف المضارعة ؛ أي: لا ينكح هو لنفسه (المحرم، ولا ينكح):
بضم حرف المضارعة: لا يعقد لغيره (ولا يخطبُ) : له ، ولا لغيره (رواه مسلم) .
الحديث دليل على تحريم العقد على المحرم لنفسه ولغيره ، وتحريم الخطبة كذلك .
والقول بأنه صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة بنت الحارث وهو محرم ؛
لرواية ابن عباس لذلك، مردود بأن رواية أبي رافع: أنه تزوجها ◌َّ ل ، وهو حلال ،
وبين ميمونة - ، ولأنها
أرجح ؛ لأنه كان السفير بينهما - أي : بين النبي
رواية أكثر الصحابة .
قال القاضي عياض : لم يرو أنه تزوجها محرماً إلا ابن عباس وحده ، حتّى
قال سعيد بن المسيب : ذهل ابن عباس ، وإن كانت خالته ، ما تزوجها رسول
الله ◌َّةٍ إلا بعد ما حل . ذكره البخاري .
ثم ظاهر النهي في الثلاثة التحريم ، إلا أنه قيل : إن النهي في الخطبة
٥٢٦
٦ - كتاب الحج
٤ - باب الإحرام ، وما يتعلق به
٦٨٦ - حديث أبي قتادة
للتنزيه، وإنه إجماع ؛ فإن صح الإجماع فذاك - ولا أظن صحته - وإلا فالظاهر هو
التحريم . ثم رأيت بعد هذا نقلاً عن ابن عقيل الحنبلي أنها تحرم الخطبة أيضاً،
قال ابن تيمية: لأن النبي ◌ُّ لُ نهى عن الجميع نهياً واحداً ، ولم يفصل ، وموجب
النهي التحريم ، وليس ما يعارض ذلك من أثر ، أو نظر .
٦٨٦ - وعنْ أَبي قَتَادة الأنصاري رضي الله عنه - في قِصَّة صَيْده الحمارَ
الوَحْشِيَّ، وهو غيرُ مُحرم - قال: فقال النبي ◌ٍَّ لأصحابه، وكانوا مُحْرمين:
(هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمرهُ، أو أشارَ إليْه بشيء؟))، قالوا: لا، قال: ((فكلوا ما بقيَ
من لحمه)) . متفقٌ عَلَيْه .
(وعن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه - في قصة صيده الحمار الوحشي ،
وهو غير محرم -). وكان ذلك عام الحديبية (قال: فقال النبيُّ عَلٍ لأصحابه،
وكانوا محرمين: ((هل منكم أحدٌ أَمَرَهُ ، أو أشار إليه بشيءٍ؟))، قالوا : لا ،
قال: ((فكلوا ما بقي من لحمه)). متفق عليه): قد استشكل عدم إحرام أبي
قتادة ، وقد جاوز الميقات ! وأجيب عنه بأجوبة ، منها :
أنه كان قد بعثه ◌َ الل هو وأصحابه لكشف عدّو لهم بالساحل .
ومنها: أنه لم يخرج مع النبي ◌َّه؛ بل بعثه أهل المدينة .
ومنها : أنها لم تكن المواقيت قد وقتت في ذلك الوقت .
والحديث دليل على جواز أكل المحرم لصيد البر، والمراد به إن صاده غير
محرم ، ولم يكن منه إعانة على قتله بشيء ، وهو رأي الجماهير ، والحديث نص
فيه .
٥٢٧
٦ - كتاب الحج
٤ - باب الإحرام ، وما يتعلق به ٦٨٧ - حديث الصعب بن جثامة
وقيل : لا يحل أكله ، وإن لم يكن منه إعانة عليه ، ويروى هذا عن علي
عليه السلام وابن عباس وابن عمر ، وهو مذهب الهادوية ؛ عملاً بظاهر قوله
تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً﴾ [المائدة: ٩٦]، بناء على أنه
أريد بالصيد المصيد ، وأجيب عنه بأن المراد في الآية الاصطياد ، ولفظ الصيد
وإن كان متردداً بين المعنيين ، لكن بيَّن حديث أبي قتادة المراد ، وزاده بياناً
أنه قال: ((صيد البر حلال لكم ما لم
حديث جابر بن عبد الله عنه
تصيدوه، أو يُصَدْ لكم)). أخرجه أصحاب ((السنن)) وابن خزيمة وابن حبان
والحاكم، إلا أن في بعض رواته مقالاً، بيَّنه المصنف في (التلخيص))، وعلى
تقدير أن المراد في الآية الحيوان الذي يصاد ؛ فقد ثبت تحريم الاصطياد من آيات
أخر ومن أحاديث ، ووقع البيان بحديث جابر؛ فإنه نص في المراد .
والحديث فيه زيادة وهي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((هل معكم من
لحمه شيء؟))، وفي رواية: ((هل معكم منه شيء؟)) قالوا : معنا رجله ، فأخذها
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأكلها . إلا أنه لم يخرج الشيخان هذه
الزيادة ، واستدل المانع لأكل المحرم الصيد مطلقاً بقوله :
٦٨٧ - وَعَن الصَّعب بن جثّامة الليثي رضي الله عنه : أَنّهُ أهدی لرسول
الله ◌َّهُ حماراً وحْشياً، وهو بالأبواءِ، أو بودَّان فردَّهُ عليه، وقال: ((إنّا لمْ
نردّهُ عليك إلا أَنّا حُرُمٌ)) . مُتّفقٌ عليه .
(وعن الصَّعْب) : بفتح الصاد المهملة وسكون العين المهملة فموحدة (ابن
جثامة) : بفتح الجيم وتشديد المثلثة (الليثي رضي الله عنه : أنه أهدى لرسول
٥٢٨
٦ - كتاب الحج
٤ - باب الإحرام ، وما يتعلق به
٦٨٧ - حديث الصعب بن جثامة
الله :﴿﴿ حماراً وحشياً): وفي رواية: ((حمار وحش يقطر دماً))، وفي أخرى:
(لحم حمار وحش))، وفي آخرى: ((عجز حمار وحش))، وفي رواية: ((عضداً
من لحم صيد))، كلها في مسلم (وهو بالأبواء) : بالموحدة ممدود (أو بودّان):
بفتح الواو وتشديد الدال المهملة ، وكان ذلك في حجة الوداع (فردّه عليه ، وقال :
((إنّا لمْ نَرُدَّهُ) : بفتح الدال رواه المحدثون ، وأنكره المحققون من أهل العربية ، وقالوا :
صوابه ضمها ؛ لأنه القاعدة في تحريك الساكن إذا كان بعده ضمير المذكر
الغائب على الأصح، وقال النووي في ((شرح مسلم)): في ردّه ونحوه للمذكر
ثلاثة أوجه أوضحها الضم ، والثاني الكسر ، وهو ضعيف ، والثالث الفتح ، وهو
أضعف منه ، بخلاف ما إذا اتصل به ضمير المؤنث ، نحو: ردّها ؛ فإنه بالفتح
(عليك إلا أَنّا حُرُمٌ))): بضم الحاء والراء ؛ أي : محرمون (متفق عليه) .
دل على أنه لا يحل لحم الصيد للمحرم مطلقاً؛ لأنه علل :{8#: ردّ لكونه
محرماً ، ولم يستفصل ؛ هل صاده لأجله أوْ لا ، فدل على التحريم مطلقاً ، وأجاب
من جوّزه بأنه محمول على أنه صيد لأجله ◌َ له ؛ فيكون جمعاً بينه وبين
حديث أبي قتادة ، والجمع بين الأحاديث إذا أمكن أولى من اطراح بعضها ،
وقد دل لهذا أن في حديث أبي قتادة الماضي عند أحمد وابن ماجه بإسناد
جيد : إنما صدته له ، وأنه أمر أصحابه أن يأكلوه ، ولم يأكل منه حين أخبرته أني
اصطدته له . قال أبو بكر النيسابوري : قوله : اصطدته لك ، وأنه لم يأكل منه ؛
لا أعلم أحداً قاله في هذا الحديث غير معمر. قلت : معمر ثقة لا يضر تفرّده،
ویشهد للزيادة حديث جابر الذي قدّمناه .
٥٢٩
٦ - كتاب الحج
٤ - باب الإحرام، وما يتعلق به
٦٨٨ - حديث عائشة
وفي الحديث دليل على أنه ينبغي قبول الهدية ، وإبانة المانع من قبولها إذا ردّها .
واعلم أن ألفاظ الروايات اختلفت ، فقال الشافعي : إن كان الصعب أهدى
للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الحمار حياً، فليس للمحرم ذبح
حمار وحشي، وإن كان أهدى لحم حمار فيحتمل أنه تَ﴿ قد فهم أنه صاده
لأجله . وأمّا رواية أنه يُ أكل منه ، التي أخرجها البيهقي ، فقد ضعفها ابن
القيم ، ثم إنه استقوى من الروايات رواية : لحم حمار؛ قال : لأنها لا تنافي
رواية من روى : حماراً؛ لأنه قد يسمى الجزء باسم الكل ، وهو شائع في اللغة ،
ولأن أكثر الروايات اتفقت أنه بعض من أبعاض الحمار، وإنما وقع الاختلاف
في ذلك البعض ، ولا تناقض بينها ؛ فإنه يحتمل أن يكون المهدى من الشق
الذي فيه العجز الذي فيه رجله .
٦٨٨ - وعن عائشة رضيَ الله عنها قالت: قال رسول اللّه ◌َظَلِ: ((خمسٌ
من الدوابُّ كُلَّهنَّ فواسق ، يقْتلنَ في الحلِّ والحرَم : الغُرابُ والحدأةُ والعقربُ
والفأرةُ والكلبُ العقور)) . متّفقٌ عليه .
(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله مَر ◌ُهُ: ((خمس من
الدواب كلَّهنَّ فواسق، يقتلن في الحلِّ والحرم: الغراب والحدأة) : بكسر
الحاء المهملة وفتح الدال بعدها همزة (والعقرب): يقال على الذكر والأنثى ،
وقد يقال : عقربة (والفأرة) : بهمزة ساكنة ويجوز تخفيفها ألفاً (والكلب
العقور)). متفق عليه): وفي رواية في البخاري زيادة ذكر الحية ، فكانت ستاً ،
وقد أخرجها بلفظ (ست)) أبو عوانة ، وسرد الخمس مع الحية ، ووقع عند أبي
٥٣٠
٦ - كتاب الحج
٤ - باب الإحرام ، وما يتعلق به
٦٨٨ - حديث عائشة
داود زيادة : السبع العادي ، فكانت سبعاً ، ووقع عند ابن خزيمة وابن المنذر زيادة :
الذئب والنمر ، فكانت تسعاً ، إلا أنه نقل عن الذهلي أنه ذكرهما في تفسير
الكلب العقور ، ووقع ذكر الذئب في حديث مرسل ، رجاله ثقات ، وأخرج
أحمد مرفوعاً الأمر للمحرم بقتل الذئب ، وفيه راو ضعيف .
وقد دلت هذه الزيادات أن مفهوم العدد غير مراد من قوله : ((خمس)).
والدواب - بتشديد الباء -: جمع دابة ، وهو ما دب من الحيوان ، وظاهره أنه
يسمى الطائر دابة ، وهو يطابق قوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على
الله رزقها﴾ [هود: ٦]، ﴿وكأين من دابة لا تحمل رزقها﴾ [العنكبوت: ٦٠]، وقيل:
يخرج الطائر من لفظ: الدابة ؛ لقوله تعالى : ﴿وما من دابة في الأرض ولا
طائر يطير بجناحيه﴾ [الأنعام: ٣٨]، ولا حجة فيه؛ لأنه يحتمل أنه عطف
خاص على عام ، هذا وقد اختص في العرف لفظ الدابة بذوات الأربع القوائم .
وتسميتها فواسق ؛ لأن الفسق لغة الخروج ، ومنه : ﴿ففسق عن أمر ربه﴾
[الكهف: ٥٠]؛ أي: خرج، ويسمى العاصي فاسقاً؛ لخروجه عن طاعة ربه ،
ووصفت المذكورة بذلك ؛ لخروجها عن حكم غيرها من الحيوانات ، في تحريم قتل
المحرم لها ، وقيل : لخروجها عن غيرها من الحيوانات في حل أكله ؛ لقوله تعالى :
﴿أو فسقاً أهل لغير الله به﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فسمي ما لا يؤكل فسقاً؛ قال
تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ [الأنعام: ١٢١]،
وقيل : لخروجها عن حكم غيرها بالإيذاء والإفساد وعدم الانتفاع . فهذه ثلاث
علل استخرجها العلماء في حل قتل هذه الخمس .
٥٣١
٦ - كتاب الحج
٤ - باب الإحرام ، وما يتعلق به
٦٨٨ - حديث عائشة
ثم اختلف أهل الفتوى ؛ فمن قال بالأول ألحق بالخمس كل ما جاز قتله
للحلال في الحرم ، ومن قال بالثاني ألحق كل ما لا يؤكل إلا ما نهي عن قتله ،
وهذا قد يجامع الأول ، ومن قال بالثالث خص الإلحاق بما يحصل منه الإفساد .
قال المصنف في ((فتح الباري)): قلت : ولا يخفى أن هذه العلل لا دليل عليها؛
فيبعد الإلحاق لغير المنصوص بها ، والأحوط عدم الإلحاق ، وبه قالت الحنفية إلا
أنهم ألحقوا الحية ؛ لثبوت الخبر، والذئب ؛ لمشاركته للكلب في الكلبية ، وألحقوا
بذلك من ابتدأ بالعدوان والأذى من غيرها .
قال ابن دقيق: والتعدية بمعنى الأذى إلى كل مؤذ ، قوي بالنظر إلى تصرف
أهل القياس؛ فإنه ظاهر من جهة الإيماء بالتعليل بالفسق ، وهو الخروج عن
الحدّ . انتهى . قلت : ولا يخفى أنه قد اختلف في تفسير فسقها على ثلاثة
أقوال كما عرفت ؛ فلا يتم تعيين واحد منها علة بالإيماء ؛ فلا يتم الإلحاق به .
وإذا جاز قتلهنّ للمحرم جاز للحلال بالأولى ، وقد ورد بلفظ: ((يُقتلن في
الحل والحرم)) عند مسلم، وفي لفظ: ((ليس على المحرم في قتلهن جناح))،
فدل أنه يقتلها المحرم في الحرم ، وفي الحل بالأولى .
وقوله : ((يقتلن))، إخبار بحل قتلها، وقد ورد بلفظ : الأمر، وبلفظ : نفي
الجناح، ونفي الحرج على قاتلهنّ ؛ فدل على حمل الأمر على الإباحة .
وأطلق في هذه الرواية لفظ : الغراب ، وقيد عند مسلم من حديث عائشة
بـ((الأبقع))، وهو الذي في ظهره أو بطنه بياض ، فذهب بعض أئمة الحديث إلى
تقييد المطلق بهذا ، وهي القاعدة في حمل المطلق على المقيد ، والقدح في هذه
٥٣٢
٦ - كتاب الحج
٤ - باب الإحرام ، وما يتعلق به
٦٨٩ ۔ حديث ابن عباس
الزيادة بالشذوذ وتدليس الراوي مدفوع ؛ بأنه صرح الراوي بالسماع ؛ فلا تدليس ،
وبأنها زيادة من عدل ثقة حافظ ؛ فلا شذوذ .
قال المصنف : قد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل
الحب ، ويقال له : غراب الزرع ، وقد احتجوا بجواز أكله ، فبقي ما عداه من
الغربان ملحقاً بالأبقع .
والمراد بالكلب ؛ هو المعروف ، وتقييده بالعقور يدل أنه لا يقتل غير العقور ،
ونقل عن أبي هريرة تفسير الكلب العقور بالأسد ، وعن زيد بن أسلم تفسيره
بالحية ، وعن سفيان أنه الذئب خاصة ؛ وقال مالك : كل ما عقر الناس وأخافهم
وعدا عليهم ؛ مثل : الأسد والنمر والفهد والذئب ، هو الكلب العقور ، ونقل عن
سفيان، وهو قول الجمهور، واستدل لذلك بقوله تعالي: ((اللّهم، سلط عليهم
كلباً من كلابك))؛ فقتله الأسد . وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم.
٦٨٩ - وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا: أَنَّ النّبِيِّ ◌َ ﴿ِ احتجمَ، وهو
مُحْرِمٌ . مُتّفَقٌ عليه .
ـية احتجم ، وهو محرم) :
(وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا : أن النبي
وذلك في حجة الوداع بمحل يقال له : لحي؛ جبل بين مكة والمدينة (متفق عليه) .
دل على جواز الحجامة للمحرم، وهو إجماع في الرأس وغيره إذا كان لحاجة ؛
فإن قلع من الشعر شيئاً كان عليه فدية الحلق ، وإن لم يقلع فلا فدية عليه ، وإن
كانت الحجامة لغير عذر؛ فإن كانت في الرأس حرمت إن قطع معها شعر؛ لحرمة
قطع الشعر ، وإن كانت في موضع لا شعر فيه فهي جائزة عند الجمهور ، ولا فدية .
٥٣٣
٦ - كتاب الحج
٤ - باب الإحرام ، وما يتعلق به ٦٩٠ - حديث كعب بن عجرة
وكرهها قوم ، وقيل : يجب فيه الفدية .
وقد نبه الحديث على قاعدة شرعية وهي أن محرمات الإحرام من الحلق
وقتل الصيد ونحوهما، تباح للحاجة وعليه الفدية ، فمن احتاج إلى حلق
رأسه ، أو لبس قميصه مثلاً، لحرّ، أو برد ، أبيح له ذلك ولزمته الفدية ، وعليه
دل قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه﴾ [البقرة: ١٩٦]
الآية ، وبيّن قدر الفدية الحديث ، وهو قوله :
٦٩٠ - وعن كعب بن عُجْرة رضي الله عنه قال: حُملْت إلى رسول الله
صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ والقَمْلُ يتناثرُ على وجْهِي، فقالَ: ((ما كُنْتُ أُرى
الوجع بلغَ بك ما أرى، أتجدُ شاةً؟))، قلتُ: لا، قال: ((فَصُم ثلاثة أيّام ، أو
أَطْعِمْ سِتّةَ مساكين ؛ لكلِّ مسكين نصف صاع)). متفقٌ عليه .
(وعن كعب بن عُجْرة رضي الله عنه) : بضم المهملة وسكون الجيم وبالراء ،
وكعب صحابي جليل حليف الأنصار، نزل الكوفة ، ومات بالمدينة سنة إحدى
وخمسين (قال : حُملت) : مغير الصيغة (إلى رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم والقمل يتناثر على وجهي ، فقال: ((ما كنت أرى) : بضم الهمزة ؛ أي :
أظن (الوجع بلغ بك ما أرى): بفتح الهمزة من الرؤية (أتجد شاة؟))، قلت :
لا ، قال: ((فَصُم ثلاثة أيام، أو أطعِم ستّة مساكين؛ لكُلِّ مسكين نصْف
صاع)) . متفق عليه): وفي رواية للبخاري: مرّ بي رسول الله ﴿ بالحديبية،
ورأسي يتهافت قملاً فقال: ((أتؤذيك هوامّك؟ قلت : نعم ، قال: «فاحلق
رأسك)»، الحديث ، وفيه: فقال: نزلت فيّ هذه الآية: ﴿فمن كان منكم
٥٣٤
٦ - كتاب الحج
٤ - باب الإحرام ، وما يتعلق به
٦٩١ - حديث أبي هريرة
مريضاً أو به أذى من رأسه ﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية .
وقد روي الحديث بألفاظ عديدة ، وظاهره أنه يجب تقديم النسك على النوعين
الآخرين إذا وجد ، وظاهر الآية الكريمة وسائر روايات الحديث أنه مخير في
الثلاث جميعاً؛ ولذا قال البخاري في أول باب الكفارات: خيَّر النبي ◌َ ﴿ كعباً
في الفدية . وأخرج أبو داود من طريق الشعبي ، عن ابن أبي ليلى ، عن كعب بن
عجرة: أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إن شئت فانسك نسيكة ، وإن شئت
فصم ثلاثة أيام ، وإن شئت فأطعم)) الحديث ، والظاهر أن التخيير إجماع .
وقوله : ((نصف صاع))، أخذ جماهير العلماء بظاهره ، إلا ما يروى عن أبي
حنيفة والثوري : أنه نصف صاع من حنطة وصاع من غيرها .
٦٩١ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما فتح الله على رسوله،
مكّة، قام رسولُ اللهِ نَّهُ في النّاس، فحمد الله وأثنى علَيْهِ، ثم قال: ((إن
الله حَبَس عنْ مَكّةَ الفيل وسلّطَ عليها رسُولَهُ والمؤمنين ، وإنها لم تحلَّ لأحد
كان قبلي ، وإنّما أُحلّتْ لي ساعة من نهار ، وإنها لن تَحلَّ لأحدٍ بَعْدي ؛ فلا
يُنَفّرُ صَيْدُها ، ولا يُخْتَلِى شَوْكُها، ولا تحلُّ ساقطَتُها إلا لُنْشد، ومن قُتل لهُ
قتيلٌ فَهُوَ بخير النّظرين)) ، فقال العباس: إلا الإذْخر يا رسول الله ، فإِنّا نجعله
في قبورنا وبيوتنا . فقال: ((إلا الإذخر)). متفقٌ عليه.
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما فتح الله على رسوله { ﴿ مكة):
أراد به فتح مكة، وأطلقه لأنه المعروف (قام رسول اللّه ◌َ﴿ في الناس) : أي :
خاطباً ، وكان قيامه ثاني الفتح (فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((إن الله
٥٣٥
٦ - كتاب الحج
٤ - باب الإحرام ، وما يتعلق به
٦٩١ - حديث أبي هريرة
حبس عن مكّة الفيل) : تعريفاً لهم بالمنة التي منّ الله تعالى بها عليهم، وهي
قصة معروفة مذكورة في القرآن (وسلط عليها رسوله والمؤمنين) : ففتحوها عنوة
(وإنها لمْ تحلّ لأحدٍ كان قبلي ، وإنّما أُحلتْ لي ساعةً من نهار) : هي ساعة
دخوله إياها (وإنّها لن تحلَّ لأحدٍ بَعْدي ؛ فلا يُنَفّر) : بالبناء للمجهول
(صيدها) : أي : لا يزعجه أحد ، ولا ينحيه عن موضعه (ولا يختلى) : بالخاء
المعجمة مبني للمجهول أيضاً (شَوْكُها) : أي: لا يؤخذ ويقطع (ولا تحلَّ
ساقطتها) : أي : لقطتها ، وهو بهذا اللفظ في رواية (إلا لمنشد) : أي : معرف لها
يقال له : منشد ، وطالبها : ناشد (ومن قتل لهُ قتيلٌ فهو بخيْر النّظرين))) : إِما
أخذ الدية ، أو قتل القاتل (فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله) : بكسر
الهمزة وسكون الذال المعجمة فخاء معجمة مكسورة : نبت معروف طيب
الرائحة (فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا. فقال: ((إلا الإذخر)). متفق عليه) .
فيه دليل على أن فتح مكة عنوة ؛ لقوله: ((لم تحل))، وقوله: ((سلّط عليها))،
وقوله: ((لا تحل)) ، وعلى ذلك الجماهير.
وذهب الشافعي إلى أنها فتحت صلحاً؛ لأنه ﴿ لم يقسمها على الغانمين كما
قسم خيبر ، وأجيب عنه بأنه ﴿ منّ على أهل مكة وجعلهم الطلقاء ، وصانهم عن
n
القتل والسبي للنساء والذرية ، واغتنام الأموال ؛ إفضالاً منه على قرابته وعشيرته .
: بمكة ، قال الماوردي : من
وفيه دليل على أنه لا يحل القتال لأحد بعده عم
خصائص الحرم أنه لا يحارب أهله ، وإن بغوا على أهل العدل ، وقالت طائفة
بجوازه ، وفي المسألة خلاف .
٥٣٦
٦ - كتاب الحج
٤ - باب الإحرام ، وما يتعلق به
٦٩١ - حديث أبي هريرة
وتحريم القتال فيها هو الظاهر ، قال القرطبي : ظاهر الحديث يقتضي
تخصيصه ﴿﴿ بالقتال ؛ لاعتذاره عن ذلك الذي أبيح له ، مع أن أهل مكة كانوا
إِذْ ذاك مستحقين للقتال ؛ لصدهم عن المسجد الحرام ، وإخراج أهله منه ،
وكفرهم ، وقال به غير واحد من أهل العلم ؛ قال ابن دقيق العيد : يتأكد القول
بالتحريم بأن الحديث دل على أن المأذون فيه للنبي تمويل ، ولم يؤذن فيه لغيره،
ويؤيده قوله ﴿: «فإن ترخص أحد لقتال رسول الله عَ ليه، فقولوا: إن الله
أذن لرسوله، ولم يأذن لكم))، فدل أن حلَّ القتال فيها من خصائصه مَيهِ.
ودلّ على تحريم تنفير صيدها ، وبالأولى تحريم قتله ، وعلى تحريم قطع شوكها ،
ويفيد تحريم قطع ما لا يؤذي بالأولى ، ومن العجب أنه ذهب الشافعي إلى جواز
قطع الشوك من فروع الشجر كما نقله عنه أبو ثور، وأجازه جماعة غيره ، ومنهم
الهادوية وعللوا ذلك بأنه يؤذي فأشبه الفواسق .
قلت : وهذا من تقديم القياس على النص ! وهو باطل ، على أنك عرفت أنه
لم يقم دليل على أن علة قتل الفواسق هو الأذية .
واتفق العلماء على تحريم قطع أشجارها التي لم ينبتها الآدميون في العادة،
وعلى تحريم قطع خلاها ، وهو الرطب من الكلأ؛ فإذا يبس فهو الحشيش ،
واختلفوا فيما ينبته الآدميون ، فقال القرطبي : الجمهور على الجواز .
وأفاد أنها لا تحل لقطتها إلا لمن يُعرّف بها أبداً، ولا يتملكها ، وهو خاص
بلقطة مكة ، وأمّا غيرها فيجوز أن يلتقطها بنية التملك ، بعد التعريف بها سنة ،
ويأتي ذكر الخلاف في المسألة في باب اللقطة إن شاء الله تعالى .
٥٣٧
٦ - كتاب الحج
٤ - باب الإحرام ، وما يتعلق به
٦٩٢ - حديث عبد الله بن زيد
وفي قوله : ((ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين)) ، دليل على أن الخيار
للولي ، ويأتي الخلاف في ذلك في باب الجنايات .
وقوله : نجعله في قبورنا ؛ أي : نسدّ به خلل الحجارة التي تجعل على اللحد ،
وفي البيوت كذلك يجعل فيما بين الخشب على السقوف .
وكلام العباس يحتمل أنه شفاعة إليه ◌َ * ، ويحتمل أنه اجتهاد منه لما علم
من أن العموم غالبه التخصيص ؛ كأنه يقول : هذا ما تدعو إليه الحاجة ، وقد
عهد من الشريعة عدم الحرج فقرّر عليه الصلاة والسلام كلامه . واستثناؤه إما
بوحي ، أو اجتهاد منه صلى الله عليه وآله وسلم .
٦٩٢ - وعنْ عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنه: أَنَّ رسول الله صلَّى
اللهُ عليه وآله وسلَّم قال: ((إنَّ إبراهيم حرَّمَ مَكَة ودعا لأهْلِها، وإني حَرَّمْتُ
المدينةَ كمَا حَرَّم إبراهيمُ مَكَة ، وإني دعوتُ في صاعها ومُدِّها بمثلي ما دعا به
إبراهيم لأهل مكة)) . متفقٌ عليه .
(وعن عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم قال: ((إنَّ إبراهيم حرَّم مكة): وفي رواية: ((إن الله حرّم مكة))،
ولا منافاة ؛ فالمراد أن الله حكم بحرمتها وإبراهيم أظهر هذا الحكم على العباد
(ودعا لأهلها): حيث قال: ﴿رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من
الثمرات﴾ [البقرة: ١٢٦]، وغيرها من الآيات (وإني حرّمتُ المدينة): هي علم
بالغلبة لمدينته وَ﴿ التي هاجر إليها؛ فلا يتبادر عند إطلاق لفظها إلا هي (كما
حرّم إبراهيم مكة ، وإني دعوت في صاعها ومُدِّهَا) : أي : فيما يكال بهما لأنهما
مكيالان معروفان (بمثلي ما دعا به إبراهيمُ لأهل مكة)). متفق عليه) : المراد من
٥٣٨
٦ - كتاب الحج
٤ - باب الإحرام ، وما يتعلق به
٦٩٣ - حديث علي
تحريم مكة تأمين أهلها من أن يقاتلوا ، وتحريم من يدخلها ؛ لقوله تعالى: ﴿ومن
دخله كان آمناً﴾ [آل عمران: ٩٧]، وتحريم صيدها ، وقطع شجرها ، وعضد شوكها .
والمراد من تحريم المدينة تحريم صيدها ، وقطع شجرها ، ولا يحدث فيها حدث .
وفي تحديد حرم المدينة خلاف ، ورد تحديده بألفاظ كثيرة ، ورجحت رواية :
((ما بين لابتيها))؛ لتوارد الرواة عليها .
٦٩٣ - وعن عليٍّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال النّبيُّ حَّةٍ:
((المدينة حرٌَ ما بين عَيْرِ إلى ثَوْر)). رواه مُسلمٌ .
(وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال النبيُّ ◌َّةِ: ((المدينةُ حرمٌ
ما بين عَيْر) : بالعين المهملة فمثناة تحتية فراء : جبل بالمدينة (إلى ثور)) . رواه
مسلم): ثور بالمثلثة وسكون الواو وآخره راء. في ((القاموس)): إنه جبل بالمدينة ، قال :
وفيه الحديث الصحيح ، وذكر هذا الحديث ، ثم قال : وأمّا قول أبي عبيد القاسم بن
سلام وغيره من الأكابر الأعلام : إن هذا تصحيف ، والصواب إلى أحد ؛ لأن ثوراً إنما
هو بمكة ، فغير جيد؛ لما أخبرني الشجاع الثعلبي الشيخ الزاهد ، عن الحافظ أبي
محمد بن عبد السلام البصري : أن حذاء أحد جانحاً إلى ورائه جبلاً صغيراً يقال له
ثور ، وتكرر سؤالي عنه طوائف من العرب العارفين بتلك الأرض ؛ فكل أخبرني أن
اسمه ثور، ولما كتب إليّ الشيخ عفيف الدين المطري عن والده الحافظ الثقة ، قال : إن
خلف أُحد عن شماله جبلاً صغيراً مدوراً يسمى ثوراً ، يعرفه أهل المدينة خلف عن
سلف . انتهى . وهو لا ينافي حديث ((ما بين لابتيها)) لأنهما حرتان يكتنفانها ؛ كما
في ((القاموس))، وعير وثور مكتنفان المدينة ؛ فحديث عير وثور يفسر: اللابتين.
٥٣٩
٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
٦٩٤ - حديث جابر
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
أراد به بيان المناسك والإتيان بها مرتبة ، وكيفية وقوعها ، وذكر حديث
جابر ، وهو وافٍ بجميع ذلك .
٦٩٤ - عَنْ جابر بن عبد الله رضيَ الله عنهُمَا: أنَّ رسول اللّه ◌َخُلٍ حَجَّ
فَخَرَجْنا معهُ ، حتّى إذا أَتَيْنا ذا الْحليفة، فولدتْ أَسماءُ بنتُ عُميس ، فقال :
((اغتسلي واسْتَثْفري بثوبٍ وأَحرمي)). وصلى رسولُ الله تٍَّ في المسجد ، ثم
ركب القَصْوَاءَ، حتّى إذا استَوَتْ به على الْبيداءِ، أَهَلَّ بالتوحيد: ((لَبيك
اللهُمَّ ، لَبيك ، لبيك لا شريك لكَ لَبِيْك، إنَّ الحمْدَ والنعمةَ لكَ والملْكَ، لا
شريك لك)) ؛ حتّى إذا أَتَيْنَا البيْتَ، اسْتلمَ الرُّكن، فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً ،
ثم أتى مقامَ إبراهيم فَصَلى ، ورجع إلى الرُّكن فاستلمه ، ثم خرجَ من البابِ
إلى الصَّفا، فلما دنا منَ الصَّفا قَرَأَ: ((﴿إِنَّ الصَّفا والمرْوَةَ مِنْ شعائر الله﴾
[البقرة: ١٥٨]: ((أَبدأُ بما بدأَ اللهُ بهِ»، فرقي الصَّفا، حتّى رأَى البَيْت ، فاستقبلَ
القبْلةَ، فَوَحّدَ الله وكبّرهُ وقال: ((لا إله إلا الله وحْدَهُ لا شريك لهُ، لهُ المُلْكُ
وله الحمدُ ، وهو على كُلِّ شيءٍ قديرٌ؛ لا إله إلا الله وحده ؛ أَنجِزَ وَعْدهُ،
ونصر عبْدَهُ، وهَزَمَ الأحزابَ وحْدَهُ) ، ثم دعا بين ذلك ثلاث مرَّات ، ثم نزلَ
من الصفا إلى المرْوَةِ ؛ حتّى إذا انصبّتْ قدماهُ في بطن الوادي سَعَى ، حتّى
إذا صعدتا، مشى حتّى أتى المرْوَة ، فَفَعَلَ على المروة كما فعل على الصَّفا .
فذ کر الحدیث وفیه : فلما كان يَوْمُ التّرْوپھ توجھُوا إلی منی ، ور کب رسول
الله ◌َّةٍ فَصَلى بها الظُّهرَ والعصر والمغربَ والعِشاءَ والْفَجْرَ، ثم مكث قليلاً،
٥٤٠