Indexed OCR Text
Pages 141-160
٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤١٥ ۔ حدیث سهل بن سعد
الخزرجي الساعدي الأنصاري، قيل: كان اسمه حزناً، فسماه ◌َ ﴿ سهلاً، مات
النبي :{ 19 وله خمس عشرة سنة، ومات بالمدينة سنة إحدى وسبعين(١)، وهو آخر
من مات بالمدينة من الصحابة (٢) (قال: ما كنا نقيل): من القيلولة (ولا نتغدى إلا
:(藥
بعد الجمعة . متفق عليه ، واللفظ لمسلم ، وفي رواية: في عهد رسول الله عـ
في ((النهاية)): المقيل والقيلولة : الاستراحة نصف النهار، وإن لم يكن معها
(٣)
نوم(٣).
فالحديث دليل على ما دل عليه الحديث الأول ، وهو من أدلة أحمد ، وإنما
أتى المصنف رحمهُ الله بلفظ رواية: على عهد رسول الله ح له؛ لئلا يقول
قائل : إنه لم يصرح الراوي في الرواية الأولى أن ذلك کان من فعله
وتقريره ؛ فدفعه بالرواية التي أثبتت أن ذلك كان على عهده ، ومعلوم أنه لا
يصلي الجمعة في المدينة في عهده سواه ، فهو إخبار عن صلاته ، وليس فيه
دليل على الصلاة قبل الزوال ؛ لأنهم في المدينة ومكة لا يقيلون ، ولا
يتغدون إلا بعد صلاة الظهر كما قال تعالى : ﴿وحين تضعون ثيابكم من
(١) وتسعين .
(٢) وهذا هو الصواب في أنه آخر من مات فيها من الصحابة ؛ خلافاً لما كان سبق (١٤٦/١)
في ترجمة جابر أنه آخر من مات فيها من الصحابة .
(٣) وفي ((النهاية)) أيضاً :
((الغداء: الطعام الذي يؤكل أول النهار)).
فالغداء والقيلولة قبل الزوال . قال الشوكاني (٢٢١/٣) :
((وحكوا عن ابن قتيبة أنه قال: لا يسمى غداءٌ ولا قائلةً بعد الزوال)).
١٤١
٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤١٦ - حديث جابر
الظهيرة(١)﴾ [النور: ٥٨]، نعم، كان * يسارع بصلاة الجمعة في أول وقت
الزوال بخلاف الظهر ؛ فقد كان يؤخره بعده ، حتّى يجتمع الناس .
٤١٦ - وعن جابر رضي الله عنه: أنَّ النبي ◌َُّهُ كانَ يخطبُ قائماً،
=
فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ الشّام ، فانفتَلَ النّاسُ إليها، حتّى لَمْ يَبْقَ إلا اثنا عَشَرَ
رَجُلاً . رَواهُ مُسْلمٌ .
(وعن جابر رضي الله عنه: أن النبي ◌َّ ◌ٍ كان يخطب قائماً، فجاءت
عير) : بكسر العين المهملة وسكون المثناة التحتية فراء؛ قال في ((النهاية)): العير
الإبل بأحمالها (من الشام، فانفتل) : بالنون الساكنة وفتح الفاء فمثناة فوقية ؛
أي: انصرف (الناس إليها، حتّى لم يبق): أيْ: في المسجد (إلا اثنا عشر
رجلاً . رواه مسلم)(٢) .
الحديث دليل على أنه يشرع في الخطبة أن يخطب قائماً .
وأنه لا يشترط لها عدد معين ، كما قيل: إنه يشترط لها أربعون رجلاً ، ولا
ما قیل : إن أقل ما تنعقد به اثنا عشر رجلاً کما روي عن مالك ؛ لأنه لا دليل
أنها لا تنعقد بأقل .
(١) في ((النهاية)): ((هو شدة الحر نصف النهار. ولا يقال في الشتاء: ظهيرة)) وإنما قيل:
الظهيرة ؛ لأن النهار يظهر فيها إذا علا شعاعه واشتد حرُّه؛ كما في ((القرطبي)) (٣٠٤/١٢).
وعليه ؛ فلا دليل في الآية على ما نفاه الشارح؛ إلا إن ثبت أنهم ما كانوا يقيلون ولا يتغدون
إلا بعد صلاة الظهر؛ وما أراه يثبت !
(٢) ورواه البخاري (٣٣٨/٢ - ٣٣٩ و٢٢٢/٨) نحوه .
١٤٢
٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤١٧ - حديث ابن عمر
وهذه القصة هي التي نزلت فيها الآية: ﴿وإذا رأوا تجارة﴾(١) [الجمعة: ١١]:
وقال القاضي عياض: إنه روى أبو داود في ((مراسيله))(٢) أن خطبته ◌َ اليه
التي انفضوا عنها إنما كانت بعد صلاة الجمعة ، وظنوا أنه لا شيء عليهم في
الانفضاض عن الخطبة ، وأنه قبل هذه القصة كان يصلي قبل الخطبة .
قال القاضي : وهذا أشبه بحال أصحابه ، والمظنون بهم ما كانوا يدعون
الصلاة مع النبي #1989 ، ولكنهم ظنوا جواز الانصراف بعد انقضاء الصلاة .
٤١٧ - وَعَنْ ابن عمَرَ رضيَ الله عنهُمَا قال: قالَ رسولُ الله ◌َانِ: ((مَنْ
أَدْرَكَ رَكعةً مِنْ صَلاةِ الْجُمُعةِ وغيْرِهَا ، فلْيضفْ إليها أُخرى، وقد تّمتْ
صَلاتُهُ)) . رواه النّسائيُّ وابنُ مَاجَهْ والدَّارَقُطْنيُّ واللفظُ لهُ، وإسنادُهُ صحیحٌ ،
لكنْ قوَّى أَبو حاتم إرسالَهُ .
(وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسول الله تَّخانة: ((من أدرك ركعة
من صلاة الجمعة وغيرها) : أيْ: من سائر الصلوات (فليضف إليها أُخرى): فى
الجمعة ، أو غيرها يضيف إليها ما بقي من ركعة وأكثر (وقد تمت صلاته)) . رواه
النسائي وابن ماجه والدارقطني واللفظ له، وإسناده (٣) صحيح(٤)، لكن قوى
(١) وذلك عند مسلم في الرواية المذكورة.
(٢) عن مقاتل بن حيان؛ فهو شاذ معضل؛ كما في ((الفتح)) (٣٤٠/٢)!
(٣) أي: أحد إسنادي الدارقطني. وأما إسناده الآخر؛ فهو معلول ببقية ؛ ومن طريقه
أخرجه النسائي وابن ماجه . وانظر تحقيق الكلام عليه في ((الإرواء)» (٦٢٢) .
(٤) لأنه عنده (١٢٧ - ١٢٨) من طريقين عن يحيى بن سعيد عن نافع عنه . ويشهد له =
١٤٣
٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤١٧ - حديث ابن عمر
أبو حاتم إرساله) : الحديث أخرجوه من حديث بقية : حدثني يونس بن يزيد ،
عن سالم عن أبيه - الحديث - قال أبو داود والدارقطني : تفرّد به بقية عن يونس ،
وقال ابن أبي حاتم في ((العلل)) عن أبيه : هذا خطأ في المتن والإسناد وإنما هو عن
الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد
أدركها)). وأمّا قوله: ((من صلاة الجمعة))؛ فوهم ، وقد أخرج الحديث من ثلاثة
عشر طريقاً عن أبي هريرة ، ومن ثلاثة طرق عن ابن عمر ، وفي جميعها مقال .
وفي الحديث دلالة على أن الجمعة تصح للاحق ، وإن لم يدرك من الخطبة
شيئاً ، وإلى هذا ذهب زيد بن علي والمؤيد والشافعي وأبو حنيفة .
وذهبت الهادوية إلى أن إدراك شيء من الخطبة ، شرط لا تصح الجمعة بدونه .
وهذا الحديث حجة عليهم ، وإن كان فيه مقال ، لكن كثرة طرقه يقوّي بعضها
بعضاً، مع أنه أخرجه الحاكم من ثلاث طرق (١) ؛ أحدها من حديث أبي هريرة ،
وقال فيها : على شرط الشيخين ، ثم الأصل عدم الشرط ، حتّى يقوم عليه دليل (٢) .
= قول ابن مسعود : من أدرك من الجمعة ركعةً ؛ فليضِفْ إليها أخرى ، ومن فاتته الركعتان ؛
فليصلِّ أربعاً .
رواه الطبراني في ((الكبير))، وإسناده حسن؛ كما في ((المجمع)) (١٩٢/٢).
(١) وهي معلولة كلها؛ كما حققته في المكان المشار إليه آنفاً ، والصواب في متن حديث أبي
هريرة ؛ إنما هو ما تقدم في كلام أبي حاتم بلفظ: ((الصلاة)) ! لكن حديث ابن عمر فيه كفاية .
(٢) وأما ما رواه ابن أبي شيبة (١/١٢٦/١) عن يحيى بن أبي كثير قال: حدثت عن عمر
ابن الخطاب أنه قال : إنما جعلت الخطبة مكان الركعتين ، فإن لم يدرك الخطبة ؛ فليصلِّ أربعاً !
فلا يصح ؛ لانقطاعه بين يحيى وعمر .
١٤٤
٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤١٨ - حديث جابر بن سمرة
٤١٨ - وَعَنْ جَابرٍ بن سَمُرةَ رضي الله عنهُ: أنَّ النّبيَّ :﴿ِ كانَ يخطُبُ
قائماً، ثم يجلسُ، ثم يقومُ فَيَخْطبُ قائماً. فَمَنْ أَنْبَأَكَ أَنْهُ كانَ يخطُبُ جالساً
فقد كَذَبَ . أخرجهُ مُسلمٌ .
(وَعَنْ جَابٍ بن سَمُرَةَ رضي الله عنهُ: أَنَّ النّبِيِّ :﴿ُ كانَ يخطُبُ قائماً،
ثم يجلسُ ، ثم يقومُ فَيَخْطبُ قائماً. فَمَنْ أَنْبَأَكَ أَنْهُ كانَ يخطُبُ جالساً؛ فقد
كَذَبَ . أخرجهُ مُسلمٌ) .
الحديث دليل أنه يشرع القيام حال الخطبتين ، والفصل بينهما بالجلوس .
وقد اختلف العلماء هل هو واجب أو سنة؟ فقال أبو حنيفة : إن القيام
والقعود سنة .
وذهب مالك إلى أن القيام واجب ؛ فإن تركه أساء وصحت الخطبة .
وذهب الشافعي وغيره إلى أن الخطبة لا تكون إلا من قيام لمن أطاقه ،
واحتجوا بمواظبته ◌َ الله على ذلك، حتّى قال جابر: فمن أنبأك ... إلى آخره،
وبما روي أن كعب بن عجرة لما دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب
قاعداً؛ فأنكر عليه وتلا عليه : ﴿وتركوك قائماً﴾ [الجمعة: ١١]، وفي رواية ابن
خزيمة : ما رأيت كاليوم قط إماماً يؤم المسلمين ؛ يخطب وهو جالس - يقول ذلك
مرتین - .
وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس: خطب رسول الله عَّةٍ قائماً وأبو بكر
وعمر وعثمان ، وأوّل من جلس على المنبر معاوية . وأخرج ابن أبي شيبة عن
١٤٥
٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤١٨ - حديث جابر بن سمرة
الشعبي : أن معاوية إنما خطب قاعداً لما كثر شحم بطنه ولحمه ، وهذا إبانة
للعذر؛ فإنه مع العذر في حكم المتفق على جواز القعود في الخطبة .
:
وأما حديث أبي سعيد الذي أخرجه البخاري: أن النبي ◌َ لي جلس ذات
يوم على المنبر وجلسنا حوله .
فقد أجاب عنه الشافعي أنه كان في غير جمعة (١).
وهذه الأدلة تقضي بشرعية القيام والقعود المذكورين في الخطبة .
وأما الوجوب وكونه شرطاً في صحتها ؛ فلا دلالة عليه في اللفظ ، إلا أنه قد
ينضم إليه دليل وجوب التأسي به ﴿، وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
وفعله في الجمعة في الخطبتين وتقديمها على الصلاة ، مبين لآية الجمعة ،
فما واظب عليه فهو واجب ، وما لم يواظب عليه كان في الترك دليل على عدم
الوجوب ؛ فإن صح أن قعوده في حديث أبي سعيد كان في خطبة الجمعة ؛ كان
الأقوى القول الأوّل ، وإن لم يثبت ذلك فالقول الثاني .
فائدة: تسليم الخطيب على المنبر على الناس فيه حديث أخرجه الأثرم
بسنده عن الشعبي (٢): كان رسول الله عَ لٍ إذا صعد المنبر يوم الجمعة، استقبل
(١) وهو الظاهر من تتمة الحديث، فإن فيه أن سائلاً سأله، وأنه عَ ل﴿ سكت . قال أبو سعيد:
ورأينا أنه ينزل عليه ، فأفاق يمسح عن وجهه الرُّحَضاء (العرق)؛ فقال: ((أين السائل؟ ... )).
(٢) وعنه أخرجه ابن أبي شيبة أيضاً (١/١٢٤/١)، وعنه رواه الأثرم؛ كما في ((التلخيص))
(١٣٦) .
ورواه عبدالرزاق عن عطاء مرسلاً .
ووصله تمام وغيره من حديث جابر ؛ فهو حسن بطرقه .
١٤٦
٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤١٩ - حديث جابر
الناس ، فقال ((السلام عليكم))، الحديث. وهو مرسل ، وأخرج ابن عدي : أنه
ـ كان إذا دنا من منبره سلم على من عند المنبر، ثم صعد ؛ فإذا استقبل
الناس بوجهه سلم ، ثم قعد ، إلا أنه ضعفه ابن عدي بعيسى بن عبد الله
الأنصاري ، وضعفه به ابن حبان(١) .
٤١٩ - وَعَنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ رضيَ الله عنهُمَا قال: كان رَسُولُ الله
إذا خطب احمَرَّت عَيْناه ، وَعَلا صَوْتُهُ، واشْتَدَّ غَضَبُهُ ، حتّى كأنهُ مُنذرُ
جَيْش يَقُولُ: صَبّحَكُم وَمَسّاكم، ويقولُ: ((أَمّا بَعْدُ ؛ فإن خَيْرَ الحديث كتابُ
الله، وَخَيرَ الْهُدى هُدَى محمّد، وشَرَّ الأُمور مُحْدَثَاتُها ، وكلَّ بدعة
ضَلالةٌ)) . رواهُ مُسلمٌ، وفي روايةٍ لهُ: كانت خطبَةُ النّبِيِّ ئَ﴿ يَوْمَ الْجُمُعَة :
يَحْمَدُ الله ويُثني عليه، ثم يقولُ عَلى أَثر ذلك، وقد عَلا صَوتُهُ ، وفي رواية
لهُ: ((مَنْ يَهْد الله؛ فلا مُضلَّ لهُ، وَمَنْ يُضلِل؛ فلا هاديَ لهُ)). وللنسائي :
((وكلَّ ضَلالة في النّار)).
(وعن جابر بن عبد الله رضيَ الله عنهُمَا قال: كان رسول الله عَ ل﴾ إذا
خطب احمرّت عيناه ، وعلا صوته ، واشتد غضبه ، حتّی کأنه منذر جيش
يقول : صبحكم ومساكم ، ويقول : ((أما بعد ؛ فإن خير الحديث كتاب الله ،
وخير الهُدى هدَى محمد) : قال النووي : ضبطناه في مسلم بضم الهاء وفتح
(١) قال ابن عدي: ((عامة ما يرويه لا يتابع عليه)). وقال ابن حبان: ((لا ينبغي أن يحتج بما
انفرد به)).
ومن طريقه رواه ابن عساكر (٢/٩/١٤) .
١٤٧
٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤١٩ ۔ حديث جابر
الدال فيهما وبفتح الهاء وسكون الدال فيهما ، وفسره الهروي على رواية الفتح
بالطريق ؛ أي : أحسن الطريق طريق محمد ، وعلى رواية الضم معناه الدلالة و
الإرشاد، وهو الذي يضاف إلى الرسل وإلى القرآن قال تعالى: ﴿وإنك
لتهدي﴾ [الشورى: ٥٢]، ﴿إن هذا القرآن يهدي﴾ [الإسراء: ٩]، وقد يضاف
إليه تعالى، وهو بمعنى اللطف والتوفيق والعصمة ﴿إنك لا تهدي من
أحببت﴾ [القصص: ٥٦] الآية (وشر الأمور محدثاتها) : المراد بالمحدثات ما لم
يكن ثابتاً بشرع من الله ، ولا من رسوله (وكل بدعة ضلالةٌ): البدعة لغة : ما
عمل على غير مثال سابق ، والمراد بها هنا : ما عمل من دون أن يسبق له
شرعية من كتاب ولا سنة (رواه مسلم) .
وقد قسم العلماء البدعة على خمسة أقسام : واجبة ؛ كحفظ العلوم
بالتدوين ، والرد على الملاحدة بإقامة الأدلة ، ومندوبة ؛ كبناء المدارس ، ومباحة ؛
كالتوسعة في ألوان الأطعمة وفاخر الثياب ، ومحرّمة ومكروهة وهما ظاهران ؛
فقوله : ((كل بدعة ضلالة))، عام مخصوص (١) .
وفي الحديث دليل على أنه يستحب للخطيب أن يرفع بالخطبة صوته ،
ويجزل كلامه ، ويأتي بجوامع الكلم من الترغيب والترهيب ، ويأتي بقوله : أما
بعد ، وقد عقد البخاري باباً في استحبابها ، وذكر فيه جملة من الأحاديث،
(١) كذا ذكر الشارح هنا! وكأنه نسي ما كان ذكره - عند قول عمر: (نعم البدعة هذه)
(ص٢٦) - :
((فليس في البدعة ما يمدح ؛ بل كل بدعة ضلالة))! وهذا هو الصواب .
١٤٨
٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤١٩ ۔ حديث جابر
وقد جمع الروايات التي فيها ذكر ((أما بعد)) بعض المحدثين(١) ، وأخرجها عن
اثنين وثلاثين صحابياً، وظاهره أنه كان صلى الله عليه وآله وسلم يلازمها في
جميع خطبه ، وذلك بعد حمد الله والثناء والتشهد ؛ كما تفيده الرواية المشار
إليها بقوله : (وفي رواية له): أي: لمسلم عن جابر بن عبد الله (كانت خطبة
النبي ◌ّ يوم الجمعة: يحمد الله ويثني عليه، ثم يقول على أثر ذلك، وقد
علا صوته): حذف المقول اتكالاً على ما تقدم ، وهو قوله : ((أما بعد ؛ فإن خير
الحديث))، إلى آخر ما تقدم.
ولم يذكر الشهادة اختصاراً لثبوتها في غير هذه الرواية ؛ فقد ثبت أنه
قال: ((كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء))(٢). وفي ((دلائل النبوة))
للبيهقي من حديث أبي هريرة مرفوعاً حكاية عن الله عزَّ وَجَلَّ: ((وجعلت أمتك
لا يجوز لهم خطبة، حتّى يشهدوا أنك عبدي ورسولي)». وكان يذكر في تشهد
نفسه باسمه العلم (وفي رواية له): أيْ: لمسلم عن جابر ((من يهد الله ؛ فلا
مضلَّ له، ومن يضلل؛ فلا هادي له))): أيْ: أنه يأتي بهذه الألفاظ بعد ((أما
بعد)) (والنسائي (٣)): أيْ: عن جابر ((وكل ضلالة في النار))) : أيْ: بعد قوله:
((كل بدعة ضلالة))، كما هو في النسائي ، واختصره المصنف ، والمراد صاحبها .
وكان يُعَلّم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام وشرائعه ، ويأمرهم وينهاهم
(١) هو الحافظ عبد القادر الرُّهاوي في خطبة ((الأربعين المتباينة)) له؛ كما في ((الفتح)) (٣٢٤/٢).
(٢) رواه ابن حبان (٥٧٩) وغيره بسند صحيح؛ وقد نشرته في ((الأحاديث الصحيحة)).
(٣) وإسناده صحيح .
١٤٩
٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٢٠ - حدیث عمار بن ياسر
في خطبته إذا عرض له أمر أو نهي ، كما أمر الداخل وهو يخطب أن يصلي
ركعتين ، ويذكر معالم الشرائع في الخطبة ، والجنة والنار والمعاد ، ويأمر بتقوى الله
ويحذر من غضبه ، ويرغب في موجبات رضاه .
خطبتان يجلس
وقد ورد قراءة آية في حديث مسلم : کان لرسول الله
بينهما؛ يقرأ القرآن ويذكر الناس ويحذر. وظاهره محافظته ﴿ على ما ذكر في
الخطبة، ووجوب ذلك؛ لأن فعله بيان لما أجمل في آية الجمعة، وقد قال ◌َطَائِهِ :
((صلوا كما رأيتموني أصلي)). وقد ذهب إلى هذا الشافعي.
وقالت الهادوية: لا يجب في الخطبة إلا الحمد والصلاة على النبي ◌َّةٍ في
الخطبتين جميعاً .
وقال أبو حنيفة : يكفي سبحان الله والحمد لله ، ولا إله إلا الله والله أكبر .
وقال مالك : لا يجزئ إلا ما سُمِّيَ خطبة (١).
٤٢٠ - وَعَنْ عَمّار بن ياسر رضيَ الله عنهُمَا قالَ: سمعْتُ رسولَ الله
يقولُ: ((إن طولَ صَلاة الرَّجل وَقِصَر خُطْبَتِهِ؛ مَئِنَةٌ من فِقْهِهِ)). رواهُ مُسلمٌ .
(وعن عمار بن ياسر رضيَ الله عنهما قال: سمعت رسول الله ◌َ اهُ يقول:
((إنَّ طول صلاة الرجل وقصر خطبته ؛ مئنة) : بفتح الميم ، ثم همزة مكسورة ،
ثم نون مشددة ؛ أي : علامة (مِنْ فِقْهِهِ))) : أيْ: مما يعرف به فقه الرجل ، وكل
شيء دل على شيء فهو مَئِنة له (رواه مسلم) .
(١) قال شيخ الإسلام في ((مجموع فتاويه)) (٣٩٤/٢٢): «فالذي لا بد منه في الخطبة : الحمدُ
لله والتشهد . والحمد يتبعه التسبيح ، والتشهد يتبعه التكبير. وهذه هي الباقيات الصالحات)).
١٥٠
٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٢١ - حديث أم هشام
وإنما كان قصر الخطبة علامة على فقه الرجل ؛ لأن الفقيه هو المطلع على
حقائق المعاني ، وجوامع الألفاظ ، فيتمكن من التعبير بالعبارة الجزلة المفيدة ،
ولذلك كان من تمام هذا الحديث: ((فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة ، وإن من
البيان لسحراً)).
فشبه الكلام العامل في القلوب الجاذب للعقول بالسحر ؛ لأجل ما اشتمل
عليه من الجزالة ، وتناسق الدلالة ، وإفادة المعاني الكثيرة ، ووقوعه في مجازه من
الترغيب والترهيب ، ونحو ذلك ، ولا يقدر عليه إلا من فقه في المعاني وتناسق
دلالتها ؛ فإنه يتمكن من الإتيان بجوامع الكلم ، وكان ذلك من خصائصه
﴿ ؛ فإنه أوتي جوامع الكلم .
والمراد من طول الصلاة الطول الذي لا يدخل فاعله تحت النهي .
وقد كان له يصلي الجمعة بالجمعة والمنافقون؛ وذلك طول بالنسبة إلى
خطبته ، وليس بالتطويل المنهي عنه .
٤٢١ - وَعَنْ أُمِّ هشام بنتِ حارثة بن النعمان رضي الله عنها قالت: ما
أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقَرْآن المجِيَّد﴾ [ق: ١] إلا عَنْ لِسَانِ رَسُول اللَّه ◌َظُههِ، يقرؤها كلَّ
جُمُعة على المنبر إذا خَطَبَ النّاسَ . رَوَاهُ مُسلمٌ .
(وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان رضي الله عنها) : هي الأنصارية
روى عنها حبيب(١) بن عبد الرحمن بن سياف(٢)، قال أحمد بن زهير: سمعت
(١) كذا بالحاء المهملة! والصواب: بالخاء المعجمة مصغراً.
(٢) الصواب : (يساف) بفتح أوله وتخفيف ثانيه .
١٥١
٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٢٢ ۔ حديث ابن عباس
أبي يقول : أم هشام بنت حارثة بايعت بيعة الرضوان ؛ ذكره ابن عبد البر في
(الاستيعاب))، ولم يذكر اسمها، وذكرها المصنف في ((التقريب))، ولم يسمها
أيضاً ، وإنما قال: صحابية مشهورة (قالت: ما أخذت ﴿ق والقرآن المجيد﴾ [ق: ١]
إلا عن لسان رسول الله ◌َ ليلةٍ يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس .
رواه مسلم) .
فيه دليل على مشروعية قراءة سورة ﴿ق﴾ في الخطبة كل جمعة .
قال العلماء: وسبب اختياره ◌َ﴿ هذه السورة؛ لما اشتملت عليه من ذكر
البعث والموت ، والمواعظ الشديدة ، والزواجر الأكيدة .
وفيه دلالة لقراءة شيء من القرآن في الخطبة ؛ كما سبق ، وقد قام الإجماع
على عدم وجوب قراءة السورة المذكورة ، ولا بعضها في الخطبة ، وكانت
محافظته على هذه السورة ؛ اختياراً منه لما هو الأحسن في الوعظ والتذكير .
وفيه دلالة على ترديد الوعظ في الخطبة .
:
٤٢٢ - وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا، قال: قالَ رسولُ الله
((مَنْ تكلّم يوْمَ الجُمُعةِ والإِمَامُ يخْطُبُ؛ فَهُو كمَثل الحمار يحملُ أَسفاراً،
والذي يقول لَهُ: أَنْصتْ لَيْسَتْ لَهُ جُمُعَةٌ)). رواهُ أَحمدُ بإسناد لا بأس بهِ .
وهو يفسر :
(وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسول الله تَح ◌ُولُ: ((من تكلم
يوم الجمعة والإمام يخطب ؛ فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً ، والذي يقول
١٥٢
٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٢٣ - حديث أبي هريرة
له: أَنصت ليست له جمعة)) . رواه أحمد بإسناد لا بأس به(١)) : وله شاهد قوي
في جامع حماد مرسل (٢) (وهو) : أيْ: حديث ابن عباس (يفسر) الحديث :
٤٢٣ - عن أبي هريرةَ رضي الله عنه في ((الصحيحَين)) مرفوعاً: ((إذا قُلْتَ
لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ؛ فَقَدْ لَغَوْتَ)) .
(عن أَبي هُريرَة رضي الله عنه في ((الصّحيحينِ)) مَرْفوعاً: ((إذا قُلْتَ
لصاحبكَ: أَنْصِتْ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ والإِمامُ يَخْطُبُ -؛ فقد لَغَوْتَ))) .
في قوله : ((يوم الجمعة)) ، دلالة على أن خطبة غير الجمعة ليست مثلها؛
ينهى عن الكلام حالها .
وقوله : ((والإمام يخطب))، دليل على أنه يختص النهي بحال الخطبة ، وفيه
رد على من قال : إنه ينهى عن الكلام من حال خروج الإمام .
(١) كذا قال! وفيه مجالد بن سعيد؛ قال الحافظ في ((التقريب)):
((ليس بالقوي ، وقد تغير في آخر عمره)).
ويمكن تقوية الحديث بشاهده الموقوف على ابن عمر ، وبقصة أبي ذر مع أُبَيّ ، وبقول هذا
الأول: مالك من صلاتك إلا ما لغوت، وقوله :﴿: ((صدق أُبَيّ)).
أخرجه الحاكم (٢٨٧/١ -٢٢٩/٢)، وصححه على شرطهما، والبيهقي في ((المعرفة))، وقال:
«إسناده صحيح)) .
وهو كما قال .
(٢) كذا ! وفي بعض النسخ :
(( .. ((جامع حماد بن سلمة)) عن ابن عمر موقوفً))؛ وكذا في ((الفتح)) (٣٣١/٢).
فهو الصواب .
١٥٣
٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٢٣ - حديث أبي هريرة
وأما الكلام عند جلوسه بين الخطبتين ، فهو غير خاطب ؛ فلا ينهى عن الكلام
حاله(١) ، وقيل : هو وقت يسير يشبه بالسكوت للتنفس فهو في حكم الخاطب .
وإنما شبهه بالحمار يحمل أسفاراً؛ لأنه فاته الانتفاع بأبلغ نافع ، وقد تكلف
المشقة وأتعب نفسه في حضور الجمعة ، والمشبه به كذلك فاته الانتفاع بأبلغ
نافع مع تحمل التعب في استصحابه .
وفي قوله: ((ليست له جمعة))، دليل على أنه لا صلاة له ؛ فإن المراد
بالجمعة الصلاة إلا أنها تجزئه إجماعاً؛ فلا بد من تأويل هذا بأنه نفي للفضيلة
التي يحوزها من أنصت ، وهو كما في حديث ابن عمر (٢) الذي أخرجه أبو
داود(٣) وابن خزيمة بلفظ: ((من لغا وتخطى رقاب الناس؛ كانت له ظهراً)).
قال ابن وهب أحد رواته : معناه : أجزأته الصلاة ، وحرم فضيلة الجماعة .
وقد احتج بالحديث من قال بحرمة الكلام حال الخطبة ، وهم الهادوية وأبو
حنيفة ومالك ورواية عن الشافعي ؛ فإن تشبيهه بالمشبه به المستنكر، وملاحظة وجه
الشبه ؛ يدل على قبح ذلك ، وكذلك نسبته إلى فوات الفضيلة الحاصلة بالجمعة ،
ما ذاك إلا لما يلحق المتكلم من الوزر الذي يقاوم الفضيلة فيصير محبطاً لها .
(١) ويؤيده: ما في ((الموطا)): أنهم كانوا يتحدثون في زمان عمر وهو على المنبر؛ فإذا قام
یخطب أنصتوا .
حيح .
وسنده صحـ
(٢) عمرو .
(٣) في ((السنن)) (٥٨/١) بسند حسن؛ وليس عنده قول ابن وهب! وإنما هو عند ابن خزيمة؛
كما في ((الفتح)) (٣٣١/٢).
١٥٤
٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٢٣ - حديث أبي هريرة
وذهب القاسم وابنا الهادي ، وأحد قولي أحمد والشافعي ، إلى التفرقة بين
من يسمع الخطبة ومن لا يسمعها .
ونقل ابن عبد البر الإجماع على وجوب الإنصات على من يسمع خطبة
الجمعة ، إلا عن قليل من التابعين .
وقوله: ((إذا قلت لصاحبك: أنصت؛ فقد لغوت))، تأكيد في النهي عن
الكلام ؛ لأنه إذا عد من اللغو، وهو أمر بمعروف ، فأولى غيره ، فعلى هذا يجب
عليه أن يأمره بالإشارة إن أمكن ذلك .
والمراد بالإنصات قيل : من مكالمة الناس ؛ فيجوز - على هذا - الذكر وقراءة
القرآن ، والأظهر أن النهي شامل للجميع ، ومن فرّق فعليه الدليل ، فمثل جواب
التحية والصلاة على النبي ﴿ عند ذكره - عند من يقول بوجوبها - قد تعارض
فيه عموم النهي هنا وعموم الوجوب فيهما ، وتخصيص أحدهما لعموم الآخر
تحكم من دون مرجع(١) .
واختلفوا في معنى قوله: ((لغوت))، والأقرب ما قاله ابن المنير أن اللغو ما لا
يحسن ، وقيل : بطلت فضيلة جمعتك وصارت ظهراً (٢) .
(١) قلت: إذا تأملنا في الحديث؛ تبيّن لنا أن المرجِّح للنهي؛ إنما هو قوله ،َ ل: ((فقد
لغوت)). ذلك لأنه صريح في أن الشارع اعتبر الأمر بالمعروف في حالة الخطبة لغواً؛ مع كونه في
الأصل واجباً ؛ وما ذلك إلا لأنه یصرف عما هو أهم ، وهو الإنصات . فوجب أن يكون جواب
التحية، والصلاة على النبي عليه، مثل الأمر بالمعروف في الحكم حالة الخطبة ؛ بجامع الاشتراك
في أصل الحكم والعلة .
(٢) قلت : فهذا هو الأقرب؛ لموافقته لحديث ابن عمرو المتقدم.
١٥٥
٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٢٤ ۔ حديث جابر
٤٢٤ - وَعَنْ جابر رضي الله عنه قالَ: دَخَلَ رَجُلٌ يَوْم الجُمُعةِ والنّبيُّ
يخطُبُ ، فَقَالَ: ((صَلّيْتَ؟))، قالَ: لا، قالَ: ((قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْن)). مُتّفقٌ عليه.
(وَعَنْ جابر رضي الله عنه قالَ: دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمِ الجُمُعةِ والنّبيُّ ◌َـ
يخطُبُ فَقَالَ: ((صَلَيْتَ؟))، قالَ: لا، قالَ: ((قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْن)). مُتَّفقٌ عليه).
الرجل هو سليك الغطفاني سمّاه في رواية مسلم ، وقيل غيره ، وحذفت
همزة الاستفهام من قوله : ((صليت))، وأصله : أصليت ، وفي مسلم : قال له :
((أصليت؟))، وقد ثبت في بعض طرق البخاري ، وسليك - بضم السين المهملة
بعد اللام مثناة تحتية مصغر - الغطفاني - بفتح الغين المعجمة فطاء مهملة بعدها
فاء ..
وقوله: ((صل ركعتين))، وعند البخاري وصفهما بـ ((خفيفتين))، وعند
مسلم: ((وتجوَّز فيهما))، وبوَّ البخاري لذلك بقوله : باب من جاء والإمام
يخطب ، يصلي ركعتين خفيفتين .
وفي الحديث دليل على أن تحية المسجد تصلى حال الخطبة ، وقد ذهب إلى
هذا طائفة من الآل والفقهاء والمحدثين ، ويخفف ليفرغ لسماع الخطبة .
وذهب جماعة من السلف والخلف إلى عدم شرعيتهما حال الخطبة ،
والحديث هذا حجة عليهم ، وقد تأولوه بأحد عشر تأويلاً ، كلها مردودة سردها
المصنف في ((فتح الباري)) بردودها، ونقل ذلك الشارح رحمهُ الله في الشرح،
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فاستمعوا له وأنصتوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، ولا دليل في
١٥٦
٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٢٤ ۔ حديث جابر
ذلك؛ لأن هذا خاص وذلك عام ، ولأن الخطبة ليست قرآناً . وبأنه(١) صلى الله
عليه وآله وسلم نهى الرجل أن يقول لصاحبه ، والخطيب يخطب : أنصت ، وهو
أمر بمعروف ، وجوابه أن هذا أمر الشارع ، وهذا أمر الشارع ؛ فلا تعارض بين
أمريه ؛ بل القاعد ينصت والداخل يركع التحية .
وبإطباق أهل المدينة خلفاً عن سلف على منع النافلة حال الخطبة .
وهذا الدليل للمالكية ، وجوابه أنه ليس إجماعهم حجة ، لو أجمعوا كما
عرف في الأصول . على أنه لا يتم دعوى إجماعهم؛ فقد أخرج الترمذي (٢)
وابن خزيمة - وصححه -: أن أبا سعيد أتى ومروان يخطب ، فصلاهما ، فأراد
حرس مروان أن يمنعوه فأبى ، حتّى صلاهما ، ثم قال : ما كنت لأدعهما بعد أن
سمعت رسول اللّه ◌َ هٍ يأمر بهما .
وأما حديث ابن عمر عند الطبراني في ((الكبير)) مرفوعاً بلفظ: ((إذا دخل
أحدكم المسجد والإمام يخطب ؛ فلا صلاة ولا كلام، حتّى يفرغ الإمام))؛
ففيه أيوب بن نهيك؛ متروك، وضعفه جماعة ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))
وقال : يخطئ .
وقد أخذ من الحديث أنه يجوز للخطيب أن يقطع الخطبة باليسير من الكلام ،
وأجيب عنه بأن هذا الذي صدر منه ﴿ من جملة الأوامر التي شرعت لها
(١) أي: واستدلوا أيضاً.
(٢) في ((السنن)) (٣٨٥/٢)، وإسناده جيد. وقال الترمذي :
«حديث حسن صحيح)) .
١٥٧
٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٢٥ - حديث ابن عباس
الخطبة، وأمره ◌َ ةٍ بها دليل على وجوبها ، وإليه ذهب البعض .
وأما من دخل الحرم في غير حال الخطبة ؛ فإنه يشرع له الطواف ؛ فإنه
تحيته ، أو لأنه في الأغلب لا يقعد إلا بعد صلاة ركعتي الطواف .
وأما صلاتها قبل صلاة العيد ؛ فإن كانت صلاة العيد في جبانة غير
مسبلة ؛ فلا يشرع لها التحية مطلقاً ، وإن كانت في مسجد فتشرع .
وأما كونه ي ليه لما خرج إلى صلاته لم يصل قبلها شيئاً؛ فذلك لأنه حال
قدومه اشتغل بالدخول في صلاة العيد ، ولأنه كان يصليها في الجبانة ، ولم
يصلها إلا مرة واحدة في مسجده ◌َّ﴾(١) ؛ فلا دليل فيه على أنها لا تشرع لغيره ،
ولو كانت العيد في مسجد .
٤٢٥ - وعن ابْن عبّاسٍ رضيَ اللهُ عَنْهُما: أَنَّ النّبيَّ ◌ِ﴿مِ كانَ يقرأْ فى
صَلاة الجُمُعة سورةَ الجمعة والمنافقين. رواهُ مُسْلِمٌ .
(وعن ابن عباس رضيَ الله عَنْهُما: أن النبي
: كان يقرأ في صلاة
الجمعة سورة الجمعة): في الأولى (والمنافقين) : في الثانية ؛ أي : بعد الفاتحة
فيهما لما علم من غيره (رواه مسلم) .
وإنما خصهما بهما؛ لما في سورة الجمعة من الحث على حضورها والسعي
إليها ، وبيان فضيلة بعثته ، وذكر الأربع الحكم في بعثته من أنه : يتلو
عليهم آياته ، ويزكيهم ، ويعلمهم الكتاب والحكمة ، والحث على ذكر الله ، ولما
(١) قلت : رواه أبو داود بسند ضعيف؛ كما سيأتي (ص٢١٨). فالجزم به غير جيد !
١٥٨
٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة ٤٢٦ و٤٢٧ - حديثا النعمان بن بشير وزيد بن أرقم
في سورة المنافقين من توبيخ أهل النفاق وحثهم على التوبة ، ودعائهم إلى طلب
الاستغفار من رسول اللّه ◌َ له ؛ لأن المنافقين يكثر اجتماعهم في صلاتها ، ولما
في آخرها من الوعظ والحث على الصدقة .
٤٢٦ - ولَهُ عَنِ النُعْمانِ بن بشير رضي الله عنه: كانَ يقرأ في الْعِيدِيْن ،
وفي الجُمُعَةِ بـ ﴿سَبّح اسْم رَبِّكِ الأعلى﴾ [الأعلى: ١] و﴿هَلْ أَتَاكَ حديثُ
الغَاشِيةِ﴾ [الغاشية: ١].
(وله): أيْ: لمسلم (عن النعمان بن بشير رضي الله عنه: كان يقرأ) : أيْ:
رسول الله عَليه (في العيدين) : الفطر والأضحى؛ أي: في صلاتهما (وفي
الجمعة): أيْ: في صلاتها (بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾) : أيْ: في الركعة
الأولى بعد الفاتحة (و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾) : أيْ: في الثانية بعدها ،
وكأنه كان يقرأ ما ذكره ابن عباس تارة ، وما ذكره النعمان تارة ، وفي سورة
﴿سبح﴾ و﴿الغاشية﴾ من التذكير بأحوال الآخرة والوعد والوعيد ، ما يناسب
قراءتهما في تلك الصلاة الجامعة ، وقد ورد في العيدين أنه كان يقرأ بـ ﴿قاف﴾
و ﴿اقتربت﴾ .
٤٢٧ - وعن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ◌ِ﴿ِ الْعِيدَ، ثم
رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ ، ثم قَالَ: ((مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِّ) . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا
الترمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ .
(وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه، قال: صلى النبي ﴿﴿ العيد) : في
يوم جمعة (ثم رخص في الجمعة) : أيْ: في صلاتها (ثم قال: ((من شاء أن
١٥٩
٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٢٧ - حدیث زید بن أرقم
يصلي) : أي: الجمعة (فليصل))) : هذا بيان لقوله : رخص ، وإعلام بأنه كان
الترخيص بهذا اللفظ (رواه الخمسة إلا الترمذي ، وصححه ابن خزيمة).
وأخرج أيضاً أبو داود من حديث أبي هريرة أنه تَ م قال: ((قد اجتمع في
يومكم هذا عيدان ؛ فمن شاء أجزأه عن الجمعة ، وإنا مجمعون)) ، وأخرجه ابن
ماجه والحاكم من حديث أبي صالح(١)، وفي إسناده بقية ، وصحح الدارقطني
وغيره إرساله ، وفي الباب عن ابن الزبير من حديث عطاء : أنه ترك ذلك ، وأنه
سأل ابن عباس فقال : أصاب السنة .
والحديث دليل على أن صلاة الجمعة بعد صلاة العيد تصير رخصة ؛ يجوز
فعلها وترکها ، وهو خاص بمن صلى العيد دون من لم يصلها ، وإلى هذا ذهب
الهادي وجماعة ؛ إلا في حق الإمام وثلاثة معه ، وذهب الشافعي وجماعة إلى
أنها لا تصير رخصة ، مستدلين بأن دليل وجوبها عام لجميع الأيام ، وما ذكر من
الأحاديث والآثار لا يقوى على تخصيصها ؛ لما في أسانيدها من المقال .
(١) أي: عن أبي هريرة. كذلك أخرجه أبو داود (١٦٩/١)، والحاكم (٢٨٨/١ - ٢٨٩).
وأما ابن ماجه ؛ فأخرجه (٣٩٣/١) عن أبي صالح عن ابن عباس !
والأول هو المحفوظ ؛ کما قال البوصيري (١/٨٢) ، وقال :
((إسناده صحيح ، رجاله ثقات)) .
وصححه الحاكم على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي !
وفيه مغيرة بن مِقْسَم الضَّبِّيُّ؛ وهو ثقة متقن؛ إلا أنه كان يدلِّس - كما في ((التقريب)) - ،
وقد عنعنه ! فإعلال الحديث به أولى من إعلاله ببقية ؛ فإنه قد صرّح بالتحديث عندهم جميعاً!
١٦٠