Indexed OCR Text
Pages 401-420
٢ - كتاب الصلاة ٣ - باب شروط الصلاة ٢٠٢ - حديث ابن عمر يحيى عن أبيه عن أبي سعيد ، ورواه الثوري مرسلاً عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النَّبِيّ ◌َ ﴿، ورواية الثوري أصح ، وأثبت . وقال الدارقطني : المحفوظ المرسل ، ورجحه البيهقي . والحديث دليل على أن الأرض كلها تصح فيها الصلاة ، ما عدا المقبرة ، وهي التي تدفن فيها الموتى ؛ فلا تصح فيها الصلاة ، وظاهره سواء كان على القبر ، أو بين القبور ، وسواء كان قبر مؤمن ، أو كافر ، فالمؤمن ؛ تكرمة له ، والكافر؛ بعداً من خبثه، وهذا الحديث يخصص ((جعلت لي الأرض كلها مسجداً))، الحديث ، وكذلك الحمام؛ فإنه لا تصح فيه الصلاة ؛ فقيل : للنجاسة فيختص بما فيه النجاسة منه ، وقيل : تكره لا غير . وقال أحمد بن حنبل : لا تصح فيه الصلاة ، ولو على سطحه ؛ عملاً بالحديث . وذهب الجمهور : إلى صحتها ، ولكن مع كراهته ، وقد ورد النهي معللاً بأنه محل الشياطين ، والقول الأظهر مع أحمد ، ثم ليس التخصيص لعموم حديث: ((جعلت لي الأرض مسجداً))، بهذين المحلين فقط ؛ بل بما يفيده الحديث الآتي ، وهو قوله : ٢٠٢ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النَّبِيّ ◌َّهِ نهى أنْ يُصَلى في سُبْع مَواطِن : المزْبَلَة ، والمجْزَرة ، والمقْبَرَةِ ، وقارعة الطريق ، والحمّام ، ومعَاطنِ الإبلَ ، وفوْقَ ظَهْرِ بيتِ الله تعالى . رواه الترمذي ، وضعّفَهُ. (وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النَّبِيّ ◌َ ﴿مِ نهى أن يصلى في سَبْع مواطن : المزْبَلَة) : هي مجتمع إلقاء الزبل (والمجزرة) : محل جزر الأنعام (والمقبرة) : وهما بزنة مفعلة بفتح العين ، ولحوق التاء بهما شاذ (وقارعة ٤٠١ ٢ - كتاب الصلاة ٣ - باب شروط الصلاة ٢٠٢ - حديث ابن عمر الطريق) : ما تقرعه الأقدام بالمرور عليها (والحمام): تقدم فيه الكلام (ومعاطن) : بفتح الميم فعين مهملة وكسر الطاء المهملة فنون (الإبل) : وهو مبرك الإبل حول الماء (وفوق ظهر بيت الله تعالى . رواه الترمذي ، وضعفه): فإنه قال بعد إخراجه ما لفظه : وحديث ابن عمر ليس بذاك القوي ، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه ، وجبيرة ؛ بفتح الجيم وكسر الموحدة فمثناة تحتية فراء . وقال البخاري فيه : متروك . وقد تكلف استخراج علل للنهي عن هذه المحلات ، فقيل : المقبرة والمجزرة ؛ للنجاسة ، وقارعة الطريق كذلك، وقيل: لأن فيها حقّاً للغير؛ فلا تصح فيها الصلاة ، واسعة كانت أو ضيقة ؛ لعموم النهي ، ومعاطن الإبل ؛ ورد التعليل فيها منصوصاً: ((بأنها مأوى الشياطين)). أخرجه أبو داود، وورد بلفظ: ((مبارك الإبل))، وفي لفظ: ((مزابل الإبل))، وفي أخرى: ((مناخ الإبل))، وهي أعم من معاطن الإبل . وعللوا النهي عن الصلاة على ظهر بيت الله ، وقيدوه بأنه إذا كان على طرف بحيث يخرج عن هوائها ؛ لم تصح صلاته ، وإلا صحت ، إلا أنه لا يخفى أن هذا التعليل أبطل معنى الحديث ؛ فإنه إذا لم يستقبل بطلت الصلاة ؛ لعدم الشرط ، لا لكونها على ظهر الكعبة ، فلو صح هذا الحديث ؛ لكان بقاء النهي على ظاهره في جميع ما ذكر هو الواجب ، وكان مخصصاً لعموم: ((جعلت لي الأرض مسجداً))، لكن قد عرفت ما فيه ، إلا أن الحديث في القبور من بين هذه المذکورات قد صح ، کما یفیده : ٤٠٢ ٢ - كتاب الصلاة ٣ - باب شروط الصلاة ٢٠٣ - حديث أبي مرثد الغنوي ٢٠٣ - وعن أبي مَرْثَد الغَنَوي قالَ: سمعتُ رسول الله صَالِ يقولُ: ((لا تُصلُّوا إلى القُبور، ولا تجْلِسُوا عَلَيْها)). رواهُ مُسْلِمٌ . (وعن أبي مرثد): بفتح الميم وسكون الراء وفتح المثلثة (الغنوي) : بفتح الغين المعجمة والنون ، وهو مرثد بن أبي مرثد ، أسلم هو وأبوه ، وشهد بدراً، ﴿ (قال : سمعت رسول الله وقتل مرثد يوم غزوة الرجيع شهيداً في حياته ﴿ يقول: ((لا تُصَلَّوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها)). رواه مسلم). وفيه دليل على النهي عن الصلاة إلى القبر، كما نهى عن الصلاة على القبر، والأصل التحريم ، ولم يذكر المقدار الذي يكون به النهي عن الصلاة إلى القبر، والظاهر: أنه ما يعد مستقبلاً له عرفاً ، ودل على تحريم الجلوس على القبر، وقد وردت به أحاديث ، كحديث جابر في وطء القبر، وحديث أبي هريرة : ((لأن يجلس أحدكم على جمرة ، فتحرق ثيايه ، فتخلص إلى جلده ؛ خير له من أن يجلس على قبر)). أخرجه مسلم. وقد ذهب إلى تحريم ذلك جماعة من العلماء ، وعن مالك أنه لا يكره القعود عليها ونحوه، وإنما النهي عن القعود؛ لقضاء الحاجة(١)، وفي ((الموطأ))(٢): عن (١) وبهذا تأوله الطحاوي أيضاً (٢٩٦/١ -٢٩٧) ، واحتج على ذلك بما رواه من طريق محمد ابن أبي حميد عن محمد بن كعب عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: ((من قعد على قبر ، فتغوط عليه أو بال ، فكأنما قعد على جمرة)) ! ولكن محمد بن أبي حميد هذا - وهو الزرقي - ضعيف؛ كما في ((التقريب))؛ فلا يحتج بحديثه؛ لا سيّما وهو مخالف للفظ حديث مسلم! ولذا؛ ضعفه في ((الفتح)) (١٧٤/٣). (٢) ((الموطأ)) (٢٣٢/١) بلاغاً. ٤٠٣ ۔ ٢ - كتاب الصلاة ٣ - باب شروط الصلاة ٢٠٤ - حديث أبي سعيد علي عليه السلام: أنه كان يتوسد القبر ويضطجع عليه(١). ومثله في البخاري عن ابن عمر ، وعن غيره (٢)، والأصل في النهي التحريم، كما عرفت غير مرة، وفعل الصحابي لا يعارض الحديث المرفوع ، إلا أن يقال : إن فعل الصحابي دليل لحمل النهي على الكراهة ، ولا يخفى بعده (٣). ٢٠٤ - وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله عَ انِ: ((إذا جاء أحَدُكُم المسْجد، فَلْيَنْظُر. فإن رأى في نعليْه أذىًّ، أو قَذْراً فَلْيَمْسَحْهُ ولْيُصَلِّ فيهما)). أخرجه أبو داود ، وصححه ابنُ خزيْمَة . (وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ زلة: ((إذا جاءَ أحدكم المسجد ، فلينظر): أيْ: نعليه ، كما دل له قوله (فإن رأى في نعْلَيْهِ أذى، أو قَذراً): شك من الراوي (فَلْيَمْسَحْهُ وليُصَلِّ فيهما)). أخرجه أبو داود، (١) وصله الطحاوي؛ وفيه مولى لآل عليٌّ؛ لم يسمَّ. (٢) أي : تعليقاً؛ وقد وصله - عن ابن عمر - الطحاوي ؛ وفيه عبدالله بن صالح؛ وفيه ضعف . والغير المشار إليه ؛ إنما هو خارجة بن زيد بن ثابت ؛ وقد وصله مسدد بسند صحيح عنه ؛ كما في ((الفتح)) . وذكر من رواية أحمد عن عمرو بن حزم مرفوعاً: ((لا تقعدوا على القبور)). وفي رواية له: رآني رسول الله ﴿ وأنا متكئ على قبر، فقال: ((لا تؤذ صاحب القبر)). وقال : «إسناده صحيح)) . ولم أره في «المسند»! ورواه الطحاوي (٢٩٧/١) باللفظ الأول؛ وفيه ابن لهيعة . (٣) نص على الكراهة: الشافعي في ((الأمّ))، ومحمد في ((الآثار)). لكنها عنده للتحريم ؛ وهو اختيار النووي، والهيثمي؛ كما بينته في ((أحكام الجنائز وبدعها)). ٤٠٤ ٢ - كتاب الصلاة ٣ - باب شروط الصلاة ٢٠٥ - حديث أبي هريرة وصححه ابن خزيمة): اختلف في وصله ، وإرساله ، ورجح أبو حاتم وصله(١)، ورواه الحاكم من حديث أنس ، وابن مسعود ، ورواه الدارقطني من حديث ابن عباس ، وعبد الله بن الشِّخِّير ، وإسنادهما ضعيف . وفي الحديث دلالة على شرعية الصلاة في النعال ، وعلى أن مسح النعل من النجاسة ، مطهر له من القذر والأذى ، والظاهر فيهما عند الإطلاق النجاسة رطبة، أو جافة، ويدل له سبب الحديث، وهو إخبار جبريل له عَ ﴿ أن في نعله أذى ، فخلعه في صلاته ، واستمر فيها ؛ فإنه سبب هذا ، وأن المصلي إذا دخل H في الصلاة ، وهو متلبس بنجاسة غير عالم بها ، أو ناسياً لها ، ثم عرف بها في أثناء صلاته ، أنه يجب عليه إزالتها ، ثم يستمر في صلاته ، ويبني على ما صلى ، وفي الكل خلاف ، إلا أنه لا دليل للمخالف يقاوم الحديث ؛ فلا نطيل بذكره ، ويؤيد طهورية النعال بالمسح بالتراب الحديث الآتي وهو : ٢٠٥ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله عَّه: «إذا وَطِئَّ أحدُكُم الأذَى بِخُفَيْهِ ، فطهُورُهُما التّراب)). أخرَجَهُ أبو داود، وصحّحهُ ابنُ حِبّان . (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله مح له: ((إذا وطئ أحد كم الأذى بخفّيه) : أيْ: مثلاً، أو نعليه ، أو أي ملبوس لقدميه (فطهورهما) : أي: الخفين (التراب)). أخرجه أبو داود ، وصححه ابن حبان): وأخرجه ابن (١) وإسناده صحيح ، وصححه الحاكم والنووي والذهبي وابن التركماني، كما ذكرته في ((صحيح أبي داود)) (٦٥٧). ٤٠٥ ٢ - كتاب الصلاة ٣ - باب شروط الصلاة ٢٠٥ - حديث أبي هريرة السكن ، والحاكم ، والبيهقي من حديث أبي هريرة ؛ وسنده ضعيف . وأخرجه أبو داود من حديث عائشة(١) ، وفي الباب غير هذه بأسانيد ، لا تخلو عن ضعف ، إلا أنه يشد بعضها بعضاً. وقد ذهب الأوزاعي : إلى العمل بهذه الأحاديث ، وكذا النخعي وقالا : يجزيه أن يمسح خفيه إذا كان فيهما نجاسة بالتراب ، ويصلي فيهما ؛ ويشهد له : أن أم سلمة سألت النَّبيّ ◌َ، فقالت : إني امرأة أطيل ذيلي ، وأمشي في المكان القذر، فقال : ((يطهره ما بعده)) . أخرجه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه . ونحوه أن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: قلت : يا رسول الله! إن لنا طريقاً إلى المسجد منتنة ، فكيف نفعل إذا مطرنا؟ فقال: ((أليس من بعدها طريق هي أطيب منها؟)) قلت: بلى، قال: ((فهذه بهذه)) . أخرجه أبو داود ، وابن ماجه. قال الخطابي : وفي إسناد الحديثين مقال ، وتأوله الشافعي بأنه إنما هو فيما جرى على ما كان يابساً ، لا يعلق بالثوب منه شيء . قلت : ولا يناسبه قولها : إذا مطرنا . وقال مالك : معنى كون الأرض يطهر بعضها بعضاً : أن يطأ الأرض القذرة ، ثم يصل للأرض الطيبة اليابسة ؛ فإن بعضها يطهر بعضاً ، أما النجاسة تصيب الثوب ، أو الجسد ؛ فلا يطهرها إلا الماء ؛ قال : وهو إجماع . قيل : ومما يدل لحديث الباب ، وأنه على ظاهره ، ما أخرجه البيهقي عن أبي (١) وإسناده - عندي - صحيح، وحسنه المنذري. وأعله البيهقي بالانقطاع بين القعقاع بن حكيم وعائشة ! انظر ((صحيح أبي داود)) رقم (٤١١). ٤٠٦ ٢ - كتاب الصلاة ٣ - باب شروط الصلاة ٢٠٦ - حديث معاوية بن الحكم المعلى عن أبيه عن جده قال : أقبلت مع علي بن أبي طالب عليه السَّلام إلى الجمعة ، وهو ماش ؛ فحال بينه وبين المسجد حوض من ماء وطين ، فخلع نعليه وسراويله ؛ قال: قلت : هات يا أمير المؤمنين أحمله عنك! قال : لا ، فخاض ، فلما جاوزه لبس نعليه وسراويله ، ثم صلى بالناس ، ولم يغسل رجليه ؛ أي : ومن المعلوم : أن الماء المجتمع في القرى لا يخلو عن النجاسة . ٢٠٦ - وعن معاوية بن الحكم قال: قالَ رسول الله ◌َ انُ: ((إنَّ هذه الصَّلاةَ لا يَصْلُحُ فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هُوَ التّسْبِيحُ والتّكبير وقراءةٌ القُرآن)) . رواه مُسلمٌ . (وعن معاوية بن الحكم) : هو معاوية بن الحكم السلمي ، كان ينزل المدينة ، وعداده في أهل الحجاز (قال: قال رسول الله تَ ﴿ه: ((إنَّ هذه الصلاة لا يصْلُحُ فيها شيءٌ من كلام النّاس، إنّما هو التسبيحُ والتّكبيرُ وقراءة القرآن)). رواه مسلم). وللحديث سبب حاصله : أنه عطس في الصلاة رجل ، فشمته معاوية ، وهو في الصلاة ، فأنكر عليه من لديه من الصحابة بما أفهمه ذلك ، ثم قال له النَّبيّ بعد ذلك: ((إن هذه الصلاة ... ))، الحديث، وله عدة ألفاظ، والمراد من عدم الصلاحية ؛ عدم صحتها ، ومن الكلام: مكالمة الناس ومخاطبتهم ، كما هو صريح السبب ، فدل على أن المخاطبة في الصلاة تبطلها ، سواء كانت الإصلاح الصلاة ، أو غيرها ، وإذا احتيج إلى تنبيه الداخل ؛ فيأتي حكمه ، وبماذا يثبت . ودل الحديث على أن الكلام من الجاهل في الصلاة لا يبطلها ، وأنه معذور لجهله؛ فإنه ◌َرةٍ لم يأمر معاوية بالإعادة، وقوله: ((إنما هو))؛ أي: الكلام ٤٠٧ ٢ - كتاب الصلاة ٣ - باب شروط الصلاة ٢٠٧ - حديث زيد بن أرقم المأذون فيه في الصلاة ، أو الذي يصلح فيها : التسبيح ، والتكبير ، وقراءة القرآن ؛ أي : إنما يشرع فيها ذلك ، وما انضم إليه من الأدعية ؛ ونحوها ، لدليله الآتي وهو : ٢٠٧ - وعن زيد بن أرْقَم أنه قالَ: إِنْ كُنا لَنَتَكلّم في الصلاة على عهْد يُكلِّمُ أحدُنا صاحبهُ بحاجَته ، حتّى تَزَلَتْ: ﴿حَافِظُواْ عَلَى رسول الله عَلـ الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ اللّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت ، ونهينا عن الكلام . متفق عليه ، واللفظ لمسلم . (وعن زيد بن أرقم أنه قال : إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد رسول اللَّه عَّهُ) : والمراد: ما لا بد منه من الكلام ، كرد السلام ونحوه، لا أنهم كانوا يتحادثون فيها تحادث المتجالسين ؛ كما يدل قوله (يكلم أحدنا صاحبه بحاجته، حتّى نزلت: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾) : وهي صلاة العصر على أكثر الأقوال ، وقد ادعي فيه الإجماع (﴿وَقُومُواْ لله قَانتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت ، ونهينا عن الكلام . متفق عليه ، واللفظ لمسلم) : قال النووي في ((شرح مسلم)): فيه دليل على تحريم جميع أنواع كلام الآدميين ، وأجمع العلماء على أن المتكلم فيها عامداً عالماً بتحريمه ، لغير مصلحتها ، ولغير إنقاذ هالك ، وشبهه ؛ مبطل للصلاة ، وذكر الخلاف في الكلام لمصلحتها ، ويأتي في شرح حديث ذي اليدين في أبواب السهو ، وفهم الصحابة الأمر بالسكوت من قوله : ﴿قانتين﴾؛ لأنه أحد معاني القنوت ، وله أحد عشر معنى معروفة ، وكأنهم أخذوا خصوص هذا المعنى من القرائن، أو من تفسيره مَ ** لهم ذلك ، والحديث فيه أبحاث قد سقناها في ((حواشي شرح العمدة)) ؛ فإن اضطر المصلي ٤٠٨ ٢ - كتاب الصلاة ٣ - باب شروط الصلاة ٢٠٨ - حديث أبي هريرة إلى تنبيه غيره ؛ فقد أباح له الشارع نوعاً من الألفاظ كما يفيده الحديث : ٢٠٨ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: قالَ رسول الله عَز ◌َاءِ: ((التّسْبِيحُ للرجال ، والتّصْفيقُ للنِّساءِ)). مُتّفقٌ عليهِ، زادَ مُسْلمٌ: ((في الصَّلاةِ)). (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ليه: ((التسبيح للرجال): وفي رواية: ((إذا نابكم أمر؛ فالتسبيح للرجال)) (والتّصفيق للنساء)). متفق عليه ، زاد مسلم: ((في الصلاة))): وهو المراد من السياق ، وإن لم يأت بلفظه . والحديث دليل على أنه يشرع لمن نابه في الصلاة أمر من الأمور، كأن يريد تنبيه الإمام على أمر سها عنه ، وتنبيه المار، أو من يريد منه أمراً ، وهو لا يدري أنه يصلي، فينبهه على أنه في صلاة؛ فإن كان المصلي رجلاً؛ قال : سبحان الله ، وقد ورد في ((البخاري)) بهذا اللفظ ، وأطلق فيما عداه ، وإن كانت المصلية امرأة نبهت بالتصفيق ، وكيفيته؛ كما قال عيسى بن أيوب : أن تضرب بأصبعين من يمينها على كفها اليسرى، وقد ذهب إلى القول بهذا الحديث جمهور العلماء، وبعضهم فصل بلا دليل ناهض ، فقال : إن كان ذلك للإعلام بأنه في صلاة ؛ فلا يبطلها ، وإن كان لغير ذلك فإنه يبطلها ، ولو كان فتحاً على الإمام، قالوا: لما أخرجه أبو داود من قوله مَ له: (يا علي لا تفتح على الإمام في الصلاة)) ، وأجيب : بأن أبا داود ضعفه بعد سياقه له . فحديث الباب باق على إطلاقه ، لا تخرج منه صورة إلا بدليل ، ثم الحديث لا يدل على وجوب التسبيح تنبيهاً ، أو التصفيق؛ إذْ ليس فيه أمر ، إلا أنه قد ورد بلفظ الأمر في رواية: ((إذا نابكم أمر؛ فليسبح الرجال ، وليصفق النساء)). ٤٠٩ ٢ - كتاب الصلاة ٣ - باب شروط الصلاة ٢٠٩ - حديث عبد الله بن الشخير وقد اختلف في ذلك العلماء ، قال شارح ((التقريب)) : الذي ذكره أصحابنا ، ومنهم الرافعي ، والنووي أنه سنة ، وحكاه عن الأصحاب ، ثم قال بعد كلام: والحق انقسام التنبيه في الصلاة إلى ما هو واجب ، ومندوب ، ومباح ، بحسب ما يقتضيه الحال . ٢٠٩ - وعن مُطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير عن أبيه قال: رَأَيْتُ رسولَ الله ﴿ يُصَلِي، وفي صَدْرِهِ أَزيزٌ كأَزِيزِ المِرْجلِ، من الْبُكاءِ . أخرجهُ الخمسة؛ إلا ابن ماجهْ ، وصَحّحهُ ابن حِبّان . (وعن مطرف) : بضم الميم وفتح الطاء المهملة وتشديد الراء المكسورة وبالفاء (ابن عبد الله بن الشخير) : بكسر الشين المعجمة وكسر الخاء المعجمة المشددة ، ومطرف تابعي جليل (عن أبيه) : عبد الله بن الشخير، وهو ممن وفد إلى النَّبِيّ ◌َ﴿ في بني عامر، يعد في البصريين . (قال: رأيت رسول الله ◌َ ﴿ يصلي، وفي صَدْرهِ أزيزٌ) : بفتح الهمزة فزاي مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فزاي ، وهو : صوت القدر عند غليانها (كأزيز المرجل) : بكسر الميم وسكون الراء وفتح الجيم ؛ هو القدر (من البكاء) : بيان للأزيز (أخرجه الخمسة): هم عنده على ما ذكره في الخطبة ، مَنْ عدا الشيخين، فهم أصحاب ((السنن))، وأحمد ، إلا أنه هنا أراد بهم غير ذلك ، وهم أهل ((السنن)) الثلاثة وأحمد ؛ كما بينه قوله (إلا ابن ماجه ، وصححه ابن حبان): وصححه أيضاً ابن خزيمة ، والحاكم ، ووهم من قال : إن مسلماً أخرجه ، ومثله ما روي أن عمر صلى صلاة الصبح ، وقرأ سورة يوسف ، حتّى بلغ إلى ٤١٠ ٢ - كتاب الصلاة ٣ - باب شروط الصلاة ٢١٠، ٢١١ - حديثا علي وابن عمر قول: ﴿إنَّما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ [يوسف: ٨٦]، فسمع نشيجه . أخرجه البخاري مقطوعاً ، ووصله سعيد بن منصور ، وأخرجه ابن المنذر . والحديث دليل على أن مثل ذلك لا يبطل الصلاة ، وقيس عليه الأنين . ٢١٠ - وعن عليٍّ رضي الله عنه قال: كان لي من رسول الله مَدْخلان ، فكُنْتُ إذَا أتيتُهُ وهو يُصلي ؛ تَنَحْنَحَ لي. رَواهُ النسائيُّ وابنُ مَاجَهْ . (وعن علي رضي الله عنه قال: كان لي من رسول الله ◌َ ◌ّةٍ مدخلان): بفتح الميم ودال مهملة وخاء معجمة ، تثنية مدخل بزنة مقتل ؛ أي : وقتان أدخل عليه فيهما (فكنت إذا أَتَيْتُه وهو يُصلي؛ تَنَحْنَحَ لي . رواه النسائي وابن ماجه): وصححه ابن السكن ، وقد روي بلفظ: سبح ، مكان : تنحنح ؛ من طريق أخرى ضعيفة . والحديث دليل على أن التنحنح غير مبطل للصلاة ، وقد ذهب إليه الناصر ، والشافعي؛ عملاً بهذا الحديث ، وعند الهادوية : أنه مفسد إذا كان بحرفين فصاعداً؛ إلحاقاً له بالكلام المفسد ، قالوا : وهذا الحديث فيه اضطراب ، ولكن قد سمعت أن رواية : تنحنح ؛ صححها ابن السكن ، ورواية : سبح ؛ ضعيفة ؛ فلا تتم دعوى الاضطراب ، ولو ثبت الحديثان معاً ؛ لكان الجمع بينهما - بأنه كان تارة يسبح ، وتارة يتنحنح - صحيحاً . ٢١١ - وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُ قال: قُلتُ لبلال: كيْفَ رأيت النّبيَّ يُرُدُّ عليهمْ حين يُسلِّمون عليه، وهو يُصلي؟ قال: يَقُولُ هكذا، وبَسَطَ كَفّهُ . أخرجهُ أبو داود ، والترمذي وصحّحهُ . ٤١١ ٢ - كتاب الصلاة ٣ - باب شروط الصلاة ٢١١ - حديث ابن عمر (وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُ قال: قلت لبلال: كيف رأيت النَّبِيّ ◌ِ ليه يرد عليهم) : أيْ : على الأنصار؛ كما دل له السياق (حين يسلمون عليه ، وهو يُصلي؟ قال: يقول هكذا ، وبسط كفه. أخرجه أبو داود ، والترمذي وصححه) : وأخرجه أيضاً أحمد ، والنسائي ، وابن ماجه . وأصل الحديث أنه خرج رسول الله ﴿ إلى قباء يصلي فيه ، فجاءت الأنصار، وسلموا عليه ، فقلت لبلال: كيف رأيت؟ الحديث . ورواه أحمد ، وابن حبان ، والحاكم أيضاً من حديث ابن عمر : أنه سأل صهيباً عن ذلك ، بدل بلال ، وذكر الترمذي أن الحديثين صحيحان جميعاً . والحديث دليل على أنه إذا سلَّم أحد على المصلي ، رد عليه السلام بالإشارة دون النطق، وقد أخرج مسلم عن جابر: أن رسول الله ◌َ يُ بعثه لحاجة ، قال : ثم أدركته ، وهو يصلي ، فسلمت عليه ، فأشار إليّ، فلما فرغ دعاني ، وقال: إنك سلمت عليَّ ، فاعتذر إليه بعد الرد بالإشارة . وأمّا حديث ابن مسعود : أنه سلم علیه ، وهو يصلي ، فلم يرد عليه ولا ذكر الإشارة؛ بل قال له بعد فراغه من الصلاة: ((إن في الصلاة شغلاً))، It إلا أنه قد ذكر البيهقي في حديثه: أنه ﴿ أومأ له برأسه . وقد اختلف العلماء في رد السلام في الصلاة على من سلم على المصلي ، فذهب جماعة إلى أنه يرد باللفظ . وقال جماعة : يرد بعد السلام من الصلاة . وقال قوم : یرد في نفسه . ٤١٢ ٢ - كتاب الصلاة ٣ - باب شروط الصلاة ٢١١ - حديث ابن عمر وقال قوم: يرد بالإشارة ؛ كما أفاده هذا الحديث ، وهذا هو أقرب الأقوال للدليل ، وما عداه لم يأت به دليل ، قيل : وهذا الرد بالإشارة استحباب ، بدلیل أنه لم يرد ◌َي به على ابن مسعود؛ بل قال له: ((إن في الصلاة شغلاً)). قلت: قد عرفت من رواية البيهقي أنه حَ ﴿ رد عليه بالإشارة برأسه ، ثم اعتذر إليه عن الرد باللفظ ؛ لأنه الذي كان يرد به عليهم في الصلاة ، فلما حرم الكلام ، رد عليه * بالإشارة ، ثم أخبره أن الله أحدث من أمره أن لا يتكلموا في الصلاة ، فالعجب من قول من قال: يرد باللفظ مع أنه عَ لٍ قال هذا - أي : أن الله أحدث من أمره .... في الاعتذار عن رده على ابن مسعود السلام باللفظ ، وجعل رده السلام في الصلاة كلاماً ، وأن الله نهى عنه ، والقول بأنه من سلم على المصلي لا يستحق جواباً - يعني بالإشارة لا باللفظ -، يرده رده ◌َ ﴿ على الأنصار، وعلى جابر بالإشارة ، ولو كانوا لا يستحقون ؛ لأخبرهم بذلك ، ولم يرد عليهم . وأما كيفية الإشارة ؛ ففي ((المسند)) من حديث صهيب ، قال : مررت برسول الله عَ ليه، وهو يصلي، فسلمت عليه ، فرد عليّ إشارة. قال الراوي: لا أعلمه إلا قال: إشارة بإصبعه. وفي حديث ابن عمر - في وصفه لرده ◌َ امري السلام على الأنصار - أنه ي قال هكذا ، وبسط جعفر بن عون - الراوي عن ابن عمر - كفه ، وجعل بطنه أسفل ، وجعل ظهره إلى فوق ، فتحصل من هذا أنه يجيب المصلي بالإشارة إما برأسه ، أو بيده ، أو بأصبعه . والظاهر أنه واجب ؛ لأن الرد بالقول واجب ، وقد تعذر في الصلاة ، فبقي الرد بأي ممكن ، وقد أمكن بالإشارة ، وجعله الشارع رداً ، وسماه الصحابة رداً ، ودخل ٤١٣ ٢ - كتاب الصلاة ٣ - باب شروط الصلاة ٢١٢ - حديث أبي قتادة : تحت قوله تعالى: ﴿أو رُدُّوها﴾ [النساء: ٨٦]، وأمّا حديث أبي هريرة : أنه قال ((من أشار في الصلاة إشارة تفهم عنه ؛ فليعد صلاته)) - ذكره الدارقطني -، فهو حديث باطل ؛ لأنه من رواية أبي غطفان عن أبي هريرة ، وهو رجل مجهول . يُصَلي ، وهو حاملٌ أُمامةَ ٢١٢ - وعن أبي قتادة قالَ: كان رسولُ الله ◌َ بنت زينب؛ فإذا سَجَدَ وضعها ، وإذا قامَ حَمَلَهَا . متفقٌ عليه ، ولمسلم : وهو يؤمُّ الناسَ في المسجدِ . (وعن أبي قتادة قال: كان رسول الله ﴿ يُصلي وهو حاملٌ أُمامةَ) : بضم الهمزة (بنت زينب): هي أُمها، وهي زينب بنت رسول الله عَ ليه، وأبوها أبو العاص ابن الربيع (فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها . متفق عليه ، ولمسلم) : زيادة (وهو يؤم الناس في المسجد) : في قوله : كان يصلي، ما يدل على أن هذه العبارة لا تدل على التكرار مطلقاً؛ لأن هذا الحمل لأمامة وقع منه ﴿ مرة واحدة، لا غير. والحديث دليل على أن حمل المصلي في الصلاة حيواناً - آدميّاً ، أو غيره - لا يضر صلاته ، سواء كان ذلك لضرورة ، أو غيرها ، وسواء كان في صلاة فريضة ، أو غيرها، وسواء كان إماماً، أو منفرداً. وقد صرح في رواية مسلم: أنه مَ كان إماماً؛ فإذا جاز في حال الإمامة ؛ جاز في حال الانفراد ، وإذا جاز في الفريضة ؛ جاز في النافلة بالأولى ، وفيه دلالة على طهارة ثياب الصبيان، وأبدانهم ، وأنه الأصل ما لم تظهر النجاسة . وأن الأفعال التي مثل هذه لا تبطل الصلاة؛ فإنه ◌َطاهٍ كان يحملها ويضعها ، وقد ذهب إليه الشافعي ، ومنع غيره من ذلك ، وتأولوا الحديث بتأويلات بعيدة ، ٤١٤ ٢ - كتاب الصلاة ٣ - باب شروط الصلاة ٢١٣ - حديث أبي هريرة منها : أنه خاص به ◌َّ لهُ، ومنها : أن أُمامةَ كانت تعلق به من دون فعل منه ، ومنها : أنه للضرورة ، ومنهم من قال : إنه منسوخ ، وكلها دعاوى بغير برهان واضح ، وقد أطال ابن دقيق العيد في ((شرح العمدة)) القول في هذا ، وزدناه إيضاحاً في ((حواشيها)) . ٢١٣ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ◌َُّهُ: («اقتُلُوا الأسوَدَيْنِ في الصلاة: الحيّةَ، والعقرب)). أخرجه الأربعة، وصححه ابنُ حِبّان . (وعن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله تَّةٍ: «اقتُلُوا الأسوَدِيْنِ في الصلاة: الحيّةَ، والعقرب)). أخرجه الأربعة، وصححه ابنُ حِبّان): وله شواهد كثيرة ، والأسودان اسم يطلق على الحية والعقرب ، على أي لون كانا ؛ كما يفيده كلام أئمة اللغة ؛ فلا يتوهم أنه خاص بذي اللون الأسود فيهما . وهو دليل على وجوب قتل الحية والعقرب في الصلاة ؛ إذْ هو الأصل في الأمر ، وقيل : إنه للندب ، وهو دليل على أن الفعل الذي لا يتم قتلهما إلا به ، لا يبطل الصلاة ، سواء كان بفعل قليل ، أو كثير، وإلى هذا ذهب جماعة من العلماء ؛ وذهبت الهادوية إلى أن ذلك يفسد الصلاة ، وتأولوا الحديث بالخروج من الصلاة ؛ قياساً على سائر الأفعال الكثيرة التي تدعو إليها الحاجة ، وتعرض وهو يصلي ؛ كإنقاذ الغريق ونحوه ؛ فإنه يخرج لذلك من صلاته ، وفيه لغيرهم تفاصيل أخر، لا يقوم عليها دليل ، والحديث حجة للقول الأول . وأحاديث الباب اثنان وعشرون، وفي ((الشرح)) ستة وعشرون. ٤١٥ ٢ - كتاب الصلاة ٤ - باب سترة المصلي ٢١٤ - حديث أبي جهيم ٤ - باب سترة المصلي ٢١٤ - عن أبي جُهَيْم رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ عَظ ◌ُهُ: ((لوْ يَعْلَمُ المارُّ بَيْنَ يدي الْمُصلي ماذا عليْه من الإثم ؛ لكان أن يقف أربعينَ خيْراً له منْ أنْ يُر بين يديه)). متّفق عليه، واللفظُ للبخاريِّ، ووقعَ في البَزَّر من وجهِ آخر: «أَربعين خريفاً)). (عن أبي جهيم رضي الله عنه) : بضم الجيم؛ مصغر جهم ، وهو عبدالله ابن جهيم، وقيل : هو عبد الله بن الحارث بن الصمة ؛ بكسر المهملة وتشديد الميم ، الأنصاري ، له حديثان ؛ هذا أحدهما ، والآخر في السلام على من يبول . وقال فيه أبو داود : أبو الجهيم بن الحارث بن الصمة ، وقد قيل : إن راوي حديث البول رجل آخر ، هو عبدالله بن الحارث ، والذي هنا عبدالله بن جهيم، وأنهما اثنان . (قال: قال رسول الله عَ ﴾: ((لوْ يعلم المارُّ بين يَدَيِ المُصَلِّي ماذا عليه من الإثم) : لفظ: ((من الإثم)) ليس من ألفاظ البخاري ، ولا مسلم؛ بل قال المصنف في ((فتح الباري)) : إنها لا توجد في البخاري إلا عند بعض رواته ، وقدح فيه بأنه ليس من أهل العلم ، قال : وقد عيب على الطبري نسبتها إلى البخاري في كتابه ((الأحكام))، وكذا عيب على صاحب ((العمدة)) نسبتها إلى الشيخين معاً . اهـ؛ فالعجب من نسبة المصنف لها هنا إلى الشيخين ؛ فقد وقع له من الوهم ما وقع لصاحب «العمدة)) (لكان أن يقف أربعينَ خيراً لَهُ من أن يَمُرّ بين يديه)). متفق عليه، واللفظ للبخاري): وليس فيه ذكر مميز الأربعين (ووقع في ٤١٦ ٢ - كتاب الصلاة ٤ - باب سترة المصلي ٢١٥ - حديث عائشة البزار) : أيْ: من حديث أبي جهيم (من وجه آخر) : أيْ : من طريق رجالها غير رجال المتفق عليه (أربعين خريفاً) : أيْ: عاماً ، أطلق الخريف على العام، من إطلاق الجزء على الكل . والحديث دليل على تحريم المرور بين يدي المصلي ؛ أي : ما بين موضع جبهته في سجوده، وقدميه ، وقيل غير هذا، وهو عام في كل مصل فرضاً، أو نفلاً، سواء كان إماماً ، أو منفرداً ، وقيل : يختص بالإمام والمنفرد ، إلا المأموم ؛ فإنه لا يضره من مر بين يديه ؛ لأن سترة الإمام سترة له ، وإمامه سترة له ، إلا أنه قد رد هذا القول ؛ بأن السترة إنما ترفع الحرج عن المصلي ، لا عن المار، ثم ظاهر الوعيد يختص بالمار، لا بمن وقف عامداً مثلاً بين يدي المصلي ، أو قعد ، أو رقد ، ولكن إذا كانت العلة فيه التشويش على المصلي ؛ فهو في معنى المار . ٢١٥ - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سُئِل رسولُ الله ◌َ ◌ّةٍ - في غزوة تَبوك - عنْ سُترَةِ الْمُصَلي ، فقَالَ: ((مثل مُؤخِرةِ الرَّحْلِ)». أخرجه مُسْلِمٌ. (وعن عائشة رضيَ الله عنها قالت: سئل رسول الله عَ ليه - في غزوة تبوك - عن سترة المصلي ، فقال : ((مثل مؤخرة) : بضم الميم وهمزة ساكنة وكسر الخاء المعجمة ، وفيها لغات أخر (الرحل))): هو العود الذي في آخر الرحل (أخرجه مسلم) . وفي الحديث ندب للمصلي إلى اتخاذ سترة ، وأنه يكفيه مثل مؤخرة الرحل ، وهي قدر ثلثي ذراع ، وتحصل بأي شيء أقامه بين يديه . قال العلماء : والحكمة في السترة كف البصر عما وراءها ، ومنع من يجتاز بقربه . ٤١٧ ٢ - كتاب الصلاة ٤ - باب سترة المصلي ٢١٦ - حديث سبرة بن معبد وأخذ من هذا أنه لا يكفي الخط بين يدي المصلي ، وإن كان قد جاء به حديث أخرجه أبو داود ، إلا أنه ضعيف مضطرب ، وقد أخذ به أحمد بن حنبل فقال : يكفي الخط . وينبغي له أن يدنو من السترة ، ولا يزيد ما بينه وبينها على ثلاثة أذرع ؛ فإن لم يجد عصاً ، أو نحوها ، جمع أحجاراً، أو تراباً ، أو متاعه ، قال النووي : استحب أهل العلم الدنو من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر مكان السجود ، وكذلك بين الصفوف ، وقد ورد الأمر بالدنو منها ، وبيان الحكمة في اتخاذها ، وهو ما رواه أبو داود وغيره من حديث سهل بن أبي حثمة مرفوعاً: ((إذا صلى أحدكم إلى سترة ، فليدن منها ، لا يقطع الشيطان عليه صلاته)) . ويأتي في الحديث الرابع(*) ما يفيد ذلك ، والقول بأن أقل السترة مثل مؤخرة الرحل يرده الحديث الآتي : ٢١٦ - وعن سَبْرة بن مَعْبدِ الجُهنيِّ قال: قالَ رسول الله عَّهِ: ((لِيَسْتِتَرْ أحدُكم في الصلاة ، ولو بسَهْم)) . أخرجه الحاكم . (وعن سبرة) : بفتح السين المهملة وسكون الموحدة ، وهو أبو ثرية بضم المثلثة وفتح الراء وتشديد المثناة التحتية ، وهو سبرة (ابن معبد الجهني): سكن المدينة، وعداده في البصريين (قال: قال رسول الله عَ ليه: ((ليستتر أحدكم في الصلاة، ولو بسهم)). أخرجه الحاكم): فيه الأمر بالسترة ، وحمله الجماهير على الندب ، وعرفت أن فائدة اتخاذها أنه مع اتخاذها لا يقطع الصلاة شيء ، ومع عدم اتخاذها يقطعها ما يأتي ، وفي قوله : ((ولو بسهم))، ما يفيد أنها تجزئ (*) هو الحديث السابع عشر بعد المائتين بترتيبنا . (الناشر) . ٤١٨ ٢ - كتاب الصلاة ٤ - باب سترة المصلي ٢١٧ - حديث أبي ذر السترة ، غلظت ، أو دقت ، وأنه ليس أقلها مثل مؤخرة الرحل ؛ كما قيل . قالوا : والمختار أن يجعل السترة عن يمينه ، أو شماله ، ولا يصمد إليها . ٢١٧ - وعن أبي ذرّ الغفاريِّ رضي الله عنه قالَ: قال رسول الله (يَقْطِعُ صلاة الرَّجل المسلم - إذا لم يكن بين يديْهِ مِثْلُ مُؤخِرةِ الرَّحل - المرأةُ ، والحمارُ، والكلْبُ الأسودُ))، الحديث، وفيه: ((الكلبُ الأسودُ شيطانٌ)). أخرجه مسلمٌ . (وعن أبي ذرّ رضي الله عنه): بفتح الذال المعجمة ، وقد تقدمت ترجمته (قال: قال رسول الله عَليهِ: ((يقْطَعُ صلاة الرجل المسلم): أيْ: يفسدها ، أو يقلل ثوابها (إذا لم يكُنْ بين يديه مِثْلُ مُؤْخرة الرّحل): أيْ: مثلاً، وإلا فقد أجزأ السهم؛ كما عرفت (المرأة) : هو فاعل يقطع ؛ أي : مرور المرأة (والحمار، والكلبُ الأسودُ))، الحديث): أي : أتم الحديث ، وتمامه : قلت : فما بال الأسود من الأحمر من الأصفر من الأبيض؟ قال : يا ابن أخي سألت رسول الله عما سألتني فقال: ((الكلب الأسود شيطان)) (وفيه: ((الكلبُ الأسوَدُ شَيْطانُ))) : الجار يتعلق بمقدر؛ أي : وقال (أخرجه مسلم) : وأخرجه الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه مختصراً ، ومطولاً . الحديث دليل على أنه يقطع صلاة من لا سترة له مرور هذه المذكورات ، وظاهر القطع الإبطال . وقد اختلف العلماء في العمل بذلك ؛ فقال قوم : يقطعها المرأة ، والكلب الأسود ، دون الحمار؛ لحديث ورد في ذلك عن ابن عباس أنه مرَّ بين يدي ٤١٩ ٢ - كتاب الصلاة ٤ - باب سترة المصلي ٢١٨ - حديث أبي هريرة الصف على حمار، والنَّبيّ ◌َ﴿ يصلي، ولم يعد الصلاة ، ولا أمر أصحابه بإعادتها . أخرجه الشيخان ؛ فجعلوه مخصصاً لما هنا . وقال أحمد : يقطعها الكلب الأسود ، قال : وفي نفسي من المرأة ، والحمار؛ أما الحمار؛ فلحديث ابن عباس ، وأمّا المرأة ؛ فلحديث عائشة عند البخاري أنها قالت : كان رسول الله ◌َو يصلي من الليل، وهي معترضة بين يديه ؛ فإذا سجد غمز رجليها فكفتهما ؛ فإذا قام بسطتهما ، فلو كانت الصلاة يقطعها مرور المرأة لقطعها اضطجاعها بين يديه . وذهب الجمهور إلى أنه لا يقطعها شيء ، وتأولوا الحديث بأن المراد بالقطع نقص الأجر ، لا الإبطال ، قالوا : لشغل القلب بهذه الأشياء ، ومنهم من قال : هذا الحديث منسوخ بحديث أبي سعيد الآتي: ((لا يقطع الصلاة شيء))، ويأتي الكلام عليه ، وقد ورد أنه ((يقطع الصلاة : اليهودي ، والنصراني ، والمجوسي ، والخنزير)) ، وهو ضعيف ، أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس ، وضعفه . ٢١٨ - ولهُ عن أبي هريرة نحوهُ، دون : الكلْبِ . (وله) : أيْ: لمسلم (عن أبي هريرة نحوه): أيْ : نحو حديث أبي ذر (دون: الكلب): كذا في نسخ ((بلوغ المرام)»، ويريد: أن لفظ الكلب لم يذكر في حديث أبي هريرة ، ولكن راجعت الحديث ، فرأيت لفظه في مسلم عنه قال : قال رسول الله عَ ليه: ((يقطع الصلاة : المرأة ، والحمار، والكلب ، ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل)) . ٤٢٠