Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢ - كتاب الصلاة
١٧ - باب اللباس
٤٩٧ - حديث عبد الله بن عمرو
قلت : أغسلهما يا رسول الله؟ قال: ((بل أحرقهما)).
وفي رواية : ((إن هذه من ثياب الكفار؛ فلا تلبسهما)) ، وأخرجه أبو داود
والنسائي .
وفي قوله: ((أمّك أمرتك)) إعلام بأنه لباس النساء وزينتهنّ وأخلاقهنّ .
وفيه حجة على العقوبة بإتلاف المال ، وهو - أيْ: أَمْرُ ابن عمرو بتحريقها -
يعارض حديث علي عليه السلام : وأمره بأن يشقها بين نسائه ؛ كما في رواية
قدمناها ، فينظر في وجه الجمع ، إلا أن في ((سنن أبي داود)) عن عبد الله بن
عمرو: أنه ◌َ﴿ رأى عليه ريْطَة مضرجة بالعصفر، فقال: ((ما هذه الرّيْطَة التي
عليك؟!))، قال : فعرفت ما كره ، فأتيت أهلي وهم يسجرون تنوراً لهم ، فقذفتها
فيه ، ثم أتيته من الغد، فقال: ((يا عبد الله ما فعلت الريطة؟)) فأخبرته فقال :
((ألا كسوتها بعض أهلك! فإنه لا بأس بها للنساء))؛ فهذا يدل على أنه
أحرقها من غير أمر من النبي ◌َ ؛ فلو صحت هذه الرواية ، لزال التعارض بينه
وبين حديث علي عليهِ السَّلام ، لكنه يبقى التعارض بين روايتي ابن عمرو،
﴿ أمر أولاً بإحراقها ندباً، ثم لما أحرقها قال له عَل الية: (لو
وقد يقال : إنه
كسوتها بعض أهلك !)) ؛ إعلاماً له بأن هذا كان كافياً عن إحراقها لو فعله ، وأن
الأمر للندب .
وقال القاضي عياض في ((شرح مسلم)): أمره ◌َارة بإحراقها من باب
التغليظ ، أو العقوبة .
٢٦١

٢ - كتاب الصلاة
١٧ - باب اللباس
٤٩٨ - حديث أسماء
٤٩٨ - وعَنْ أَسْماءَ بنْت أَبي بكرٍ رضيَ الله عنهُمَا: أَنها أَخْرَجَتْ جُبَّةً
رسول الله ◌َّهِ، مكْفوفةَ الْجِيْب والْكُمّين والْفرْجَيْن بالديباج. رواهُ أَبو داود،
وأصلُّهُ في مسلم ، وزاد : كانت عندَ عائشة، حتّى قُبضتْ فَقَبَضْتُهَا ، وكان
النبيُّ ◌َ﴿ يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُها للمرضى ؛ يُسْتَشْفى بها. وزاد البُخاريُّ في
((الأدب المفْرد)): وكان يُلْبَسُهَا للوَفْد والجُمُعَة.
(وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهُمَا: أنها أخرجت جبة رسول
الله ◌َّةٍ ، مكفوفة) : المكفوف من الحرير ما اتخذ جيبه من حرير، وكان الذيله
وأكمامه كفاف منه (الجيب والكمين والفرجين بالديباج): هو ما غلظ من الحرير
كما سلف (رواه أبو داود ، وأصله في مسلم ، وزاد) : أيْ : من رواية أسماء
(كانت): أي: الجبة (عند عائشة، حتّى قُبضت): مغير الصيغة ؛ أي : ماتت
(فقبضتها، وكان النبي ﴿﴿ يلبسها ، فنحن نغسلها للمرضى ؛ يستشفى بها):
الحديث في مسلم له سبب ، وهو أن أسماء أرسلت إلى ابن عمر : أنه بلغها أنه
يحرم العلم في الثوب ، فأجاب بأنه سمع عمر يقول : سمعت رسول الله
يقول: ((إنما يلبس الحرير من لا خلاق له))، فخفت أن يكون العلم منه! فأخرجت
أسماء الجبة (وزاد البخاري في ((الأدب المفرد))): في رواية أسماء (وكان يلبسها
للوفد والجمعة): قال في ((شرح مسلم)) للنووي - على قوله : مكفوفة -: ومعنى
المكفوفة أنه جعل له كفة ؛ بضم الكاف ، وهو ما يكف به جوانبها ويعطف عليها
ويكون ذلك في الذيل ، وفي الفرجين ، وفي الكمين . اهـ، وهو محمول على أنه
أربع أصابع ، أو دونها ، أو فوقها إذا لم يكن مصمتاً؛ جمعاً بين الأدلة .
٢٦٢

٢ - كتاب الصلاة
١٧ - باب اللباس
٤٩٨ - حديث أسماء
وفيه : جواز مثل ذلك من الحرير ، وجواز لبس الجبة ، وماله فرجان من غير
كراهة .
وفيه: استشفاء بآثاره ◌َخالٍ، وبما لامس جسده الشريف .
وفي قولها : كان يلبسها للوفد والجمعة ، دليل على استحباب التجمل
بالزينة للوافد ونحوه ؛ كذا قيل ، إلا أنه لا يخفى أنه قول صحابية لا دليل فيه .
وأما خياطة الثوب بالخيط الحرير ولبسه ، وجعل خيط السبحة من الحرير ،
وليقة الدواة ، وكيس المصحف ، وغشاية الكتب ، فلا ينبغي القول بعدم جوازه ؛
لعدم شمول النھي له .
وفي اللباس آداب ؛ منها : في العمامة تقصير العذبة ؛ فلا تطول طولاً فاحشاً،
وإرسالها بين الكتفين ، ويجوز تركها بالأصالة ، وفي القميص ، تقصير الكم ؛
لحديث أبي داود عن أسماء: كان كم النبي ◌ٍَّ إلى الرسغ، قال ابن عبد
السلام : إفراط توسعة الثياب والأكمام بدعة وسرف ، وفي المئزر - ومثله اللباس
والقميص -؛ أن لا يسبله زيادة على نصف الساق ، ويحرم إن جاوز الكعبين .
٢٦٣

:

٣ - كتاب الجنائز
الجنائز: جمع جنازة؛ بفتح الجيم وكسرها ، وفي ((القاموس)»: الجنازة:
الميت ، وتفتح ، أو بالكسر : الميت ، وبالفتح : السرير ، أو عكسه ، أو بالكسر :
السرير مع الميت .
٤٩٩ - عَنْ أَبي هريرة رضي الله عنه قالَ: قال رسول الله عَ ليه: «أَكْثروا
ذِكْرَ هادِمِ اللّذات: الموت)). رواه التّرمذي والنسائيُّ وصحّحه ابنُ حبّان.
(عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ليه: ((أكثروا ذكر هادم
اللّذات: المَوْت))): بالكسر بدل من ((هادم)) (رواه الترمذي والنسائي ، وصححه
ابن حبان) : والحاكم وابن السكن وابن طاهر ، وأعله الدارقطني بالإرسال .
وفي الباب : عن عمرو وعن أنس ؛ وما تخلو عن مقال ، قال المصنف في
((التلخيص)) نقلاً عن السهيلي: إن الرواية في هاذم بالذال المعجمة معناه القاطع ؛
وأمّا بالمهملة فمعناه : المزيل للشيء ، وليس مراداً هنا ، قال المصنف : وفي هذا
النفي نظر لا يخفى. قلت: يريد أنَّ المعنى على الدال المهملة صحيح؛ فإن
الموت يزيل اللذات كما يقطعها ، ولكن العمدة الرواية .
والحديث دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يغفل عن ذكر أعظم المواعظ ،
وهو الموت ، وقد ذكر في آخر الحديث فائدة الذكر بقوله : ((فإنكم لا تذكرونه
في كثير إلا قلله ، ولا قليل إلا كثره))، وفي رواية للديلمي عن أبي هريرة :
((أكثروا ذكر الموت ؛ فما من عبد أكثر ذكره ؛ إلا أحيا الله قلبه ، وهوّن عليه
الموت))، وفي لفظ لابن حبان والبيهقي في ((شعب الإيمان)): ((أكثروا ذكر هادم
٢٦٥

٣ - كتاب الجنائز
٥٠٠ ۔ حديث أنس
اللذات ؛ فإنه ما ذكره عبدٌ قط في ضيق إلا وسعه، ولا في سعة إلا
ضيقها))، وفي حديث أنس عند ابن لال في ((مكارم الأخلاق)): ((أكثروا ذكر
الموت ؛ فإن ذلك تمحيص للذنوب ، وتزهيد في الدنيا))، وعند البزار: ((أكثروا
ذكر هاذم اللذات ؛ فإنه ما ذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه ،
ولا في سعة؛ إلا ضيقها))، وعند ابن أبي الدنيا: ((أكثروا من ذكر الموت؛
فإنه يمحق الذنوب ، ويزهد في الدنيا ؛ فإن ذكرتموه عند الغنى ، هدمه ، وإن
ذکرتموه عند الفقر ، أرضاکم بعیشکم)» .
٥٠٠ - وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله عَاهُ: ((لا يتمنّينَّ
أَحدُكُم الموتَ لِضُرٍّ نزل به؛ فإن كانَ لا بُدّ مُتمنياً، فَلِيقُل: اللهُمَّ! أَحيني ما
كانت الحياةُ خَيْراً لي ، وتَوَفّني ما كانت الوفاةُ خيْراً لي)) . متفقٌ عليْه.
(وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله تَ﴿هُ: ((لا يتمنّيَنَّ أَحَدُكُمُ
المَوْتِ لضُرٍّ نزِلَ به؛ فإن كان لا بُدَّ): أيْ: لا فرار، ولا محالة كما في ((القاموس)»
(مُتَمِنِياً، فَلْيَقُل): بدلاً عن لفظ التمني الدعاء وتفويض ذلك إلى الله (اللَّهُمَّ
أَحْيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفّني ما كانت الوفاة خيراً لي)). متفق عليه).
الحديث دليل على النهي عن تمني الموت للوقوع في بلاء ، أو محنة ، أو
خشية ذلك من عدو ، أو مرض ، أو فاقة ، أو نحوها من مشاق الدنيا ؛ لما في
ذلك من الجزع وعدم الصبر على القضاء وعدم الرضا .
وفي قوله : ((لضر نزل به))، ما يرشد إلى أنه إذا كان لغير ذلك من خوف فتنة
في الدين ؛ فإنه لا بأس به ، وقد دل له حديث الدعاء ((إذا أردت بعبادك فتنة ؛
١
٢٦٦

٣ - كتاب الجنائز
٥٠١ - حديث بريدة
فاقبضني إليك غير مفتون))، أو كان تمنياً للشهادة؛ كما وقع ذلك لعبد الله بن
رواحة وغيره من السلف ، وكما في قول مريم : ﴿يا ليتني مت قبل هذا﴾ [مريم: ٢٣]؛
فإنها إنما تمنت ذلك لمثل هذا الأمر المخوف من كُفر من كفر وشقاوة من شقي بسببها .
وفي قوله : ((فإن كان لا بدّ متمنياً))، يعني إذا ضاق صدره وفقد صبره ؛
عدل إلى هذا الدعاء ، وإلا فالأولى له ألا يفعل ذلك .
٥٠١ - وعن بُريدةَ رضي الله عنه: أنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ِ قال: ((المُؤْمِنُ يموتُ بِعَرَق
الجبين)). رواهُ الثلاثة، وصحّحهُ ابنُ حبّان .
(وعن بريدة رضي الله عنه): هو ابن الحُصيب (أن النبي ◌َّ﴾ قال: «المُؤْمِنُ
يُوتُ بعرقٍ) : بفتح العين المهملة والراء (الجبين)) . رواه الثلاثة ، وصححه ابن
حبان): وأخرجه أحمد وابن ماجه وجماعة ، وأخرجه الطبراني من حديث
ابن مسعود .
وفيه وجهان : أحدهما : أنه عبارة عما يكابده من شدة السياق - النزع -
الذي يعرق دونه جبينه ؛ أي : يشدد عليه ؛ تمحيصاً لبقية ذنوبه ، والثاني : أنه
كناية عن كدّ المؤمن في طلب الحلال ، وتضييقه على نفسه بالصوم والصلاة ،
حتّى يلقى الله تعالى؛ فيكون الجارّ والمجرور في محل النصب على الحال .
والمعنى على الأوّل : أن حال الموت ونزوع الروح شديد عليه ، فهو صفة
لكيفية الموت وشدته على المؤمن ، والمعنى على الثاني : أن يدركه الموت في حال
كونه على هذه الحالة الشديدة التي يعرق منها الجبين ، فهو صفة للحال التي
يفاجئه الموت عليها .
٢٦٧

٣ - كتاب الجنائز
٥٠٢ - حديث أبي سعيد وأبي هريرة
٥٠٢ - وعَنْ أَبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهُمَا قالا: قال رسول الله
: (لَقُّنوا مَوْتاكُمْ لا إله إلا الله)). رَوَاهُ مسلمٌ والأرْبعةُ.
=١٠
(وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضيَ الله عنهُمَا قالا: قال رسول الله عَله:
(لَقِّئُوا مَوْتاكم) : أي: الذين في سياق الموت ؛ فهو مَجَاز (لا إله إلا الله)). رواه
مسلم والأربعة): وهذا لفظ مسلم ، ورواه ابن حبان بلفظه وزيادة: ((فمن كان
آخر قوله : لا إله إلا الله ؛ دخل الجنة يوماً من الدهر ، وإن أصابه ما أصابه
قبل ذلك))، وقد غلط من نسَبَه إلى الشيخين ، أو إلى البخاري ، وروى ابن أبي
الدنيا عن حذيفة بلفظ : ((لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ؛ فإنها تهدم ما قبلها من
الخطايا)) ، وفي الباب أحاديث صحيحة .
وقوله : ((لقنوا))؛ المراد تذكير الذي في سياق الموت هذا اللفظ الجليل ، وذلك
ليقولها ؛ فتكون آخر كلامه ؛ فيدخل الجنة كما سبق. فالأمر في الحديث
بالتلقين عام لكل مسلم يحضر من هو في سياق الموت ، وهو أمر ندب ، وكره
العلماء الإكثار عليه والموالاة ؛ لئلا يضجر ويضيق حاله ويشتد كربه ، فيكره
ذلك بقلبه ويتكلم بما لا يليق . قالوا : وإذا تكلم مرة فيعاد عليه التعريض ؛ ليكون
آخر كلامه ، وكأنّ المراد بقول : لا إله إلا الله ؛ أي: وقول : محمد رسول الله؛
فإنها لا تقبل إحداهما إلا بالأخرى كما علم .
والمراد (بموتاكم)) موتى المسلمين، وأمّا موتى غيرهم ، فيعرض عليهم
الإسلام، كما عرضه ◌َ﴿ على عمه عند السياق ، وعلى الذِّمي الذي كان
يخدمه ، فعاده وعرض عليه الإسلام فأسلم ، وكأنه خص في الحديث موتی
٢٦٨

٣ - كتاب الجنائز
٥٠٢ - حديث أبي سعيد وأبي هريرة
أهل الإسلام؛ لأنهم الذين يقبلون ذلك ، ولأن حضور أهل الإسلام عندهم هو
الأغلب بخلاف الكفار ؛ فالغالب أنه لا يحضر موتاهم إلا الكفار .
فائدة: يحسن أن يُذكَّر المريض بسعة رحمة الله ولطفه وبرّه ، فيحسن ظنه
بربه؛ لما أخرجه مسلم من حديث جابر: سمعت رسول الله عَ ليه يقول قبل
موته : ((لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله))، وفي ((الصحيحين)) مرفوعاً
من حديث أبي هريرة قال: ((قال الله: أنا عند ظن عبدي بي))، وروى ابن أبي
الدنيا عن إبراهيم قال : كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند موته ؛
لكي يحسن ظنه بربه . وقد قال بعض أئمة العلم : إنه يحسن جمع أربعين
حديثاً في الرجاء تقرأ على المريض فيشتد حسن ظنه بالله تعالى ؛ فإنه تعالى
عند ظن عبده به .
وإذا امتزج خوف العبد برجائه عند سياق الموت ؛ فهو محمود . أخرج الترمذي
بإسناد جيد من حديث أنس أنه عَ ﴿ دخل على شاب، وهو في الموت ، فقال :
((كيف تجدك؟))، قال: أرجو الله، وأخاف ذنوبي، فقال ◌َ : ((لا يجتمعان في
قلب عبد في مثل هذا الموطن ؛ إلا أعطاه الله ما يرجوه، وآمنه مما يخاف)).
فائدة أخرى : ينبغي أن يوجه من هو في السياق إلى القبلة ؛ لما أخرجه الحاكم
وصححه من حديث أبي قتادة : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين قدم
المدينة سأل عن البراء بن معرور، قالوا : توفي وأوصى بثلث ماله لك يا رسول الله ،
وأوصى أن يوجه للقبلة إذا احتضر، فقال رسول الله ﴿ ﴿: ((أصاب الفطرة ، وقد
رددت ثلثه على ولده))، ثم ذهب فصلى عليه وقال: ((اللَّهُمَّ ! اغفر له وأدخله
٢٦٩

٣٠ - كتاب الجنائز
٥٠٣ - حديث معقل بن يسار
جنتك! وقد فعلت))، وقال الحاكم: لا أعلم في توجيه المحتضر للقبلة غيره .
٥٠٣ - وعن مَعْقل بن يسار رضي الله عنه: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله
وسلم قال: ((اقرَؤوا على موتاكُم ﴿يس﴾)). رواهُ أبو داود والنسائي، وصححه
ابنُ حبَّان .
(وعن معقل بن يسار رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
قال : ((اقرؤوا على مَوْتَاكُمْ) : قال ابن حبان : أراد به من حضرته المنية ، لا أن
الميت يقرأ عليه (﴿يس﴾)). رواه أبو داود والنسائي ، وصححه ابن حبان):
وأخرجه أحمد وابن ماجه من حديث سليمان التيمي عن أبي عثمان - وليس
بالنهدي - عن أبيه عن معقل بن يسار. ولم يقل النسائي وابن ماجه : عن
أبيه ، وأعله ابن القطان بالاضطراب والوقف ، وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه ،
ونقل عن الدارقطني أنه قال : هذا حديث مضطرب الإسناد مجهول المتن ، ولا
يصح، وقال أحمد في ((مسنده)) : حدثنا صفوان قال : كانت المشيخة يقولون :
إذا قرئت ﴿يس﴾ عند الميت خُفِّفَ عنه بها، وأسنده صاحب ((الفردوس)) عن
أبي الدرداء وأبي ذر قالا: قال رسول اللّه ◌َ ارٍ: ((ما من ميت يموت فيقرأ عنده
يس إلا هوّن الله عليه))، وهذان يؤيدان ما قاله ابن حبان من أن المراد به
المحتضر ، وهما أصرح في ذلك مما استدل به .
وأخرج أبو الشيخ في ((فضائل القرآن))، وأبو بكر المروزي في ((كتاب الجنائز))
عن أبي الشعثاء صاحب ابن عباس : أنه يستحب قراءة سورة ﴿الرعد﴾، وزاد :
فإن ذلك يخفف عن الميت ، وفيه أيضاً عن الشعبي : كانت الأنصار يستحبون
٢٧٠

٣ - كتاب الجنائز
٥٠٤ ۔ حديث أم سلمة
أن تقرأ عند الميت سورة ﴿البقرة﴾
٥٠٤ - وعَنْ أُمَّ سَلَمة رضي الله عنها قالت: دَخلَ رسول الله صلَّى الله
عليه وآله وسلَّم على أَبِي سَلَمَةَ، وقد شَقَّ بصرهُ، فَأَغْمَضَهُ، ثم قال: ((إن
الرُّوح إذا قُبض اتبعهُ الْبصرُ))، فَضَجَّ ناسٌ من أَهْلْهِ ، فقال: ((لا تدعُوا على
أَنفسكُمْ إلا بخير؛ فإن الملائكةَ تؤمن على ما تقُولون»، ثم قال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ
لأبي سَلمة ، وارْفَعْ درجتهُ في المُهْدِيِّين، وافْسح لَهُ في قبره ، ونوِّرْلَهُ فيه ،
واخلفهُ في عقبه)) . رواهُ مُسْلمٌ .
(وعن أم سلمة رضيَ الله عنها قالت : دخل رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم على أبي سلمة، وقد شَقَّ بصره): في ((شرح مسلم)): أنه بفتح
الشين ، ورَفْع بصره ؛ فاعل شق ، هكذا ضبطناه ، وهو المشهور، وضبط بعضهم
بصره بالنصب ، وهو صحيح أيضاً؛ فالشین مفتوحة بلا خلاف (فأغمضه ، ثم
قال: ((إن الرُّوح إذا قُبض اتبعه البصرُ))، فضج ناس من أهله، فقال: ((لا
تَدعُوا على أنْفُسكم إلا بخَيْر؛ فإن الملائكة تؤمن على ما تقُولون))) : أيْ : من
الدعاء (ثم قال: اللهم ، اغفر لأبي سلَمَة ، وارفَعْ درجته في المَهْديّين ، وأفْسح
لهُ في قبرهِ ، ونَوِّرْ لهُ فيه، واخْلفْهُ في عقِبه)). رواه مسلم): يقال: شق الميت
بصره إذا حضره الموت ، وصار ينظر إلى الشيء لا يرتد عنه طرفه .
وفي إغماضه تَ﴿ طرفه دليل على استحباب ذلك ، وقد أجمع عليه
المسلمون ، وقد علل في الحديث ذلك بأن البصر يتبع الروح ؛ أي : ينظر أين
یذهب .
٢٧١

٣ - كتاب الجنائز
٥٠٥ و٥٠٦ - حديثا عائشة
والحديث من أدلة من يقول : إن الأرواح أجسام لطيفة متحللة في البدن،
وتذهب الحياة من الجسد بذهابها ، وليس عرضاً كما يقوله آخرون .
وفيه دليل على أنه يُدْعى للميت عند موته ، ولأهله ، وعقبه ، بأمور الآخرة
والدنيا .
وفيه دلالة على أن الميت يُنعَّم في قبره ، أو يعذب .
حين تُوُفي سُجَِّ
٥٠٥ - وعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله
بِبُرْد حِبَرَة . مُتّفقٌ عليه .
حين توفي سجي ببرد
(وعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله
حبرة) : بالحاء المهملة فموحدة فراء فتاء تأنيث ، بزنَة عنبة (متفق عليه) .
التسجية - بالمهملة والجيم -: التغطية ؛ أي : غطي ، والبرد يجوز إضافته إلى
الحبرة ووصفه بها ، والحبرة ما كان لها أعلام ، وهي من أحب اللباس إليه صلى
الله عليه وآله وسلم .
وهذه التغطية قبل الغسل ، قال النووي في ((شرح مسلم)): إنه مجمع عليها؛
وحكمته صيانة الميت عن الانكشاف ، وستر صورته المتغيرة عن الأعين ، قالوا :
وتكون التسجية بعد نزع ثيابه التي توفي فيها ؛ لئلا يتغير بدنه بسببها .
٥٠٦ - وعنها: أَنَّ أَبا بكر الصِّديق رضي الله عنه قَبْلَ النّبِيَّ ◌َ﴿مِّ بَعْدَ
مَوْتِه . رواهُ البخاريُّ .
(وعنها) : أيْ: عائشة رضي الله عنها (أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه
٢٧٢

٣ - كتاب الجنائز
٥٠٧ و٥٠٨ - حديثا أبي هريرة وابن عباس
قَبّل النبي ◌َ﴿ بعد موته . رواه البخاري).
استدل به على جواز تقبيل الميت بعد موته ، وعلى أنها تندب تسجيته ،
وهذه أفعال صحابة بعد وفاته لا دليل فيها ؛ لانحصار الأدلة في الأربعة ، نعم ،
هذه الأفعال جائزة على أصل الإباحة ، وقد أخرج الترمذي من حديث عائشة :
أن النبي ﴿﴿ قبّل عثمان بن مظعون، وهو ميت، وهو يبكي. أو قال: وعيناه
تهرقان . قال الترمذي : حديث عائشة حسن صحيح .
٥٠٧ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َّهِ قالَ: «نَفْسُ المؤمن
مُعلّقةٌ بِدَيْنِهِ ، حتّى يُقْضِى عَنْهُ)). رواهُ أَحْمدُ والترمذيُّ وحسّنَهُ .
﴿ قالَ: ((نَفْسُ المؤمن مُعلّقةٌ
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي
بِدَيْنِهِ ، حتّى يُقْضى عَنْهُ)). رواهُ أَحْمدُ والترمذيُّ وحسّنَهُ) : وقد ورد التشديد
في الدِّيْن، حتّى ترك عَ ﴿ الصلاة على من مات وعليه دَيْن ، حتّى تحمله عنه
بعض الصحابة ، وأخبر ه أنه يغفر للشهيد عند أول دفعة من دمه كل ذنب ؛
إلا الدين .
وهذا الحديث من الدلائل على أنه لا يزال الميت مشغولاً بدَينْه بعد موته ،
ففيه حث على التخلص عنه قبل الموت ، وأنه أهم الحقوق ، وإذا كان هذا في
الدين المأخوذ برضا صاحبه ، فكيف بما أخذ غصباً ونهباً وسلباً؟!
٥٠٨ - وعن ابن عباس رضيَ اللّه عنهُمَا: أَنَّ النّبيَّ:﴿ قال في الذي سقط
عنْ راحلته فمات: ((اغْسِلُوهُ بماءٍ وسِدْرٍ ، وكفنوهُ فِي ثَوْبَيْنِ)) . مُتّفقٌ عليهِ .
٢٧٣

٣ - كتاب الجنائز
٥٠٨ ۔ حديث ابن عباس
(وعن ابن عباس رضي الله عنهُمًا: أن النبي ◌َ ﴾ قال في الذي سقط
عن راحلته فمات): وذلك وهو واقف بعرفة على راحلته ؛ كما في البخاري
(«اغْسلوه بماءٍ وسِدْر، وكفنُوه في ثوبين)). متفق عليه): تمامه : ((ولا تحنطوه ،
ولا تخمروا رأسه))، وبعده في البخاري: ((فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً)).
الحديث دليل على وجوب غسل الميت ، قال النووي : الإجماع على أن
غسل الميت فرض كفاية ، قال المصنف بعد نقله في ((الفتح)): وهو ذهول
شديد؛ فإن الخلاف فيه مشهور عند المالكية ، حتّى إن القرطبي رجح في ((شرح
مسلم)) أنه سنة ، ولكن الجمهور على وجوبه ، وقد رد ابن العربي على من لم
يقل بذلك ، وقال: قد توارد القول والعمل وغسل الطاهر المطهر ، فكيف بمن
سواه؟! ، ويأتي كمية الغسلات في حديث أمّ عطية قريباً .
وقوله : ((بماء وسدر))، ظاهره أنه يخلط السدر بالماء في كل مرة من مرات
الغسل . قيل : وهو يشعر بأنّ غسل الميت للتنظيف لا للتطهير ؛ لأن الماء المضاف
لا يُتَطَهَّر به . قيل: وقد يقال: يحتمل أنّ السدر لا يغير وصف الماء ؛ فلا يصير
مضافاً ، وذلك بأن يمعك بالسدر ، ثم يغسل بالماء في كل مرة ، وقال القرطبي :
يجعل السدر في ماء ، ثم يخضخض إلى أن تخرج رغوته ؛ ويدلك به جسد
الميت ، ثم يصب عليه الماء القراح ؛ هذه غسلة . وقيل : لا يطرح السدر في الماء .
أي : لئلا يمازج الماء فيغير وصف الماء المطلق .
وتمسك بظاهر الحديث بعض المالكية فقال : غسل الميت إنما هو للتنظيف
فيجزي الماء المضاف ؛ كماء الورد ونحوه ، وقالوا : إنما يكره لأجل السرف .
٢٧٤

٣ - كتاب الجنائز
٥٠٨ ۔ حديث ابن عباس
والمشهور عند الجمهور أنه غسل تعبدي يشترط فيه ما يشترط في الاغتسالات
الواجبة والمندوبة .
وفي الحديث النهي عن تحنيطه ، ولم يذكره المصنف كما عرفت؛ وتعليله
بأنه يبعث ملبياً يدل على أن علة النهي كونه مات مُحْرماً؛ فإذا انتفت العلة ،
انتفى النهي ، وهو يدل على أنّ الحنوط للميت كان أمراً متقرّراً عندهم .
وفيه أيضاً النهي عن تخميره وتغطية رأسه لأجل الإحرام ، فمن ليس بمحرم
يحنط ويخمر رأسه ، والقول بأنه ينقطع حكم الإحرام بالموت - كما تقوله الحنفية
وبعض المالكية - خلاف الظاهر، وقد ذكر في ((الشرح)) خلافهم وأدلتهم وليست
بناهضة على مخالفة ظاهر الحديث ؛ فلا حاجة إلى سردها .
وقوله : ((وكفنوه في ثوبين))، يدل على وجوب التكفين ، وأنه لا يشترط فيه
أن يكون وتراً ، وقيل : يحتمل أن الاقتصار عليهما لأنه مات فيهما ، وهو متلبس
بتلك العبادة الفاضلة ، ويحتمل أنه لم يجد له غيرهما ، وأنه من رأس المال ،
لأنه ◌َهُ أمر به ، ولم يستفصل هل عليه دين مستغرق أم لا؟
وورد الثوبان في هذه الرواية مطلقين ، وفي رواية في البخاري : ((في ثوبیه)) ،
وللنسائي : ((في ثوبيه اللذين أحرم فيهما))، قال المصنف : فيه استحباب
تكفين الميت في ثياب إحرامه ؛ وأن إحرامه باق وأنه لا يكفن في المخيط .
وفي قوله : (يبعث ملبياً)) ما يدل لمن شرع في عمل طاعة ثم حيل بينه
وبين تمامها بالموت ، أنه يرجى له أن يكتبه الله في الآخرة من أهل ذلك العمل .
٢٧٥

٣ - كتاب الجنائز
٥٠٩ و٥١٠ - حديثا عائشة وأم عطية
٥٠٩ - وعَنْ عائشةَ رضيَ الله عنها قالتْ: لَّا أَرادُوا غسْلَ النبي صلَّى الله
عليه وآله وسلَّم قالوا: والله، ما نَدْرِي؛ أنْجَرِّد رسولَ الله عَ ل﴿ كما نُجَرِّدُ
مَوْتانا، أَمْ لا؟ الحديثَ ، رواهً أحْمَدُ وأبو داود .
(وعَنْ عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: لَّا أَرادُوا غسْلَ النبي صلَّى الله عليه
كما نُجَرِّدُ مَوْتانا، أَمْ
وآله وسلّم قالوا: والله ، ما نَدْرِي ؛ أنُجَرِّد رسولَ الله
لا؟ الحديثَ، رواهُ أحْمَدُ وأبو داود): وتمامه عند أبي داود: فلما اختلفوا ألقى
الله عليهم النوم ، حتّى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره ، ثم كلمهم مكلم من
ناحية البيت ، لا يدرون من هو: أن اغسلوا النبي ◌َ ﴿ ، وعليه ثيابه، فقاموا إلى
رسول الله :﴿ فغسلوه وعليه قميصه ، يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه
بالقميص دون أيديهم . وكانت عائشة تقول : لو استقبلت من أمري ما
استدبرت ما غسل رسول الله ﴿ إلا نساؤه . وفي رواية لابن حبان: وكان
الذي أجلسه في حجره علي بن أبي طالب عليه السلام ، وروى الحاكم قال :
غسل النبي ◌َّهُ عليّ وعلى يد عليّ خرقة فغسله ، فأدخل يده تحت القميص
فغسله والقميص علیه ، وروی ذلك الشافعي عن مالك عن جعفر بن محمد
عن أبيه .
وفي هذه القصة دلالة على أنه { 8* ليس كغيره من الموتى .
٥١٠ - وعنْ أُمَّ عطيّة رضيَ الله عنها قالت: دخل عَلَيْنا النّبِيُّ :﴿هُ ونحْن
نغسِّل ابنته فقال: ((اغْسلْنها ثلاثاً، أو خمساً، أو أَكثر منْ ذلك إن رأيْتُنَّ
ذلك بماءٍ وسِدْرِ، واجْعَلْن في الأخيرة كافوراً، أو شَيْئاً مِنْ كافور)»، فلما
٢٧٦

٣ - كتاب الجنائز
٥١٠ - حديث أم عطية
فرغْنا أَذَنّاهُ، فَأَلقى إليْنا حِقْوَه فقالَ: ((أَشْعِرْنَها إيّاهُ))، مُتفقٌ عليه ، وفي رواية :
((ابْدأنَ بميامِنها ومَوَاضع الوضُوءِ منها»، وفي لفظ للبخاري : فَضَفَرْنا شَعْرِها
ثلاثة قرون ، فَأَلْقِيْناها خلفها .
(وعن أمّ عطية رضي الله عنها) : تقدم اسمها وفيه خلاف ، وهي أنصارية
(قالت: دخل علينا النبي 18 ونحن نغسل ابنته): لم تقع في شيء من
روايات البخاري مسماة ، والمشهور أنها زينب زوج أبي العاص ، كانت وفاتها في
أوّل سنة ثمان ، ووقع في روايات أنها أم كلثوم ، ووقع في البخاري عن ابن
سيرين: لا أدري أي بناته (فقال: ((اغْسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثر من
ذلك إنْ رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الأخيرة كافوراً، أو شيئاً من
كافور))) : هو شك من الراوي ؛ أي اللفظين قال ، والأول محمول على الثاني ؛
لأنه نكرة في سياق الإثبات ، فيصدق بكل شيء منه (فلما فرغنا آذناه) : في
البخاري: أنه ◌َ﴿ قال لهنّ: ((فإذا فرغتن آذنني))، ووقع في رواية البخاري:
فلما فرغن ؛ عوضاً عن : فرغنا (فألقى إلينا حقوه) : في لفظ البخاري : فأعطانا
حِقوه ، وهو بفتح المهملة ويجوز كسرها وبعدها قاف ساكنة والمراد هنا الإزار،
وأَطْلقَ على الإزار مجازاً؛ إذْ معناه الحقيقي : معقد الإزار؛ فهو من تسمية الحالِّ
باسم المحل (فقال: ((أُشْعرنها إيّاه)). متفق عليه): أي : اجعلنه شعارها؛ أي :
الثوب الذي يلي جسدها (وفي رواية): أيْ: للشيخين عن أم عطية (ابْدأن
بميامنها ومواضع الوضوء منها))، وفي لفظ للبخاري) : أيْ: عن أم عطية
(فَضَفَرنا شعرها ثلاثة قُرون فأَلْقيناها خلْفها) .
٢٧٧

٣ - كتاب الجنائز
٥١٠ - حديث أم عطية
دل الأمر في قوله: ((اغسلنها ثلاثاً)) على أنه يجب ذلك العدد ، والظاهر
الإجماع على إجزاء الواحدة ؛ فالأمر بذلك محمول على الندب .
وأما أصل الغسل ؛ فقد علم وجوبه من محل آخر .
وقيل : تجب الثلاث .
وقوله: ((أو خمساً))، ((أو)) للتخيير لا للترتيب؛ هو الظاهر.
وقوله: ((أو أكثر))، قد فسر في رواية: ((أو سبعاً)) بدل قوله: ((أو أكثر من
ذلك)) وبه قال أحمد ، وكره الزيادة على سبع ، قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً
قال بمجاوزة السبع ، إلا أنه وقع عند أبي داود: ((أو سبعاً، أو أكثر من ذلك)) ،
فظاهرها شرعية الزيادة على السبع .
وتقدم الكلام في كيفية غسلة السدر؛ قالوا : والحكمة فيه أنه يليّن جسد
الميت .
وأما غسلة الكافور فظاهره أنه يجعل الكافور في الماء ، ولا يضر الماء تغييره
به ، والحكمة فيه أنه يُطَيّبُ رائحة الموضع ؛ لأجل من حضر من الملائكة
وغيرهم ، مع أن فيه تجفيفاً وتبريداً وقوة نفوذ، وخاصية في تصليب جسد
الميت ، وصرف الهوام عنه ، ومنع ما يتحلل من الفضلات ، ومنع إسراع الفساد
إليه ، وهو أقوى الروائح الطيبة في ذلك ، وهذا هو السر في جعله في الآخرة ؛ إذْ
لو كان في الأولى مثلاً؛ لأذهبه الماء .
وفيه دلالة على البداءة في الغسل بالميامن ، والمراد بها ما يلي الجانب الأيمن .
٢٧٨

٣ - كتاب الجنائز
٥١٠ - حديث أم عطية
وقوله : ((ومواضع الوضوء منها))، ليس بين الأمرين تناف ؛ لإمكان البداءة
بمواضع الوضوء وبالميامن معاً ، وقيل : المراد ابدأن بميامنها في الغسلات التي لا
وضوء فيها ، ومواضع الوضوء منها ، في الغسلة المتصلة بالوضوء .
والحكمة في الأمر بالوضوء تجديد سمة المؤمن في ظهور أثر الغرة والتحجيل ،
وظاهر: ((مواضع الوضوء)) دخول المضمضة والاستنشاق .
وقولها : ضفرنا شعرها ، استدل به على ضفر شعر الميت ، وقال الحنفية :
يرسل شعر المرأة خلفها وعلى وجهها مفرقاً .
قال القرطبي : كأن سبب الخلاف أن الذي فعلته أم عطية لم يكن عن أمره
صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكنه قال المصنف : إنه قد روى سعيد بن منصور
ذلك بلفظ : قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((اغسلنها وتراً،
واجعلن شعرها ضفائر))، وفي ((صحيح ابن حبان)): ((اغسلنها ثلاثاً، أو
خمساً ، أو سبعاً، واجعلن لها ثلاثة قرون)) .
والقرن هنا المراد به الضفائر، وفي بعض ألفاظ البخاري : ((ناصيتها
وقرنيها))، ففي لفظ: ((ثلاثة قرون)) تغليب ، والكل حجة على الحنفية ، والضفر
يكون بعد نقض شعر الرأس وغسله ، وهو في البخاري صريحاً .
وفيه دلالة على إلقاء الشعر خلفها ، وذهل ابن دقيق العيد عن كون هذه
الألفاظ في البخاري ؛ فنسب القول به إلى بعض الشافعية ، وأنه استند في
ذلك إلی حدیث غریب !
٢٧٩

٣ - كتاب الجنائز
٥١١ - حديث عائشة
في ثلاثَة
٥١١ - وعنْ عائشة رضيَ الله عنها قالتْ: كُفّن رَسُولُ الله ◌َِّ
أَثْوابٍ بِيضٍ سُحُوليّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ ، لَيْس فيها قميصٌ ، ولا عِمامةٌ . مُتّفَقٌ
عليه .
(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كفن رسول الله عَ هُ في ثلاثة أثواب
بيض سُحولية) : بضم السين المهملة والحاء المهملة (من كُرْسُف): بضم
الكاف وسكون الراء وضم السين المهملة ففاء ؛ أي : قطن (ليس فيها) : أي :
الثلاثة (قميص ، ولا عمامة) : بل إزار ورداء ولفافة ؛ كما صرح به ((في طبقات
ابن سعد)» عن الشعبي (متفق عليه) .
فيه أن الأفضل التكفين في ثلاثة أثواب بيض ؛ لأن الله تعالى لم يكن
يختار لنبيه ◌َ﴿ إلا الأفضل، وقد روى أهل ((السنن)) من حديث ابن عباس:
((البسوا ثياب البياض؛ فإنها أطيب وأطهر، وكفنوا فيها موتاكم))، وصححه
الترمذي والحاكم ، وله شاهد من حديث سمرة أخرجوه ، وإسناده صحيح أيضاً .
وأما ما تقدم في حديث عائشة أنه {و سجي ببرد حبرة - وهي برد يماني
مخطط غالي الثمن -، فإنه لا يعارض ما هنا؛ لأنه تَ﴿ لم يكفن في ذلك
البرد ؛ بل سجوه به ليتجفف فيه ، ثم نزعوه عنه كما أخرجه مسلم ، على أن
الظاهر أن التسجية كانت قبل الغسل . قال الترمذي : تكفينه في ثلاثة أثواب
بيض أصح ما رود في كفنه .
وأما ما أخرجه أحمد وابن أبي شيبة والبزار من حديث علي عليه السلام :
أنه يُ كفن في سبعة أثواب ، فهو من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل ، وهو
٢٨٠