Indexed OCR Text

Pages 41-60

٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٥٨ - حديث أبي بن كعب
أنه لا يوتر؛ بل يصلي شفعاً ما شاء ، وهذا نظر إلى ظاهر فعله ؛ وإلا فإنه لما
شفع وتره الأول لم يبق إلا وتر واحد ، هو ما يفعله آخراً ، وقد روي عن ابن عمر
أنه قال لما سئل عن ذلك : إذا كنت لا تخاف الصبح ، ولا النوم فاشفع ، ثم
صل ما بدا لك ، ثم أوتر .
٣٥٨ - وَعَنَ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ الله عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َُّهِ يُوتْرُ
بِ ﴿سَبِّحَ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وَ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]،
وَ ﴿قُلْ هَّوَ الله أَحدٌ﴾ [الإخلاص: ١]. رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ وَزَادَ :
وَلا يُسَلِّمُ إِلا فِي آخِرِهِنَّ .
(وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﴿ يوتر) : أيْ:
يقرأ في صلاة الوتر (بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾): أيْ: في الأولى بعد قراءة
الفاتحة (و﴿قل يا أيها الكافرون﴾) : أيْ: في الثانية بعدها (و﴿قل هو الله
أحد﴾) : أيْ: في الثالثة بعدها (رواه أحمد وأبو داود والنسائي ، وزاد) : أي :
النسائي (ولا يسلم إلا في آخرهن) : الحديث دليل على الإيتار بثلاث ، وقد
عارضه حديث: ((لا توتروا بثلاث))، وهو عن أبي هريرة ، صححه الحاكم ، وقد
صحح الحاكم عن ابن عباس ، وعائشة كراهية الوتر بثلاث ، وقد قدمنا وجه
الجمع ، ثم الوتر بثلاث أحد أنواعه كما عرفت ؛ فلا يتعين فيه .
فذهبت الحنفية والهادوية إلى تعيين الإيتار بالثلاث تصلى موصولة ، قالوا :
لأن الصحابة أجمعوا على أن الإيتار بثلاث موصولة جائز، واختلفوا فيما عداه ،
فالأخذ به أخذ بالإجماع ، ورد عليهم بعدم صحة الإجماع؛ كما عرفت .
٤١

٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٥٩، ٣٦٠ - حديثا عائشة وأبي سعيد الخدري
٣٥٩ - وَلَأَبِي دَاوَدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَفِيه : كُلّ سُورَةٍ فِي
رَكْعَةٍ، وفي الأَخِيرَةِ ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، وَالْمُعَوذَتَيْنِ.
(ولأبي داود ، والترمذي نحوه) : أيْ: نحو حديث أبي (عن عائشة،
وفيه : كل سورة) : من سبح والكافرون (في ركعة) من الأولى والثانية كما
بيناه (وفي الأخيرة ﴿قل هو الله أحد)، والمعوذتين) : في حديث عائشة لين ،
لأن فيه خصيفاً الجزري ، ورواه ابن حبان والدارقطني من حديث يحيى بن
سعيد عن عمرة عن عائشة ، قال العقيلي : إسناده صالح .
وقال ابن الجوزي : أنكر أحمد ويحيى بن معين زيادة المعوذتين ، وروى ابن
السكن له شاهداً من حديث عبد الله بن سرجس ؛ بإسناد غريب .
٣٦٠ - وعن أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَن النَّبِيِّ ◌َ ﴿ قال: «أَوْتِرُوا
قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا)) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَلَابْنِ حَبَّانَ: ((مَنْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، ولم يُوتِرْ؛ فلا وِثْرَلَهُ» .
(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ◌َّهُ قال: ((أوتروا قبل
أن تصبحوا)). رواه مسلم): هو دليل على أن الوتر قبل الصبح (ولابن حبان) :
أيْ: من حديث أبي سعيد (((من أدرك الصبح، ولم يوتر؛ فلا وتر له))) : وهو
دليل على أنه لا يشرع الوتر بعد خروج الوقت .
وأما أنه لا يصح قضاؤه فلا ؛ إذ المراد من تركه متعمداً؛ فإنه فاتته السنة
العظمى ، حتّى إنه لا يمكنه تداركه ، وقد حكى ابن المنذر عن جماعة من السَّلَف
أن الذي يخرج بالفجر وقته الاختياري ، وأمّا وقته الاضطراري فيبقى إلى قيام
٤٢

٢ - كتاب الصلاة ٩ - باب صلاة التطوع
٣٦١، ٣٦٢، ٣٦٣ - أحاديث أبي سعيد وجابر وابن عمر
صلاة الصبح ، وأمّا من نام عن وتره ونسيه ؛ فقد بين حكمه الحديث وهو قوله :
٣٦١ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: ((مَنْ نَامَ عَنِ الْوِتْرِ، أونَسِيَهُ؛
فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ، أو ذَكَرَ)). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا النَّسائِيَّ.
(وعنه): أيْ: عن أبي سعيد (قال: قال رسول الله عَّيهِ: ((من نام عن الوتر،
أو نسيه ؛ فليصل إذا أصبح ، أو ذكر))): لف ونشر مرتب ، حيث كان نائماً أو
ذكر إذا كان ناسياً (رواه الخمسة إلا النسائي) : فدل على أن من نام عن وتره ، أو
نسيه فحكمه حكم من نام عن الفريضة ، أو نسيها أنه يأتي بها عند الاستيقاظ ،
أو الذكر ، أو القياس أنه أداء كما عرفت فيمن نام عن الفريضة ، أو نسيها .
٣٦٢ - وعن جابر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: ((مَنْ خَافَ أَنْ
لا يَقُومَ مِنْ آَخِرِ اللَّيْلِ؛ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ ، وَمَنْ طَمعَ أَنْ يَقُومَ آَخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آَخِرَ اللَّيْلِ ؛
فإن صَلاةَ آَخِرِ اللّيْلِ مَشْهُودَةٌ ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
(وعن جابر رضي الله عنه): هو ابن عبد الله، (قال: قال رسول الله عَليه:
((من خاف أن لا يقوم من آخر الليل، فليوتر أوله ، ومن طمع أن يقوم آخره
فليوتر آخر الليل ؛ فإن صلاة آخر الليل مشهودة ، وذلك أفضل)) . رواه مسلم) :
فيه دلالة على أن تأخير الوتر أفضل ، ولكن إن خاف أن لا يقوم قدّمه لئلا يفوته
فعلاً، وقد ذهب جماعة من السَّلَف إلى هذا، وإلى هذا ، وفعل كل بالحالين ،
ومعنى كون صلاة آخر الليل مشهودة تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار .
٣٦٣ - وعن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ لِ قَالَ: ((إِذَا طَلَعَ
الْفَجْرُ؛ فَقَد ذَهَبَ وَقْتُ كُلِّ صَلاةِ اللَّيْلِ وَالْوِتْرِ ، فَأَوْتِرُوا قَبْلَ طُلُوعِ
٤٣

٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٦٣ - حديث ابن عمر
الْفَجْرِ)) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .
(وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا، عن النبي تَ﴿. قال: ((إذا طلع الفجر؛
فقد ذهب وقت كل صلاة الليل) : أي : النوافل المشروعة فيه (والوتر) عطف
خاص على عام؛ فإنه من صلاة الليل ؛ عطفه عليه لبيان شرفه (فأوتروا قبل
طلوع الفجر))) :
فتخصيص الأمر بالإيتار لزيادة العناية بشأنه ، وبيان أنه أهم صلاة الليل ؛
فإنه يذهب وقته بذهاب الليل ، وتقدم في حديث أبي سعيد ؛ أن النائم والناسي
يأتيان بالوتر عند اليقظة إذا أصبح ، والناسي عند التذكر فهو مخصص لهذا ،
فبين أن المراد بذهاب وقت الوتر بذهاب الليل على من ترك الوتر لغير العذرين ،
وفي ترك ذلك للنوم ما رواه الترمذي عن عائشة: كان رسول الله :﴿ ﴿ إذا لم
يصل من الليل منعه من ذلك النوم ، أو غلبته عيناه ، صلى من النهار ثنتي
عشرة ركعة ، وقال : حسن صحيح ، وكأنه تداركه لما فات (رواه الترمذي) :
قلت : وقال عقيبه : سليمان بن موسى قد تفرد به على هذا اللفظ(١) .
(١) أقول: بقي الكلام على القنوت، ولم يذكر المصنف ولا الشارح فيه شيئاً؛ وقد اختلف
فيه : هل هو قبل الركوع أم بعده؟
فذهب إلى الأول الحنفية ، وإلى الثاني الشافعي ، مستدلاً بما رواه الدارقطني عن سويد بن
غفلة قال: سمعت أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً يقولون: قنت رسول الله { * في آخر الوتر.
وكانوا يفعلون ذلك .
كلمات أقولهن في
وبما رواه الحاكم وصححه عن الحسن بن علي قال : علمني رسول الله
وتري إذا رفعت رأسي ولم يبق إلا السجود: اللهم اهدني فيمن هديت ... إلخ.
=
٤٤

٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٦٣ - حديث ابن عمر
كان يوتر
= وللحنفية ما رواه النسائي بسنده وابن ماجه عن أبي بن كعب : أن رسول الله
فيقنت قبل الركوع . اللفظ لابن ماجه ، وكون هذه الزيادة تفرد بها سفيان لا يقدح فيه ؛ لأن
سفيان ثقة ، وزيادة - وهي : ويقنت قبل الركوع - الثقة مقبولة .
وقد أخرج الخطيب في ((كتاب القنوت)) له - بسنده - عن عبدالله بن مسعود : أن النبي
قنت قبل الركوع .
وذكره ابن الجوزي في «التحقیق» وسكت عنه .
وفي ((الحلية)) عن ابن عباس: أوتر النبي ثَ ﴾ بثلاث قنت فيها قبل الركوع .
کان یوتر بثلاث رکعات ، ویجعل القنوت قبل
وفي ((الطبراني)) عن ابن عمر : أن النبي
الركوع .
فقد حصل فيه تضافر كثير بطرق كل منها إما حسن أو صحيح . انتهى. من ((الفتح))
و(«الحلبي الكبير)»، ملخصاً .
أقول : ولعل الأولى جواز كلا الأمرين للأخبار المختلفة . وأمَّا معارضة ما رواه الدارقطني بما
رواه ابن أبي شيبة بسنده عن علقمة: أن ابن مسعود وأصحاب النبي { ** كانوا يقنتون في الوتر
قبل الركوع ، فلا يصلح لضعفه كما سيأتي مع ما يعارضه .
وأما الجواب عن حديث الحسن بأنه ليس فيه دلالة على العموم فيحتمل أن التعليم كان في
ذلك الشهر الذي ذكره أنس . اهـ. فهو تخصيص بلا مخصص ؛ وأي تعلّق بين قنوت الفجر
وقنوت الوتر؟! ومع ذلك فقد أخذوا بعموم حديث الحسن في استدلالهم به على أن القنوت في
سائر السنة ؛ إن هذا لشيء عجاب ! ((حلبي كبير)) (٤١٦).
وقال في ((عون المعبود»: واعلم أنه قد اختلف في كون القنوت قبل الركوع أو بعده ؛ ففي
بعض طرق الحديث عند البيهقي التصريح بكونه بعد الركوع .
وقال: تفرد بذلك أبو بكر بن أبي شيبة الحزامي ، وقد روي عند البخاري في ((الصحيح))،
وذكره ابن حبان في («الثقات)»، وأما قبل الركوع فثابت عند النسائي من حديث أبي بن
كعب وعبدالرحمن بن أبزى ، وضعف أبو داود ذكر القنوت فيه . وثابت أيضاً في حديث ابن
مسعود - المتقدم - عند ابن أبي شيبة .
=
٤٥

٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٦٤ - حديث عائشة
٣٦٤ - وعن عَائِشَةَ رضيَ اللّه عنهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َّهِ يُصَلِّي
الضُّحَى أَرْبَعاً ، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ الله . رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ◌َّ ◌ُهم يصلي الضحى
أربعاً، ويزيد ما شاء الله . رواه مسلم) : هذا يدل على شرعية صلاة الضحى ،
وأن أقلها أربع ، وقيل : ركعتان ، وهذا في ((الصحيحين)) من رواية أبي هريرة :
((وركعتي الضحى)).
= قال العراقي : وهو ضعيف . قال: ويعضد كونه بعد الركوع أولى: فعل الخلفاء الأربعة
لذلك ، والأحاديث .
وقد روى محمد بن نصر عن أنس: أن رسول الله ثم كان يقنت بعد الركعة وأبو بكر
وعمر ، حتى كان عثمان فقنت قبل الركعة ؛ ليدرك الناس .
قال العراقي: وإسناده جيد. اهـ. ذكره محمد حامد في ((التعليق على المنتقى)).
ثم القنوت عند أبي حنيفة واجب كالوتر، وعندهما سنة كما في ((الفتح)) (ص٣٥٩)، ولم
یقم على وجوبه دليل .
وما في ((الهداية)) من قوله ﴿ للحسن: ((اجعل هذا في وترك))، لم يثبت ولا أصل له .
ولذلك قال ابن الهمام: وجوب القنوت متوقف على ثبوت صيغة الأمر فيه - وهو قوله :
((اجعل ... )) إلخ - والله أعلم به ؛ فلم يثبت لي .
وصرح أيضاً في (٣٥٩) وفي (٣٦٠) بضعف القول بوجوب القنوت . ويؤيد قولهما ما في
((عمدة القاري)) للعيني : روى السراج بسنده عن عبدالرحمن بن أبي ليلى أنه سئل عن القنوت
في الوتر؟ فقال : حدثنا البراء بن عازب قال : سنة ماضية . انتهى .
فعلى هذا إذا تركه المصلي لا يجب عليه سجود السهو ، والله سبحانه وتعالى أحكم وأعلم .
وقال البز(*) في ((الجواهر)): بيان الخبر الدال على سنية القنوت.
(*) كذا في الأصل . (الناشر) .
٤٦

٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٦٥ - حديث عائشة
وقال ابن دقيق العيد : لعله ذكر الأقل الذي يوجد التأكيد بفعله ، قال :
وفي هذا دليل على استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتان ، وعدم مواظبة
النبي ◌َ﴾ على فعلها لا ينافي استحبابها؛ لأنه حاصل بدلالة القول ، وليس
من شرط الحكم أن تتضافر عليه أدلة القول والفعل ، لكن ما واظب النبي
على فعله مرجَّحٌ على ما لم يواظب عليه . انتهى .
وأما حكمها ؛ فقد جمع ابن القيم الأقوال فبلغت ستة أقوال :
الأول : أنها سنة مستحبة ، الثاني : لا تشرع إلا لسبب ، الثالث : لا
تستحب أصلاً ، الرابع : يستحب فعلها تارة وتركها تارة ؛ فلا يواظب عليها ،
الخامس : يستحب المواظبة عليها في البيوت ، السادس : أنها بدعة ، وقد ذكر
هنالك مستند كل قول ، هذا وأرجح الأقوال أنها سنة مستحبة كما قرره ابن
دقيق العيد ، نعم ، وقد عارض حديث عائشة هذا حديثها الذي أفاده قوله :
٣٦٥ - وَلَهُ عَنْهَا: أَنَّها سُئِلَتْ: هَلْ كَانَ رَسُولُ الله ◌َِّ يُصَلِّي الضُّحَى؟
قَالَتْ: لا ، إِلا أنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ .
وَلَهُ عَنْهَا رضي الله عنها: ((مَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ◌َّهُ يُصلِّي قَطُّ سُبْحَةً
الضُّحَى ، وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا)) .
(وله) : أي : لمسلم (عنها) : أيْ: عن عائشة (أنها سئلت : هل كان رسول
الله عَ ليه يصلي الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجيء من مغيبه): فإن الأول دل
على أنه كان يصليها دائماً ، لما تدل عليه كلمة كان فإنها تدل على التكرار،
والثانية دلت على أنه كان لا يصليها إلا في حال مجيئه من مغيبه ، وقد جمع
٤٧

٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٦٦ - حديث زيد بن أرقم
بينهما بأن كلمة ((كان يفعل كذا)) لا تدل على الدوام دائماً؛ بل غالباً ، وإذا
قامت قرينة على خلافه صرفتها عنه كما هنا ؛ فإن اللفظ الثاني صرفها عن
الدوام وأنها أرادت بقولها: ((لا، إلا أن يجيء من مغيبه)). نفي رؤيتها صلاة
الضحى ، وأنها لم تره يفعلها إلا في ذلك الوقت ، واللفظ الأول إخبار عما بلغها
في أنه ما كان يترك صلاة الضحى ، إلا أنه يضعّف هذا قوله (وله) : أيْ:
لمسلم، وهو أيضاً في البخاري بلفظه ، فلو قال : ولهما كان أولى (عنها) : أيْ:
يصلي قط سبحة الضحى) : بضم السين
عائشة (ما رأيت رسول الله عَط
وسكون الباء؛ أي: نافلته (وإني لأسبحها): فنفت رؤيتها لفعله ◌َرةٍ لها،
وأخبرت أنها كانت تفعلها كأنه استناد إلى ما بلغها من الحث عليها ومن فعله
﴿ لها فألفاظها لا تتعارض حينئذ .
وقال البيهقي : المراد بقولها : ما رأيته سبحها ؛ أي : داوم عليها ، وقال ابن عبد
البر: ويرجح ما اتفق عليه الشيخان وهو رواية إثباتها ، دون ما انفرد به مسلم وهي
رواية نفيها ، قال : وعدم رؤية عائشة لذلك لا يستلزم عدم الوقوع الذي أثبته
غيرها . هذا معنی کلامه .
قلت: ومما اتفقا عليه في إثباتها حديث أبي هريرة في ((الصحيحين)): أنه
أوصاه ◌َهُ بأن لا يترك ركعتي الضحى، وفي الترغيب في فعلها أحاديث
كثيرة ، وفي عددها كذلك ، مبسوطة في كتب الحديث .
٣٦٦ - وعن زَيِّدِ بْنِ أَرْقَم رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَ ◌ّهِ قَالَ: ((صَلاةُ
الأَوَّبينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ)). رَوَاهُ التِّرْمذيُّ.
٤٨

٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٦٧ - حديث أنس
(وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن رسول الله عَ الم قال: ((صلاة
الأوابين) : الأواب : الرجاع إلى الله تعالى بترك الذنوب وفعل الخيرات (حين
ترمض الفصال))) : بفتح الميم من رمضت بكسرها ؛ أي : تحترق من الرمضاء ،
وهو شدة حرارة الأرض من وقوع الشمس على الرمل وغيره ، وذلك يكون عند
ارتفاع الشمس وتأثيرها الحاد . والفصال : جمع فصيل ، وهو ولد الناقة سمي
بذلك لفصله عن أمه (رواه الترمذي) : ولم يذكر لها عدداً .
وقد أخرج البزار من حديث ثوبان: أن رسول الله ثمّه كان يستحب أن
يصلي بعد نصف النهار، فقالت عائشة : يا رسول الله إنك تستحب الصلاة هذه
الساعة؟ قال: ((تفتح فيها أبواب السماء ، وينظر تبارك وتعالى فيها بالرحمة
إلى خلقه، وهي صلاة كان يحافظ عليها آدم ونوح وإبراهيم وموسى
وعيسى)). وفيه راو متروك . ووردت أحاديث كثيرة أنها أربع ركعات .
٣٦٧ - وعَن أَنَسِ رَضِيَ الله عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ: ((مَنْ صَلَّى
الضُّحَى ثنتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً؛ بَنَى اللّه لَهُ قَصْراً مِن ذهَبٍ فِي الْجَنَّةِ)) . رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ .
(وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ لٍ: ((من صلى الضحى
ثنتي عشرة ركعة ؛ بنى الله له قصراً من ذهب في الجنة)) . رواه الترمذي
واستغربه) : قال المصنف : وإسناده ضعيف ، وأخرج البزار عن ابن عمر ، قال:
قلت لأبي ذر: يا عماه ، أوصني! قال: سألتني عما سألت عنه رسول الله
فقال: ((إن صليت الضحى ركعتين، لم تكتب من الغافلين ، وإن صليت أربعاً
٤٩

٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٦٨ - حديث عائشة
كتبت من العابدين ، وإن صليت ستاً لم يلحقك ذنب ، وإن صليت ثمانياً
كتبت من القانتين ، وإن صليت ثنتي عشرة بني لك بيت في الجنة)). وفيه
حسين بن عطاء ؛ ضعفه أبو حاتم وغيره ، وذكره ابن حبان في الثقات)) ، وقال :
يخطئ ويدلس ، وفي الباب أحاديث لا تخلو عن مقال .
بیْتِي ،
٣٦٨ - وعن عَائِشَةَ رضيَ الله عنهَا قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ الله
فَصَلَّى الضُّحَى ثَمَانِي رَكَعَاتِ. رَوَاهُ ابْنُ حِبَّنَ فِي ((صَحِيحِهِ)) .
(وعن عائشة رضيَ الله عنها قالت: دخل رسول الله عَ ليه بيتي، فصلى
الضحى ثماني ركعات . رواه ابن حبان في «صحيحه))): وقد تقدم رواية
مسلم عنها: أنّها ما رأته ◌َ لهم يصلي سُبحة الضحى.
وهذا الحديث أثبتت فيه صلاته في بيتها ، وجمع بينهما بأنها نفت الرؤية ،
وصلاته في بيتها يجوز أنها لم تره ، ولكنه ثبت لها برواية ، واختار القاضي
عياض هذا الوجه ، ولا بعد في ذلك ، وإن كان في بيتها لجواز غفلتها في
الوقت ؛ فلا منافاة ، والجمع مهما أمكن هو الواجب .
فائدة :
من فوائد صلاة الضحى أنها تجزئ عن الصدقة التي تصبح على مفاصل
الإنسان في كل يوم ، وهي ثلاثمائة وستون مفصلاً؛ لما أخرجه مسلم من
حديث أبي ذر الذي قال فيه : ((ويجزئ من ذلك ركعتا الضحى)).
٥٠

٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٦٩ - حديث ابن عمر
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٦٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عَنهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَهِ قَال :
(صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاةِ الْفَذَّ بِسَبْعِ وعِشرينَ دَرَجَةً)). مُتّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَلَهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: ((بِخَّمْسٍ وَعِشْرين جُزْءًا)) .
وَكَذَا لِلْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَقَالَ: ((دَرَجَةً).
(عن عبد الله بن عمر رضيَ الله عنهُمَا: أن رسول الله عَظارةٍ قال: ((صلاة
الجماعة أفضل من صلاة الفذ) : بالفاء والذال المعجمة : الفرد (بسبع وعشرين
درجة)) . متفق عليه) .
(ولهما): أي : الشيخين (عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((بخمس
وعشرين جزءاً))): عوضاً عن قوله: ((سبع وعشرين درجة)) (وكذا): أيْ:
وبلفظ ((بخمس وعشرين)) (للبخاري عن أبي سعيد وقال: ((درجة))): عوضاً
عن جزء .
ورواه جماعة من الصحابة غير الثلاثة المذكورين منهم أنس وعائشة
وصهيب ومعاذ وعبد الله بن زيد وزيد بن ثابت .
قال الترمذي : عامة من رواه قالوا: ((خمساً وعشرين)) إلا ابن عمر فقال :
((سبعة وعشرين))، وله رواية فيها: ((خمساً وعشرين))، ولا منافاة ؛ فإن مفهوم
العدد غير مراد فرواية الخمس والعشرين داخلة تحت رواية السبع والعشرين ، أو
أنه أخبر ◌َ لهُ بالأقل عدداً أولاً ، ثم أخبر بالأكثر ، وأنه زيادة تفضل الله بها .
٥١

٢ - كتاب الصلاة
....
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٧٠ - حديث أبي هريرة
وقد زعم قوم أن السبع محمولة على من صلى في المسجد ، والخمس لمن
صلى في غيره .
وقيل : السبع لبعيد المسجد والخمس لقريبه ، ومنهم من أبدى مناسبات
وتعليلات استوفاها المصنف في ((فتح الباري)) ، وهي أقوال تخمينية ليس عليها
نص .
والجزء والدرجة بمعنى واحد هنا ؛ لأنه عبر بكل واحد منهما عن الآخر،
وقد ورد تفسيرهما بالصلاة ، وأن صلاة الجماعة بسبع وعشرين صلاة فرادى(١) .
والحديث حث على الجماعة ، وفيه دليل على عدم وجوبها ، وقد قال
بوجوبها جماعة من العلماء مستدلين بقوله :
قالَ: ((وَالّذي
٣٧٠ - وعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ الله عَ﴾
نَفْسِي بِيدَهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِخَطَبٍ فِيُخْتَطِب، ثم أَمُر بالصَّلاةِ فَيُؤْذَّن لهَا ،
ثم أَمُر رَجُلاً فَيَؤُمَّ النّاسَ ، ثم أُخَالِف إلى رِجَالِ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاة، فأُحَرِّق
عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ ، وَالَّذِي نَفْسِي بَيَدِهِ لَوْ يَعْلَمْ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقاً سَمِيناً ، أو
مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ». مُتَّفقٌ عَلَيْهِ وَاللّفْظُ للْبُخَارِيِّ.
: قال : ((والذي نفسي
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﴾
بيده): أيْ: في ملكه وتحت تصرفه (لقد هممت): جواب القسم، والإقسام
(١) وحديث أبي هريرة في ((الصحيحين)) صريح في ذلك بلفظ «صلاة الرجل في جماعة
تُضَعَّفُ على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً) .
٥٢

٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٧٠ - حديث أبي هريرة
منه ﴿ لبيان عظم شأن ما يذكره زجراً عن ترك الجماعة (أن آمر بحطب
فيحتطب، ثم أمر بالصَّلاة فيؤذَّن لها ، ثم آمر رجلاً فيؤُمِّ الناس ، ثم
أُخالف(١)): في ((الصحاح)): خالف إلى فلان؛ أي : أتاه إذا غاب عنه (إلى
رجال(٢) لا يشهدون الصَّلاة): أيْ: لا يحضرون الجماعة (فأحرق عليهم
بيوتهم ، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدُهم أنه يجد عَرْقاً) : بفتح المهملة
وسكون الراء، ثم قاف هو العظم إذا كان عليه لحم (سميناً ، أو مرماتين) : تثنية
مرماة(٣) بكسر الميم فراء ساكنة ، وقد تفتح الميم، وهي ما بين ظلفي الشاة من
اللحم (حسنتين) : بمهملتين من الحسن (لشهد العشاء))) : أيْ : صلاته جماعة
(متفق عليه) : أيْ: بين الشيخين (واللفظ للبخاري) .
والحديث دليل على وجوب الجماعة عيناً لا كفاية ؛ إذْ قد قام بها غيرهم؛
فلا يستحقون العقوبة ، ولا عقوبة إلا على ترك واجب ، أو فعل محرم .
وإلى أنها فرض عين : ذهب عطاء والأوزاعي وأحمد وأبو ثور وابن خزيمة
وابن المنذر وابن حبان ، ومن أهل البيت أبو العباس ، وقالت به الظاهرية .
(١) أي : آتيهم من خلفهم .
(٢) في رواية للشيخين أنه قال ذلك في حق المنافقين ؛ كما في الحديث الرابع وهو طرف
هذا الحديث (الثالث) في الرواية المشار إليها، ولكن قرر الحافظ في ((الفتح)) أنّ المراد نفاق
المعصية لانفاق الكفر بدليل قوله في رواية : «ثم آتي قوماً يُصَلُّون في بيوتهم ليست لهم علة)).
فإن المنافق لا يصلي في بيته ، وإنما يصلي في المسجد رياءً، وأيده الشارح في ((العدة)) (١٣٦/٢)
ومال إلى أنّ الحديث يدلّ على الوجوب وهو الظاهر .
(٣) نهاية ظلف الشاة، وقيل: ما بين ظلفيها. ونحوه في ((القاموس)).
٥٣

٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٧٠ - حديث أبي هريرة
وقال داود : إنها شرط في صحة الصلاة بناءَ على ما يختاره من أن كل
واجب في الصلاة فهو شرط فيها ، ولم يسلم له هذا ؛ لأن الشرطية لا بد لها من
دليل ، ولذا قال أحمد(١) وغيره : إنها واجبة غير شرط .
وذهب أبو العباس تحصيلاً لمذهب الهادي أنها فرض كفاية ، وإليه ذهب
الجمهور من متقدمي الشافعية ، وكثير من الحنفية والمالكية .
وذهب زيد بن علي والمؤيد بالله وأبو حنيفة وصاحباه والناصر إلى أنها سنة
مؤكدة .
استدل القائل بالوجوب بحديث الباب؛ لأن العقوبة البالغة لا تكون إلا
على ترك الفرائض ، وبغيره من الأ حادیث کحديث ابن أم مكتوم أنه قال : یا
رسول الله! قد علمت ما بي ، وليس لي قائد ، وإن بيني وبين المسجد شجراً
ونخلاً، ولا أقدر على قائد كل ساعة، قال ◌َ : ((أتسمع الإقامة؟)) قال:
نعم، قال: ((فاحضرها)). أخرجه أحمد (٢) وابن خزيمة والحاكم وابن حبان(٣)
بلفظ: ((أتسمع الأذان؟)). قال: نعم، قال: ((فأتها، ولو حَبْواً)). والأحاديث
(١) في رواية .
(٢) في المسند (٤٢٣/٣) وكذا أبو داود وابن ماجه، بإسنادين أحدهما حسن والآخر
صحيح. انظر ((صحيح أبي داود)) (٥٦١، ٥٦٢) ولفظ أبي داود وابن ماجه ((هل تسمع النداء؟))
وهو رواية الحاكم (١٤٧/١)، أمّا رواية: ((أتسمع الإقامة؟)) فهي شاذة ؛ لمخالفتها سائر الروايات
ومباینتها للسياق .
(٣) الظاهر أن ابن حبان لم يروه من حديث ابن أم مكتوم؛ لأن الهيثمي لم يَسُقْهُ في ((موارد
الظمآن)» إلا من حديث جابر، وفيه اللفظ المذكور. ويشهدُ لهُ حديث أبي هريرة الآتي رقم (٣٧٢).
٥٤

٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٧٠ - حديث أبي هريرة
في معناه كثيرة ، ويأتي حديث ابن أم مكتوم ، وحديث ابن عباس ، وقد أطلق
البخاري الوجوب عليها وبوّبه بقوله : ((باب وجوب صلاة الجماعة)) ، وقالوا :
هي فرض عين ؛ إذْ لو كانت فرض كفاية لكان قد أسقط وجوبها فعل النبي
﴿ ومن معه لها .
وأما التحريق في العقوبات بالنار؛ فإنه ، وإن كان قد ثبت النهي عنه عاماً؛
فهذا خاص .
وأدلة القائل بأنها فرض كفاية أدلة من قال إنها فرض عين ، بناءً على قيام
الصارف للأدلة على فرض العين إلى فرض الكفاية .
وقد أطال القائلون بالسنية الكلام في الجوابات عن هذا الحديث بما لا
يشفي، وأقربها أنه خرج مخرج الزجر لا الحقيقة؛ بدليل أنه لم يفعله ثم انه (١).
واستدل القائل بالسنية بقوله :﴿ في حديث أبي هريرة : ((صلاة الجماعة
أفضل من صلاة الفذّ))؛ فقد اشتركا في الفضيلة ، ولو كانت الفرادى غير
مجزئة لما كانت لها فضيلة أصلاً وحديث: ((إذا صليتما في رحالكما)). فأثبت
لهما الصلاة في رحالهما ، ولم يبين أنها إذا كانت جماعة وسيأتي(٢).
(١) قلت: فيه نظر، فإنّ عدم فعله لا يدل على ما ذهبوا إليه؛ لاحتمال أن يكون المانع هو
شيءٌ غير ما ذكروا من الزجر على ترك السّنة ، وهو ما تقرر في الشرع أنه لا يجوز مؤاخذة البريء
بذنب المجرم ، ولا شك أنه كان في بيوت المتخلفين من لا تجب عليهم الجماعة كالنساء
والأطفال وغيرهم ، فهذا هو المانع من تنفيذ الوعيد فيهم ، وقد روي في هذا المعنى حديث ؛
لکنه لا یصح إسناده .
(٢) حديث ابن مسعود في التحريق ، وحديث: ((ما من ثلاثة في بدو ... )).
٥
٥

٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٧١ - حديث أبي هريرة
٣٧١ - وَعَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ: ((أَثْقَلُ الصَّلاة عَلى الْمُنَافِقِينَ صَلاةُ
العشَاء وَصَلاةُ الْفجْر، ولو يَعْلَمُونَ مَا فيهما لأتَوْهُما، ولو حَبْواً)). مُتّفَقٌ
عَلَيْهِ .
(وعنه): أيْ: أبي هريرة (قال: قال رسول الله عَ الله: ((أثقل الصلاة(١) على
المنافقين) : فيه أن الصلاة كلها عليهم ثقيلة ؛ فإنهم الذين إذا قاموا إلى الصلاة
قاموا كسالى ، ولكن الأثقل عليهم (صلاة العشاء) : لأنها في وقت الراحة
والسكون (وصلاة الفجر) : لأنها في وقت النوم ، وليس لهم داع ديني ، ولا
تصديق بأجرهما ، حتّى يبعثهم على إتيانهما ، ويخف عليهم الإتيان بهما ،
ولأنهما في ظلمة الليل ، وداعي الرياء الذي لأجله يصلون منتف ؛ لعدم مشاهدة
من يراءونه من الناس ؛ إلا القليل ، فانتفى الباعث الديني منهما كما انتفى في
غيرهما، ثم انتفى الباعث الدنيوي الذي في غيرهما، ولذا قال ◌َ﴿ ناظراً إلى
انتفاء الباعث الديني عندهم (ولو يعلمون ما فيهما): في فعلهما من الأجر
(لأتوهما): إلى المسجد (ولوْ حَبْواً))): أيْ: ولو مشوا حبواً؛ أي : كحبو الصبيّ
على يديه وركبتيه ، وقيل : هو الزحف على الركب ، وقيل: على الاست ، وفي
حديث أبي أمامة عند الطبراني: ((ولو حبواً على يديه ورجليه)). وفي رواية
جابر عنده أيضاً بلفظ: ((ولو حبواً، أو زحفاً)(٢).
فيه حث بليغ على الإتيان إليهما ، وأن المؤمن إذا علم ما فيهما ؛ أتى إليهما
(١) أي : صلاة الجماعة؛ كما يَدُلُّ عليه السياق.
(٢) رواه ابن حبان أيضاً في ((صحيحه)) (٤٢٨ - موارد) بسند حسن في الشواهد.
٥٦
۔۔۔۔

٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٧٢ - حديث أبي هريرة
على أي حال ؛ فإنه ما حال بين المنافق وبين هذا الإتيان إلا عدم تصديقه بما
فيهما (متفق عليه) .
٣٧٢ - وَعَنْه قالَ: أَتَى النّبِيَّ ◌َ﴿ رَجُلٌ أَعْمَى، قَالَ: يَا رَسُولَ الله! لَيْسَ
لي قَائِدٌ يَقُودُني إلى المَسْجِدِ ؛ فَرَخّص لَهُ، فلما وَلَى دَعَاهُ فَقَالَ: ((هَلْ تَسْمَعُ
النَّدَاءَ بِالصَّلاةِ؟)) قالَ: نَعَمْ، قالَ: ((فَأَجِبْ)). رَوَاهُ مُسْلمٌ .
(وعنه): أيْ: عن أبي هريرة (قال: أتى النبيََّ﴿ُ رجلٌ أعمى) قد وردت
بتفسيره الرواية الأخرى وأنه ابن أم مكتوم (قال: يا رسول الله! ليس لي قائد
يقودني إلى المسجد ؛ فرخص له): أيْ: في عدم إتيان المسجد (فلما ولى
دعاه فقال: ((هل تسمع النداء): وفي رواية: ((الإقامة)) (بالصلاة؟)) قال: نعم،
قال: ((فأجب)). رواه مسلم)(١) .
كان الترخيص أولاً مطلقاً عن التقييد بسماعه النداء فرخص له ، ثم سأله
هل تسمع النداء؟ قال : نعم ، فأمره بالإجابة .
ومفهومه أنه إذا لم يسمع النداء ؛ کان ذلك عذراً له ، وإذا سمعه ؛ لم یکن
له عذر عن الحضور .
والحديث من أدلة الإيجاب للجماعة عيناً ، لكن ينبغي أن يقيد الوجوب
(١) وكذا أبو عوانة في ((صحيحه)) (٦/٢) وعزاه الشارح في ((العُدّة)) (١٣٥/٢) للبخاري
بلفظ أتم ، وهو وهم ، وإنما خرجه الحاكم (٢٤٧/١) بذاك اللفظ المشار إليه وصححه وفيه أبو جعفر
الرازي وهو ضعيف لسوء حفظه لكن تابعه عبدالعزيز بن مسلم وهو ثقة عند أحمد ، انظر
تعليقي على ((الطبراني الصغير)) (رقم ٧٥٥) .
٥٧

٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٧٢ - حديث أبي هريرة
عيناً على سامع النداء ؛ لتقييد حديث الأعمى وحديث ابن عباس له ، وما
أطلق من الأحاديث يحمل على المقيد .
وإذا عرفت هذا ؛ فاعلم أن الدعوى وجوب الجماعة عيناً ، أو كفاية ، والدليل
هو حديث الهمّ بالتحريق وحديث الأعمى ، وهما إنما دلاً على وجوب حضور
جماعته 8 في مسجده لسامع النداء ، وهو أخص من وجوب الجماعة ، ولو
كانت الجماعة واجبة مطلقاً؛ لبين ﴿ ذلك للأعمى ، ولقال له: انظر من
يصلي معك، ولقال في المتخلفين: إنهم لا يحضرون جماعته عَ له، ولا
يجمعون في منازلهم ، والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة .
عيناً على سامع
فالأحادیث إنما دلت على وجوب حضور جماعته
النداء ، لا على وجوب مطلق الجماعة كفاية ، ولا عيناً(١).
وفيه أنه لا يرخص لسامع النداء عن الحضور ، وإن كان له عذر؛ فإن هذا
(١) إن كان الشارح يريد بذلك أن الجماعة لا تجب في البيوت مثلاً فمُسَلَّم ، وإن كان يريد
أنها لا تجب أيضاً في المساجد التي يؤذن فيها ، وأنّ الأحاديث إنما تدل على وجوب حضور
فقط - كما هو ظاهر كلامه - فقد أبعد النجعة ، وتكلف تكلفاً بيّناً ، فإن بعض
جماعته
الأحاديث المتقدمة وإن كانت واردة في مسجده ﴿ فليس فيها ما يَدُلّ على اختصاص الحكم
به ، بل إن بعضها ليكاد يكون نصاً على أن العلّة هي ثقل صلاة الجماعة على بعض النفوس
ورغبتهم عن أجرها العظيم ، وما يدل على العموم قول ابن مسعود : لو أنكم صليتم في بيوتكم
كما يصلي هذا المتخلف لتركتم سنة نبيكم ، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم . رواه مسلم ، ويؤيده
قوله : ((ما من ثلاثة في قرية ولا في بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم
الشيطان ، فعليك بالجماعة)) . أخرجه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وسنده حسن
لکن له طریق أخری یتقوی بها .
٥٨

٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٧٣ ۔ حديث ابن عباس
ذكر العذر وأنه لا يجد قائداً فلم يعذره إذن .
ويحتمل أن الترخيص له ثابت للعذر ، ولكنه أمره بالإجابة ندباً لا وجوباً
ليحرز الأجر في ذلك ، والمشقة تغتفر بما يجده في قلبه من الروح في الحضور .
ویدل لکون الأمر للندب ۔ أي : مع العذر - قوله :
٣٧٣ - وعن ابْنِ عَبّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا عَنِ النّبِيِّ:﴿ِ قالَ: «مَنْ سَمِعَ
النِّداءَ فلم يأت ؛ فلا صَلاةَ لَهُ إلا مِنْ عُذْرِ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه وَالدَّارَقُطْنيُّ
وابْنُ حِبّانَ وَالْحَاكِمُ، وَإِسْنَادُهُ عَلى شَرْطِ مُسْلم، لكنْ رَجّحَ بَعْضُهُمْ وَقَفَهُ.
(وعن ابْنِ عَبّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا عَنِ النّبِّ ﴿ قَالَ: ((مَنْ سَمِعَ النِّداءَ
فلم يأت؛ فلا صَلاةَ لَهُ إلا مِنْ عُذْرِ)). رَوَاهُ ابْنُ تِمَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيُّ وابْنُ حِبّانَ
وَالْحَاكِمُ ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلمِ، لكنْ رَجْحَ بَعْضُهُمْ وَقْفَهُ) .
الحديث أُخرج من طريق شعبة موقوفاً ومرفوعاً ، والموقوف فيه زيادة : إلا من
عذر(١) ؛ فإن الحاكم وقفه عن أكثر أصحاب شعبة .
وأخرج الطبراني في ((الكبير)) من حديث أبي موسى عنه ◌َ ﴿: ((من سمع
النداء فلم يجب من غير ضرر ولا عذر؛ فلا صلاة له)) . قال الهيثمي : فيه
قيس بن الربيع ؛ وَتَّقَه شعبة وسفيان الثوري ، وضعفه جماعة (٢) .
وقد أخرج حديث ابن عباس المذكور أبو داود بزيادة : قالوا : وما العذر؟ قال :
(١) قلت: بل هي ثابتة في المرفوع أيضاً في رواية للحاكم وغيره. انظر ((المستدرك)) (٢٤٥/١)
أو ((صحيح أبي داود)) (٥٦٠) .
(٢) لكن رواه الحاكم (٢٤٦/١) من طريق أخرى وصححه ووافقه الذهبي .
٥٩

٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة ٣٧٤ - حديث يزيد بن الأسود
((خوف، أو مرض: لم يقبل الله منه الصلاة التي صلى)). بإسناد ضعيف(١).
والحديث دليل على تأكد الجماعة ، وهو حجة لمن يقول : إنها فرض عين .
ومن يقول: إنها سنة يؤول قوله: ((فلا صلاة له))؛ أي: كاملة، وأنه نزَّل
نفي الكمال منزلة نفي الذات مبالغة .
والأعذار في ترك الجماعة منها : ما في حديث أبي داود ، ومنها : المطر
والريح الباردة ، ومن أكل كراثاً ، أو نحوه من ذوات الريح الكريهة ؛ فليس له أن
يقرب المسجد ؛ قيل : ويحتمل أن يكون النهي عنها؛ لما يلزم من أكلها من
تفويت الفريضة ؛ فيكون آكلها آثماً؛ لما تسبب له من ترك الفريضة ، ولكن لعل
من يقول : إنها فرض عين ؛ يقول : تسقط بهذه الأعذار صلاتها في المسجد لا
في البيت ، فيصليها جماعة(٢).
٣٧٤ - وعن يَزيد بنِ الأسْودِ رضي الله عنه: أَنّهُ صَلَى مَعَ رَسُولِ اللهِ﴾
صَلاةَ الصُّبْح، فلما صلى رَسُولُ الله ◌ِّهِ، إذا هُوَ بَرَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا فَدَعَا بِهِمَا ،
فجيءَ بهمَا تَرْعُدُ فَرَائصُهُما، فقال لَهُمَا: ((مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيا مَعَنَا؟))، قالا:
قَدْ صَلَيْنَا في رِحَالِنَا، قالَ : ((فلا تَفْعَلا . إِذَا صَلَّيْتُما في رحَالِكُما، ثم أَدْرَكْتُما
الإِمامَ ، ولم يُصَلِّ؛ فَصَلِّيَا مَعَهُ؛ فإنها لَكُمَا نَافِلَةٍ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ - وَاللّفْظُ لَهُ -،
(١) وهو كما قال ، على ما بينته في المصدر السابق، وقد وهم الشارح رحمه الله فعزاه بهذا
اللفظ في «العدة)) (١٣٦/٢) لابن حبان أيضاً، وإنما هو عنده (رقم ٤٢٦) باللفظ الذي ذكره الحافظ .
(٢) عن أبي بكرة: أن رسول الله ﴿ أقبل من نواحي المدينة يريد الصلاة، فوجد الناس قد
صلوا ، فمال إلى منزله ، فجمع أهله، فصلى بهم . رواه الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))
ورجاله ثقات. كذا في ((المجمع)) (٤٥/٢).
٦٠