Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٤٦ - حديث أبي أيوب الأنصاري
((العلل))، والبيهقي وغير واحد وقفه .
= الصحابة : الخلفاء الأربعة ، وسعد بن أبي وقاص ، ومعاذ بن جبل ، وأبي بن كعب ، وأبو
موسى الأشعري ، وأبو الدرداء ، وحذيفة ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وابن عباس ، ومعاوية ،
وتميم الداري ، وأبو أيوب الأنصاري ، وأبو هريرة ، وفضالة بن عبيد، وعبدالله بن الزبير، ومعاذ
ابن الحارث القاري - وهو مختلف في صحبته -. وقد روي عن عمر وعلي وابن مسعود الإيتار
بثلاث متصلة ؛ قال : ومن أوتر بركعة سالم بن عبدالله بن عمر ، وعبدالله بن عياش بن أبي
ربيعة ، والحسن البصري ، ومحمد بن سيرين ، وعطاء بن أبي رباح، وعقبة بن عبدالغافر،
وسعيد بن جبير، ونافع بن جبير بن مطعم ، وجابر بن زيد ، والزهري ، وربيعة بن أبي
عبدالرحمن ، وغيرهم من الأئمة : مالك ، والشافعي ، والأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور،
وداود ، وابن حزم . وذهب الهادوية وبعض الحنفية (قلت : هذا يشعر أن البعض الآخر منهم
قائل بجواز الواحدة! وهذا لا نجده في كتبنا ، والله أعلم) إلى أنه لا يجوز الإيتار بركعة ، وإلى أن
المشروع الإيتار بثلاث ! واستدلوا بما روي من حديث محمد بن كعب القرظي : أن النبي
نهى عن البتيراء . قال العراقي : وهذا مرسل ضعيف ، وقال ابن حزم: لم يصح عن النبي
أنه نهى عن البتيراء . قال : ولا في الحديث - على سقوطه - بيان ما هي البتيراء؟! قال: وقد
رُوِّينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن
عباس : الثلاث بتيراء ؛ يعني : الوتر! قال : فعاد البتيراء على المحتج بالخبر الكاذب فيها . اهـ .
واحتجوا أيضاً بما حكي عن ابن مسعود أنه قال: ما أجزأت ركعة قط. قال النووي في ((شرحٍ
المهذب)): إنه ليس بثابت عنه. قال: ولو ثبت لحمل على الفرائض ؛ فقد قيل: إنه ذكره رادّاً
على ابن عباس في قوله : إن الواجب من الصلاة الرباعية في حال الخوف ركعة واحدة ، فقال
ابن مسعود : ما أجزأت ركعة قط؛ أي : عن المكتوبات . اهـ. وقد روى ابن أبي شيبة في
(المصنف))، ومحمد بن نصر في ((قيام الليل)) من رواية محمد بن سيرين قال : سمر حذيفة
وابن مسعود عند الوليد بن عقبة - وهو أمير مكة -، فلما خرجا أوتر كل واحد منهما بركعة .
ومحمد بن سيرين لم يدرك ابن مسعود ؛ ولكن القائل بعدم صحة الإيتار بركعة من الهادوية
والحنفية يرى الاحتجاج بالمرسل ! واحتج بعض الحنفية على الاقتصار على ثلاث وعدم إجزاء
غيرها : بأن الصحابة أجمعوا على أن الوتر بثلاث موصولة حسن جائز، واختلفوا فيما عداه، =
٢١
٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع ٣٤٦ - حديث أبي أيوب الأنصاري
قال المصنف : وهو الصواب ، قلت : وله حكم الرفع ؛ إذْ لا مسرح للاجتهاد
فيه ؛ أي : في المقادير .
والحديث دليل على إيجاب الوتر ، ويدل له أيضاً حديث أبي هريرة عند
أحمد: ((من لم يوتر؛ فليس منا)). وإلى وجوبه ذهبت الحنفية ؛ وذهب الجمهور
إلى أنه ليس بواجب ، مستدلين بحديث عليّ رضي الله عنه : الوتر ليس بحتم
، ويأتي ، ولفظه عند ابن ماجه :
كهيئة المكتوبة ؛ ولكنه سنة سنها رسول الله عزّا
طلة أوتر ، وقال :
إن الوتر ليس بحتم ، ولا کصلاتكم المکتوبة ؛ ولکن رسول الله
(يا أهل القرآن! أوتروا؛ فإن الله وتر يحب الوتر)).
وذكر المجد ابن تيمية (١) أن ابن المنذر روى حديث أبي أيوب ، بلفظ: ((الوتر
حق، وليس بواجب)). وبحديث: ((ثلاث هن عليّ فرائض ولكم تطوع))،
وعد منها الوتر ، وإن كان ضعيفاً ، فله متابعات يتأيد بها ، على أن حديث أبي
أيوب الذي استدل به على الإيجاب ، قد عرفت أن الأصح وقفه عليه ، وإن
سبق أن له حكم المرفوع فهو لا يقاوم الأدلة الدالة على عدم الإيجاب،
والإيجاب قد يطلق على المسنون ؛ تأكيداً كما سلف في غسل الجمعة ، وقوله :
= قال : فأخذنا بما أجمعوا عليه ، وتركنا ما اختلفوا فيه ! وتُعقّب بمنع الإجماع ، وبما تقدم من
النهي عن الإيتار بثلاث)). اهـ. كلام الشوكاني .
وأجاب الأولون عن أدلة الآخرين ؛ فعن (١) الوترركعة؛ أي : متضمنة بشفع قبلها! وعن
باقيها : بأنه كان قبل أن يستقر أمر الوتر . انتهى .
وكل هذا تكلف ظاهر لا يدل عليه دليل ! والله ولي التوفيق .
(١) في ((المنتقى)) (٥٢٨/١).
٢٢
٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٤٧، ٣٤٨ - حديثا علي وجابر
(بخمس)) و((بثلاث))؛ أي: ولا يقعد إلا في آخرها، ويأتي(١) حديث عائشة
في الخمس ، وقوله: ((بواحدة))، ظاهره مقتصراً عليها ، وقد روي فعل ذلك عن
جماعة من الصحابة ، فأخرج محمد بن نصر وغيره بإسناد صحيح عن السائب
ابن يزيد: ((أن عمر قرأ القرآن ليلة في ركعة لم يصل غيرها ، وروى البخاري أن
معاوية أوتر بركعة ، وأن ابن عباس استصوبه .
٣٤٧ - وعن عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ الله عَنْهُ، قَالَ: لَيْسَ الْوَتْرُ بِحَتْم
كَهَيْئَةِ الْمَكْتُوبَةِ؛ وَلَكِنْ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ الله ◌َّهِ- رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ
وَحَسَّنَهُ ، وَالْحَاكِمُ وَصَحْحَهُ .
(وعن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال: ليس الوتر بحتم كهيئة
المكتوبة؛ ولكن سنة سنها رسول الله تَ اليه . رواه الترمذي، والنسائي وحسنه ،
والحاكم وصححه): تقدم أنه من أدلة الجمهور على عدم الوجوب .
وفي حديث عليّ هذا عاصم بن ضمرة تكلم فيه غير واحد ، وذكره القاضي
الخيمي في حواشيه على ((بلوغ المرام))، ولم أجده في ((التلخيص))؛ بل ذكر هنا
أنه صححه الحاكم ، ولم يتعقبه ، فما أدري من أين نقل القاضي؟ ثم رأيت في
((التقريب)) ما لفظه : عاصم بن ضمرة السلولي الكوفي صدوق من السادسة ،
مات سنة أربع وسبعين .
قَامَ فِي
٣٤٨ - وعَن جَابِر بْن عَبْدِ الله رَضِيَ الله عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ الله
شَهْرِ رَمَضَانَ، ثم انْتَظَرُوهُ مِنَ الْقَابِلَةِ ، فَلَمْ يَخْرُجْ، وَقَالَ: ((إِنِّي خَشِيتُ أَنْ
(١) (٣٨) .
٢٣
٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٤٨ - حديث جابر
يُكْتَبَ عَلَيْكُمُ الْوِتْرُ» . رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ .
(وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أن رسول الله مح له قام في شهر
رمضان ، ثم انتظروه من القابلة ، فلم يخرج ، وقال: ((إني خشيت أن يكتب
عليكم الوتر)). رواه ابن حبان): أبعد المصنف النجعة .
والحديث في البخاري؛ إلا أنه بلفظ: ((أن تفرض عليكم صلاة الليل)).
وأخرجه أبو داود من حديث عائشة، ولفظه: أن النبي ◌ّ صلى في المسجد
فصلى بصلاته ناس ، ثم صلى من القابلة فكثر الناس ، ثم اجتمعوا في الليلة
الثالثة ، فلم يخرج إليهم رسول الله عَ ليه ، فلما أصبح قال: ((قد رأيت الذي
صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم؛ إلا أني خشيت أن تفرض عليكم)).
هذا ؛ والحديث في البخاري بقريب من هذا .
واعلم أنه قد أشكل التعليل لعدم الخروج بخشية الفرضية عليهم ، مع ثبوت
حديث: ((هي خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي))؛ فإذا أُمن التبديل
كيف يقع الخوف من الزيادة؟ وقد نقل المصنف عنه أجوبة كثيرة وزيفها ، وأجاب
بثلاثة أجوبة ، قال : إنه فتح الباري عليه بها ، وذكرها واستجود منها : أن خوفه
وَّ كان من افتراض قيام الليل ، يعني جعل التهجد في المسجد جماعة شرطاً
في صحة التنفل بالليل ، قال : ویومئ إليه قرله في حديث زيد بن ثابت : ((حتى
خشيت أن يكتب عليكم ، ولو كتب عليكم ما قمتم به ؛ فصلوا أيها الناس في
بيوتكم))، فمنعهم من التجمع في المسجد ؛ إشفاقاً عليهم من اشتراطه . انتهى .
قلت: ولا يخفى أنه لا يطابق قوله: ((أن تفرض عليكم صلاة الليل))، كما
٢٤
٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٤٨ - حديث جابر
في البخاري ؛ فإنه ظاهر أنه خشية فرضها مطلقاً ، وكان ذلك في رمضان ، فدل
على أنه صلى بهم ليلتين ، وحديث الكتاب أنه صلى بهم ليلة واحدة ، وفي رواية
أحمد: أنه ◌َه صلى بهم ثلاث ليال وغص المسجد بأهله في الليلة الرابعة .
وفي قوله: ((خشيت أن يكتب عليكم الوتر)) دلالة على أن الوتر غير واجب .
واعلم أن من أثبت صلاة التراويح ، وجعلها سنة في قيام رمضان ، استدل
بهذا الحديث على ذلك ، وليس فيه دليل على كيفية ما يفعلونه ، ولا كميته ،
فإنهم يصلونها جماعة عشرين ، يتروحون بين كل ركعتين ، فأما الجماعة ؛ فإن
عمر أول من جمعهم على إمام معين وقال : إنها بدعة ؛ كما أخرجه مسلم في
((صحيحه))، وأخرجه غيره من حديث أبي هريرة : أنه
کان یرغبهم في قیام
رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة فيقول: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً ؛ غفر
له ما تقدم من ذنبه)). قال: وتوفي رسول الله ﴿ والأمر على ذلك ، وفي خلافة
أبي بكر وصدر من خلافة عمر ، زاد في رواية عند البيهقي : قال عروة : فأخبرني
عبد الرحمن القاري : أن عمر بن الخطاب خرج ليلة فطاف في رمضان في المسجد ،
وأهل المسجد أوزاع متفرقون ؛ يصلي الرجل لنفسه ، ويصلي الرجل فيصلي
بصلاته الرهط ، فقال عمر: والله ؛ لأظن لو جمعناهم على قارئ واحد ، فأمر أبي
ابن كعب أن يقوم بهم في رمضان ، فخرج عمر والناس يصلون بصلاته ، فقال
عمر: نعم البدعة هذه! وساق البيهقي في ((السنن)) عدة روايات في هذا المعنى .
واعلم أنه يتعين حمل قوله : بدعة على جمعه لهم على معين ، وإلزامهم
بذلك، لا أنه أراد أن الجماعة بدعة؛ فإنه ◌َ﴿ قد جمع بهم كما عرفت ، إذا
٢٥
٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٤٨ ۔ حديث جابر
عرفت هذا؛ عرفت أن عمر هو الذي جعلها جماعة على معين ، وسمّاها بدعة .
وأما قوله : نعم البدعة ؛ فليس في البدعة ما يمدح ؛ بل كل بدعة ضلالة (١) ،
وأمّا الكمية وهي جعلها عشرين ركعة ؛ فليس فيه حديث مرفوع ، إلا ما رواه
عبد بن حميد ، والطبراني من طريق أبي شيبة إبراهيم بن عثمان ، عن الحكم،
?
: كان يصلي في رمضان عشرين
عن مقسم ، عن ابن عباس : أن رسول الله
ركعة والوتر. قال في ((سبل الرشاد)): أبو شيبة ضعفه أحمد ، وابن معين ،
والبخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وغيرهم ، وكذبه شعبة ،
وقال ابن معين : ليس بثقة ، وعد هذا الحديث من منكراته ، وقال الأذرعي في
(المتوسط)): وأمّا ما نقل أنه تَ ه صلى في الليلتين اللتين خرج فيهما عشرين ركعة
فهو منكر، وقال الزركشي في (الخادم)): دعوى أنه مَ* صلى بهم في تلك الليلة
عشرين ركعة لم تصح؛ بل الثابت في ((الصحيح)) الصلاة من غير ذكر بالعدد ، ولما
في رواية جابر: أنه ** صلى بهم ثماني ركعات والوتر، ثم انتظروه في القابلة
فلم يخرج إليهم . رواه ابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)). انتهى .
وأخرج البيهقي رواية ابن عباس من طريق أبي شيبة ، ثم قال : إنه ضعيف ،
وساق روايات ؛ أن عمر أمر أبياً وتميماً الداري يقومان بالناس بعشرين ركعة ، وفي
رواية : أنهم كانوا يقومون في زمن عمر بعشرين ركعة ، وفي رواية : بثلاث
وعشرين ركعة ، وفي رواية : أن علياً رضي الله عنه كان يؤمهم بعشرين ركعة
ویوتر بثلاث ، قال : وفيه قوة .
(١) هذا هو الصواب! وأما تقسيم البدعة إلى خمسة أقسام؛ فهو خطأ؛ كما بينه الشاطبي
في ((الاعتصام))، وإن حكاه الشارح فيما يأتي (ص١٤٨) وأقره ؛ فهو سهو منه عما ذكر هنا !!
٢٦
٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٤٨ - حديث جابر
إذا عرفت هذا ، علمت أنه ليس في العشرين رواية مرفوعة ؛ بل يأتي
حديث عائشة المتفق عليه قريباً أنه يا ما كان يزيد في رمضان ، ولا غيره على
إحدى عشرة ركعة ، فعرفت من هذا كله أن صلاة التراويح على هذا الأسلوب
الذي اتفق عليه الأكثر ، بدعة ! نعم ؛ قيام رمضان سنة بلا خلاف ، والجماعة
في نافلته لا تنكر ، وقد ائتم ابن عباس رضي الله عنه وغيره به من ية في صلاة
الليل ، لكن جعل هذه الكيفية والكمية سنة ، والمحافظة عليها هو الذي نقول :
إنه بدعة ، وهذا عمر رضي الله عنه خرج أولاً ، والناس أوزاع متفرقون منهم من
يصلي منفرداً، ومنهم من يصلي جماعة على ما كانوا في عصره عَ ليه ، وخير
الأمور ما كان على عهده(١).
(١) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني في ((الفتاوى)): ((تنازع العلماء في مقدار القيام في
رمضان؛ فإنه قد ثبت أن أبي بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة في قيام رمضان ، ويوتر
بثلاث فرأى كثير من العلماء أن ذلك هو السنة ؛ لأنه أقامه بين المهاجرين والأنصار ولم ينكره
منكر. واستحب آخرون تسعة وثلاثين ركعة؛ بناءً على أنه عمل أهل المدينة القديم . وقالت
طائفة: قد ثبت في ((الصحيح)) عن عائشة: أن النبي {18. لم يكن يزيد في رمضان ولا غيره
على ثلاث عشرة ركعة . واضطرب قوم في هذا الأصل لما ظنوه من معارضة الحديث الصحيح لما
ثبت من سنة الخلفاء الراشدين وعمل المسلمين . والصواب : أن ذلك جميعه حسن ؛ كما قد
نص على ذلك الإمام أحمد رضي الله عنه ، وأنه لا يتوقت في قيام رمضان عدد ؛ فإن النبي
لم يوقت فيها عدداً . وحينئذ فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره ؛ فإن
النبي :{ كان يطيل القيام بالليل، حتى إنه قد ثبت عنه في ((الصحيح)) من حديث حذيفة :
أنه كان يقرأ في الركعة بالبقرة والنساء وآل عمران ؛ فكان طول القيام يغني عن تكثير الركعات .
وأبي بن كعب لما قام بهم وهم جماعة واحدة ؛ لم يمكن أن يطيل بهم القيام ، فكثر الركعات ؛
ليكون ذلك عوضاً عن طول القيام ، وجعلوا ذلك ضعف عدد ركعاته ؛ فإنه كان يقوم بالليل =
٢٧
٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٤٨ - حديث جابر
وأما تسميتها بالتراويح ؛ فكأن وجهه ما أخرجه البيهقي من حديث عائشة
قالت: كان رسول الله ◌َ ﴾ يصلي أربع ركعات في الليل، ثم يتروح ، فأطال
حتّى رحمته . الحديث . قال البيهقي : تفرد به المغيرة بن أبي ذياب ، وليس
بالقوي ؛ فإن ثبت فهو أصل في تَروح الإمام في صلاة التراويح . انتهى .
وأما حديث : ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي تمسكوا بها
وعضوا عليها بالنواجذ)) . أخرجه أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه ، والترمذي ،
وصححه الحاكم ، وقال : على شرط الشيخين ، ومثله حديث : ((اقتدوا باللذين من
بعدي : أبي بكر وعمر)) . أخرجه الترمذي ، وقال : حسن ، وأخرجه أحمد ، وابن
= إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ، ثم بعد ذلك كأن الناس بالمدينة ضعفوا عن طول القيام ،
فکثروا الركعات حتى بلغت تسعاً وثلاثين . انتهى كلامه .
وقال الكمال بن الهمام في ((فتح القدير)) - بعد أن ذكر بعض الآثار المروية في قيام رمضان -:
فتحصل من هذا كله أن قيام رمضان سنته إحدى عشرة ركعة بالوتر جماعة . وكونها عشرين
سنة الخلفاء الراشدين . وقوله :﴿: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)) ندبٌ إلى سنتهم ،
ولا يستلزم كون ذلك سنته ؛ إذ سنته بمواظبته بنفسه . فتكون العشرون مستحبّاً ، وذلك القدر
منها هو السنة ؛ كالأربع بعد العشاء مستحبة ، وركعتان منها هي السنة . وظاهر كلام المشايخ :
أن السنة عشرون! ومقتضى الدليل ما قلنا؛ فالأولى حينئذ ما هو عبارة القدوري من قوله :
(يستحب) لا ما ذكره المصنف فيه)) . اهـ . ببعض تلخيص .
وعنى بقوله: ((المصنف)) صاحب ((الهداية))، حيث قال - في قول الماتن : (يستحب أن يجتمع
الناس في رمضان بعد العشاء ، فيصلي بهم إمامهم خمس ترويحات ، كل ترويحة بتسليمتين) - قال :
((ذكر لفظ الاستحباب! والأصح أنها سنة)) اهـ .
وما ذكره الكمال رحمه الله تعالى هو في غاية التحقيق عندي ، والله ولي التوفيق !!
٢٨
٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٤٩ - حديث خارجة بن حذافة
ماجه ، وابن حبان ، وله طرق فيها مقال ، إلا أنه يقوي بعضها بعضاً؛ فإنه ليس
المراد بسنة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته ** ؛ من جهاد الأعداء
وتقوية شعائر الدين ونحوها ؛ فإن الحدیث عام لکل خلیفة راشد لا يخص
الشيخين ، ومعلوم من قواعد الشريعة أن ليس لخليفة راشد أن يشرع طريقة غير ما
كان عليها النبي {﴿ ، ثم عمر رضي الله عنه نفسه الخليفة الراشد سمی ما رآه من
تجميع صلاته ليالي رمضان بدعة ، ولم يقل : إنها سنة ؛ فتأمل . على أن الصحابة
رضي الله عنهم خالفوا الشيخين في مواضع ومسائل ، فدل أنهم لم يحملوا الحديث
على أن ما قالوه وفعلوه حُجَّة ، وقد حقق البرماوي الكلام في ((شرح ألفيته في
أصول الفقه)) مع أنه قال: إنما الحديث الأول يدل أنه إذا اتفق الخلفاء الأربعة على
قول كان حُجَّة ، لا إذا انفرد واحد منهم . والتحقيق أن الاقتداء ليس هو التقليد؛
بل هو غيره كما حققناه في ((شرح نظم الكافل)) في بحث الإجماع .
٣٤٩ - وعَن خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: ((إنَّ الله
أَمَدَّكُمْ بِصَلاةٍ هِيَ خَّرٌ لَكُمْ مِنْ خُمْرِ النَّعَم)) . قُلْنَا: وما هِيَ يَا رَسُولَ الله؟
قَالَ: ((الْوِتْرُ، مَا بَيْنَ صَلاةِ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ ؛ إِلا
النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ .
وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ نَحْوَهُ.
(وعن خارجة) : بالخاء المعجمة فراء بعد الألف فجيم هو (ابن حذافة):
بضم المهملة فذال بعدها معجمة ففاء بعد الألف ، وهو قُرشي عدوي ، كان
يعدل بألف فارس ، روي أن عمرو بن العاص استمد من عمر بثلاثة آلاف
٢٩
٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٤٩ - حديث خارجة بن حذافة
فارس ، فأمده بثلاثة وهم : خارجة بن حذافة والزبير بن العوام والمقداد بن
الأسود ، ولي خارجة القضاء بمصر لعمرو بن العاص ، وقيل : كان على شرطته
وعداده في أهل مصر ، قتله الخارجي ظناً منه أنه عمرو بن العاص حين تعاقدت
الخوارج على قتل ثلاثة : علي عليهِ السَّلام ومعاوية وعمرو بن العاص رضيَ الله
عنهُمَا ، فتم أمر الله في أمير المؤمنين عليّ عليهِ السَّلام دون الآخرّيْن . وإلى
الغلط بخارجة أشار من قال شعراً :
فدت علياً بمن شاءت من البشر
فليتها إِذْ فدت عمراً بخارجة
لو: ((إن الله أمدكم
وکان قتل خارجة سنة أربعین (قال : قال رسول الله
بصلاة هي خير لكم من حمر النعم)). قلنا: وما هي يا رسول الله؟ قال:
((الوتر، ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر)). رواه الخمسة؛ إلا النسائي ،
وصححه الحاكم) .
قلت : قال الترمذي عقيب إخراجه له : حديث خارجة بن حذافة ، حديث
غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي حبيب ، وقد وهم بعض المحدثين في
هذا الحديث - ثم ساق الوهم فيه -. فكان يحسن من المصنف(١) التنبيه على ما
قاله الترمذي(٢) .
(١) قلت: وقال المؤلف في ((الفتح)) (٣٩١/٢): ((فيه ضعف)).
. (٢) قلت: إن الوهم الذي أشار إليه الشارح وقاله الترمذي ؛ ليس بعلة تعود على سند الحديث؛
ولذلك لم ينبّه عليه الحافظ ؛ وهو أن أحد رواته - وهو عبدالله بن راشد الزوفي -؛ قال الترمذي :
((وقد وهم بعض المحدّثين في هذا الحديث ، فقال: عبدالله بن راشد الزُّرقي)).
=
٣٠
٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٤٩ - حديث خارجة بن حذافة
هذا؛ وفي الحديث ما يفيد عدم وجوب الوتر؛ لقوله: ((أمد كم))؛ فإن الإمداد
هو الزيادة بما يقوي المزيد عليه ، يقال : مد الجيش وأمده إذا زاده وألحق به ما
يقويه ويكثره ، ومد الدواة وأمدها زادها ما يصلحها ، ومددت السراج والأرض إذا
أصلحتهما بالزيت والسماد .
فائدة في حكمة شرعية النوافل :
أخرج أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه ، والحاكم من حديث تميم الداري
مرفوعاً : ((أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته؛ فإن كان أتمها ؛ كتبت
له تامة ، وإن لم يكن أتمها ، قال الله تعالى لملائكته : انظروا هل تجدون لعبدي
من تطوع فتكملون بها فريضته؟ ثم الزكاة كذلك ، ثم تؤخذ الأعمال على
حسب ذلك)). وأخرجه الحاكم في ((الكنى)) من حديث ابن عمر مرفوعاً: ((أول
ما افترض الله على أمتي الصلوات الخمس ، وأول ما يرفع من أعمالهم
الصلوات الخمس ، وأول ما يسألون عنه الصلوات الخمس ، فمن كان ضيع
شيئاً منها ؛ يقول الله تبارك وتعالى : انظروا هل تجدون لعبدي نافلة من
صلوات تتمون بها ما نقص من الفريضة؟ وانظروا صيام عبدي شهر رمضان ؛
فإن كان ضيع شيئاً منه ؛ فانظروا هل تجدون لعبدي نافلة من صيام تتمون بها
= قلت : فالخطب في هذا سهل ! وإنما علّة السند هو جهالة الزوفي هذا؛ كما بينته في
((الإرواء)) (٤٢٣) .
لكن للحديث شاهد عن عمرو بن العاص بسند صحيح؛ بلفظ: (( .. زادكم، فصلوها ... ))،
وقد تكلمت عليه في المصدر السابق ، وفي ((الأحاديث الصحيحة)) (١٠٨).
٣١
٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٥٠ - حديث بريدة
ما نقص من الصيام؟ وانظروا في زكاة عبدي ؛ فإن كان ضيع شيئاً منها ؛
فانظروا هل تجدون لعبدي نافلة من صدقة تتمون بها ما نقص من الزكاة؟
فيؤخذ ذلك على فرائض الله ، وذلك برحمة الله وعدله ؛ فإن وجد له فضل ؛
وضع في ميزانه ، وقيل له: ادخل الجنة مسروراً ، وإن لم يوجد له شيء من
ذلك ، أمرت الزبانية ، فأخذت بيديه ورجليه ، ثم قذف في النار)). وهو
کالشرح والتفصیل حدیث تميم الداري (وروی أحمد عن عمرو بن شعيب ،
عن أبيه ، عن جده نحوه) : أيْ : نحو حديث خارجة فشرحه شرحه .
٣٥٠ - وعن عَبْدِ الله بْنِ بُرَيِّدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله عَّةِ: ((الْوِتْرُ
حَقٌّ ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ؛ فليس مِنَّ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ، وَصَحَّحَهُ
الْحَاكِمُ .
وَلَهُ شَاهِدٌ ضَعِيفٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ .
(وعن عبد الله بن بُرَيدة) : بضم الموحدة بعدها راء مهملة مفتوحة ، ثم
مثناة تحتية ساكنة فدال مهملة مفتوحة ، هو ابن الحُصَيب - بضم الحاء المهملة
وفتح الصاد المهملة والمثناة التحتية والباء الموحدة - الأسلمي ، وعبد الله من ثقات
التابعين ، سمع أباه وسمرة بن جندب وآخرين ، وتولى قضاء مرو ومات بها (عن
أبيه): بريدة بن الحصيب، تقدم ذكره (قال: قال رسول الله عَ ليه: ((الوتر حق):
أيْ: لازم؛ فهو من أدلة الإيجاب (فمن لم يوتر؛ فليس منا)). أخرجه أبو داود
بسند لين) : لأن فيه عبيد الله بن عبد الله العتكي ، ضعفه البخاري والنسائي ،
وقال أبو حاتم : صالح الحديث (وصححه الحاكم) : وقال ابن معين : إنه موقوف
٣٢
٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٥٠ - حديث بريدة
(وله شاهد ضعيف عن أبي هريرة عند أحمد): رواه بلفظ: ((من لم يوتر؛
فليس منا))، وفيه الخليل بن مرة ؛ منكر الحديث ، وإسناده منقطع؛ كما قاله
أحمد ، ومعنى: «ليس منا)»: ليس على سنتنا وطريقتنا ، والحديث محمول على
تأكيد السنية للوتر؛ جمعاً بينه وبين الأحاديث الدالة على عدم الوجوب(١) .
(١) أقول : أرى من المناسب أن أذكر أدلة القائلين بوجوب الوتر والقائلين بالسنية مجتمعة؛
كي يسهل على القارئ حصرها في فكره ، مع ترجيح الأقوى دليلاً وسنداً :
أدلة الوجوب :
١ - روى أبو داود وغيره مرفوعاً: ((الوتر حق ، فمن لم يوتر فليس منا . الوتر حق ، فمن لم يوتر
فليس منا . الوتر حق ، فمن لم يوتر فليس منا)) . وقد حُسِّن .
٢ - روى أبو داود أيضاً والترمذي - وحسنه - عن علي مرفوعاً: ((يا أهل القرآن ! أوتروا؛ فإن
الله وتر یحب الوتر)) .
٣ - روى الترمذي مرفوعاً: ((إن الله أمركم بصلاة، هي خير لكم من حمر النعم : الوتر،
جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر)) . وأخرجه الحاكم وصححه .
٤ - روى الشيخان مرفوعاً: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً» .
أدلة السنية :
١ - روى الترمذي وحسنه ، والحاكم وصححه عن علي موقوفاً: ليس الوتر بحتم؛ كهيئة
ـل * . ولفظه عند ابن ماجه : إن الوتر ليس بحتم ، ولا
المكتوبة ، ولكن سنة سنها رسول الله
ـ* أوتر ، وقال: ((يا أهل القرآن ! أوتروا ؛ فإن الله وتر
کصلاتكم المکتوبة ، ولکن رسول الله
يحب الوتر)) .
: ((خمس صلوات فى اليوم
٢ - روى الشيخان في حديث الأعرابي : فقال رسول الله
والليلة)). فقال: هل علي غيرهن؟! قال: ((لا، إلا أن تطوع)). من كتاب (الإيمان) منهما .
٣ - روى أبو داود في (الصلاة)، و(الوتر)، والدارمي فيه عن عبادة بن الصامت مرفوعاً : =
٣٣
٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٥١ - حديث عائشة
٣٥١ - وعن عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ الله ◌َ ◌ّهِ يَزِيدُ فِي
= ((خمس صلوات كتبهن الله على العباد ، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً
بحقهن ؛ کان له عند الله عهد أن يدخله الجنة . ومن لم يأت بهن ؛ فليس له عند الله عهد ؛ إن
شاء عذبه ، وإن شاء أدخله الجنة)). وإسناده صحيح؛ كما في ((شرح الترمذي)) لابن العربي.
٤ - روى الشيخان عن سعيد بن يسار أنه قال: كنت أسير مع ابن عمر بطريق مكة . قال
سعيد : فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت ثم أدركته . فقال لي ابن عمر : أين كنت؟! فقلت
له: خشيت الفجر، فنزلت فأوترت. فقال عبدالله: أليس لك في رسول الله عَ ﴿م أسوة؟! فقلت :
بلى والله! قال: إن رسول الله ◌َ
كان يوتر على البعير .
٥ - روى الشيخان أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما بعث معاذ إلى اليمن ... وفيه :
((فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ... )) الحديث في كتاب
(الإيمان) في ((مسلم))، و(الزكاة) في ((البخاري)).
٦ - روى أحمد والبيهقي وغيرهما عن ابن عباس مرفوعاً: ((ثلاث هنَّ عليَّ فرائض ، وهنّ
لكم تطوع: النحر والوتر وركعتا الفجر)) . وهو ضعيف ، ولكنه متابع . قال الشوكاني :
((وأخرجه أيضاً الحاكم في ((المستدرك)) شاهداً على أن الوتر ليس بحتم ، وسكت عليه ، وقال
البيهقي في رواية: ((ركعتا الضحى))، بدل: ((الفجر)). وعن أنس عند الدارقطني بلفظ: قال:
قال رسول الله ◌َّةٍ: ((أُمرت بالوتر والأضحى، ولم يعزم عليَّ)). وفي إسناده عبدالله بن محرر ،
وهو ضعيف . وعن جابر عند المروزي بلفظ: ((إني كرهت - أو خشيت - أن يكتب عليكم الوتر)).
وعن عائشة عند الطبراني في ((الأوسط)» بلفظ: ((ثلاث هنَّ عليَّ فريضة ولكم سنة : الوتر
والسواك وقيام الليل)). واعلم أن هذه الأحاديث فيها ما يدل على الوجوب ، وفيها ما يدل على
عدم الوجوب؛ فتكون صارفة لما يشهد بالوجوب)). انتهى ملخصاً من كتابه ((نيل الأوطار شرح
منتقى الأخبار)) .
ثم أجاب الجمهور القائل بالسنية عن الأحاديث الظاهرة في الوجوب لولا المعارض :
قالوا عن الحديث (١): قوله: ((حق))؛ أي: ثابت. وقد روى ابن المنذر مرفوعاً: ((الوتر حق
وليس بواجب)). ((منتقى الأخبار)) (٥٢٨). وقوله: ((فليس منا))؛ أي: ليس على سنتنا =
٣٤
٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٥١ - حديث عائشة
رَمَضَانَ ، ولا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةِ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعاً؛ فلا تَسْأَلْ عَنْ
= وطريقتنا؛ وهو محمول على تأكيد السنية للوتر؛ توفيقاً بين الأحاديث .
وعن (٢) : أن الأمر فيه محمول على السنية كما علمت، كما حمله راوي الحديث -
أعني : عليّاً رضي الله عنه عليها بقوله: ولكن سنة ... إلخ. وما العهد عنك ببعيد .
وعن (٣) : بأنه حجة عليهم لا لهم؛ فإن الإمداد هو الزيادة بما يقوي المزيد عليه؛ يقال: مدَّ
الجيش وأمده ؛ إذا زاده ، وألحق به ما يقويه ويكثره ، ومد الدواة وأمدها ؛ زادها ما يصلحها ،
ومددت السراج والأرض ؛ إذا أصلحتهما بالزيت والسماد ! كذا في ((سبل السلام)»، وذكر فائدة
في حكمة شرعية النوافل ؛ حاصلها : أن النوافل تجبر ما ينقص من الفرائض ، كما هو معلوم .
وقد رد الاستدلال بهذا الحديث ابن الهمام في ((فتح القدير))؛ فارجع إليه . وغاية ما استدل به
هو الحديث (١) ، وقد سمعت الجواب عنه .
والجواب عن الحديث (٤)؛ فهو أن الأمر فيه هو أن يجعل من يصلي النفل في الليل الوتر
آخراً؛ وهذا لا يقتضي وجوبه ؛ كما لا يخفى على المتأمل! ولذلك قال ابن الملك في ((المبارق))
(٢٥٦/٢) :
((الأمر فيه للاستحباب ؛ لأنه لو كان للإيجاب وقد تنفل واحد بعد وتره ؛ فلو أعاد وتره يلزم
تكراره، وذلك منهي عنه ؛ لقوله عليه السلام: ((لا وتران في ليلة)) (حديث صحيح) ولو لم
يُعده؛ لم يكن الوتر آخراً؛ فتعين الاستحباب)) . انتهى .
ولو كان الأمر فيه ينصرف إلى الوتر رأساً - إذا فرض جدلاً -؛ فيحمل على تأكيد سنيته لما
علمت .
هذا ؛ وقد أجاب الأولون عن أحاديث الجمهور بما لا طائل تحته !
أما الحديث (١) ؛ فلم أجد لهم عنه جواباً بعد البحث قدر طاقتي !
وأما عن (٢) و(٣) و(٤) و(٥)؛ فقالوا: إنه يحتمل أن يكون ذلك قبل وجوب الوتر.
وحديث ابن عمر للعذر !
والجواب : أن مع الاحتمال لا يثبت الاستدلال ، فمن ادعى أنه كان قبل الوجوب ؛ فعليه
بيان التاريخ ، وأنى لهم ذلك؟!
=
٣٥
٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٥١ - حديث عائشة
حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثم يُصَلِّي أَرْبَعاً؛ فلا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ، ثم
يُصَلَّيِ ثَلاثاً، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ !
إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ ، ولا يَنَامُ قَلْبِي)) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وفَي رِوَايَةٍ لَهُمَا عَنْهَا: كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ، وَيُوتِرُ بِسَجْدَةٍ
وَيَرْكَعُ رَكْعَتَي الْفَجْرِ ، فَتِلْكَ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً.
(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما كان رسول الله مح ليه يزيد في
رمضان ، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة): ثم فَصَّلتها بقولها (يصلي
= وعن جوابهم عن حديث ابن عمر : أن الأصل عدم العذر ، فمن ادعاه فعليه البيان .
ثم اعلم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز؛ كما في ((مرآة الأصول)) لمنلا خسرو - وهذا
لا خلاف فيه ؛ كما في ((روضة الناظر)) لابن قدامة المقدسي -.
إذا عرفت هذا؛ تعلم أن في حديث (٢) حجة في عدم وجوب الوتر؛ فإن الأعرابي طلب
البيان: هل عليه غيرهن؟ فأجابه: ((لا؛ إلا أن تطوع)). وكذا في الحديث (٣) أخبر رسول الله
* أن من أقامها كما جاءت أدخله الله تعالى الجنة وهذا لا يقول بمقتضاه القائلون بوجوبه،
وهو خبر؛ والأخبار لا تتبدل کما قد اشتهر؛ فثبت عدم وجوبه .
ووجه الاستدلال بالحديث (٤) ؛ فهو أنهم اتفقوا على أن الفرائض لا تصلى على الراحلة
من غير عذر ، والظاهر فيه عدمه ، كما يدل عليه فعل ابن عمر . وما روي عنه أنه كان ينزل
للوتر ؛ فهو طلب للأفضل .
والحديث (٥) عدّه الشوكاني من أحسن ما يستدل به ؛ لأن بعث معاذ كان قبل وفاته
بیسیر . انتهى .
والحديث (٦) ظاهر الدلالة في المطلوب لوصح ؛ لكن له متابعات - كما سبق - يتأيد بها .
والله سبحانه وتعالى أعلم .
٣٦
٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٥١ - حديث عائشة
أربعاً) : يحتمل أنها متصلات ، وهو الظاهر ، ويحتمل أنها مفصلات ، وهو بعيد
إلا أنه يوافق حديث ((صلاة الليل مثنى مثنى)) (فلا تسأل عن حسنهن
وطولهن) : نهت عن سؤال ذلك ؛ إما أنه لا يقدر المخاطب على مثله فأي حاجة
له في السؤال ، أو لأنه قد علم حسنهن وطولهن لشهرته ؛ فلا يسأل عنه ، أو
لأنها لا تقدر تصف ذلك (ثم يصلي أربعاً؛ فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ،
ثم يصلي ثلاثاً ، قالت : فقلت: يا رسول الله! أتنام قبل أن توتر؟) : كأنه كان
ينام بعد الأربع ، ثم يقوم فيصلي الثلاث ، وكأنه كان قد تقرر عند عائشة أن
النوم ناقض للوضوء فسألته فأجابها بقوله (قال: ((يا عائشة! إن عيني تنامان ،
ولا ينام قلبي))) : دل على أن الناقض نوم القلب ، وهو حاصل مع كل من نام
مستغرقاً؛ فيكون من الخصائص أن النوم لا ينقض وضوءه ﴿﴿ ، وقد صرح
المصنف بذلك في ((التلخيص))، واستدل بهذا الحديث وبحديث ابن عباس :
أنه مَُّ نام، حتّى نفخ، ثم قام فصلى، ولم يتوضأ، وفي البخاري: ((إن
الأنبياء تنام أعينهم ، ولا تنام قلوبهم)) (متفق عليه) .
اعلم أنه قد اختلفت الروايات عن عائشة في كيفية صلاته عة في الليل
وعددها ؛ فقد روي عنها سبع ، وتسع ، وإحدى عشرة ، سوى ركعتي الفجر ومنها
هذه الرواية التي أفادها قوله (وفي رواية لهما): أي : الشيخين (عنها) : أيْ: عن
عائشة (كان يصلي من الليل عشر ركعات): وظاهره أنها موصولة لا قعود فيها
(ويوتر بسجدة) : أي : ركعة (ويركع ركعتي الفجر) : أيْ: بعد طلوعه (فتلك):
أي : الصلاة في الليل مع تغليب ركعتي الفجر، أو فتلك الصلاة جميعاً (ثلاث
عشرة ركعة) : وفي رواية : أنه كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ، ثم يصلي
٣٧
٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٥٣،٣٥٢ - حديثا عائشة
إذا سمع النداء ركعتين خفيفتين فكانت خمس عشرة ركعة ، ولما اختلفت ألفاظ
حديث عائشة ، زعم البعض أنه حديث مضطرب ، وليس كذلك ؛ بل الروايات
محمولة على أوقات متعددة ، وأوقات مختلفة بحسب النشاط وبيان الجواز وأن
الكل جائز، وهذا لا يناسبه قولها : ولا في غيره ، والأحسن أن يقال : إنها أخبرت
عن الأغلب من فعله ◌َ ﴿ ؛ فلا ينافيه ما خالفه لأنه إخبار عن النادر.
يُصَلِِّ مِنَ اللَّيْلِ ثَلاثَ عَشْرَةَ
٣٥٢ - وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله
رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ ، لا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلا فِي آَخِرِهَا .
(وعنها): أيْ: عائشة (قالت: كان رسول الله عَّلةٍ يصلي من الليل ثلاث
عشرة ركعة) : لم تفصلها وتبين على كم كان يسلم كما ثبت ذلك في الحديث
السابق إنما بينت هذا في الوتر بقولها (يوتر من ذلك): أي : العدد المذكور
(بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرها): كأن هذا أحد أنواع إيتاره
﴿ ،
كما أن الإيتار بثلاث أحدها كما أفاده حديثها السابق .
٣٥٣ - وَعَنْهَا قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهَّهِ، وَانْتَهَى وتْرُهُ
إِلَى السَّحَرِ : مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِمَا .
(وعنها): أيْ: عائشة (قالت: من كل الليل قد أوتر رسول الله مح﴿):
أيْ: من أوله وأوسطه وآخره (وانتهى وتره إلى السحر. متفق عليهما) : أيْ:
على الحديثين ، وهذا الحديث بيان لوقت الوتر، وأنه الليل كله من بعد صلاة
العشاء ، وقد أفاد ذلك حديث خارجة حيث قال: ((الوتر ما بين صلاة العشاء
إلى طلوع الفجر)). وقد ذكرنا أنواع الوتر التي وردت في حاشية ((ضوء النهار).
٣٨
٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٥٤، ٣٥٥ - حديثا عبد الله بن عمرو وعلي
٣٥٤ - وعن عَبْد الله بْن عَمْرو بْنِ الْعَاص، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِانِ: ((يَا
عَبْدَ الله! لا تَكُنْ مِثْلَ فَلَانٍ، كَانَ يَقُومُ مِنَّ اللَّيْلِ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ)) .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
(وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله وَ انٍ: ((يا عبد
الله! لا تكن مثل فلان ؛ كان يقوم من الليل ، فترك قيام الليل)). متفق عليه).
قوله: ((مثل فلان))، قال المصنف في ((فتح الباري)» : لم أقف على تسميته
في شيء من الطرق ، وكأنّ إبهام هذا القصد للستر عليه ، قال ابن العربي : هذا
الحديث دليل على أن قيام الليل ليس بواجب ؛ إذْ لو كان واجباً لم يكتف
لتاركه بهذا القدر؛ بل كان يذمه أبلغ ذم ، وفيه استحباب الدوام على ما اعتاده
المرء من الخير من غير تفريط ويستنبط منه كراهة قطع العبادة .
٣٥٥ - وعن عَليَّ عليه السلام قال: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: ((أَوْتِرُوا يَا أَهْلَ
الْقُرْآن؛ فإن الله وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ)). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ .
(وعن عليّ عليهِ السَّلام قال: قال رسول الله تَ ◌ّةٍ: ((أوتروا يا أهل القرآن؛
فإن الله وتر) : في النهاية ؛ أي : واحد في ذاته لا يقبل الانقسام ، ولا التجزئة ،
واحد في صفاته لا شبيه له ، ولا مثل ، واحد في أفعاله لا شريك له ، ولا معين
(يحب الوتر))) : يثيب عليه ويقبله من عامله (رواه الخمسة ، وصححه ابن خزيمة).
المراد بأهل القرآن المؤمنون ؛ لأنهم الذين صدقوا القرآن ، وخاصة من يتولى
حفظه ويقوم بتلاوته ومراعاة حدوده وأحكامه ، والتعليل بأنه تعالى وتر فيه كما
قال القاضي عياض : أن كل ما ناسب الشيء أدنى مناسبة كان أحب إليه ، وقد
٣٩
٢ - كتاب الصلاة
٩ - باب صلاة التطوع
٣٥٦، ٣٥٧ - حديثا ابن عمر وطلق بن علي
عرفت أن الأمر للندب ؛ للأدلة التي سلفت الدالة على عدم وجوب الوتر .
٣٥٦ - وعن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ:﴿ِ قَالَ: ((اجْعَلُوا آَخِرَ
صَلاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْراً)) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
(وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا: أنَّ النبي ◌َّ لِ قال: ((اجعلوا آخر
صلاتكم بالليل وترا)). متفق عليه): في ((فتح الباري)): أنه اختلف السَلَف في
موضعين : أحدهما في مشروعية ركعتين بعد الوتر من جلوس ، والثاني : من
أوتر ، ثم أراد أن يتنفل من الليل هل يكتفي بوتره الأول ويتنفل ما شاء ، أو
يشفع وتره بركعة ، ثم يتنفل ، ثم إذا فعل هذا هل يحتاج إلى وتر آخر ، أو لا؟
أما الأول: فوقع عند مسلم من طريق أبي سلمة عن عائشة: أنه مَ كان
يصلي من الليل ركعتين بعد الوتر ، وهو جالس ، وقد ذهب إليه بعض أهل العلم
وجعل الأمر في قوله : ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)). مختصاً بمن أوتر آخر
الليل ، وأجاب من لم يقل بذلك بأن الركعتين المذكورتين هما ركعتا الفجر ، وحمله
النووي على أنه تم فعل ذلك لبيان جواز النفل بعد الوتر وجواز التنفل جالساً.
وأما الثاني : فذهب الأكثر إلى أنه يصلي شفعاً ما أراد ، ولا ينقض وتره
الأول عملاً بالحدیث وهو :
٣٥٧ - وعن طَلَّق بْن عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله
يَقُولُ: ((لا وِتْرَانِ فِي لَّيْلَةِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلاثَةُ ، وصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ .
(وعن طلق بن عليّ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله عَ ◌ّةٍ يقول:
((لا وتران في ليلة)). رواه أحمد والثلاثة، وصححه ابن حبان): فدل على
٤٠