Indexed OCR Text
Pages 501-520
٦ - كتاب الحج
١ - باب بیان فضله وبیان من نُرض علیه ٦٧١ - حديث ابن عباس
استدل بزيادة رويت في الحديث بلفظ: ((حجي عنه، وليس لأحد بعدك))،
ورد بأن هذه الزيادة رویت بإسناد ضعيف .
وعن بعضهم أنه يختص بالولد ، وأجيب عنه بأن القياس عليه دليل شرعي ،
وقد نبه ﴿ على العلة بقوله في الحديث: ((فدين الله أحق بالقضاء))، كما
يأتي فجعله دَيْناً ، والدَّين يصح أن يقضيه غير الولد بالاتفاق ، وما يأتي من
حديث شبرمة .
٦٧١ - وعَنْهُ رضيَ الله عنهُمَا: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جاءَتْ إلى النّبي
صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ، فقالتْ: إنَّ أُمِّي نذرت أَنْ تُحُجَّ، ولم تُحُجّ، حتّى
ماتت؛ أَفَأَحُجُّ عنْها؟ قالَ: ((نَعَمْ، حُجِّي عَنْها، أَرَأَيْتِ لوْ كانَ على أُمِّكِ
دَيْنٌ ، أكُنْتِ قاضيَتَهُ؟ اقْضُوا الله ، فالله أَحقُ بالْوِفَاءِ». رواهُ البخاريُّ .
(وعنه رضي الله عنهما) : أي : عن ابن عباس (أن امرأة) : قال المصنف :
لم أقف على اسمها ، ولا اسم أمها (من جُهينة): بضم الجيم بعدها مثناة تحتية
فنون ؛ اسم قبيلة (جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقالت : إن
أمي نذرت أن تحج ، ولم تحج، حتّى ماتت ؛ أفأحج عنها؟ قال: ((نَعَمْ ، حُجِّي
عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كان على أُمِّك ديّنٌ ، أكُنْت قاضِيَتَه؟ اقْضُوا اللهَ ، فالله أحقُ
بالوفاء)» . رواه البخاري).
الحديث دليل على أن الناذر بالحج إذا مات ولم يحج أجزأه أن يحج عنه
ولده ، وقريبه ؛ ويجزئه عنه ، وإن لم يكن قد حج عن نفسه ؛ لأنه صلى الله
عليه وآله وسلم لم يسألها : حجت عن نفسها أم لا؟ ولأنه
شبهه بالدين ،
٥٠١
٦ - كتاب الحج
١ - باب بيان فضله وبيان من فُرض عليه ٦٧٢ - حديث ابن عباس
وهو يجوز أن يقضي الرجل دين غيره قبل دينه ، ورُد بأنه سيأتي في حديث
شبرمة ما يدل على عدم إجزاء حج من لم يحج عن نفسه ، وأمّا مسألة الدين
فإنه لا يجوز له أن يصرف ماله إلى دين غيره ، وهو مطالب بدين نفسه .
وفي الحديث دليل على مشروعية القياس وضرب المثل ؛ ليكون أوقع في
نفس السامع ، وتشبيه المجهول حكمه بالمعلوم ؛ فإنه دل أن قضاء الدين عن
الميت كان معلوماً عندهم ، متقرراً؛ ولهذا حسن الإلحاق به .
ودل على وجوب التحجيج عن الميت سواء أوصى أم لم پوص ؛ لأن الدين
يجب قضاؤه مطلقاً ، وكذا سائر الحقوق المالية من كفارة ونحوها؛ وإلى هذا
ذهب ابن عباس وزيد بن ثابت وأبو هريرة والشافعي ، ويجب إخراج الأجرة من
رأس المال عندهم ، وظاهره أن يقدم على دين الآدمي ، وهو أحد أقوال الشافعي ،
ولا يعارض ذلك قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩]
الآية ؛ لأن ذلك عام خصه هذا الحديث ، أو لأن ذلك في حق الكافر ، وقيل :
اللام في الآية بمعنى: على، أي: ليس عليه ، مثل: ﴿لهم اللعنة﴾ [الرعد: ٢٥]؛
أي : عليهم، وقد بسطنا القول في هذا في ((حواشي ضوء النهار)).
٦٧٢ - وَعَنْهُ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهَ ◌ّهِ: ((أَيُّمَا صَبِيُّ حَجّ،
ثم بَلَغَ الْحِنْثَ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخرَى ، وَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ، ثم أعتقَ،
فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حِجَّةٍ أُخْرَى)). رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ،
إِلا أَنَّهُ اخْتُلِفِ فِي رَفْعِهِ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ مُؤْقُوفٌ .
!
:
(وعنه): أي : عن ابن عباس (رضي الله عنهما قال: قال رسول الله
٥٠٢
٦ - كتاب الحج
١ - باب بیان فضله وبیان من قُرض علیه
٦٧٣ - حديث ابن عباس
أيما صبي حج ، ثم بلغ الحنث) : بكسر الحاء المهلمة وسكون النون فمثلثة ؛ أي :
الإثم ، أي : بلغ أن يكتب عليه حنثه (فعليه أن يحج حجة أخرى ، وأيما عبد
حج ، ثم أعتق ، فعليه أن يحج حجة أخرى)) . رواه ابن أبي شيبة ، والبيهقي،
ورجاله ثقات ، إلا أنه اختلف في رفعه ، والمحفوظ أنه موقوف) : قال ابن
خزيمة : الصحيح أنه موقوف ، وللمحدثین کلام کثیر في رفعه ووقفه .
وروى محمد بن كعب القرظي - مرفوعاً - قال: قال رسول الله عَ ليه: ((إني أريد
أن أجدد في صدور المؤمنين ؛ أيما صبي حج به أهله فمات أجزأت ؛ فإن أدرك
فعليه الحج))، ومثله قال في العبد . رواه سعيد بن منصور وأبو داود في ((مراسيله))،
واحتج به أحمد ، وروى الشافعي حديث ابن عباس ، قال ابن تيمية : والمرسل
إذا عمل به الصحابة حجة اتفاقاً ، قال : وهذا مجمع عليه ، ولأنه من أهل
العبادات فيصح منه الحج ، ولا يجزئه لأنه فعله قبل أن يخاطب به .
٦٧٣ - وَعَنْهُ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّم يَخْطُبُ ، يَقُولُ: ((لا يَخْلُونَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم ، ولا تسَافِرُ
المَرْأَةُ إِلا مَعَ ذِي مِحْرَم)»، فَقَامَ رَجُلٌ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! إنَّ امْرَأَتِي خَرجَتْ
ءُ
حَاجَّةً ، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةٍ كَذَا وَكَذا ، فَقَالَ : ((انْطَلِقْ فَحُجَ مَعَ امْرَأَتِكَ)) .
مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم
٠
(وعنه): أي: عن ابن عباس (رضيَ الله عنهُمَا قال: سمعت رسول الله
صلَّى الله عليه وآله وسلم يخطب ، يقول: ((لا يخلون رجل بإمرأة) : أي :
أجنبية ؛ لقوله (إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم)» ، فقام
٥٠٣
٦ - كتاب الحج
١ - باب بيان فضله وبیان من قُرض علیه
٦٧٣ - حديث ابن عباس
رجل) : قال المصنف : لم أقف على تسميته (فقال : يا رسول الله! إن امرأتي
خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال: ((انطلق فحج مع
امرأتك)). متفق عليه، واللفظ لمسلم) : دل الحديث على تحريم الخلوة بالأجنبية ،
وهو إجماع، وقد ورد في حديث: ((فإن ثالثهما الشيطان)) ، وهل يقوم غير المحرم
مقامه في هذا، بأن يكون معهما من يزيل معنى الخلوة؟ الظاهر أنه يقوم ؛ لأن
المعنى المناسب للنهي إنما هو خشية أن يوقع بينهما الشيطان الفتنة .
وقال القفال : لا بد من المحرم عملاً بلفظ الحديث ، ودل أيضاً على تحريم سفر
المرأة من غير محرم ، وهو مطلق في قليل السفر وكثيره ، وقد وردت أحاديث
مقيدة لهذا الإطلاق ، إلا أنها اختلفت ألفاظها، ففي لفظ : ((لا تسافر المرأة
مسيرة ليلة إلا مع ذي محرم))، وفي آخر: ((فوق ثلاث))، وفي آخر: ((مسيرة
يومين))، وفي آخر: ((ثلاثة أميال))، وفي لفظ: ((بريد))، وفي آخر: «ثلاثة
أيام))؛ قال النووي : ليس المراد من التحديد ظاهره ؛ بل كل ما يسمى سفراً
فالمرأة منهية عنه إلا بالمحرم ، وإنما وقع التحديد عن أمر واقع ؛ فلا يعمل بمفهومه .
وللعلماء تفصيل في ذلك ؛ قالوا: ويجوز سفر المرأة وحدها في الهجرة من دار
الحرب ، والمخافة على نفسها ، ولقضاء الدين ، ورد الوديعة ، والرجوع من النشوز،
وهذا مجمع عليه . واختلفوا في سفر الحج الواجب ؛ فذهب الجمهور إلى أنه لا
يجوز للشابة إلا مع محرم ، ونقل قولاً عن الشافعي أنها تسافر وحدها إذا كان
الطريق آمناً ، ولم ينهض دليله على ذلك ، قال ابن دقيق العيد : إن قوله تعالى :
﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧]، عموم شامل للرجال والنساء ،
٥٠٤
٦ - كتاب الحج
١ - باب بيان فضله وبيان من فُرض عليه ٦٧٣ - حديث ابن عباس
وقوله : ((لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم))، عموم لكل أنواع السفر فتعارض
العمومان ، ويجاب بأن حديث: ((لا تسافر المرأة للحج إلا مع ذي محرم))،
مخصص لعموم الآية ، ثم الحديث عام للشابة والعجوز .
وقال جماعة من الأئمة : يجوز للعجوز السفر من غير محرم ؛ وكأنهم نظروا
إلى المعنى فخصصوا به العموم ، وقيل : لا يخصص ؛ بل العجوز كالشابة .
وهل تقوم النساء الثقات مقام المحرم للمرأة؟ فأجاز البعض مستدلاً بأفعال
الصحابة ، ولا تنهض حجة على ذلك ؛ لأنه ليس بإجماع ، وقيل : يجوز لها
السفر إذا كانت ذات حشم ، والأدلة لا تدل على ذلك .
وأما أمره صلى الله عليه وآله وسلم له بالخروج مع امرأته ، فإنه أخذ منه
أحمد أنه يجب خروج الزوج مع زوجته إلى الحج ، إذا لم يكن معها غيره ، وغير
أحمد قال : لا يجب عليه ، وحمل الأمر على الندب ، قال : وإن كان لا يحمل
على الندب إلا لقرينة عليه ، فالقرينة ما علم من قواعد الدين أنه لا يجب على
أحد بذل منافع نفسه لتحصيل غيره ما يجب عليه .
وأخذ من الحديث أنه ليس للرجل منع امرأته من حج الفريضة ؛ لأنها عبادة
قد وجبت عليها؛ ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ؛ سواء قلنا : إنه على
الفور، أو التراخي ! أما الأول ، فظاهر ، قيل : وعلى الثاني أيضاً؛ فإن لها أن
تسارع إلى براءة ذمتها ، كما أن لها أن تصلي أول الوقت ، وليس له منعها .
وأما ما أخرجه الدارقطني من حديث ابن عمر مرفوعاً - في امرأة لها زوج
ولها مال، ولا يأذن لها في الحج -: ((ليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها)»، فإنه
٥٠٥
٦ - كتاب الحج
١ - باب بيان فضله وبيان من فرض عليه
٦٧٤ - حديث ابن عباس
محمول على حج التطوع ؛ جمعاً بين الحديثين ، على أنه ليس في حديث
الكتاب ما يدل أنها خرجت من دون إذن زوجها .
وقال ابن تيمية : إنه يصح الحج من المرأة بغير محرم ومن غير المستطيع ،
وحاصله أن من لم يجب عليه لعدم الاستطاعة ؛ مثل المريض ، والفقير ، والمعضوب
والمقطوع طريقه ، والمرأة بغير محرم ، وغير ذلك ، إذا تكلفوا شهود المشاهد ، أجزأهم
الحج، ثم منهم من هو محسن في ذلك كالذي يحج ماشياً ، ومنهم من هو مسيء
في ذلك كالذي يحج بالمسألة ، والمرأة تحج بغير محرم ، وإنما أجزأهم لأن الأهلية
تامة ، والمعصية إن وقعت فهي في الطريق لا في نفس المقصود .
﴿ُ سمع رَجُلاً يقولُ: لبيكَ عنْ
٦٧٤ - وَعَنْهُ رضي الله عنه: أَنَّ النبي
شُبرِمَةَ ، قال: ((مَنْ شُبرمةُ؟))، قال: أَخٌ لي، أو: قريب لي، فقال: ((حَجَجْتَ
عَنْ نَفْسكَ؟))، قال: لا، قال: ((حجّ عنْ نَفْسِك، ثم حُجَّ عَنْ شُبْرُمةَ)) . رواهُ
أَبو داود وابنُ ماجه ، وصَحّحه ابنُ حبّان، والرَّاجح عندَ أَحْمَد وقْفُهُ.
(وعنه): أي: ابن عباس (رضي الله عنهما: أن النبي ◌َ لل سمع رجلا
ء
يقول: لبيك عن شُّبْرمة): بضم الشين المعجمة فموحدة ساكنة (قال: ((من
شُبِرُمَةُ؟))، قال: أخ لي، أو: قريب لي): شك من الراوي (فقال: ((حججتَ
عنْ نفسك؟))، قال: لا، قال: ((حُجَّ عنْ نفْسكَ، ثم حُجَّ عَنْ شُّبْرُمَة)) . رواه
أبو داود وابن ماجه ، وصححه ابن حبان ، والراجح عند أحمد وقفه) .
وقال البيهقي : إسناده صحيح ، وليس في هذا الباب أصح منه .
وقال أحمد بن حنبل : رفعه خطأ .
٥٠٦
٦٠ - كتاب الحج
١ - باب بيان فضله وبيان من فُرض عليه
٦٧٤ - حديث ابن عباس
وقال ابن المنذر: لا يثبت رفعه ، وقال الدارقطني : المرسل أصح ، قال
المصنف : هو كما قال ، لكنه يقوي المرفوع ؛ لأنه من غير رجاله ، وقال ابن
تيمية : إن أحمد حكم في رواية ابنه صالح عنه ، أنه مرفوع ؛ فيكون قد اطلع
على ثقة من رفعه ، قال : وقد رفعه جماعة ؛ على أنه وإن كان موقوفاً ، فليس
لا بن عباس فيه مخالف .
والحديث دليل على أنه لا يصح أن يحج عن غيره مَنْ لم يحج عن نفسه ؛
فإذا أحرم عن غيره، فإنه ينعقد إحرامه عن نفسه؛ لأنه تَّةٍ أمره أن يجعله عن
نفسه بعد أن لبى عن شبرمة ؛ فدل على أنها لم تنعقد النية عن غيره ، وإلا
لأوجب عليه المضي فيه .
وأن الإحرام ينعقد مع الصحة والفساد ، وينعقد مطلقاً مجهولاً معلقاً ، فجاز
أن يقع عن غيره ، ويكون عن نفسه ؛ وهذا لأن إحرامه عن الغير باطل لأجل
النهي ، والنهي يقتضي الفساد ، وبطلان صفة الإحرام لا يوجب بطلان أصله ؛
وهذا قول أكثر الأئمة ، أنه لا يصح أن يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه
مطلقاً ؛ مستطيعاً كان ، أو لا ؛ لأن ترك الأستفصال والتفريق في حكاية الأحوال
دال على العموم ، ولأن الحج واجب في أول سنة من سني الإمكان ؛ فإذا أمكنه
فعله عن نفسه لم يجز أن يفعله عن غيره ؛ لأن الأوّل فرض والثاني نفل ، كمن
عليه دين ، وهو مطالب به ، ومعه دراهم بقدره ؛ لم يكن له أن يصرفها إلا إلى
دينه ، وكذلك كل ما احتاج أن يصرفه إلى واجب عنه ، فلا يصرفه إلى غيره ،
إلا أن هذا إنما يتم في المستطيع ؛ ولذا قيل : إنما يؤمر أن يبدأ بالحج عن نفسه إذا
٥٠٧
٦ - كتاب الحج
١ - باب بیان فضله وبیان من قُرض عليه
٦٧٥ - حديث ابن عباس
كان واجباً عليه ، وغير المستطيع لم يجب عليه ، فجاز أن يحج عن غيره ، ولكن
العمل بظاهر عموم الحديث أولى .
٦٧٥ - وعَنْهُ قالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ مَ﴿ فقال: ((إنَّ الله كتب عليكمُ الحج))،
فقامَ الأقرع بن حابس فقال: أفي كلِّ عام يا رسولَ الله؟ قال: ((لَوْ قُلتُها
لوجبت، الحجُّ مَرَّة، فما زاد فَهُو تطوُّعٌ)). رواهُ اَلخمْسةُ غيْرِ الترمذي، وأَصْلُهُ
في مسلم من حديث أبي هُريْرةَ .
(وعنه): أي: ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا (قال: خطبنا رسول ◌َ اللهُ فقال:
((إن الله كتب عليكم الحج))، فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول
الله؟ قال: ((لو قُلتها لوجبت، الحج مرَّة، فما زاد فَهُوَ تطوع)). رواه الخمسة غير
الترمذي ، وأصله في مسلم من حديث أبي هريرة) : وفي رواية زيادة بعد قوله
(لوجبت)): ((ولو وجبت لم تقوموا بها، ولو لَمْ تقوموا بها لعذبتم)).
والحديث دليل على أنه لا يجب الحج إلا مرة واحدة في العمر، على كل
مكلف مستطيع، وقد أخذ من قوله عَّ هُ: ((لو قلتها، لوجبت)) ، أنه يجوز أن
يفوّض الله إلى الرسول عَ﴿ي شرح الأحكام، ومحل المسألة الأصول، وفيها
خلاف بين العلماء ؛ قد أشار إليه الشارح رحمه الله .
٥٠٨
٦ - كتاب الحج
٢ - باب المواقيت
٦٧٦ - حديث ابن عباس
٢ - باب المواقيت
المواقيت : جمع ميقات ، والميقات : ما حدّ ووقّت للعبادة ، من زمان ومكان ،
والتوقيت : التحديد ؛ ولهذا يذكر في هذا الباب ما حده الشارع للإحرام من
الأماكن .
وقّتَ لأهْل المدينة
٦٧٦ - عن ابن عبّاس رضيَ الله عنهُمَا: أنَّ النّبيَّ ◌َـ
ذا الحُلَيْفة، ولأهل الشام الجُحْفة ، ولأهل نجد قرْن المنازل، ولأهْل اليمن
يَلَمْلَم؛ هُنَّ لَهُنَّ ولمن أَتَى عَلَيْهنِ مِنْ غَيْرِهِنَّ ممنْ أَراد الحجّ أو العُمْرة؛ ومِنْ
كان دون ذلك فمن حيث أَنْشاً ، حتّى أَهْلُ مكة من مكة . مُتَّفقٌ عليه .
(عن ابن عباس رضيَ اللّه عنهُمَا: أن النبي ◌َ ﴿﴿ وقت لأهل المدينة ذا
الحُلَيْفَة) : بضم الحاء المهملة وبعد اللام مثناة تحتية وفاء ؛ تصغير : حلفة ،
والحلفة ؛ واحدة الحلفاء : نبت في الماء ، وهي مكان معروف بينه وبين مكة عشر
، والبئر
مراحل ، وهي من المدينة على فرسخ ، وبها المسجد الذي أحرم منه
التي تسمى الآن : بئر علي ، وهي أبعد المواقيت إلى مكة (ولأهل الشام
الجُحْفَة) : بضم الجيم وسكون الحاء المهملة ففاء ؛ سميت بذلك لأن السيل
اجتحف أهلها إلى الجبل الذي هنالك، وهي من مكة على ثلاث مراحل ،
وتسمى : مهيعة ، كانت قرية قديمة ، وهي الآن خراب ؛ ولذا يحرمون الآن من
رابغ قبلها لوجود الماء بها للاغتسال (ولأهل نجد قَرْن المنازل) : بفتح القاف
وسكون الراء ، ويقال له : قرن الثعالب ، بينه وبين مكة مرحلتان (ولأهل اليمن
يلملم) : بينه وبين مكة مرحلتان (هنّ): أي : المواقيت (لهنّ) : أي : البلدان
٥٠٩
٦ - كتاب الحج
٢ - باب المواقيت
٦٧٦ - حديث ابن عباس
المذكورة؛ والمراد: لأهلها، ووقع في بعض الروايات: ((هنّ لهم))، وفي رواية
للبخاري: ((هنّ لأهلهنّ)) (ولمن أتى عليهنّ من غيرهنّ ممن أراد الحج أو
العمرة؛ ومن كان دون ذلك) : المذكور من المواقيت (فمن حيث أنشأ ، حتّى
أهل مكة) : يحرمون (من مكة) : بحج ، أو عمرة (متفق عليه) .
فهذه المواقيت التي عينها صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لمن ذكره من
أهل الآفاق ، وهي أيضاً مواقيت لمن أتى عليها ، وإن لم يكن من أهل تلك
الآفاق المعينة ، فإنه يلزمه الإحرام منها ، إذا أتى عليها قاصداً لإتيان مكة لأحد
النُسكين ، فيدخل في ذلك ما إذا ورد الشامي مثلاً إلى ذي الحليفة ؛ فإنه يجب
عليه الإحرام منها ، ولا يتركه ، حتّى يصل الجحفة ؛ فإن أخر أساء ولزمه دم،
هذا عند الجمهور .
وقالت المالكية : إنه يجوز له التأخير إلى ميقاته ، وإن كان الأفضل له خلافه ؛
قالوا: والحديث محتمل ؛ فإن قوله : ((هنّ لهنّ)) ، ظاهره العموم لمن كان من أهل
تلك الأقطار، سواء ورد على ميقاته ، أو ورد على ميقات آخر؛ فإن له العدول
إلى ميقاته ؛ كما لو ورد الشامي على ذي الحليفة ، فإنه لا يلزمه الإحرام منها؛
بل يحرم من الجحفة .
وعموم قوله : ((ولمن أتى عليهنّ من غيرهنّ))، يدل على أنه يتعين على
الشامي في مثالنا أن يحرم من ذي الحليفة لأنه من غير أهلهنّ .
قال ابن دقيق العيد: قوله : ولأهل الشام الجحفة ، يشمل من مرّ من أهل
الشام بذي الحليفة ومن لم يمرّ، وقوله: ((ولمن أتى عليهن من غير أهلهنّ))، يشمل
٥١٠
٦ - كتاب الحج
٢ - باب المواقيت
٦٧٦ - حديث ابن عباس
الشامي إذا مر بذي الحليفة وغيره ، فهنا عمومان قد تعارضا . انتهى ملخصاً .
قال المصنف: ويحصل الانفكاك بأن قوله : ((هنّ لهنّ))، مفسر لقوله مثلاً:
وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ، وأن المراد بأهل المدينة ساكنوها ، ومن سلك طريق
ميقاتهم فمرّ على ميقاتهم . انتهى . قلت : وإن صح ما قد روي من حديث
عروة: أنه ◌َيٍ وقت لأهل المدينة ومن مر بهم ذا الحليفة ، تبين أن الجحفة إنما
هي ميقات للشامي ، إذا لم يأت المدينة ، ولأن هذه المواقيت محيطة بالبيت
كإحاطة جوانب الحرم ؛ فكل من مرّ بجانب من جوانبه لزمه تعظيم حرمته ، وإن
کان بعض جوانبه أبعد من بعض .
ودل قوله : ((ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ))، على أن من كان بين
الميقات ومكة فميقاته حيث أنشأ الإحرام ، إما من أهله ووطنه ، أو من غيره .
وقوله: ((حتى أهل مكة من مكة))، دل على أن أهل مكة يحرمون من
مكة ، وأنها ميقاتهم ، سواء كان من أهلها ، أو من المجاورين ، أو الواردين إليها ،
أحرم بحج ، أو عمرة .
وفي قوله: ((ممن أراد الحج أو العمرة))، ما يدل أنه لا يلزم الإحرام إلا من
أراد دخول مكة لأحد النسكين ، فلو لم يُرِد ذلك جاز له دخولها من غير إحرام ،
وقد دخل ابن عمر بغير إحرام ، ولأنه قد ثبت بالاتفاق أن الحج والعمرة - عند
من أوجبها - إنما تجب مرة واحدة ، فلو أوجبنا على كل من دخلها أن يحج ، أو
يعتمر ، لوجب أكثر من مرة! ومن قال : إنه لا يجوز مجاوزة الميقات إلا
بالإحرام ، إلا لمن استثني من أهل الحاجات كالحطابين ، فإن له في ذلك آثاراً
٥١١
٦ - كتاب الحج
٢ - باب المواقيت
٦٧٦ ۔ حديث ابن عباس
عن السلف ، ولا تقوم بها حجة .
فمن دخل مريداً مكة لا ينوي نسكاً من حج ولا عمرة وجاوز ميقاته بغير
إحرام ، فإن بدا له إرادة أحد النسكين ، أحرم من حيث أراد ، ولا يلزمه أن يعود
إلى ميقاته .
واعلم أن قوله: ((حتى أهل مكة من مكة))، يدل أن ميقات عمرة أهل مكة
كحجهم ، وكذلك القارن منهم ، ميقاته مكة ، ولكن قال المحب الطبري : إنه لا
يعلم أحداً جعل مكة ميقاتاً للعمرة ، وجوابه أنه صلى الله عليه وآله وسلم
جعلها ميقاتاً لها بهذا الحديث ، وأمّا ما روي عن ابن عباس أنه قال : يا أهل
مكة! من أراد منكم العمرة فليجعل بينه وبينها بطن محسر . وقال أيضاً : من
أراد من أهل مكة أن يعتمر خرج إلى التنعيم ويجاوز الحرم ، فآثار موقوفة لا تقاوم
المرفوع ، وأمّا ما ثبت من أمره ﴿﴿ لعائشة بالخروج إلى التنعيم ؛ لتحرم بعمرة،
فلم يُرد إلا تطييب قلبها ؛ بدخولها إلى مكة معتمرة كصواحباتها ؛ لأنها أحرمت
بالعمرة معه ، ثم حاضت فدخلت مكة ، ولم تطف بالبيت كما طفن ، كما يدل
له قولها : قلت : يا رسول الله ! يصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك واحد؟!
قال: ((انتظري فاخرجي إلى التنعيم فأهلّي منه))، الحديث ، فإنه محتمل أنها
إنما أرادت أن تشابه الداخلين من الحل إلى مكة بالعمرة ، ولا يدل أنها لا تصح
العمرة إلا من الحل لمن صار في مكة ، ومع الاحتمال لا يقاوم حديث الكتاب ،
وقد قال طاوس : لا أدري ؛ الذين يعتمرون من التنعيم يؤجرون ، أو يعذبون؟!
قيل له : فلم يعذبون؟ قال : لأنه يدع البيت والطواف ويخرج إلى أربعة أميال،
٥١٢
٦ - كتاب الحج
٢ - باب المواقيت
٦٧٧ - حديث عائشة
ويجيء أربعة أميال ، قد طاف مائتي طواف ! وكلما طاف كان أعظم أجراً من أن
يمشي في غير مشى . إلا أن كلامه في تفضيل الطواف على العمرة .
قال أحمد : العمرة بمكة ؛ من الناس من يختارها على الطواف ، ومنهم من
يختار المقام بمكة والطواف ، وعند أصحاب أحمد أن المكي إذا أحرم للعمرة من
مكة كانت عمرة صحيحة ؛ قالوا : ويلزمه دم لما ترك من الإحرام من الميقات .
قلت : ويأتيك أن إلزامه الدم لا دليل عليه .
٦٧٧ - وعَنْ عائشة رضيَ الله عنها: أن النّبيّ ◌َ﴿ٍ وقت لأهْل العراق
ذات عرق . رواه أبو داود والنّسائي، وأَصلهُ عِنْدَ مُسلم مِنْ حديث جابر،
إلا أنَّ راويه شكَّ في رَفْعهِ، وفي ((البُخاريِّ) أَنَّ عُمَرَ هو الذي وَقّت ذات
عرْق .
(وعن عائشة رضيَ الله عنها: أن النبي :{ ﴿ وقت لأهل العراق ذات
عِرْق) : بكسر العين المهملة وسكون الراء بعدها قاف ، بينه وبين مكة مرحلتان ،
وسمي بذلك ؛ لأن فيه عرقاً ، وهو الجبل الصغير (رواه أبو داود والنسائي،
وأصله عند مسلم من حديث جابر ، إلا أن راويه شك في رفعه) : لأن في
((صحيح مسلم)) عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله سئل عن المهل؟
فقال: سمعت - أحسبه رفع إلى النبي ب *1 - فلم يجزم برفعه (وفي ((البخاري))
أن عمر هو الذي وقت ذات عرق) : وذلك أنها لما فتحت البصرة والكوفة - أيْ:
أرضهما ، وإلا فإن الذي مصَّرهما المسلمون -، طلبوا من عمر أن يعين لهم ميقاتاً؛
فعين لهم ذات عرق ، وأجمع عليه المسلمون .
٥١٣
٦ - كتاب الحج
٢ - باب المواقيت
٦٧٨ - حديث ابن عباس
قال ابن تيمية في ((المنتقى)): والنص بتوقيت ذات عرق ليس في القوة
كغيره ؛ فإن ثبت فليس ببدع وقوع اجتهاد عمر على وفقه ؛ فإنه كان موافقاً
للصواب، كأن عمر لم يبلغه الحديث فاجتهد بما وافق النص . هذا ، وقد انعقد
الإجماع على ذلك ، وقد روي رفعه بلا شك من حديث أبي الزبير عن جابر
عند ابن ماجه ، ورواه أحمد مرفوعاً عن جابر بن عبد الله وعن ابن عمر - وفي
إسناده الحجاج بن أرطاة -، ورواه أبو داود والنسائي والدارقطني وغيرهم من
حديث عائشة: أنه ﴿ وقت لأهل العراق ذات عرق - بإسناد جيد - ، ورواه
عبد الله بن أحمد أيضاً عنها ، وقد ثبت مرسلاً عن مكحول ، وعطاء . قال ابن
تيمية : وهذه الأحاديث المرفوعة الجياد الحسان يجب العمل بمثلها ، مع تعددها
ومجيئها مسندة ومرسلة من وجوه شتى ، وأمّا ما ذكره بقوله :
٦٧٨ - وعند أَحمد وأبي داودَ والتِّرمذي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما:
أَنَّ النّبيَّ :﴿﴿ وقّت لأهل المشرق العقيق.
(وعند أَحمد وأبي داودَ والتِّرمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أَنَّ
النّبيَّ ◌َ ﴿ وقّت لأهل المشرق العقيق): فإنه ، وإن قال فيه الترمذي: إنه
حسن ؛ فإن مداره على يزيد بن أبي زياد ، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة .
قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن إحرام العراق من ذات عرق ،
إحرام من الميقات . هذا ، والعقيق يعدّ من ذات عرق ، وقد قيل : إن كان
لحديث ابن عباس هذا أصل ، فيكون منسوخاً ؛ لأن توقيت ذات عرق كان في
حجة الوداع ، حين أكمل الله دينه ؛ كما يدل له ما أخرجه الحارث بن عمرو
٥١٤
٦ - كتاب الحج
٢ - باب المواقيت
٦٧٨ - حديث ابن عباس
السهمي قال: أتيت النبي ◌َّ ة ، وهو بمنى ، أو عرفات ، وقد أطاف به الناس ،
قال: فتجيء الأعراب ؛ فإذا رأوا وجهه قالوا : هذا وجه مبارك ، قال : ووقت
ذات عرق لأهل العراق . رواه أبو داود والدارقطني .
٥١٥
٦ - كتاب الحج
٣ - باب وجوه الإحرام وصفته
٦٧٩ - حديث عائشة
٣ - باب وجوه الإحرام وصفته
الوجوه : جمع وجه ، والمراد بها الأنواع التي يتعلق بها الإحرام ، وهو الحج
أو العمرة ، أو مجموعهما ، وصفته : كيفيته التي يكون فاعلها بها محرماً.
٦٧٩ - عن عائشة رضي الله عنها قالت: خَرَجْنا مع رسول الله
عام
حَجّةِ الوداع؛ فَمِنّا مَنْ أَهَلَّ بعُمْرةٍ ، ومنّا مَنْ أَهَلَّ بحجٍ وَعُمْرةٍ ، ومِنّا مَنْ أَهَلَّ
بحج. وَأَهَلَّ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم بالحجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهلّ بِعُمْرةٍ ،
فَحَلَّ عند قدومه ، وأمّا مَنْ أهَلّ بحج ، أو جمعَ الحجّ والعُمْرة ، فلمْ يحلُّوا ،
حتّى كان يوْمُ النحر . مُتّفقٌ عليه .
(عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا) : أي: من المدينة ، وكان خروجه
وزارة يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة، بعد صلاته الظهر بالمدينة أربعاً،
وبعد أن خطبهم خطبة علمهم فيها الإحرام ، وواجباته ، وسننه (مع رسول الله
عام حجة الوداع) : وكان ذلك سنة عشر من الهجرة ؛ سميت بذلك لأنه
ودع الناس فيها ، ولم يحج بعد هجرته غيرها ، (فمنا من أهل بعمرة ، ومنا
من أهل بحج وعمرة): فكان قارناً (ومنا من أهل بحج): فكان مفرداً (وأهل
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحج ، فأما من أهل بعمرة ، فحل عند
قدومه) : مكة بعد إتيانه ببقية أعمال العمرة (وأما من أهل بحج ، أو جمع بين
الحج والعمرة فلم يحلوا ، حتّى كان يوم النحر . متفق عليه) .
الإهلال : رفع الصوت ، قال العلماء : هو هنا رفع الصوت بالتلبية عند الدخول
في الإحرام .
٥١٦
٠
٦ - كتاب الحج
٣ - باب وجوه الإحرام وصفته
٦٧٩ - حديث عائشة
ودل حديثها على أنه وقع من مجموع الركب الذين صحبوه في حجه هذه
الأنواع ، وقد رويت عنها روايات تخالف هذا ، وجمع بينها بما ذكرناه ، وقد
اختلفت الروايات في إحرام عائشة بماذا كان؟ لاختلاف الروايات أيضاً .
ودل حديثها على أنه وقع من ذلك الركب الإحرام بأنواع الحج الثلاثة .
فالمحرم بالحج هو من حج الإفراد ، والمحرم بالعمرة هو من حج التمتع ، والمحرم
بهما هو القارن .
ودل حديثها على أن من أهل بالحج مفرداً له عن العمرة ، لم يحل إلا يوم
النحر ، وهذا يخالف ما ثبت من الأحاديث عن أربعة عشر صحابياً في
((الصحيحين)) وغيرهما: أنه عملية أمر من لم يكن معه هدي أن يفسخ حجه إلى
العمرة . قيل : فيتأوّل حديث عائشة على تقييده بمن كان معه هدي ، وأحرم
بحج مفرداً؛ فإنه كمن ساق الهدي وأحرم بالحج والعمرة معاً .
وقد اختلف العلماء قديماً وحديثاً في الفسخ للحج إلى العمرة ، هل هو
خاص بالذين حجوا معه ◌َ ﴿ ، أو لا؟ وقد بسط ذلك ابن القيم في ((زاد
المعاد»، وأفردناه برسالة ، ولا يحتمل هنا نقل الخلاف والإطالة.
واختلف العلماء أيضاً فيما أحرم به صلّى الله عليه وآله وسلم ، والأكثر أنه
أحرم بحج وعمرة فكان قارناً، وحديث عائشة هذا دل على أنه مَ ﴿ أحرم بالحج
مفرداً ، لكن الأدلة الدالة على أنه حج قارناً واسعة جداً .
واختلفوا أيضاً في الأفضل من أنواع الحج ، والأدلة تدل على أن أفضلها
القران ، وقد استوفى أدلة ذلك ابن القيم .
٥١٧
٦ - كتاب الحج
٤ - باب الإحرام ، وما يتعلق به
٦٨٠ - حديث ابن عمر
٤
٤ - باب الإحرام ، وما يتعلق به
الإحرام : الدخول في أحد النسكين والتشاغل بأعماله بالنية .
٦٨٠ - عن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا قال: مَا أَهَلَّ رَسُول اللّه ◌َ﴾ إلا من
عنْد المسْجد . متّفقٌ عليه .
(عن ابن عمر رضي الله عنهُمَا قال: ما أهل رسول الله ◌َ﴿ إلا من عند
المسجد): أي : مسجد ذي الحليفة (متفق عليه): هذا قاله ابن عمر رداً على
من قال: إنه ◌َّهُ أحرم من البيداء ؛ فإنه قال : بيداؤكم هذه التي تكذبون على
رسول الله ﴿ أنه أهل منها، ما أهل ... الحديث. وفي رواية أنه أهل من عند
الشجرة حين قام به بعيره، والشجرة كانت عند المسجد. وعند مسلم: أنه #*
ركع ركعتين بذي الحليفة ، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي
الحليفة ، أهل ، وقد جمع بين حديث الإهلال بالبيداء ، والإهلال بذي الحليفة ؛
بأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أهلٌ منهما ، وكل من روى أنه أهل بكذا ،
فهو راو لما سمعه من إهلاله ، وقد أخرج أبو داود والحاکم من حديث ابن عباس :
أنه ◌َ هٍ لما صلى في مسجد ذي الحليفة ركعتين، أهل بالحج حين فرغ منهما،
فسمع قوم فحفظوه ، فلما استقرت به راحلته أهلَّ ، وأدرك ذلك منه قوم لم
يشهدوا في المرة الأولى ؛ فسمعوه حين ذاك فقالوا : إنما أهل حين استقلت به
راحلته ، ثم مضى ، فلما علا على شرف البيداء ، أهلَّ ، وأدرك ذلك قوم لم
يشهدوه فنقل كما سمع الحديث .
٥١٨
.
٦ - كتاب الحج
٤ - باب الإحرام ، وما يتعلق به
٦٨٠ - حديث ابن عمر
ودل الحديث على أن الأفضل أن يحرم من الميقات لا قبله ؛ فإن أحرم قبله ،
فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل الميقات أنه محرم ، وهل
يكره؟ قيل: نعم، لأن قول الصحابة: وَقَّت رسول الله ◌َ ﴿ لأهل المدينة ذا
الحليفة ، يقضي بالإهلال من هذه المواقيت ، ويقضي بنفي النقص والزيادة ؛ فإن
لم تكن الزيادة محرمة ، فلا أقل من أن يكون تركها أفضل ، ولولا ما قيل من
الإجماع بجواز ذلك ، لقلنا بتحريمه ؛ لأدلة التوقيت ، ولأن الزيادة على المقدرات
من المشروعات - كأعداد الصلاة ، ورمي الجمار -، لا تشرع، كالنقص منها ، وإنما
لم يجزم بتحريم ذلك لما ذكرنا من الإجماع ، ولأنه روي عن عدة من الصحابة
تقديم الإحرام على الميقات ؛ فأحرم ابن عمر من بيت المقدس ، وأحرم أنس من
العقيق، وأحرم ابن عباس من الشام ، وأهلّ عمران بن حصين من البصرة ،
وأهل ابن مسعود من القادسية .
وورد في تفسير الآية : أن الحج والعمرة إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك ،
عن علي وابن مسعود ، وإن كان قد تؤول بأن مرادهما أن ينشئ لهما سفراً مفرداً
من بلده؛ كما أنشأ عملية لعمرة الحديبية والقضاء سفراً من بلده، ويدل لهذا
التأويل أن علياً لم يفعل ذلك ، ولا أحد من الخلفاء الراشدين ، ولم يحرموا
بحج، ولا عمرة إلا من الميقات؛ بل لم يفعله مع 8 ، فكيف يكون ذلك تمام
الحج، ولم يفعله ﴿ه، ولا أحد من الخلفاء، ولا جماهير الصحابة؟!
نعم ، الإحرام من بيت المقدس بخصوصه ورد فيه حديث أم سلمة : سمعت
رسول الله ﴿م يقول: ((من أهل من المسجد الأقصى بعمرة ، أو بحجة ، غفر
٥١٩
٦ - كتاب الحج
٤ - باب الإحرام ، وما يتعلق به
٦٨١ - حديث السائب
له ما تقدم من ذنبه)) . رواه أحمد ، وفي لفظ: ((من أحرم من بيت المقدس ، غفر
له ما تقدم من ذنبه)). رواه أبو داود، ولفظه: ((من أهل بحجة ، أو عمرة من
المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام ، غفر له ما تقدم من ذنبه ، وما تأخر ، أو:
وجبت له الجنة))، شك عبد الله أيتهما قال، ورواه ابن ماجه بلفظ: ((من أهل
بعمرة من بيت المقدس ، كانت كفارة لما قبلها من الذنوب))؛ فيكون هذا
مخصوصاً ببيت المقدس ؛ فيكون الإحرام منه خاصة أفضل من الإحرام من
المواقيت ، ويدل له إحرام ابن عمر منه ، ولم يفعل ذلك من المدينة ، على أن منهم
من ضعف الحديث ، ومنهم من تأوله بأن المراد ينشئ لهما السفر من هنالك .
٦٨١ - وَعَنْ خلاد بن السّائبِ عَنْ أَبيه رضيَ الله عنهُمَا: أَنَّ رسول الله صلَّى
اللهُ تعالَى عليه وعلى آله وسلَّمَ قال: ((أتاني جبريلُ فأمرني أن آمر أصحابي
أَن يرْفعوا أصواتهم بالإهلال)) . رواه الخمسة ، وصححه الترمذي وابنُ حبان .
(وعن خَلاد) : بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام آخره دال مهملة (ابن
السائب) : بالسين المهملة (عن أبيه رضيَ الله عنهُمَا: أن رسول الله صلى الله
تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: ((أَتاني جبريل فَأَمرني أَنْ آمُر أَصحابي أَنْ
يرْفعوا أصواتهمْ بالإهلال)) . رواه الخمسة، وصححه الترمذي وابن حبان).
وأخرج ابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل : أي الأعمال
أفضل؟ قال: ((العج والثج))، وفي رواية عن السائب عنه صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم: ((أتاني جبريل فقال: كن عجاجاً ثجاجاً))؛ والعج : رفع
الصوت ، والثج : نحر البدن .
٥٢٠