Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣ - كتاب الجنائز
٥٢٨ - حديث علي
علياً عليه السَّلام كبر على فاطمة خمساً ، وأن الحسن كبر على أبيه خمساً،
وعن ابن الحنفية : أنه كبر على ابن عباس خمساً، وتأولوا رواية الأربع بأن المراد
بها ما عدا تكبيرة الافتتاح ، وهو بعيد .
٥٢٨ - وعنْ علي رضي الله عنه: أنّهُ كَبّرَ على سهل بن حُنيف ستاً،
وقالَ : إنّهُ بِدْرِيٌّ . رواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ ، وأَصْله في البخاري .
٠٠
(وعن علي رضي الله عنه: أنه كبر على سهل بن حنيف) : بضم المهملة
فنون فمثناة تحتية ففاء (ستاً، وقال: إنه بدريٌّ) : أيْ: ممن شهد وقعة بدر معه
وَّة (رواه سعيد بن منصور، وأصله في البخاري) : الذي في البخاري أن
علياً كبر على سهل بن حنيف ، زاد البرقاني في ((مستخرجه)): ستاً، كذا ذكره
البخاري في ((تاريخه)).
وقد اختلفت الروايات في عدة تكبيرات الجنازة؛ فأخرج البيهقي عن
سعيد بن المسيب : أن عمر قال : كل ذلك قد كان أربعاً وخمساً فاجتمعنا
على الأربع ، ورواه ابن المنذر من وجه آخر عن سعيد ، ورواه البيهقي أيضاً عن
أبي وائل قال: كانوا يكبرون على عهد رسول الله عَ ﴿ أربعاً وخمساً وستاً
وسبعاً؛ فجمع عمر أصحاب رسول الله ◌َّةٍ فأخبر كلٌّ بما رأى ، فجمعهم عمر
على أربع تكبيرات ، وروى ابن عبد البر في ((الاستذكار)) بإسناده: كان النبي
* يكبر على الجنائز أربعاً وخمساً وستاً وسبعاً وثمانياً، حتّى جاء موت
النجاشي ؛ فخرج إلى المصلى وصف الناس وراءه وكبر عليه أربعاً ، ثم ثبت
النبي ◌َ ﴿ على أربع، حتّى توفاه الله ؛ فإن صح هذا فكأن عمر ومن معه لم
٣٠١
٠

٣ - كتاب الجنائز
٥٢٩ و٥٣٠ - حديثا جابر وابن عباس
يعرفوا استقرار الأمر على الأربع ، حتّى جمعهم وتشاوروا في ذلك .
٥٢٩ - وعن جابر رضي الله عنه قال: كانَ رسُولُ اللَّه عَّهِ يُكبِّرُ على
جنائزنا أَربعاً ، ويقرأ بفاتحة الكتابِ في التّكبيرةِ الأولى . رواهُ الشّافعيُّ بإسناد
ضعيف .
(وعن جابر رضي الله عنه قال: كانَ رسُولُ الله ﴿ ﴿ يُكبِّرُ على جنائزنا
أَربعاً، ويقرأُ بفاتحة الكتابِ في التّكبيرةِ الأولى . رواهُ الشّافعيُّ بإسناد
ضعيف): سقط هذا الحديث من نسخة ((الشرح)) فلم يتكلم عليه الشارح رَحمه
الله. قال المصنف في ((الفتح)): إنه أفاد شيخه في ((شرح الترمذي)): أن سنده
ضعيف ، وفي ((التلخيص)): إنه رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن محمد
ابن عبد الله بن عقيل عن جابر . انتهى ، وقد ضعفوا ابن عقيل .
واعلم أنه اختلف العلماء في قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ، فنقل ابن المنذر
عن ابن مسعود والحسن بن علي وابن الزبير مشروعيتها ؛ وبه قال الشافعي ،
وأحمد ، وإسحاق .
ونقل عن أبي هريرة وابن عمر أنه ليس فيها قراءة ، وهو قول مالك والكوفيين ،
واستدل الأولون بما سلف ، وهو وإن كان ضعيفاً ؛ فقد شهد له قوله :
٥٣٠ - وعنْ طلحةَ بن عبد الله بنِ عَوْفٍ رضي اللهُ عنهم قالَ: صلَّيْتُ
خلفَ ابنِ عَبّاسٍ على جنازةٍ فَقَرَأَ فاتحة الكتابِ ، فقال: لِتَعْلَمُوا أَنّها سُنّةٌ .
رواهُ البخاري .
(وعن طلحة بن عبد الله بن عوف رضي الله عنهم) : أي : الخزاعي (قال :
٣٠٢

٣ - كتاب الجنائز
٥٣٠ - حديث ابن عباس
صليت خلف ابن عباس على جنازة ، فقرأ فاتحة الكتاب ، فقال : لتعلموا أنها
سنة . رواه البخاري): وأخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه))، والنسائي بلفظ:
فأخذت بيده فسألته عن ذلك فقال : نعم يا ابن أخي ، إنه حق وسنة . وأخرج
النسائي أيضاً من طريق أخرى بلفظ: فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر، حتّى
أسمعنا ، فلما فرغ أخذت بيده فسألته فقال : سنة وحق . وقد روى الترمذي عن
ابن عباس: أنه ◌َّ ةٍ قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب. ثم قال: لا يصح؛
والصحيح عن ابن عباس قوله : من السنة.
قال الحاكم : أجمعوا على أن قول الصحابي : من السنة ، حديث مسند .
قال المصنف : كذا نقل الإجماع؛ مع أن الخلاف عند أهل الحديث وعند
الأصوليين شهير .
والحديث دليل على وجوب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ؛ لأن المراد من
السنة الطريقة المألوفة عنه عَر اني ، لا أن المراد بها ما يقابل الفريضة ؛ فإنه اصطلاح
عرفي ، وزاد الوجوب تأكيداً قوله : حق - أي : ثابت -، وقد أخرج ابن ماجه من
حديث أم شريك قالت: أمرنا رسول الله ◌َ أن نقرأ على الجنازة بفاتحة
الكتاب . وفي إسناده ضعف يسير يجبره حديث ابن عباس .
والأمر من أدلة الوجوب ، وإلى وجوبها ذهب الشافعي وأحمد وغيرهما من
السلف والخلف .
وذهب آخرون إلى عدم مشروعيتها ؛ لقول ابن مسعود : لم يوقّت لنا رسول
الله ◌َيُ قراءة في صلاة الجنازة؛ بل قال: ((كبّر إذا كبر الإمام، واختر من
٣٠٣

٣ - کتاب الجنائز
٥٣١ - حدیث عوف بن مالك
أطايب الكلام ما شئت))، إلا أنه لم يعزه إلى كتاب حديثي ، حتّى تعرف
صحته من عدمها ، ثم هو قول صحابي ؛ على أنه ناف وابن عباس مثبت ، وهو
مقدم .
وعن الهادي وجماعة من الآل أن القراءة سنة ؛ عملاً بقول ابن عباس : سنة .
وقد عرفت المراد بها في لفظه .
واستدل للوجوب بأنهم اتفقوا أنها صلاة ، وقد ثبت حديث: ((لا صلاة إلا
بفاتحة الكتاب))، فهي داخلة تحت العموم وإخراجها منه يحتاج إلى دليل .
وأما موضع قراءة الفاتحة فإنه بعد التكبيرة الأولى ، ثم يكبر فيصلي على
النبي 198َ ، ثم يكبر فيدعو للميت ، وكيفية الدعاء قد أفادها قوله :
٥٣١ - وعن عَوْفٍ بن مالك رضي الله عنهما قال: صلى رسولُ الله
على جنَازَةٍ فَحَفِظْتُ منْ دعائه: ((اللَّهُمَّ! اغفرْ لهُ، وارْحَمْهُ ، وعَافه، واعْفُ
عِنْهُ، وأَكرمَ نُزْلَهُ، ووسع مُدْخِلهُ ، واغْسِلْهُ بالماءِ والثّلْجِ والبَرَدِ ، ونقّه من الْخطايا
كما يُنَقى الثوب الأبيضُ من الدنس، وأَبْدلهُ داراً خَيْراً من داره، وأَهْلاً خيراً
من أَهْلِه ، وأَدْخلْهُ الجنّةَ، وقه فتْنة القبر وعذابَ النّار)). رواه مُسلمٌ.
(وعن عَوْفٍ بن مالك رضي الله عنهما قال: صلى رسولُ الله ◌َ ◌ُّلُ على
جِنَازَةٍ فَحَفظْتُ منْ دعائه: «اللَّهُمَّ! اغفرْ لهُ، وارْحَمْهُ ، وعَافه، واعْفُ عنْهُ،
وأَكرمُ نُزُلَهُ، ووسع مُدْخلهُ، واغْسِلْهُ بالماءِ والثّلْجِ والبَرَدِ ، ونقّه من الْخطايا
كما يُنَّقى الثّوب الأبْيضُ من الدنس، وأَبْدلهُ داراً خَيْراً من دارِهِ ، وأَهْلاً
خيراً من أَهْلِه ، وأَدْخلْهُ الجنّةَ، وقِهِ فْنة القبر وعذابَ النّار)). رواه مُسلمٌ) :
٣٠٤

٣ - كتاب الجنائز
٥٣٢ - حديث أبي هريرة
يحتمل أنه لو جهر به فحفظه ، ويحتمل أنه سأله ما قاله فذكره له فحفظه .
وقد قال الفقهاء : يندب الإسرار، ومنهم من قال : يخير ، ومنهم من قال :
يسر في النهار ویجھر بالليل .
والدعاء للميت ينبغي الإخلاص فيه له؛ لقوله ◌َّهُ: ((أخلصوا له الدعاء))،
وما ثبت عنه ◌َ﴿﴿ أولى، وأصح الأحاديث الواردة في ذلك هذا الحديث ، وكذلك
قوله :
٥٣٢ - وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: كان رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلّم إذا صلى على جنازة يقولُ : ((اللَّهُمَّ اغْفرْ لحَيِّنا وميِّتنا ، وشاهدنا
وغائبنا ، وصَغيرنا وكبيرِنا ، وذكَرِنا وأُنثانا ، اللَّهُمَّ مَنْ أَحييته مِنّا فَأَحْيهِ على
الإِسلام، ومَنْ توفَّيْتَهُ مِنّا فتوفّهُ على الإيمان، اللَّهُمَّ لا تحْرِمْنَا أَجْرَهُ، ولا تُضلنا
بَعْدَهُ)) . رواهُ مسلم والأربعةُ .
(وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: كان رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلَّم إذا صلى على جنازةٍ يقولُ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا وميِّتِنا، وشاهدنا): أيْ :
حاضرنا (وغائبنا ، وصغيرنا) : أيْ: ثبته عند التكليف للأفعال الصالحة ، وإلا فلا
ذنب له (وكبيرنا ، وذكَرِنا وأُنثانا ، اللَّهُمَّ مَنْ أَحييته منّا فَأَحْيهِ على الإسلام،
ومَنْ توفّيْتَهُ مِنّا فتوفّهُ على الإيمان ، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، ولا تُضلنا بَعْدَهُ)). رواهُ
مسلم والأربعةُ): والأحاديث في الدعاء للميت كثيرة ففي ((سنن أبي داود)»: عن
أبي هريرة: أن النبي :﴿ دعا في الصلاة على الجنازة: «اللَّهُمَّ ، أنت ربها ، وأنت
خلقتها ، وأنت هديتها للإسلام ، وأنت قبضت روحها ، وأنت أعلم بسرها
٣٠٥

٣ - كتاب الجنائز
٥٣٣ - حديث أبي هريرة
وعلانيتها جئناك شفعاء فاغفر له))، وابن ماجه من حديث واثلة بن الأسقع
قال: صلى بنا رسول الله { 18 على جنازة رجل من المسلمين فسمعته يقول:
((اللَّهُمَّ! إن فلان بن فلان في ذمتك ، وحبل جوارك، قِهِ فتنة القبر وعذاب النار،
وأنت أهل الوفاء والحمد ، اللَّهُمَّ! فاغفر له وارحمه؛ فإنك أنت الغفور الرحيم)).
واختلاف الروايات دال على أن الأمر متسع في ذلك ليس مقصوراً على
شيء معين ، وقد اختار الهادوية أدعية أخرى ، واختار الشافعي كذلك ، والكل
مسطور في ((الشرح)).
وأما قراءة سورة مع الحمد فقد ثبت ذلك كما عرفت في رواية النسائي ، ولم
يرد فيها تعيين ؛ وإنما الشأن في إخلاص الدعاء للميت ؛ لأنه الذي شرعت له
الصلاة ، والذي ورد به الحديث ، وهو قوله :
٥٣٣ - وعَنْهُ رضي الله عنه أَنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم قَال: ((إذا
صَلَيْتُمْ على الميّتِ فَأَخْلِصُوا له الدعاءَ)). رواهُ أَبو داود، وصححهُ ابنُ حبَّانَ.
(وعنه) : أيْ : أبي هريرة رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
قال: ((إذا صليْتم على المِيِّت فأخلصوا لهُ الدعاءَ)) . رواه أبو داود ، وصححه
ابن حبان): لأنهم شفعاء والشافع يبالغ في طلبها يريد قبول شفاعته فيه .
وروى الطبراني : أن ابن عمر كان إذا رأى جنازة قال : هذا ما وعدنا الله
ورسوله وصدق الله ورسوله ، اللَّهُمَّ ، زدنا إيماناً وتسليماً ، ثم أسند عن النبي
أنه قال: ((من رأى جنازة فقال: الله أكبر صدق الله ورسوله ، هذا ما وعد الله
ورسوله ، اللَّهُمَّ ، زدنا إيماناً وتسليماً ، تكتب له عشرون حسنة)).
٣٠٦

٣ - كتاب الجنائز
٥٣٤ - حديث أبي هريرة
قال: «أَسرعُوا
٥٣٤ - وعنْ أبي هُريْرة رضي الله عنه عن النبي
بالجنازة ؛ فإن تَكُ صالحةً ، فَخَيْرٌ تُقدِّمُونها إليْهِ، وإن تَكُ سوى ذلك ، فَشَرِّ
تَضعونهُ عَنْ رقابكُم)) . مُتّفقٌ عليهِ .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َ ﴿ قال: ((أسرعوا بالجنازة؛
فإن تكُ) : أي: الجنازة، والمراد بها الميت (صالحة، فخيْرٌ): خبر مبتدأ
محذوف ؛ أي : فهو خير ، ومثله شر الآتي (تُقدِّمُونها إليْه، وإن تكُ سوى
ذلك ، فشرٌّ تضعونه عنْ رقابكم)) . متفق عليه).
نقل ابن قدامة أن الأمر بالإسراع للندب بلا خلاف بين العلماء .
وسئل ابن حزم ، فقال بوجوبه ، والمراد به شدة المشي ، وعلى ذلك حمله
بعض السلف .
وعند الشافعي والجمهور المراد بالإسراع فوق سجية المشي المعتاد ، ويكره
الإسراع الشديد ، والحاصل أنه يستحب الإسراع بها ، لكن بحيث إنه لا ينتهي
إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت ، أو مشقة على الحامل والمشيِّع .
وقال القرطبي : مقصود الحديث أن لا يتباطأ بالميت عن الدفن ؛ لأن البطء
ربما أدى إلى التباهي والاختيال ، هذا بناء على أن المراد بقوله: ((بالجنازة)) بحملها
إلى قبرها ، وقيل : المراد الإسراع بتجهيزها ؛ فهو أعم من الأول ، قال النووي :
هذا باطل مردود بقوله في الحديث : ((تضعونه عن رقابكم))، وتعقب بأن الحمل
على الرقاب قد يعبر به عن المعاني؛ كما تقول : حمل فلان على رقبته ديوناً .
قال: ويؤيده أن الكل لا يحملونه ، قال المصنف بعد نقله في ((الفتح)): ويؤيده
٣٠٧

٣ - كتاب الجنائز
٥٣٥ - حديث أبي هريرة
حديث ابن عمر: سمعت رسول الله :﴿ٍ يقول: ((إذا مات أحدكم، فلا
تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره)). أخرجه الطبراني بإسناد حسن ، ولأبي داود
مرفوعاً : ((لا ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله)).
والحديث دليل على المبادرة بتجهيز الميت ودفنه ، وهذا في غير المفلوج
ونحوه ؛ فإنه ينبغي التثبت في أمره .
٥٣٥ - وَعَنْهُ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ عَهُ: ((مَنْ شهدَ الجَنَازَة،
حتّى يُصَلَى عَليها ، فَلَهُ قيراطٌ ؛ وَمَن شهدها، حتّى تُدفَنَ ، فلهُ قيراطانٍ))،
قيل: وما القيراطان؟ قال: ((مثْل الجبلين العظيميْن)). متفقٌ عليهِ، ولمسْلم:
(حتى توضَعَ في اللّحْدِ))، وللبُخاريِّ: ((مَنْ تبِعَ جِنَازَةَ مُسْلِم إيماناً واحتساباً،
وكان معَهَا حتّى يُصلى عليهَا ويُفرِغَ مِنْ دَفْنها ، فإنه يَرْجع بقيراطيْن؛ كُلُّ
قيراط مِثْلُ أُحُدٍ» .
(وعنه رضي الله عنه): أيْ: أبي هريرة (قال: قال رسول الله عَ له: ((من شهد
الجنازة، حتّى يصلى عليها ، فلهُ قيراطٌ ؛ ومن شهدها ، حتّى تدفن ، فله
قيراطان)»، قيل): صرح أبو عوانة بأن القائل : وما القيراطان؟ ، هو أبو هريرة (وما
القيراطان؟ قال: ((مثل الجبلين العظيمين)). متفق عليه، ولمسلم): أيْ: من
حديث أبي هريرة ، ((حتّى توضع في اللحد))، وللبخاري) : أيضاً من حديث أبي
هريرة ((من تبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً ، وكان معها حتّى يصلى عليها ويفرغ
من دفنها ، فإنه يرجع بقيراطين؛ كل قيراطٍ مثلُ أُحُدٍ)): فاتفقا على صدر
الحديث ، ثم انفرد كل واحد منهما بلفظ ، وهذا الحديث رواه اثنا عشر صحابياً .
٣٠٨

٣ - كتاب الجنائز
٥٣٥ - حديث أبي هريرة
وقوله : ((إيماناً واحتساباً)) قُيّدَ به؛ لأنه لا بد منه؛ لأن ترتب الثواب على
العمل يستدعي سبق النية ، فيخرج من فعل ذلك على سبيل المكافأة المجردة ، أو
على سبيل المحاباة؛ ذكره المصنف في ((الفتح)).
وقوله: ((مثل أحد))، ووقع في رواية النسائي: ((فله قيراطان من الأجر؛
كل واحد منهما أعظم من أحد))، وفي رواية لمسلم: ((أصغرهما مثل أُحد))،
وعند ابن عدي من رواية واثلة: «كتب له قيراطان من الأجر ؛ أخفهما في
ميزانه يوم القيامة أثقل من جبل أُحد)).
والشهود : الحضور ، وظاهره الحضور معها من ابتداء الخروج بها ، وقد ورد في
لفظ مسلم: ((من خرج مع جنازة من بيتها ، ثم تبعها ، حتّى تدفن ، كان له
قيراطان من الأجر ؛ كل قيراط مثل أحد ، ومن صلى عليها ، ثم رجع ، كان
له قيراط))، والروايات إذا رُدَّ بعضها إلى بعض ، تقضي بأنه لا يستحق الأجر
المذكور إلا من صلى عليها ، ثم تبعها .
قال المصنف رحمه الله : الذي يظهر لي أنه يحصل الأجر لمن صلى ، وإن لم
يتبع؛ لأن ذلك وسيلة إلى الصلاة ، لكن يكون قيراط من صلى فقط ، دون
قيراط من صلی وتبع ، وأخرج سعید بن منصور من حديث عروة عن زيد بن
ثابت: ((إذا صليت على جنازة، فقد قضيت ما عليك)). أخرجه ابن أبي
شيبة بلفظ: ((إذا صليتم))، وزاد في آخره: ((فخلوا بينها وبين أهلها))، ومعناه :
قد قضيت حق الميت ؛ فإن أردت الاتباع فلك زيادة أجر . وعلق البخاري قول
حميد بن هلال : ما علمنا على الجنازة إذناً ؛ ولكن من صلى ورجع فله قيراط .
٣٠٩

٣ - کتاب الجنائز
٥٣٥ - حديث أبي هريرة
وأما حديث أبي هريرة : أميران وليسا بأميرين : الرجل يكون مع الجنازة
يصلي عليها ؛ فليس له أن يرجع ، حتّى يستأذن وليها . أخرجه عبد الرزاق ، فإنه
حديث منقطع موقوف ، وقد رويت في مغناه أحاديث مرفوعة كلها ضعيفة .
ولما كان وزن الأعمال في الآخرة ليس لنا طريق إلى معرفة حقيقته ، ولا
يعلمه إلا الله ، ولم يكن تعريفنا لذلك إلا بتشبيهه بما نعرفه من أحوال المقادير،
شبه قدر الأجر الحاصل من ذلك بالقيراط ؛ ليبرز لنا المعقول في صورة المحسوس ،
ولما كان القيراط حقير القدر بالنسبة إلى ما نعرفه في الدنيا ، نبه على معرفة
قدره بأنه كأحد ، الجبل المعروف بالمدينة .
وقوله : ((حتى تدفن))، ظاهر في وقوع مطلق الدفن ، وإن لم يفرغ منه كله .
ولفظ: ((حتى توضع في اللحد))، كذلك؛ إلا أن في الرواية الأخرى لمسلم :
(«حتى يفرغ من دفنها)»، ففيها بيان وتفسير لما في غيرها .
والحديث ترغيب في حضور الميت والصلاة عليه ودفنه ، وفيه دلالة على
عظم فضل الله وتكريمه للميت ، وإكرامه بجزيل الإثابة لمن أحسن إليه بعد موته .
تنبيه - في حمل الجنازة -: أخرج البيهقي في ((السنن الكبرى)) بسنده إلى
عبد الله بن مسعود أنه قال : إذا تبع أحدكم الجنازة ، فليأخذ بجوانب السرير
الأربعة ، ثم ليتطوع بعد أو يذر؛ فإنه من السنة . وأخرج بسنده : أن عثمان بن
عفان حمل بين العمودين سرير أمه فلم يفارقه ، حتّى وضعه . وأخرج أيضاً أن
أبا هريرة رضي الله عنه حمل بين عمودي سرير سعد بن أبي وقاص . وأخرج أن
ابن الزبير حمل بين عمودي سرير المسور بن مخرمة . وأخرج من حدیث یوسف
٣١٠

٣ - كتاب الجنائز
٥٣٦ ۔ حديث ابن عمر
ابن ماهك قال : شهدت جنازة رافع بن خديج وفيها ابن عمر وابن عباس
فانطلق ابن عمر ، حتّى أخذ بمقدم السریر بین القائمین فوضعه علی کاهله ، ثم
مشی بها . انتهى .
٥٣٦ - وعَنْ سالم رضي الله عنه عَنْ أبيهِ: أَنّهُ رأَى النّبيَّ صلى الله عليه
وآله وسلَّم وأَبا بَكْرٍ وغَّمر وهُم يمشُونَ أمامَ الْجنازة . رواهُ الخمسة ، وصححهُ
ابنُ حبَّان ، وأَعَلَّهُ النّسائيُّ وطائفةٌ بالإرسالِ .
(وعن سالم رضي الله عنه): هو أبو عبد الله أو أبو عمرو سالم بن عبدالله
ابن عمر بن الخطاب ، أحد فقهاء المدينة ، من سادات التابعين وأعيان علمائهم،
روى عن أبيه وغيره ، مات سنة ست ومائة (عن أبيه): هو عبد الله بن عمر
(أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر وعمر ، وهم يمشون أمام
الجنازة . رواه الخمسة ، وصححه ابن حبان ، وأعله النسائي وطائفة بالإرسال) :
اختلف في وصله وإرساله ، فقال أحمد : إنما هو عن الزهري مرسل ، وحديث
سالم موقوف على ابن عمر من فعله ، قال الترمذي : أهل الحديث يرون المرسل
أصح ، وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) عن الزهري عن سالم : أن عبد الله بن
عمر كان يمشي بين يديها وأبا بكر وعمر وعثمان ، قال الزهري : وكذلك السنة .
وقد ذكر الدارقطني في ((العلل)) اختلافاً كثيراً فيه على الزهري ؛ قال : والصحيح
قول من قال : عن الزهري عن سالم عن أبيه : أنه كان يمشي ، قال : وقد مشى
رسول الله عَ ةٍ وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما بين يديها ، وهذا مرسل . وقال
البيهقي : إن الموصول أرجح لأنه من رواية ابن عيينة ، وهو ثقة حافظ ، وعن
٣١١

٣ - کتاب الجنائز
٥٣٦ - حديث ابن عمر
علي بن المديني قال : قلت لابن عيينة : يا أبا محمد ، خالفك الناس في هذا
الحديث ، فقال : استيقن ؛ الزهري حدثنيه مراراً لست أحصيه ، يعيده ويبديه ،
سمعته من فيه ، عن سالم عن أبيه . قال المصنف : وهذا لا ينفي الوهم ؛ لأنه
ضبط أنه سمعه منه عن سالم عن أبيه ، والأمر كذلك ، إلا أن فيه إدراجاً ،
وصححه الزهري ، وحدث به ابن عيينة .
وللاختلاف في الحديث اختلف العلماء على خمسة أقوال :
الأوّل : أن المشي أمام الجنازة أفضل لوروده من فعله
حضارة ، وفعل الخلفاء ،
وذهب إليه الجمهور والشافعي .
والثاني : الهادوية والحنفية أن المشي خلفها أفضل ؛ لما رواه ابن طاوس عن
أبيه: ما مشى رسول الله ◌َ اللهِ، حتّى مات إلا خلف الجنازة . ولما رواه سعيد بن
منصور من حديث عليّ عليهِ السَّلام قال : المشي خلفها أفضل من المشي
أمامها ؛ كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذّ . إسناده حسن ، وهو موقوف له
حكم الرفع ، وحكى الأثرم أن أحمد تكلم في إسناده .
الثالث : أنه يمشي بين يديها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها ؛ علقه
البخاري عن أنس ، وأخرجه ابن أبي شيبة موصولاً ، وكذا عبد الرزاق ، وفيه
التوسعة على المشيعين ، وهو يوافق سنة الإسراع بالجنازة ، وأنهم لا يلزمون مكاناً
واحداً يمشون فيه ؛ لئلا يشق عليهم ، أو على بعضهم .
القول الرابع للثوري : أن الماشي يمشي حيث شاء والراكب خلفها ؛ لما أخرجه
أصحاب ((السنن)) وصححه ابن حبان والحاكم من حديث المغيرة مرفوعاً:
٣١٢

٣ - كتاب الجنائز
٥٣٧ - حديث أم عطية
((الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها)).
القول الخامس للنخعي : إن كان مع الجنازة نساء مشي أمامها وإلا فخلفها .
٥٣٧ - وعَن أُمِّ عطيةَ رضيَ الله عنها قالتْ: نُهينا عن اتّباع الجنائز، ولم
يُعْزَمْ عَلينا . مُتفقٌ عليه .
(وعن أم عطية رضيَ اللّه عنها قالت: نهينا) : مبني للمجهول (عن اتباع
الجنائز، ولم يعزم علينا . متفق عليه) : جمهور أهل الأصول والمحدثين أن قول
الصحابي : نهينا، أو: أمرنا - بعدم ذكر الفاعل - له حكم المرفوع؛ إذ الظاهر من
ذلك أن الأمر والناهي هو النبي ـ
وأما هذا الحديث فقد ثبت رفعه وأنه أخرجه البخاري في باب الحيض عن
أم عطية بلفظ : نهانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ... الحديث ، إلا أنه
مرسل؛ لأن أم عطية لم تسمعه منه ، لما أخرجه الطبراني عنها قالت : لما دخل
النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة جمع النساء في بيت ، ثم بعث إلينا عمر
فقال: إنَّ رسول الله تَّهُ بعثني إليكن لأبايعكن على ألا تسرقن ... الحديث،
وفيه : ونهانا أن نخرج في جنازة .
وقولها : ولم يعزم علينا ، ظاهر في أن النهي للكراهية لا للتحريم ؛ كأنها
فهمته من قرينة وإلا فأصله التحريم ، وإلى أنه للكراهة ذهب جمهور أهل العلم ،
ويدل له ما أخرجه ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة: أن رسول الله فيطاهٍ كان
في جنازة ، فرأى عمر امرأة فصاح بها فقال: ((دعها يا عمر))، الحديث ، وأخرجه
النسائي وابن ماجه من طريق أخرى ؛ ورجالها ثقات .
٣١٣

٣ - کتاب الجنائز
٥٣٨ - حديث أبي سعيد
٥٣٨ - وعنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه: أَنَّ رسولَ الله ◌َ﴿ه قال: ((إذا رأَيْتُمُ
الجنازة فقُوموا، فَمَنْ تبعها؛ فلا يجْلسْ؛ حتّى تُوضع)). مُتّفقٌ عليه .
(وعنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه: أَنَّ رسولَ الله ◌َ﴿ه قال: ((إذا رأَيْتُمُ
الجنازة فقُوموا، فَمَنْ تبعها، فلا يجْلسْ، حتّى تُوضع)). مُتّفقٌ عليه): الأمر
ظاهر في وجوب القيام للجنازة إذا مرت بالمكلف ، وإن لم يقصد تشييعها ، وظاهر
في عموم كل جنازة من مؤمن وغيره ، ويؤيده أنه أخرج البخاري قيامه صلى الله
عليه وآله وسلم جنازة يهودي مرت به ، وعلل ذلك بأن الموت فزع . وفي رواية :
((أليست نفساً؟!))، وأخرج الحاكم: ((إنما قمنا للملائكة))، وأخرج أحمد
والحاكم وابن حبان: ((إنما نقوم إعظاماً للذي يقبض النفوس))، ولفظ ابن حبان :
((إعظاماً لله))، ولا منافاة بين التعليلين .
وقد عارض هذا الأمر حديث عليّ عليه السلام عند مسلم : أنه صلى الله
عليه وآله وسلم قام للجنازة ، ثم قعد . والقول بأنه يحتمل أن مراده قام ، ثم قعد
لما بعدت عنه ، يدفعه أن علياً أشار إلى قوم بأن يقعدوا ، ثم حدثهم الحديث؛
ولما تعارض الحديثان اختلف العلماء في ذلك :
فذهب الشافعي إلى أن حديث عليّ عليهِ السَّلام ناسخ للأمر بالقيام ، وردّ
بأن حديث عليّ ليس نصّاً في النسخ؛ لاحتمال أن قعوده صلى الله عليه وآله
وسلم كان لبيان الجواز؛ ولذا قال النووي : المختار أنه مستحب ، وأمّا حديث
يقوم للجنازة فمرّ به حبر من اليهود فقال :
عبادة بن الصامت : أنه كان ◌َ
هكذا نفعل ، فقال: ((اجلسوا خالفوهم)). أخرجه أحمد وأصحاب ((السنن)) إلا
٣١٤

٣ - كتاب الجنائز
٥٣٩ - حديث عبدالله بن يزيد
النسائي وابن ماجه والبزار والبيهقي ، فإنه حديث ضعيف ؛ فيه بشر بن رافع
قال البزار: تفرّد به بشر، وهو لين الحديث .
وقوله : ومن تبعها ، فلا يجلس ، حتّى توضع ، أفاد النهي لمن شيعها عن
الجلوس ، حتّى توضع ، ويحتمل أن المراد : حتّى توضع في الأرض ، أو توضع في
اللحد ، وقد روي الحديث باللفظين ؛ إلا أنه رجح البخاري وغيره رواية: ((توضع
في الأرض)).
فذهب بعض السلف إلى وجوب القيام ، حتّى توضع الجنازة ؛ لما يفيده النهي
هنا ، ولما عند النسائي من حديث أبي هريرة وأبي سعيد: ما رأينا رسول الله
شهد جنازة قط فجلس ، حتّى توضع .
وقال الجمهور : إنه مستحب ، وقد روى البيهقي من حديث أبي هريرة وغيره :
إن القائم مثل الحامل ؛ يعني في الأجر .
٥٣٩ - وعَنْ أبي إسحاق: أَنَّ عبد الله بن يزيدَ أَدخَلَ الميتَ منْ قِبَل رجْلي
القَبْر وقال: هذا مِنَ السُّنّةِ . أَخرجَهُ أَبو داودَ .
(وعن أبي إسحاق) : هو السَّبِيعي؛ بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة
والعين المهملة ، الهمداني الكوفي ، رأى علياً عليهِ السَّلام وغيره من الصحابة ،
وهو تابعي مشهور، كثير الرواية ، ولد لسنتين من خلافة عثمان ، ومات سنة
تسع وعشرين ومائة (أن عبد الله بن يزيد) : هو عبد الله بن يزيد الخطمي ؛
بالخاء المعجمة ، الأوسي ، كوفي ، شهد الحديبية وهو ابن سبع عشرة سنة ،
وكان أميراً على الكوفة ، وشهد مع علي عليهِ السَّلام صفين والجمل ، ذكره ابن
٣١٥

٣ - كتاب الجنائز
٥٣٩ - حديث عبد الله بن يزيد
عبد البر في ((الاستيعاب)) (أدخل الميت من قِبَل رجلي القبر) : أي : من جهة
المحل الذي يوضع فيه رجلا الميت ؛ فهو من إطلاق الحال على المحل (وقال : هذا
من السنة. أخرجه أبو داود) : وروي عن علي عليهِ السَّلام قال: صلى رسول
الله ◌َ﴿ على جنازة رجل من ولد عبد المطلب؛ فأمر بالسرير فوضع من قبل
رجلي اللحد ، ثم أمر به فسلّ سلاً ، ذكره الشارح ، ولم يخرجه ؛ وفي المسألة
ثلاثة أقوال :
الأول : ما ذكر؛ وإليه ذهبت الهادوية والشافعي وأحمد .
والثاني : يسل من قبل رأسه؛ لما روى الشافعي عن الثقة - مرفوعاً - من
سل ميتاً من قبل رأسه ، وهذا أحد قولي الشافعي .
حديث ابن عباس : أنه
والثالث لأبي حنيفة: أنه يسل من قبل القبلة معترضاً؛ إذْ هو أيسر . قلت :
بل ورد به النص كما يأتي في شرح حديث جابر في النهي عن الدفن ليلاً؛ فإنه
أخرجه الترمذي من حديث ابن عباس ، وهو نص في إدخال الميت من قبل
القبلة ، ويأتي أنه حديث حسن ، فيستفاد من المجموع أنه فعلٌ مخير فيه .
فائدة : اختلف في تحليل القبر بالثوب عند مواراة الميت ؛ فقيل يجلل سواء
كان المدفون رجلاً ، أو امرأة ؛ لما أخرجه البيهقي - لا أحفظه إلا من حديث ابن
عباس -، قال: جلل رسولُ الله ﴿ٍ قبر سعد بثوبه . قال البيهقي: لا أحفظه إلا
من حديث يحيى بن عقبة بن أبي العيزار، وهو ضعيف .
وقيل : يختص بالنساء؛ لما أخرجه البيهقي أيضاً من حديث أبي إسحاق :
أنه حضر جنازة الحارث الأعور فأبى عبد الله بن يزيد أن يبسطوا عليه ثوباً ،
٣١٦

٣ - كتاب الجنائز
٥٤٠ و٥٤١ - حديثا ابن عمر وعائشة
وقال : إنه رجل . قال البيهقي : وهذا إسناده صحيح ، وإن كان موقوفاً . قلت :
ويؤيده ما أخرجه أيضاً البيهقي عن رجل من أهل الكوفة أن علي بن أبي طالب
أتاهم يدفنون ميتاً، وقد بسط الثوب على قبره ؛ فجذب الثوب من القبر ، وقال :
إنما يصنع هذا بالنساء .
٥٤٠ - وعن ابنِ عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا عن النبي ◌َ ﴿ِ قال: «إذا وَضَعْتُم
مَوْتَاكُم في القُبُور، فقولوا: بسم الله، وعلى مِلّةٍ رسول الله)). أَخْرجهُ أَحْمدُ
وأبو داود والنسائي ، وصححه ابنُ حبَّانَ ، وأعلّهُ الدارقطني بالوقفِ .
﴿ قال: ((إذا وَضَعْتُم مَوْتاكُم
(وعن ابنِ عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا عن النبي
في القُبُور، فقولوا: بسم الله، وعلى مِلّهِ رسول الله)). أَخْرجهُ أَحْمدُ وأَبو داود
والنسائي، وصححه ابنُ حبَّانَ، وأعلّهُ الدارقطني بالوقفِ): ورجح النسائي
وقفه على ابن عمر أيضاً، إلا أنه له شواهد مرفوعة ذكرها في ((الشرح))، وأخرج
الحاكم والبيهقي - بسند ضعيف -: لما وضعت أم كلثوم ابنة النبي حصة في القبر
قال رسول الله معَ ة: ((﴿منها خلقناكم وفيها نعيد كم ومنها نخرجكم تارةً
أخرى﴾ [طه: ٥٥]، بسم الله، وفي سبيل الله، وعلى مِلَّة رسول الله)). وللشافعي
دعاء آخر استحسنه ؛ فدل كلامه على أنه يختار الدافن من الدعاء للميت ما
يراه ، وأنه ليس فيه حد محدود .
٥٤١ - وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَنَّ رَسُولَ الله عَ لِ قَالَ: ((كَسْرُ عَظْم
الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّ)) . رَوَاهُ أَبُو داود بِإِسْنَادِ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ .
وَزَادَ ابْنُ مَاجَه مِنْ حَدِيثِ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا: ((فِي الإِثْمِ)) .
٣١٧

٣ - كتاب الجنائز
٥٤٢ ۔ حدیث سعد بن أبي وقاص
قال: ((كسرُ عظم الميت
(وعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله
ککسرہ حیاً» . رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم . وزاد ابن ماجه): أي
في الحديث هذا؛ وهو قوله (من حديث أم سلمة رضي الله عنها: ((في
الإثم))) : بيان للمثلية .
فيه دلالة على وجوب احترام الميت كما يحترم الحي، ولكن زيادة : ((في
الإثم))، أنبأت أنه يفارقه من حيث إنه لا يجب الضمان ، وهو يحتمل أن الميت
يتألم كما يتألم الحي ، وقد ورد به حدیث .
٥٤٢ - وعن سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه قال: «الْحدوا لي لَحْداً
وانْصِبُوا عليَّ اللّبِنَ نصْباً؛ كما صُنع برسُول الله عَ﴿ه)). رواهُ مُسْلِمٌ.
(وعن سعد بن أَبي وقّاص رضي الله عنه قال: ((الْحدوا لي لَحْداً وانْصِبُوا
عليَّ اللّبِنَ نصْباً؛ كما صُنع برسُول الله تَّةٍ)). رواهُ مُسْلمٌ): هذا الكلام قاله
سعد لما قيل له : ألا نتخذ لك شيئاً كأنه الصندوق من الخشب؟ فقال : اصنعوا ،
فذكره ، واللحد - بفتح اللام وضمها - هو الحفر تحت الجانب القبلي من القبر.
وفيه دلالة أنه لحد له ټ ، وقد أخرجه أحمد وابن ماجه بإسناد حسن :
أنه كان بالمدينة رجلان : رجل يلحد ورجل يشق ، فبعث الصحابة في طلبهما
فقالوا : أيهما جاء عمل عمله لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فجاء الذي
يلحد فلحد لرسول الله ﴿﴿ . ومثله عن ابن عباس عند أحمد والترمذي، وأن
الذي كان يلحد هو أبو طلحة الأنصاري ، وفي إسناده ضعف .
وفيه الدلالة على أن اللحد أفضل .
٣١٨

٣ - كتاب الجنائز
٥٤٣ - حديث جابر
٥٤٣ - وللبيْهَقيِّ عن جابر رضي الله عنه نَحْوُهُ ، وزاد: ورُفع قَبْرُهُ عن
الأرض قدْرَ شِبْرٍ. وصحّحُهُ ابنُ حبَّان .
(وللبيهقي) : أي: وروى البيهقي (عن جابر رضي الله عنه نحوه) : أي : نحو
حديث سعد (وزاد : ورفع قبره عن الأرض قدر شبر . وصححه ابن حبان) .
هذا الحدیث أخرجه البيهقي وابن حبان من حدیث جعفر بن محمد عن
أبيه عن جابر ، وفي الباب من حديث القاسم بن محمد قال : دخلت على
عائشة فقلت: يا أماه، اكشفي لي عن قبر رسول الله تَ ط ◌ُرٍ وصاحبيه ، فكشفت
له عن ثلاثة قبور لا مشرفة ، ولا لاطئة ، مبطوحة ببطحة العرصة الحمراء .
أخرجه أبو داود والحاكم وزاد: رأيت رسول الله على
﴿ مقدماً ، وأبو بكر رأسه بين
كتفي رسول الله :﴿ ، وعمر رأسه عند رجلي رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم. وأخرج أبو داود في ((المراسيل)) عن صالح بن أبي صالح قال : رأيت قبر
رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم شبراً ، أو نحو شبر .
ويعارضه ما أخرجه البخاري من حديث سفيان التمار: أنه رأى قبر النبي
مسنماً؛ أي : مرتفعاً كهيئة السنام . وجمع بينهما البيهقي بأنه كان أولاً
مسطحاً، ثم لما سقط الجدار في زمن الوليد بن عبد الملك، أُصْلِحِ فَجُعِلَ مسنماً .
فائدة: كانت وفاته ﴿ يوم الإثنين عندما زاغت الشمس لا ثنتي عشرة ليلة
خلت من ربيع الأول ، ودفن يوم الثلاثاء، كما في ((الموطأ)).
وقال جماعة : يوم الأربعاء، وتولى غسله ودفنه علي والعباس وأسامة .
أخرجه أبو داود من حديث الشعبي ، وزاد: وحدثني مرحب - كذا في ((الشرح))
٣١٩

٣ - کتاب الجنائز
٥٤٤ ۔ حديث جابر
والذي في ((التلخيص)): مرحب، أو: أبو مرحب بالشك -: أنهم أدخلوا معهم
عبد الرحمن بن عوف ، وفي رواية البيهقي زيادة مع علي والعباس : الفضل بن
العباس ، وصالح - وهو شقران - ولم يذكر ابن عوف . وفي رواية له ولابن ماجه :
علي والفضل وقثم وشقران ، وزاد: وسوّى لحده رجل من الأنصار، وجمع بين
الروايات بأن من نقص فباعتبار ما رأى أول الأمر ، ومن زاد أراد به آخر الأمر .
٥٤٤ - ولمسلم عنه رضي الله عنه: نهى رسول الله : ﴿ أن يجصص القبر،
وأن يقعد عليه ، وأن يبنى عليه .
أن
(ولمسلم عنه رضي الله عنه): أي: عن جابر (نهى رسول الله عَ ليه
يخصص القبر، وأن يقعد عليه ، وأن يبنى عليه) .
الحديث دليل على تحريم الثلاثة المذكورة ؛ لأنه الأصل في النهي ، وذهب
الجمهور إلى أن النهي في البناء والتخصيص للتنزيه ، والقعود للتحريم ، وهو جمع
بين الحقيقة والمجاز، ولا يعرف ما الصارف عن حمل الجميع على الحقيقة التي
هي أصل النهي .
وقد وردت الأحاديث في النهي عن البناء على القبور ، والكتب عليها ،
والتسريج ، وأن يزاد فيها ، وأن توطأ ، فأخرج أبو داود والترمذي والنسائي من
حديث ابن مسعود مرفوعاً: ((لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد
والسرج))، وفي لفظ للنسائي: نهى أن يبنى على القبر، أو يزاد عليه ، أو
يجصص ، أو يكتب عليه . وأخرج البخاري من حديث عائشة قالت : قال
رسول الله 9 في مرضه الذي لم يقم منه: ((لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا
٣٢٠