Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة التطوع
٥٩٩ و٦٠٠ - حديثا أبي هريرة والزبير
لحمه ؛ عقوبة له في موضع الجناية ؛ لكونه أذل وجهه بالسؤال ، أو أنه يبعث
ووجهه عظم ؛ لیکون ذلك شعاره الذي یعرف به .
ويؤيد الأول ما أخرجه الطبراني والبزار من حديث مسعود بن عمرو : ((لا
يزال العبد يسأل ، وهو غنيٌ ، حتّى يخلق وجهه ؛ فلا يكون له عند الله
وجه)» . وفيه أقوال أخر .
٥٩٩ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله عَّهِ: ((مَنْ
يسأل النّاس أَمْوالَهُمْ تَكَثُّراً، فإنَّما يَسْأَلُ جَمْراً؛ فَلْيَسْتَقِلَّ، أو ليسْتَكْثر)). رواهُ
مُسْلمٌ .
(وعن أَبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((مَنْ يسأَل النّاس
أَمْوالَهُمْ تَكَثُّراً، فإنَّما يَسْأَلُ جَمْراً؛ فَلْيَسْتَقِلَّ، أو ليسْتَكْثر)). رواهُ مُسْلِمٌ) : قال
ابن العربي : إن قوله: ((فإنما يسأل جمراً))، معناه أنه يعاقب بالنار، ويحتمل أن
يكون حقيقة ؛ أي أنه يصير ما يأخذه جمراً يكوى به ، كما في مانع الزكاة .
وقوله: ((فليستقل))، أمر للتهكم ، ومثله ما عطف عليه ، أو للتهديد من باب :
﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت: ٤٠] ، وهو مشعر بتحريم السؤال للاستكثار.
٦٠٠ - وعن الزبير بن العوَّام رضي الله عنه عن النبي ثَ ﴿ قال: «لأَنْ
يأخُذَ أَحدكُمْ حَبْلَهُ ، فيأتي بحُزْمةٍ من الحطب على ظهره ، فيبيعَها ، فيكفَّ
بها وَجْهِه ، خيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يسأل الناسَ أَعْطَوْهُ، أو مَنَعُوه)) . رواهُ البخاريُّ.
(وعن الزبير بن العوام رضي الله عنه عن النبي ◌َ﴿ قال: «لأنْ يَأْخُذَ
أحَدكم حبله ، فيأتي بحزمة من الحطب على ظهره ، فيبيعها ، فيكف بها) : أي :
٤٠١

٤ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة التطوع
٦٠١ - حديث سمرة بن جندب
بقيمتها (وجهه ، خير له من أن يسأل الناس أعطوه ، أو منعوه)) . رواه البخاري) .
الحديث دل على ما دل قبله عليه من قبح السؤال مع الحاجة ، وزاد بالحث
على الاكتساب ، ولو أدخل على نفسه المشقة ؛ وذلك لما يدخل السائل على
نفسه من ذل السؤال ، وذلة الردّ إن لم يعطه المسؤول ، ولما يدخل على المسؤول
من الضيق في ماله ، إن أعطى كل من يسأل .
وللشافعية وجهان في سؤال من له قدرة على التكسب : أصحهما أنه حرام ؛
لظاهر الأحاديث ، والثاني أنه مكروه بثلاثة شروط : أنه لا يذل نفسه ، ولا يلح
في السؤال ، ولا يؤذي المسؤول ؛ فإن فقد أحدها فهو حرام بالاتفاق .
٦٠١ - وعنْ سَمُرَةَ بن جُنْدب رضيَ الله عنهُ قال: قال رسول الله ◌َانٍ :
((المسألة كدٌّ يكُدُّ بها الرَّجُلُ وجْهَهُ، إلا أنْ يسْأَلَ الرَّجُلُ سُلطاناً، أو في أمر
لا بُدَّ مِنْهُ» . رواهُ الترمذي وصححهُ .
: ((المسألة
(وعنْ سَمِرَةَ بن جُنْدب رضيَ الله عنهُ قال : قال رسول الله
كدٌّ يكدُّ بها الرَّجُلُ وجْهَهُ، إلا أنْ يسْأَلَ الرَّجُلُ سُلطانً، أو في أَمر لا بُدَّ
مِنْهُ)). رواهُ الترمذي وصححهُ) : أي سؤال الرجل أموال الناس كدّ؛ أي خدش ،
وهو الأثر. وفي رواية : ((كُدوح))؛ بضم الكاف .
وأما سؤاله من السلطان ، فإنه لا مذمة فيه ؛ لأنه إنما يسأل مما هو حق له في
بيت المال ، ولا منة للسلطان على السائل ؛ لأنه وكيل فهو كسؤال الإنسان وكيله
أن يعطيه من حقه الذي لديه. وظاهره أنه وإن سأل السلطان تكثراً ، فإنه لا
بأس فيه ، ولا إثم؛ لأنه جعل قسيماً للأمر الذي لا بد منه ، وقد فسر الأمر
٤٠٢

٤ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة التطوع
٦٠١ - حديث سمرة بن جندب
الذي لا بد منه حديث قبيصة ، وفيه : ((لا يحل السؤال إلا لثلاثة : ذي فقر
مدقع ، أو دم موجع ، أو غرم مفظع)) ، الحديث .
وقوله : «أو في أمر لا بد منه»؛ أي : لا یتم له حصوله مع ضرورته إلا
بسؤال . ويأتي حديث قبيصة قريباً ، وهو مبين ومفسر للأمر الذي لا بد منه .
٤٠٣

٤ - كتاب الزكاة
٣ - باب قسمة الصدقات ٦٠٢ - حديث أبي سعيد الخدري
٣ - باب قسمة الصدقات
أي : قسمة الله للصدقات بين مصارفها .
٦٠٢ - عَنْ أبي سعيد الخُدْريِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ زاله: ((لا
تحلُّ الصَّدقةُ لغَنِيّ ، إلا لخمسةٍ: لعامل عليها، أو رجل اشتراها بماله ، أو
غارم ، أو غاز في سبيل الله ، أو مسكين تُصُدق عليه منها فَأَهْدى لغني منها)).
رواهُ أَحمدُ وأبو داود وابن ماجه، وصحّحُهُ الحاكمُ ، وَأُعِلّ بالإرسال .
(عَنْ أَبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ﴾: ((لا تحِلُّ
الصَّدَقَةُ لغَنيّ ، إلا لخمسةٍ : لعامل عليها ، أو رجل اشتراها بماله ، أو غارم، أو
ءُ
غاز في سبيل الله ، أو مسكين تُصُدق عليه منها فَأَهْدى لغني منها)). رواهُ
أحمدُ وأبو داود وابن ماجه، وصحّحهُ الحاكمُ ، وَأَعلّ بالإرسال): ظاهره
إعلال ما أخرجه المذكورون جميعاً، وفي ((الشرح)): أن التي أعلت بالإرسال
رواية الحاكم التي حكم بصحتها(١) .
(١) قلت: والصواب ما استظهره الشارح الصنعاني؛ فإن الجميع أخرجوه من طريق معمر عن
زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد .
وأخرجه مالك ، ومن طريقه أبو داود ، والحاكم عن زيد بن أسلم عن عطاء مرسلاً ...
ورجحه أبو داود على الموصول .
وأشار البيهقي إلى ترجيح الموصول ، وجزم بذلك الحاكم فقال :
((صحيح على شرط الشيخين))، ووافقه الذهبي .
وذكر الحافظ في ((التلخيص)) أنه صححه جماعة؛ وهو الراجح عندي؛ كما بينته في ((الإرواء)).
٤٠٤

٤ - كتاب الزكاة
٣ - باب قسمة الصدقات ٦٠٢ - حديث أبي سعيد الخدري
الصدقة على أقوال ، وليس عليها ما تسكن له النفس من الاستدلال ؛ لأن
المبحث ليس لغوياً ، حتّى يرجع فيه إلى تفسير لغة ، ولأنه في اللغة أمر نسبي
لا یتعین في قدر .
ووردت أحاديث معينة لقدر الغنى الذي يحرم به السؤال ؛ كحديث أبي
سعيد عند النسائي: ((من سأل وله أوقية، فقد ألحف))، وعند أبي داود: ((من
سأل منكم وله أوقية ، أو عدلها ، فقد سأل إلحافاً))، وأخرج أيضاً: ((من سأل
وله ما يغنيه ، فإنَّما يستكثر من النار))، قالوا: وما يغنيه؟ قال: ((قدر ما يعشيه
ويغديه)) . صححه ابن حبان؛ فهذا قدر الغنى الذي يحرم معه السؤال .
وأما الغنى الذي يحرم معه قبض الزكاة ، فالظاهر أنه من تجب عليه الزكاة ،
وهو من يملك مائتي درهم ؛ لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((أمرت أن
آخذها من أغنيائكم وأردّها في فقرائكم» ، فقابل بين الغني وأفاد أنه من تجب
عليه الصدقة ، وبين الفقير وأخبر أنه من تردّ فيه الصدقة ؛ هذا أقرب ما يقال
فيه ، وقد بيّناه في رسالة جواب سؤال .
وأفاد حديث الباب حلها للعامل عليها ، وإن كان غنياً؛ لأنه يأخذ أجره
ےے
على عمله لا لفقره .
وكذلك من اشتراها بماله ، فإنها قد وافقت مصرفها وصارت ملكاً له ؛ فإذا
باعها ، فقد باع ما ليس بزكاة حين البيع ؛ بل ما هو ملك له .
وكذلك الغارم تحل له ، وإن كان غنياً ، وكذلك الغازي يحل له أن يتجهز من
٤٠٥

٤ - كتاب الزكاة
٣ - باب قسمة الصدقات ٦٠٢ - حديث أبي سعيد الخدري
وكذلك الغارم تحل له ، وإن كان غنياً ، وكذلك الغازي يحل له أن يتجهز من
الزكاة ، وإن كان غنياً؛ لأنه ساع في سبيل الله .
قال الشارح : ويلحق به من كان قائما بمصلحة عامة من مصالح المسلمين ؛
كالقضاء والإفتاء والتدريس ، وإن كان غنياً، وأدخل أبو عبيد من كان في
مصلحة عامة في العاملين ، وأشار إليه البخاري حيث قال : باب رزق الحاكم
والعاملين عليها ، وأراد بالرزق ما يرزقه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح
المسلمين ؛ كالقضاء والفتيا والتدريس ؛ فله الأخذ من الزكاة فيما يقوم به مدة
القيام بالمصلحة ، وإن كان غنياً .
قال الطبري : إنه ذهب الجمهور إلى جواز أخذ القاضي الأجرة على الحكم ؛
لأنه يشغله الحكم عن القيام بمصالحه ، غير أن طائفة من السلف كرهوا ذلك ،
ولم يحرموه .
وقالت طائفة : أخذ الرزق على القضاء إن كانت جهة الأخذ من الحلال ؛
كان جائزاً إجماعاً ، ومن تركه فإنَّما تركه تورّعا ، وأمّا إذا كانت هناك شبهة ؛
فالأولى الترك ، ويحرم إذا كان المال يؤخذ لبيت المال من غير وجهه ، واختلف
إذا كان الغالب حراماً .
وأما الأخذ من المتحاكمين ففي جوازه خلاف ، ومن جوّزه ؛ فقد شرط له
شرائط ، ويأتي ذكر ذلك في باب القضاء ، وإنما لما تعرَّض له الشارح هنا.
تعرضنا له .
٤٠٦

٤ - كتاب الزكاة
٣ - باب قسمة الصدقات
٦٠٣ و٦٠٤ - حديثا عبيد الله بن عدي وقبيصة
٦٠٣ - وعن عُبَيْد الله بن عَديِّ بن الخيار رضي الله عنه: أَنَّ رَجُلَيْن
يسألانه من الصَّدقة ، فقَلّب فيهما النظر؛
حدّثَاهُ: أنّهُما أَتَيا رسول الله عَ
فراَهُما جَلْدَيْن فقال: ((إن شئتما أعطيتُكما ، ولا حظّ فيها لغني ، ولا لقوي
مُكتَسِبٍ)). رواهُ أَحمدُ وقوَّاه، وأبو داودَ والنسائيُّ .
(وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار رضي الله عنه): بكسر الخاء المعجمة
فمثناة تحتية آخره راء ، وعبيد الله يقال : إنه وُلِدَ على عهد رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم ، يعد في التابعين ، روى عن عمر وعثمان وغيرهما (أن رجلين
حدثاه : أنهما أتیا رسول الله
يسألانه من الصدقة ، فقلب فيهما النظر) :
فسر ذلك الرواية الأخرى بلفظ : فرفع فينا النظر وخفضه (فرآهما جلدين فقال :
((إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، ولاحَظَّ فِيها لِغَنِي ، ولا لِقَوِي مُكْتَسِبٍ)) . رواه أحمد
وقواه ، وأبو داود والنسائي) : قال أحمد بن حنبل : ما أجوده من حديث!
وقوله : ((إن شئتما))؛ أي : إن أخذ الصدقة ذلة ؛ فإن رضيتما بها أعطيتكما ،
أو إنها حرام على الجلد؛ فإن شئتما تناول الحرام أعطيتكما؛ قاله توبيخاً وتغليظاً .
والحديث من أدلة تحريم الصدقة على الغني ، وهو تصريح بمفهوم الآية ، وإن
اختلف في تحقيق الغني - كما سلف -، وعلى القوي المكتسب ؛ لأن حرفته
صيرته في حكم الغني ، ومن أجاز له تأول الحديث بما لا يقبل .
٦٠٤ - وعنْ قبيصة رضيَ اللهُ عنهُ ابن مخارق الهلالي قال: قال رسولُ
اللّه ◌َّةِ: ((إنَّ المسألة لا تَحِل إلا لأحد ثلاثة: رَجُل تَحَمّلَ حَمَالً فَحَلّتِ لَهُ !
المسأَلَة ، حتّى يُصيبها ، ثم يمسك ، ورجل أصابتْهُ جائحَةٌ اجتاحتْ مالهُ
فَحَلّتِ لهُ المسْأَلَةُ ، حتّى يصيب قواماً منْ عيش ، ورجل أصابتهُ فاقةٌ ، حتّى
٤٠٧

٤ - كتاب الزكاة
٣ - باب قسمة الصدقات
٦٠٤ - حديث قبيصة
يقولَ ثلاثةٌ من ذوي الحجى مِنْ قَوْمه: لَقَدْ أصابت فلاناً فاقةٌ فِحَلّتْ لَهُ
المسألةُ ، حتّى يُصيب قواماً مِنْ عَيْش . فمَا سواهُنَّ من المسألة يا قبيصةُ،
سُحْتٌ يأكُلُها صاحبُها سُحْتًا)) . رواهُ مُسْلِمٌ وأبو داودَ وابنُ خزيمةَ وابنُ حِبّانَ .
(وعن قَبيصة رضي الله عنه) : بفتح القاف فموحدة مكسورة فمثناة تحتية
فصاد مهملة (ابن مخارق) : بضم الميم فخاء معجمة فراء مكسورة بعد الألف
فقاف (الهلالي) : وفد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، عداده في أهل
البصرة، روى عنه ابنه قطن وغيره (قال: قال رسول الله عَزاله: ((إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لا
تَحِلُّ إلا لأحد ثلاثة : رَجُل): بالكسر بدلاً من ثلاثة ، ويصح رفعه بتقدير :
أحدهم (تَحَمَّلَ حَمَالَةً) : بفتح الحاء المهملة ، وهو المال يتحمله الإنسان عن
غيره (فَحَلتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حتّى يُصيبَها، ثم يُمْسِك، وَرَجُل أَصَابتْهُ
جَائحةٌ): أي: آفة (اجْتَاحَتْ): أي: أهلكت (مَالَهُ؛ فَحَلتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ،
حتّى يُصيبَ قواماً): بكسر القاف : ما يقوم بحاجته وسد خلته (مِنْ عَيْشٍ ،
وَرَجُلِ أَصَابْتَهُ فَاقَة): أي: حاجة (حَتَّى يقُولَ ثلاثَة مِنْ ذَوي الْحِجَى) :
بكسر المهملة والجيم ، مقصور : العقل (مِنْ قَوْمِهِ) : لأنهم أخبر بحاله يقولون ، أو
قائلين (لقَدْ أصَابتْ فُلاناً فَاقَةٍ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حتّى يصيبَ قِوَاماً):
بكسر القاف (مِنْ عَيْش. فَما سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يا قَبِيصَةُ، سُحْتٌ) : بضم
السين المهملة (يأكُلُها) : أي : الصدقة ، أنث ؛ لأنه جعل السحت عبارة عنها
وإلا فالضمير له (سُحْتاً)) : السحت الحرام الذي لا يحل كسبه ؛ لأنه يسحت
البركة ؛ أي : يذهبها (رواه مسلم وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان) .
الحديث دليل على أنها تحرم المسألة إلا لثلاثة :
٤٠٨

٤ - كتاب الزكاة
٣ - باب قسمة الصدقات
٦٠٤ - حديث قبيصة
الأول: لمن تحمل حمالة ، وذلك أن يتحمل الإنسان عن غيره ديناً ، أو دية ،
أو يصالح بمال بين طائفتين ، فإنها تحل له المسألة ، وظاهره إن كان غنياً؛ فإنه لا
يلزمه تسليمه من ماله ، وهذا هو أحد الخمسة الذين يحل لهم أخذ الصدقة ،
وإن كانوا أغنياء كما سلف في حديث أبي سعيد .
والثاني : من أصاب ماله آفة سماوية ، أو أرضية ؛ كالبرد والغرق ونحوه ؛
بحيث لم يبق له ما يقوم بعيشه ، حلت له المسألة ، حتّى يحصل له ما يقوم
بحاله ويسد خلته .
والثالث : من أصابته فاقة ، ولكن لا تحل له المسألة إلا بشرط أن يشهد له
من أهل بلده - لأنهم أخبر بحاله - ثلاثة من ذوي العقول ، لا من غلب عليه
الغباوة والتغفيل ، وإلى كونهم ثلاثة ذهبت الشافعية ؛ للنص فقالوا : لا يقبل
في الإعسار أقل من ثلاثة ، وذهب غيرهم إلى كفاية الاثنين ؛ قياساً على سائر
الشهادات ، وحملوا الحديث على الندب . ثم هذا محمول على من كان معروفاً
بالغنى ، ثم افتقر ، أما إذا لم يكن كذلك فإنه يحل له السؤال ، وإن لم يشهدوا
له بالفاقة يقبل قوله .
وقد ذهب إلى تحريم السؤال ابن أبي ليلى ، وأنها تسقط به العدالة .
والظاهر من الأحاديث تحريم السؤال إلا للثلاثة المذكورين ، أو (١) أن يكون
المسؤول السلطان ؛ كما سلف .
(١) لعله : إلا.
٤٠٩

٤ - كتاب الزكاة
٣ - باب قسمة الصدقات ٦٠٥ - حديث عبد المطلب بن ربيعة
٦٠٥ - وعنْ عَبْد المطلب بن ربيعة بن الحارث رضي الله عنه قال : قال
رسول الله : ((إن الصدقةَ لا تنبغي لآل محمد؛ إنما هي أَوْساخُ الناس)).
وفي رواية: ((وإنها لا تحلُّ لمحمد ، ولا لآل محمد)). رواهُ مُسْلمٌ.
(وعن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث رضي الله عنه) : ابن عبد المطلب
ابن هاشم ، سكن المدينة ، ثم تحول منها إلى دمشق ومات بها سنة اثنتين
وستين، وكان قد أتى إلى رسول الله ﴿له يطلب منه أن يجعله عاملاً على بعض
الزكاة، فقال له رسول الله طال الحديث، وفيه قصة (قال: قال رسول الله عَ ل :
((إِنَّ الصَّدَقَةَ لا تَنْبَغِي لآلِ مُحمَّدٍ؛ إِنَّمَا هِيَ أوْسَاحُ النَّاس))): هو بيان لعلة
التحريم (وفي رواية): أي: لمسلم عن عبد المطلب ((وإنَّهَا لا تَحِلُّ نَحَمَّد ، ولا
لآل محُمَّد)). رواه مسلم): فأفاد أن لفظ: ((لا تنبغي))، أراد به : لا تحل ، فيفيد
التحريم أيضاً . وليس لعبد المطلب المذكور في الكتب الستة غير هذا الحديث .
وهو دليل على تحريم الزكاة على محمد ◌َ﴿ وعلى آله، فأما عليه منَّةٍ، فإنه
إجماع ، وكذا ادعى الإجماع على حرمتها على آله أبو طالب وابن قدامة ، ونقل
الجواز عن أبي حنيفة ، وقيل : إن منعوا خمس الخمس .
والتحريم هو الذي دلت عليه الأحاديث ، ومن قال بخلافها ، قال متأوّلاً لها ، ولا
وجه للتأويل ، وإنما يجب التأويل إذا قام على الحاجة إليه دليل . والتعليل بأنها أوساخ
الناس قاضٍ بتحريم الصدقة الواجبة عليهم ، لا النافلة ؛ لأنها هي التي يطهر بها من
يخرجها ؛ كما قال تعالى : ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة:
١٠٣] ، إلا أن الآية نزلت في صدقة النفل ، كما هو معروف في كتب التفسير.
٤١٠

٤ - كتاب الزكاة
٣ - باب قسمة الصدقات
٦٠٦ - حديث جبير بن مطعم
وقد ذهبت طائفة إلى تحريم صدقة النفل أيضاً على الآل ، واخترناه في
((حواشي ضوء النهار)) لعموم الأدلة .
وفيه أنه هوم كرم آله عن أن يكونوا محلاً للغسالة ، وشرفهم عنها ، وهذه
هي العلة المنصوصة ، وقد ورد التعليل عند ((أبي نعيم)) مرفوعاً بأن لهم في
خمس الخمس ما يكفيهم ويغنيهم ، فهما علتان منصوصتان ، ولا يلزم من
منعهم عن الخمس أن تحل لهم؛ فإن من منع الإنسان عن ماله وحقه لا يكون
منعه له محللاً ما حرم عليه ، وقد بسطنا القول في رسالة مستقلة .
وفي المراد بالآل خلاف ؛ والأقرب ما فسرهم به الراوي - وهو زيد بن أرقم -
بأنهم : آل علي وآل العباس وآل جعفر وآل عقيل . انتهى .
قلت : ويزيد آل الحارث بن عبد المطلب ؛ لهذا الحديث ؛ فهذا تفسير الراوي ،
وهو مقدم على تفسير غيره؛ فالرجوع إليه في تفسير آل محمد هنا هو الظاهر ؛
لأن لفظ الآل مشترك، وتفسير راويه دليل على المراد من معانيه ، فهؤلاء الذين
فسرهم به زيد بن أرقم ، وهو في ((صحيح مسلم))، وإنما تفسيرهم هنا ببني هاشم
اللازم منه دخول من أسلم من أولاد أبي لهب ونحوهم، فهو تفسير بخلاف
تفسير الراوي ، وكذلك يدخل في تحريم الزكاة عليهم بنو المطلب بن عبد مناف ،
كما يدخلون معهم في قسمة الخُمُس ؛ كما يفيد الحديث بعده ، وهو قوله :
٦٠٦ - وعنْ جُبير بن مُطْعم رضي الله عنه قالَ: مشيتُ أنا وعثمان بنُ
فقُلنا: يا رسول الله ، أَعطَيْت بَني المطلب من خُمُس
عفانَ إلى النبي :
خَيْبر وتركتنا ، ونحن وهُمْ بمنزلة واحدة؟ فقال رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله
٤١١

٤ - كتاب الزكاة
٣ - باب قسمة الصدقات
٦٠٦ - حديث جبير بن مطعم
وسلَّم: ((إنّما بنُو المطلب وبنُوهاشم شيءٌ واحدٌ)). رواهُ البخاري.
(وعن جُبَير) : بضم الجيم وفتح الباء الموحدة وسكون الياء التحتية (ابن
مُطْعِم رضي الله عنه) : بضم الميم وسكون الطاء وكسر العين المهملة ، ابن نوفل
بن عبد مناف القرشي ، أسلم قبل الفتح ، ونزل المدينة ، ومات بها سنة أربع
وخمسين ، وقيل غير ذلك (قال : مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي
فقلنا : يا رسول الله ، أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا ، ونحن
وهم بمنزلة واحدة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إِنَّمَا بنُو
الْمُطلبِ وبنُو هَاشِم) : المراد ببني هاشم: آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل
ءُ
العباس وآل الحارث ، ولم يدخل آل أبي لهب في ذلك؛ لأنه لم يسلم منهم في
عصره ﴿ أحد ، وقيل: بل أسلم منهم عتبة ومعتب ابنا أبي لهب وثبتا معه
٧ في خيبر (شَيْءٌ واحِد)). رواه البخاري).
الحديث دليل على أن بني المطلب يشاركون بني هاشم في سهم ذوي
القربى ، وتحريم الزكاة أيضاً دون من عداهم ، وإن كانوا في النسب سواء ، وعلله
صلى الله تعالى عليه وآله وسلم باستمرارهم على الموالاة، كما في لفظ آخر ؛
تعليله بأنهم لم يفارقونا في جاهلية ، ولا إسلام ، فصاروا كالشيء الواحد في
الأحكام ، وهو دليل واضح في ذلك ، وذهب إليه الشافعي .
وخالفه الجمهور وقالوا: إنه له أعطاهم على جهة التفضل لا الاستحقاق،
وهو خلاف الظاهر؛ بل قوله: ((شيء واحد))، دليل على أنهم يشاركونهم في
استحقاق الخمس وتحريم الزكاة .
٤١٢

٤ - كتاب الزكاة
٣ - باب قسمة الصدقات
٦٠٧ - حديث أبي رافع
واعلم أن بني المطلب هم أولاد المطلب بن عبد مناف .
وجبير بن مطعم من أولاد نوفل بن عبد مناف ، وعثمان من أولاد عبد شمس
ابن عبد مناف ، فبنو المطلب وبنو عبد شمس وبنو نوفل أولاد عم في درجة
واحدة ؛ فلذا قال عثمان وجبير بن مطعم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إنهم
وبني المطلب بمنزلة واحدة ؛ لأن الكل أبناء عم .
٦٠٧ - وعنْ أَبي رافع رضي الله عنه: أَنَّ النبي ◌َُّهُ بعثَ رجُلاً على
الصدقة من بني مخزوم، فقال لأبي رافع : اصْحَبْني فإنك تُصيبُ منها ،
فقال: لا ، حتّى آتي النبي صلّى اللهُ عليه وآله وسلَّم فَأَسْأَلهُ. فَأَتَاهُ فسأله
فقال: ((مولى القَوْم مِنْ أَنفسهم؛ وإنّا لا تحلُّ لنَا الصَّدقةُ)). رواهُ أَحْمدُ
والثلاثة وابنُ خُزيمةَ وابنُ حِبّان .
(وعن أبي رافع رضي الله عنه): هو أبو رافع مولى رسول الله عَ ليه ، قيل:
اسمه إبراهيم، وقيل: هرمزُ، وقيل: كان للعباس فَوَهَبَهُ لرسول الله ◌َ ◌ّةٍ بإسلامه،
فلما أسلم العباس ، بشر أبو رافع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
فأعتقه، مات في خلافة علي؛ كما قاله ابن عبد البر (أن النبي ◌َ له بعث
رجلاً على الصدقة): أي : على قبضها (من بني مخزوم) : اسمه الأرقم (فقال
لأبي رافع : اصحبني فإنك تصيب منها ، فقال: لا ، حتّى آتي النبي صلى
الله عليه وآله وسلم فأسأله . فأتاه فسأله فقال: ((مولى القوم من أنفسهم ؛ وإنَّا
لا تحل لنا الصدقة)). رواه أحمد والثلاثة وابن خزيمة وابن حبان).
الحديث دليل على أن حكم مولى آل محمد وي حكمهم في تحريم الصدقة .
٤١٣

٤ - كتاب الزكاة
٣ - باب قسمة الصدقات
٦٠٨ - حديث ابن عمر
قال ابن عبد البر في ((التمهيد)): إنه لا خلاف بين المسلمين في عدم حل
الصدقة للنبي ﴿﴿ ولبني هاشم ولمواليهم . اهـ.
وذهبت جماعة إلى عدم تحريمها عليهم؛ لعدم المشاركة في النسب ، ولأنه
ليس لهم في الخمس سهم ، وأجيب بأن النص لا تقدم عليه هذه العلل ، فهي
مردودة ؛ فإنها ترفع النص ؛ قال ابن عبد البر: هذا خلاف الثابت من النص ،
ثم هذا نص على تحريم العمالة على الموالي، وبالأولى على آل محمد عَز مية ؛ لأنه
أراد الرجل الذي عرض على أبي رافع أن يوليه على بعض عمله الذي ولاه
النبي :{ 8 ، فينال عمالة؛ لا أنه أراد أن يعطيه من أجرته ؛ فإنه جائز لأبي رافع
أخذه؛ إذْ هو داخل تحت الخمسة الذين تحل لهم؛ لأنه قد ملك ذلك الرجل
أجرته فيعطيه من ملكه ؛ فهو حلال لأبي رافع ؛ فهو نظير قوله فيما سلف :
((ورجل تصدق عليه منها فأهدى منها)) .
٦٠٨ - وعن سالم بن عَبْدِ الله بن عمر رضيَ اللهُ عنهم عَنْ أَبيه: أنَّ رسولَ
الله ◌ٍَّ كانَ يُعْطِي عُمَرَ العطاءَ، فيقولُ: أَعْطِهِ أَفْقَر مِنّي، فَيَقُول: ((خُذْهُ
فَتَمَوَّلْهُ، أو تَصَدَّقْ به. وما جاءَكَ مِنْ هذا المال وأنْت غير مشرف ، ولا
سائلٍ، فَخُذْهُ، وما لا ، فلا تُتْبِعِه نَفْسك)). رواهُ مسلمٌ .
(وعن سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم عن أبيه : أن رسول الله
كان يعطي عمر العطاء ، فيقول: أعطه أفقر مني ، فيقول: ((خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ،
أو تَصَدَّقْ بِهِ . وما جَاءكَ مِنْ هذَا الْمالِ وأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ): بالشين المعجمة
والراء والفاء ، من الإشراف؛ وهو التعرض للشيء والحرص عليه (ولا سَائِلِ،
٤١٤

٤ - كتاب الزكاة
٣ - باب قسمة الصدقات
٦٠٨ - حديث ابن عمر
فَخُذْهُ، وما لا ، فلا تُتْبعْهُ نَفسك))): أي: لا تعلقها بطلبه (رواه مسلم):
الحديث أفاد أن العامل ينبغي له أن يأخذ العمالة ، ولا يردها ؛ فإن الحديث في
العمالة؛ كما صرح به في رواية مسلم ، والأكثر على أن الأمر في قوله : ((فخذه))
للندب ، وقيل : للوجوب . قيل : وهو مندوب في كل غطية يعطاها الإنسان ؛
فإنه يندب له قبولها بالشرطين المذكورين في الحديث ، هذا إذا كان المال الذي
یعطیه منه حلالاً .
وأما عطية السلطان الجائر وغيره ممن ماله حلال وحرام ، فقال ابن المنذر : إنَّ
أَخْذَهَا جائز مرخص فيه ، قال : وحجة ذلك أنه تعالى قال في اليهود :
﴿سمَّاعون للكذب أكالون للسحت﴾ [المائدة: ٤٢]، وقد رهن وي درعه من
يهودي مع علمه بذلك ، وكذا أخذ الجزية منهم مع علمه بذلك ، وإن كثيراً من
أموالهم من ثمن الخنزير والمعاملات الباطلة . انتهى .
وفي ((الجامع الكافي)): إن عطية السلطان الجائر لا ترد ؛ لأنه إن علم أن
ذلك عين مال المسلم وجب قبوله وتسليمه إلى مالكه ، وإن كان ملتبساً فهو
مظلمة يصرفها على مستحقها ، وإن كان ذلك عين مال الجائر ففيه تقليل لباطله
وأخذ ما يستعين بإنفاقه على معصيته .
وهو كلام حسن جار على قواعد الشريعة ، إلا أنه يشترط في ذلك أن يأمن
القابض على نفسه من محبة المحسن ، الذي جبلت النفوس على حب من
أحسن إليها ، وأن لا يوهم الغير أن السلطان على الحق حيث قبض ما أعطاه ،
وقد بسطنا في ((حواشي ضوء النهار)) في كتاب البيع ، ما هو أوسع من هذا .
٤١٥

٥ - كتاب الصيام
الصيام لغة : الإمساك، وفي الشرع : إمساك مخصوص ؛ وهو الإمساك عن
الأكل والشرب والجماع وغيرها مما ورد به الشرع، في النهار على الوجه المشروع ،
ويتبع ذلك الإمساك عن اللغو والرفث ، وغيرهما من الكلام المحرّم والمكروه ؛ لورود
الأحاديث بالنهي عنها في الصوم زيادة على غيره ، في وقت مخصوص ،
بشروط مخصوصة ؛ تفصلها الأحاديث الآتية . وكان مبدأ فرضه في السنة
الثانية من الهجرة .
٦٠٩ - عنْ أَبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله عَلِ: ((لا تَقَدموا
رمضانَ بصوم يوم ولا يومينِ؛ إلا رجلٌ كان يصومُ صوماً فليصمهُ)) . مُتّفقٌ عليه .
(عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله تخانة: ((لا تقدموا
رمضان) : فيه دليل على إطلاق هذا اللفظ على شهر رمضان ، وحديث أبي
هريرة عند أحمد وغيره مرفوعاً : ((لا تقولوا : جاء رمضان؛ فإن رمضان اسم من
أسماء الله ، ولكن قولوا: جاء شهر رمضان)) ، حديث ضعيف لا يقاوم ما ثبت
في الصحيح (بصوم يوم ولا يومين؛ إلا رجل): كذا في نسخ ((بلوغ المرام))،
ولفظه في البخاري : ((إلا أن يكون رجل))، قال المصنف : يكون تامة ؛ أي :
يوجد رجل، ولفظ مسلم: ((إلا رجلاً))، قلت : وهو قياس العربية لأنه استثناء
متصل من مذكور (كان يصوم صوماً فليصمه)). متفق عليه) .
الحديث دليل على تحريم صوم يوم أو يومين قبل رمضان ، قال الترمذي بعد
رواية الحديث : والعمل على هذا عند أهل العلم ؛ كرهوا أن يتعجل الرجل
٤١٧

٥ - كتاب الصيام
٦٠٩ - حديث أبي هريرة
الصيام قبل دخول رمضان ؛ لمعنى رمضان . انتهى . وقوله : لمعنى رمضان ، تقييد
للنهي بأنه مشروط بكون الصوم احتياطاً ، لا لو كان الصوم صوماً مطلقاً ، كالنفل
المطلق والنذر ونحوه . قلت : ولا يخفى أنه بَعْدَ هذا التقييد يلزم منه جواز تقدم
رمضان بأي صوم كان ، وهو خلاف ظاهر النهي ؛ فإنه عام لم يستثن منه إلا
صوم من اعتاد صوم أيام معلومة ، ووافق ذلك آخر يوم من شعبان ، ولو أراد صلى
الله عليه وآله وسلم الصوم المقيد بما ذكر، لقال : إلا متنفلاً، أو نحو هذا اللفظ .
وإنما نهى عن تقدم رمضان ؛ لأن الشارع قد علق الدخول في صوم رمضان برؤية
هلاله ، فالمتقدم عليه مخالف للنص أمراً ونهياً .
وفيه إبطال لما يفعله الباطنية من تقدم الصوم بيوم أو يومين قبل رؤية هلال
رمضان، وزعمهم أن اللام في قوله : ((صوموا لرؤيته)) في معنى : مستقبلين
لها ؛ وذلك لأن الحديث يفيد أن اللام لا يصح حملها على هذا المعنى، وإن
وردت له في مواضع .
وذهب بعض العلماء إلى أن النهي عن الصوم من بعد النصف الأول من
يوم سادس عشر من شعبان ؛ لحديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا انتصف شعبان
فلا تصوموا)). أخرجه أصحاب ((السنن)) وغيرهم.
وقيل : إنه يكره بعد الانتصاف ويحرم قبل رمضان بيوم أو يومين .
وقال آخرون : يجوز من بعد انتصافه ، ويحرم قبله بيوم أو يومين . أما جواز
الأول فلأنه الأصل ، وحديث أبي هريرة ضعيف ، قال أحمد وابن معين(١): إنه
(١) ((الفتح)) (١٠٣/٤).
٤١٨

٥ - كتاب الصيام
: ٦١٠ - حديث عمار بن ياسر
منكر(١) . وأما تحريم الثاني ؛ فلحديث الكتاب ، وهو قول حسن .
٦١٠ - وعن عمّار بن ياسر رضيَ الله عنه قال: من صام اليوْمَ الذي يشكُّ
فيه، فقد عصى أبا القاسم ◌ٍَّ. ذكره البخاري تعليقاً، ووصلهُ الخمسة،
وصححه ابنُ خزيمة وابنُ حبّان .
(وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: من صام اليوم الذي يشك) :
مغير الصيغة مسند إلى (فيه، فقد عصى أبا القاسم ◌َهه . ذكره البخاري
تعليقاً): ووصله إلى عمار، وزاد المصنف في ((الفتح)): الحاكم، وأنهم وصلوه
من طريق عمرو بن قيس عن أبي إسحاق عنه ، ولفظه عندهم : كنا عند عمار
ابن ياسر؛ فأُتي بشاة مصلية ، فقال : كلوا . فتنحى بعض القوم فقال : إني
صائم، فقال عمار: من صام .. إلخ (ووصله الخمسة(٢) ، وصححه ابن خزيمة
(١) قلت : أخرجوه من طرق عن العلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي هريرة .
وهذا سند صحيح على شرط مسلم . وقد صححه الترمذي ، وابن حبان (٨٧٦ ، ٨٧٧)،
وقواه النووي في ((المجموع)) (٣٩٩/٦).
ولا يظهر لنا وجه النكارة فيه ! وقد أعله أحمد بتفرد العلاء به ، فقال :
((هو ثقة ، لا ينكر من حديثه إلا هذا))!
فأي شيء في تفرد الثقة؟! وانظر ((التعليقات الجياد)) (٣٥/٤).
أقول : سيأتي في (٤٧٢) أنه صححه ابن حبان ، وجوابه عن استنكار الإمام أحمد له .
فحينئذ ؛ فالقول الحسن هو القيل الأول ؛ أعني : أنه يكره بعد الانتصاف ، ويحرم قبل
1
رمضان بيوم أو يومين .
(٢) أي: أصحاب ((السنن الأربعة)) وأحمد! وقال في ((المنتقى)):
=
٤١٩

٥ - كتاب الصيام
٦١٠ ۔ حدیث عمار بن ياسر
وابن حبان(١)) : قال ابن عبد البر: هو مسند عندهم لا يختلفون في ذلك .
انتهى . وهو موقوف لفظاً ، مرفوع حكماً ، ومعناه مستفاد من أحاديث النهي عن
استقبال رمضان بصوم ، وأحاديث الأمر بالصوم لرؤيته ، واعلم أن يوم الشك هو
يوم الثلاثين من شعبان إذا لم يُرَ الهلال في ليلة بغيم ساتر أو نحوه ، فيجوز كونه
من رمضان وكونه من شعبان .
والحديث وما في معناه يدل على تحريم صومه ، وإليه ذهب الشافعي ،
واختلف الصحابة في ذلك ، منهم من قال بجواز صومه ، ومنهم من منع منه ،
وعده عصياناً لأبي القاسم ، والأدلة مع المحرمين .
وأما ما أخرجه الشافعي عن فاطمة بنت الحسين أن علياً عليه السلام قال :
لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إليّ من أن أفطر يوماً من رمضان؛ فهو أثر
منقطع. على أنه ليس في يوم شك مجرد ، بل بعد أن شهد عنده رجل على
رؤية الهلال فصام ، وأمر الناس بالصيام وقال : لأن أصوم ... إلخ.
وبما هو نص في الباب حديث ابن عباس : ((فإن حال بينكم وبينه سحاب ،
فأكملوا العدة ثلاثين ، ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً» . أخرجه أحمد وأصحاب
((السنن))(٢)، وابن خزيمة وأبو يعلى، وأخرجه الطيالسي بلفظ: ((ولا تستقبلوا
= ((رواه الخمسة إلا أحمد)).
وهذا هو الصواب؛ فإنه ليس في ((مسند أحمد)).
(١) وقال الدارقطني (٢٢٧): ((إسناد حسن صحيح)).
(٢) منهم الترمذي ، وصححه ؛ وصححه الحاكم أيضاً (٤٢٥/١)، ووافقه الذهبي؛ وهو كما
قالوا. انظر ((التعليقات الجياد)) (١٦٢/٣).
٤٢٠