Indexed OCR Text
Pages 141-160
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٤١ - حديث عائشة
وقيل : إلى نصف العضد والساق ، والغرة في الوجه : أن يغسل إلى
صفحتي العنق .
والقول بعدم مشروعيتهما ، وتأويل حديث أبي هريرة ؛ بأن المراد به المداومة
على الوضوء ، خلاف الظاهر ، ورد بأن الراوي أعرف بما روى ، كيف وقد رفع
معناه ، ولا وجه لنفیه؟!
وقد استدل على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة بهذا الحديث ،
وبحديث مسلم مرفوعاً: ((سيمًا ليست لأحد غيركم))، والسيما - بكسر السين
المهملة -: العلامة ، ورد هذا بأنه قد ثبت الوضوء لمن قبل هذه الأمة (١) ، قيل :
فالذي اختصت به هذه الأمة هو الغرة والتحجيل .
٤١ - وعن عائشةَ رضي الله عنهَا قَالَتْ: كان النبي ◌َّهُ يُعْجِبُهُ التّيَمُّنُ
في تَتَعُّلِهِ ، وتَرَجُلِهِ ، وطُهُورِهِ ، وفي شأنِهِ كُلِّهِ . متفقٌ عليهِ .
(وعن عائشة رضيَ الله عنها، قالت: كان النبي ◌َ﴿ يُعْجِبُهُ التَّيَمُن):
أيْ: تقديم الأيمن (في تَنَعُّله): لبس نعله (وترجله) : بالجيم ؛ أي : مشط شعره
(وطُهوره ، وفي شأنه كله): تعميم بعد التخصيص (متفق عليه) .
قال ابن دقيق العيد : هو عام مخصوص - يعني قولها : كله - بدخول الخلاء ،
والخروج من المسجد(٢)، ونحوهما؛ فإنه يبدأ فيهما باليسار.
(١) كما في حديث (جُرَيِّج الراهب) أنه قام فتوضأ وصلى ، ثم كلم الغلام.
(٢) قال الشارح في ((العدة)) (٢١٥/١):
((لا أعرف فیه حديثاً)).
وهو كما قال في الخلاء. وأما في المسجد؛ ففيه حديث حسن في ((المستدرك)) (٢١٨/١).
١٤١
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٤٢ - حديث أبي هريرة
قيل : والتأكيد بكلّه يدل على بقاء التعميم، ودفع التجوّز عن البعض ،
فيحتمل أن يقال : حقيقة الشأن ما كان فعلاً مقصوداً ، وما يستحب فيه التياسر
"ليس من الأفعال المقصودة ؛ بل هي إما تروك (١) ، وإما غير مقصودة .
والحديث دليل على استحباب البداءة بشق الرأس الأيمن في الترجّل ، والغسل ،
والحلق ، وبالميامن في الوضوء ، والغسل ، والأكل ، والشرب ، وغير ذلك .
قال النووي : قاعدة الشرع المستمرة البداءة باليمين في كل ما كان من باب
التَّكريم ، والتزيين ، وما كان بضدّها ؛ استحب فيه التياسر، ويأتي الحديث في
الوضوء - قريباً -، وهذه الدلالة للحديث مبنية على أن لفظ : يعجبه ، يدل على
استحباب ذلك شرعاً ، وقد ذكرنا تحقيقه في حواشي ((شرح العمدة)) عند
الكلام على هذا الحديث .
٤٢ - وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِعَّهُ: ((إذا
تَوَضَّأْتُمْ فابْدَأُوا بَيَامِنكُمْ)). أخْرجه الأربعة، وصَحّحهُ ابنُ خُزَيْمَة .
(وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: ((إذا تَوَضَّأْتُمْ
فابْدَأُوا بِمَيَا مِنكُمْ)). أخْرجه الأربعة، وصَحّحُهُ ابنُ خُزَيْمَة) :
وأخرجه أحمد ، وابن حبان(٢)، والبيهقي، وزاد فيه: ((وإذا لبستم))(٣)؛ قال
ابن دقيق العيد : هو حَقِیقٌ بِأَنْ يُصَخَّح .
(١) كالخروج من المسجد .
(٢) رقم (١٤٧ - ((الموارد))) ؛ وفيه الزيادة .
(٣) قلت: وهذه الزيادة عند أبي داود أيضاً (٣٩٧٨ - مختصره)، وفي ((الجامع)) للخطيب
وابن حبان .
١٤٢
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٤٢ - حديث أبي هريرة
والحديث دليل على البداءة بالميامن عند الوضوء في غسل اليدين والرجلين ،
وأمّا غيرهما كالوجه والرأس ، فظاهر أيضاً شمولهما ، إلا أنه لم يقل أحد به
فيهما ، ولا ورد في أحاديث التعليم ، بخلاف اليدين والرجلين ؛ فأحاديث التعليم
وردت بتقديم اليمنى فيهما على اليسرى ؛ في حديث عثمان الذي مضى ،
وغيره ، والآية مجملة بينتها السُّنة .
واختلف في وجوب ذلك ، ولا كلام في أنه الأولى .
فعند الهادوية : يجب ؛ لحديث الكتاب ، وهو بلفظ الأمر ، وهو للوجوب في
أصله، وباستمرار فعله ◌َّةٍ له ؛ فإنه ما روي أنه توضأ مرة واحدة بخلافه ، إلا
ما يأتي(١) من حديث ابن عباس ، ولأنه فعله بياناً للواجب فيجب ، ولحديث
ابن عمر(٢)، وزيد بن ثابت ، وأبي هريرة: أنه ◌َ ﴿ توضأ على الولاء، ثم قال :
((هذا وضوء؛ لا يقبل الله الصلاة إلا به)). وله طرق يَشُد بعضها بعضاً (٢).
وقالت الحنفية وجماعة : لا يجب الترتيب بين أعضاء الوضوء(٣) ، ولا بين
(١) (ص١٤٨) .
(٢) في هذا التخريج نظر بيِّن ! فإن الحديث - على ضعفه - لم يرد في الولاء ولا في الترتيب؛
وإنما في الوضوء مرةً مرةً ، ولم يذكر صفة الوضوء .
وكذلك روي من حديث عائشة ، ومن حديث أنس نحوه . رواه ابن السكن في ((صحيحه)) ؛
انظر ((التلخيص)) (ص٣٠)، و((إرواء الغليل)) (٨٥)؛ وراجع (ص١١٩) من هذا الكتاب ؛ لتتأكد
من وهم المؤلف رحمه الله !
وقد جزم الحافظ في ((الفتح)) (١٨٨/١، ١٩٠) بأن الحديث ضعيف ؛ فلم يقوِّ بكثرة طرقه ..
وهو بها حسن عندي .
(٣) قلت : وهو الصواب؛ لحديث المقدام في تأخير المضمضة والاستنشاق عن غسل الوجه =
١٤٣
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٤٣ - حديث المغيرة
اليمنى واليسرى ؛ من اليدين والرجلين(١)، قالوا : الواو في الآية لا تقتضي
الترتيب ، وبأنه قد رُوي عن علي عليه السلام : أنه بدأ بمياسره ، وبأنه قال: ((ما
أبالي ؛ بشمالي بدأت أم بيميني ، إذا أتممت الوضوء)).
وأجيب عنه : بأنهما أثران غير ثابتين ؛ فلا تقوم بهما حجة ، ولا يقاومان ما
سلف ، وإن كان الدارقطني قد أخرج حديث علي ، ولم يضعفه ، وأخرجه من
طرق بألفاظ ، لكنها موقوفة كلّها(٢).
٤٣ - وعن الْغِيْرَةِ بنِ شُعْبَةَ رضيَ الله عَنْهُ: أنَّ النبيِّ :﴿ِ تَوَضَّأَ؛ فَمَسَحَ
بِنَاصِيتِهِ ، وعَلى الْعِمَامَةِ والْخُفّين . أخْرَجَهُ مُسلمٌ .
(وعن المغيرة) : بضم الميم فغين معجمة مكسورة فياء وراء ، يُكَنَّى أبا عبدالله ،
= واليدين ، وقد مضى لفظه (ص١١٩) .
وإذا ثبت عدم وجوب الترتيب فيه ؛ يثبت عدم وجوب التيامن من باب أولى ؛ والله أعلم .
(١) قلت: وقد نقل ابن عبدالبر في ((شرح الموطأ)) (ق٩٩ - ١٠٠) أنهم أجمعوا أن من غسل
يسراه قبل يمناه أنه لا إعادة عليه .
(٢) ((سنن الدارقطني)) (٣٣) من طريقين فقط؛ أحدهما باللفظ الأول، والآخر باللفظ
الآخر ؛ وكلاهما ضعيف .
لكنه رواه من طريقين آخرين عن ابن مسعود : أنه سئل عن رجل توضأ فبدأ بمیاسره؟ فقال :
لا بأس ! وصحح أحدهما .
ونقل ابن عبدالبر في ((شرح الموطأ» (١/١١٤/١) عن الشافعية أنهم ضعفوا أثر ابن مسعود
هذا ؛ قالوا : إنما يرويه مجاهد عن ابن مسعود ؛ ومجاهد لم يسمع من ابن مسعود .
وظاهر كلام أحمد في ((المسائل)) (١١) أن أثر عليٌّ صحيح .
١٤٤
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٤٣ - حديث المغيرة
أو أبا عيسى(١) ، أسلم عام الخندق ، وقدم مهاجراً ، وأول مشاهده الحديبية ، ووفاته
سنة خمسين من الهجرة بالكوفة ، وكان عاملاً عليها ، من قبل معاوية ، وهو (ابن
شُعبة رضي الله عنه) : بضم الشين المعجمة وسكون العين المهملة فموحدة مفتوحة
(أن النبي ﴿ توضأ؛ فمسح بناصيته): في ((القاموس)): الناصية والناصاة:
قصاص الشعر (وعلى العمامة والخفين) : تثنية خف بالخاء المعجمة مضمومة ؛
أي: ومسح عليهما (أخرجه مسلم) ، ولم يخرجه البخاري ، ووهم من نسبه إليهما .
والحديث دليل على عدم جواز الاقتصار على مسح الناصية .
وقال زيد بن علي عليه السلام ، وأبو حنيفة : يجوز الاقتصار .
وقال ابن القيم: ولم يصح عنه ﴿ في حديث واحد أنه اقتصر على مسح
بعض رأسه ألبتّة، لكن كان إذا مسح بناصيته ؛ كمل على العمامة ؛ كما في
حديث المغيرة هذا ، وقد ذكر الدارقطني(٢) أنه رواه عن(٣) ستين رجلاً.
(١) کناه بذلك النبي
وأما (أبو عبدالله)؛ فكناه بها عمر في قصة ؛ رواه الحاكم (٤٥٠/٣) بسند صحيح عن زيد بن
أسلم ؛ وهو منقطع بين زيد وعمر .
لکنه ذكره ابن عبدالبر من روایة زید عن أبيه .
وكذلك رواه الحاكم (٤٤٧/٤) مختصراً دون القصة .
ورواها بتمامها ابن وهب في ((الجامع)) (ص٩) بسند صحيح .
(٢) قلت: المعروف أن الذي ذكر ذلك؛ إنما هو البزار؛ كما في ((التلخيص)) (٥٨)؛ وهكذا -
على الصواب - ذكره الشارح في ((العدة)) (٢٩٨/١)!
ثم إن البزار إنما ذكر ذلك في حديث المغيرة في مسح الخفين فقط الآتي (ص١٦٣)؛ وقد
ذكر الشارح هناك قول البزار هذا ؛ فإيراده هنا فيه إيهام لا يخفى !!
(٣) عنه نحو.
١٤٥
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٤٤ - حدیث جابر بن عبد الله
وأما الاقتصار على العمامة بالمسح ؛ فلم يقل به الجمهور.
وقال ابن القيم: إنه ** كان يمسح على رأسه تارة ، وعلى العمامة تارة،
وعلى الناصية والعمامة تارة ، والمسح على الخفين ، يأتي له باب مستقل ، ويأتي
حديث المسح على العصائب .
٤٤ - وعن جابر بن عبد الله رضيَ الله عنهُمَا، - في صفةٍ حَجِّ النّبِيِّ ◌ِ﴿ ..
قال ◌َّهِ: ((ابْدَؤُوا بَمَا بَدَأَ الله به)). أخرجهُ النّسائيُّ هكذا بلفظِ الأمر. وهو
عند مسلم بلفظ الخبر.
(وعن جابر) : هو: أبو عبد الله جابر (ابن عبد الله رضي الله عنهما) : ابن
عمرو بن حرام - بالحاء والراء المهملتين -، الأنصاري السَّلْمي ، من مشاهير
الصحابة ، ذكر البخاري : أنه شهد بدراً ، وكان ينقل الماء يومئذ ، ثم شهد بعدها
مع النبي ◌َ﴿ ثماني عشرة غزوة، وذكر ذلك الحاكم أبو أحمد ، وشهد صفِّين
مع علي عليه السلام ، وكان من المكثرين الحفّاظ ، وكف بصره في آخر عمره ،
وتوفي سنة أربع ، أو سبع وتسعين(١) بالمدينة ، وعمره أربع وتسعون سنة ، وهو
آخر من مات بالمدينة من الصحابة (٢) (في صفة حج النبي ◌َ {يد): يشير إلى
حديث جليل شريف سيأتي إن شاء الله تعالى في الحج (قال) : أي : النبي
(: ((ابدؤوا بما بدأ الله به)). أخرجه النسائي هكذا بلفظ الأمر، وهو عند
(١) وسبعين.
(٢) كذا قيل! والصواب أنه سهل بن سعد؛ فإنه مات سنة (٩١)؛ وقد ذكر هذا الشارح
نفسه في ترجمة سهل (رقم ٤١٥) فتناقض !
١٤٦
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٤٤ ۔ حديث جابر بن عبد الله
مسلم بلفظ الخبر(١)): أيْ: بلفظ: نبدأ ، ولفظ الحديث : قال : ثم خرج ؛ أي
النبي ﴿ من الباب؛ أي: باب الحرم إلى الصفا، فلما دنا من الصفا؛ قرأ:
((﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِر الله﴾ [البقرة: ١٥٨]، نبدأ بما بدأ الله به))، بلفظ
الخبر فِعْلاً مُضَارِعاً ، فبدأ بالصفا لبداءة الله به في الآية .
وذكر المصنف هذه القطعة من حديث جابرهنا ؛ لأنه أفاد أن ما بدأ الله به
ذكْراً؛ نبتدئ به فعْلاً؛ فإن كلامه كلام حكيم ، لا يبدأ ذكراً؛ إلا بما يستحق
البداءة به فعلاً؛ فإنه مقتضى البلاغة ؛ ولذا قال سيبويه : إنهم - أي : العرب -
يقدّمون ما هم بشأنه أهم ، وهم به أعنى؛ فإن اللفظ عام ، والعام لا يقتصر على
سببه ، أعني: بما بدأ الله به؛ لأن كلمة ((ما))، موصولة ، والموصولات من ألفاظ
العموم ، وآية الوضوء وهي قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى
المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ [المائدة: ٦] داخلة تحت
الأمر بقوله :﴿ ﴿: ((ابدؤوا بما بدأ الله به))(٢)؛ فيجب البداءة بغسل الوجه ، ثم ما
(١) قال ابن دقيق العيد في ((الإلمام)) (٢/٦): ((والأكثر في الرواية على هذا؛ والمخرج
للحديث واحد» .
(٢) قلت : ولقائل أن يقول: إننا لا نسلِّم بالعموم المذكور؛ لأن السياق يدل على أنه
عنى بقوله: ((ابدؤوا)) أو: ((نبدأ .. )) خصوص الصفا والمروة ؛ بدليل تلاوته الآية: ﴿إن الصفا
والمروة ... ﴾؛ والسياق من المخصصات؛ كما هو معروف من العلماء ؛ فلا يظهر إرادة العموم من
كلمة (ما) في الحديث .
وما يؤيد ذلك : أن الله تعالى ذكر الوصية قبل الدَّين في قوله : ﴿من بعد وصية يوصى بها أو
دَينْ﴾؛ مع أن الدَّين يُبْدأ به قبل الوصية باتفاق العلماء، وبيّن ذلك رسول الله عَ ليهِ ؛ كما قال
ابن نصر في ((السنة)) (ص٧٣ - ٧٤).
١٤٧
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٤٥ - حديث جابر بن عبد الله
بعده على الترتيب ، وإن كانت الآية لم تُفِدْ تقديم اليمنى على اليسرى ، من
اليدين والرجلين . وتقدم القول فيه قريباً .
وذهبت الحنفية وآخرون إلى أن الترتيب بين أعضاء الوضوء ؛ غير واجب ،
توضأ ؛ فغسل وجهه ویدیہ ، ثم
واستدل لهم بحديث ابن عباس: أنه هـ
رجليه ، ثم مسح رأسه بفضل وضوئه .
وأجيب: بأنه لا تُعرف له طريق صحيحة حتى يتم به الاستدلال ، ثم لا
يخفى أنه كان الأولى تقديم حديث جابر هذا على حديث المغيرة ، وجعله
متَّصلاً بحديث أبي هريرة ؛ لتقاربهما في الدَّلالة .
٤٥ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: كَانَ رسولُ اللهِ﴿ إِذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاءَ
عَلى مِرْفَقَيْهِ. أَخْرَجَهُ الدَّارِقُطْنِي بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
(وعنه رضي الله عنه) : أي : جابر بن عبد الله رضي الله عنه : (قال : كان
** إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه. أخرجه الدارقطني): هو
رسول الله
الحافظ الكبير ، الإمام العديم النظير في حفظه ، قال الذهبي في حقه : هو حافظ
الزَّمان ، أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد البغدادي الحافظ الشهير صاحب
((السنن))، مولده سنة ست وثلاثمائة ، سمع من عوالم، وبرع في هذا الشأن،
قال الحاكم : صار الدارقطني أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع ، وإماماً في
القراءة والنحو ، وله مصنفات يطول ذكرها ؛ وأشهد أنه لم يخلق على أديم
الأرض مثله ، وقال الخطيب : كان فريد عصره وإمام وقته ، وانتهى إليه علم
الأثر والمعرفة بالعلل وأسماء الرجال ، مع الصدق والثقة ، وصحة الاعتقاد .
١٤٨
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٤٦ - حديث أبي هريرة
وقد أطال أئمة الحديث الثناء على هذا الرجل ، وكانت وفاته في ثامن ذي
القعدة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة (بإسناد ضعيف) : وأخرجه البيهقي أيضاً
بإسناد الدارقطني، وفي الإسنادين - معاً - القاسم بن محمد بن عقيل؛ وهو
متروك ، وضعفه أحمد وابن معين وغيرهما ، وعده ابن حبان في الثّقات ، لكن
الجارح أولى؛ وإن كثر المعدل(١)، وهنا الجارح أكثر.
وصرح بضعف الحديث جماعة من الحفاظ ؛ كالمنذري وابن الصلاح والنووي
وغيرهم (٢) .
قال المصنف(٣): ويغني عنه حديث أبي هريرة عند مسلم: أنه توضأ حتى
أشرع في العضد، وقال: هكذا رأيت رسول الله ◌َ ﴿ توضأ، قلت: ولو أتى به
هنا لكان أولى .
٤٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولِ الله ◌ِّهِ: ((لا وُضُوءَ
لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ،
بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ .
وللتّرْمِذِي عَنْ سَعِيدٍ بْنِ زَيِّدٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ نَحْوهُ.
وقَالَ أَحْمَدُ : لاَ يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ .
(١) لا سيما إذا كان مثل ابن حبان المعروف تساهله في التوثيق .
(٢) لكن الحديث له شواهد يتقوى بها؛ كما صرّح الشارح فيما سبق (ص١١٥).
(٣) يعني: في كتاب ((التلخيص)) (ص٢٠ - ٢١)؛ ومنه نقل المؤلف تعليل الحديث السابق.
١٤٩
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٤٦ - حديث أبي هريرة
ـوان : «لا وضوء لمن
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله
لم يذكر اسم الله عليه)) . أخرجه أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه بإسناد
ضعيف): هذا قطعة من الحديث الذي أخرجه المذكورون ؛ فإنهم أخرجوه
بلفظ: ((لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»؛
والحديث مرويٌّ من طريق يعقوب بن سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة . وهو
يعقوب بن سلمة الليثي ؛ قال البخاري : لا يُعرف له سماع من أبيه ، ولا لأبيه
من أبي هريرة ، وله طريق أخرى عند الدارقطني والبيهقي ، ولكنها كلها ضعيفة
أيضاً، وعند الطبراني(١) من حديث أبي هريرة بلفظ الأمر: ((إذا توضأت؛
فقل : باسم الله ، والحمد لله ؛ فإنَّ حَفَظَتَكَ لا تزال تكتب لك الحسنات حتى
تُحدث من ذلك الوضوء))؛ ولكن سنده واه (وللترمذي)، ولم يقل : والترمذي
(عن سعيد بن زيد): وزيد هو ابن عمرو بن نفيل ، أحد العشرة المشهود لهم
بالجنة ، صحابي جليل القدر؛ لأنه لم يروه في ((السنن))؛ بل رواه في ((العلل))؛
فغاير المصنف في العبارة لهذه الإشارة ، ولأنه لم يروه عن أبي هريرة (وأبي
سعيد نحوه ، وقال أحمد : لا يثبت فيه شيء): وأخرجه البزار وأحمد وابن
ماجه والدارقطني وغيرهم. قال الترمذي : قال محمد - يعني : البخاري -: إنه
أحسن شيء في هذا الباب ؛ لكنه ضعيف ؛ لأن في رواته مجهولين ، ورواية أبي
(١) يعني: في ((الصغير))، و((الأوسط))؛ وهو منكر؛ كما قال الحافظ في ((اللسان)).
ووهم الهيثمي ، فقال: ((إسناده حسن)) !.
وقد بينت ذلك في التعليق على ((ترتيب المعجم الصغير)) ..
٠ ١٥٠
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٤٦ - حديث أبي هريرة
سعيد الخدري التي أخرجها الترمذي وغيره من رواية كثير بن زيد عن ربيح(١)
عن عبد الرحمن عن أبي سعيد ؛ ولكنه قدح في كثير بن زيد وفي ربيح أيضاً .
وقد روي الحديث في التسمية من حديث عائشة ، وسهل بن سعد ، وابن (٢)
سبرة ، وأم سبرة ، وعلي ، وأنس ، وفي الجميع مقال ؛ إلا أن هذه الروايات يقوي
بعضها بعضاً فلا تخلو عن قوة(٣) ، ولذا قال ابن أبي شيبة : ثبت لنا أن النبي
قاله ؛ وإذا عرفت هذا؛ فالحديث قد دل على مشروعية التسمية في الوضوء ؛ وظاهر
قوله (لا وضوء): أنه لا يصح ولا يوجد من دونها؛ إذ الأصل في النفي الحقيقة .
وقد اختلف العلماء في ذلك ؛ فذهب الهادوية إلى أنها فرض على الذاكر .
وقال أحمد بن حنبل والظاهرية : بل وعلى الناسي .
وفي أحد قولي الهادي : إنها سنة ، وإليه ذهبت الحنفية والشافعية ؛ لحديث
أبي هريرة: ((من ذكر الله أول وضوئه ؛ طهر جسده كله ، وإذا لم يذكر اسم
(١) هو ربيح بن عبدالرحمن بن أبي سعيد ؛ رواه عن أبيه عن جده؛ وهو مقبول عند الحافظ .
وأما کثیر بن زید ؛ فحسن الحدیث .
ولذلك ؛ قال أحمد وغيره : إنه أقوى حديث في الباب .
(٢) وأبي .
(٣) أخذ المؤلف ذلك من كلام الحافظ في ((التلخيص)) (ص٢٦ - ٢٧) ، وقد أطال في
تخريج الحديث ، وذكر طرقها وبين عللها ؛ ثم انتهى إلى تقوية الحديث بمجموع الطرق .
وقد سبقه إلى ذلك شيخه العراقي ؛ فقال في ((محجة القرب في فضل العرب» (٢٧ -٢٨):
((إنه حديث حسن)).
وكذا حسّنه ابن كثير، وابن الصلاح؛ كما بينته في ((صحيح أبي داود)» (٩٠).
وحسن الحافظ أيضاً حديث كثير بن زيد في ((النتائج)) .
١٥١
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٤٧ - حدیث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده
الله ؛ لم يطهر منه إلا موضع الوضوء)) أخرجه الدارقطني(١) وغيره؛ وهو
ضعيف . وبه استدل من فرق بين الذاكر والناسي قائلاً : إن الأول في حق
العامد ، وهذا في حق الناسي .
وحديث أبي هريرة هذا الأخير ، وإن كان ضعيفاً؛ فقد عضده في الدلالة على
عدم الفرضية ، حديث: ((توضأ؛ كما أمرك الله))، وقد تقدم ، وهو الدليل على تأويل
النفي في حديث الباب ؛ بأن المراد لا وضوء كاملاً ، على أنه قد روي هذا الحديث
بلفظ: ((لا وضوء كامل)) إلا أنه قال المصنف(٢): إنه لم يره بهذا اللفظ ، قال البيهقي
في ((السنن)) بعد إخراجه (٣) : هذا أيضاً ضعيف ؛ أبو بكر الداهري . - يريد أحد رواته -
إنه غير ثقة عند أهل العلم بالحديث(٤) . وأما القول بأن هذا مثبت ودال على
الإيجاب؛ فيرجح ، ففيه أنه لم يثبت ثبوتاً يقضي بالإيجاب ؛ بل طرقه ؛ كما عرفت .
وقد دل على السنية حديث : ((كل أمر ذي بال)) ، فيتعاضد هو وحديث
الباب على مطلق الشرعية ، وأقلها الندبية .
٤٧ - وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيْهِ عَنْ جَدِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ
يَفْصِلُ بَيْنَ الَمَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِ
رَسُولَ الله
ضَعِيفٍ .
(١) ومن طريقه رواه البيهقي (٤٤/١ - ٤٥)، وقال: إنه ضعيف.
(٢) يعني: في ((التلخيص)) (٢٧).
(٣) قلت : الظاهر أن الضمير راجع إلى حديث أبي هريرة ! لكن البيهقي إنما قال ذلك في
حديث ابن عمر - نحو حديث أبي هريرة -؛ وهو ما لم يسبق له ذكرهنا؛ فلعلّه سقط من الناسخ !
(٤) وفي ((التلخيص)) (ص٢٧): ((وهو متروك)).
١٥٢
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٤٧ - حدیث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده
(وعن طلحة) : رضى الله عنه هو أبو محمد ، أو أبو عبد الله طلحة (ابن
مصرف): بضم الميم وفتح الصاد المهملة وكسر الراء المشددة وفاء . وطلحة أحد
الأعلام الأثبات من التابعين مات سنة اثنتي عشرة ومائة (عن أبيه) : مصرف
(عن جده رضي الله عنه): كعب بن عمرو الهمذاني ، ومنهم من يقول : ابن عمر
بضم العين المهملة ؛ قال ابن عبد البر: والأشهر ابن عمرو ، له صحبة ، ومنهم من
ينكرها! ولا وجه لإنكار من أنكر ذلك ، ثم ذكر هذا الحديث (قال : رأيت رسول
الله * يفصل بين المضمضة والاستنشاق . أخرجه أبو داود بإسناد ضعيف):
لأنه من رواية ليث بن أبي سُليم؛ وهو ضعيف . قال النووي : اتفق العلماء على
ضعفه ، ولأن مصرفاً والد طلحة ؛ مجهول الحال قال أبو داود(١): وسمعت أحمد
يقول : زعموا أن ابن عيينة كان ينكره ؛ يقول : أيش هذا طلحة بن مصرف عن أبيه
عن جده؟! والحديث دليل على الفصل بين المضمضة والاستنشاق بأن يؤخذ لكل
واحد ماء جديد ، وقد دل له أيضاً حديث علي عليه السلام ، وعثمان ؛ أنهما
أفردا المضمضة والاستنشاق، ثم قالا: هكذا رأينا رسول الله ﴿ توضأ. أخرجه
أبو علي بن السكن في ((صحاحه))(٢) وذهب إلى هذا جماعة، وذهبت
(١) ((المسائل)) (٣٠٧).
(٢) قلت: وأخرجه الضياء المقدسي في ((المختارة)) (١٢٦/١) عن عثمان وحده؛ وفيه ابن
ثوبان - واسمه عبدالرحمن بن ثابت - ؛ وهو مختلف فيه ، والظاهر أنه حسن الحديث إذا لم
يخالف؛ وهنا قد خالف الستة الطرق التي أشار إليها الشارح ؛ فحديثه مردود ؛ لا سيّما وقد رواه
من طريقه ابن ماجه ؛ لم يذكر فيه الإفراد؛ كما بينته في ((ضعيف أبي داود)) رقم (١٩)؛ فكأنه
کان یضطرب فيه .
=
١٥٣
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٤٧ - حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده
الهادوية(١) إلى أن السنة الجمع بينهما بغرفة ؛ لما أخرجه ابن ماجه من حديث
علي عليه السلام : أنه تمضمض فاستنشق(٢) ثلاثاً من كف واحدة . وأخرجه أبو
داود . والجمع بينهما ورد من حديث علي من ست طرق(٣) وتأتي إحداها قريباً
وكذلك من حديث عثمان عند أبي داود(٤) وغيره؛ وفي لفظ لابن حبان: «ثلاث
مرات من ثلاث حفنات))، وفي لفظ للبخاري(٥): ((ثلاث مرات من (٦) غرفة
= ويؤيد ضعف حديثه ما يذكره الشارح عن عليّ من الجمع بينهما؛ وإسناده - عند أبي داود.
صحيح (رقم ١٠٢ - من ((صحيحه))) .
(١) قلت: وهو مذهب طائفة من أهل العلم؛ كما ذكر ابن عبدالبر في ((شرح الموطأ))
(٢/١٠٧/١) .
(٢) واستنشق .
(٣) انظر (ص١٢٢)؛ فإنه لم يرد إلا من طريق واحد !
(٤) (رقم ٩٧ - ((صحيحه))) بلفظ : ثم مضمض واستنشق ثلاثاً ... ، وسنده حسن .
(٥) هذا عنده (٢٤٣/١) من حديث عبدالله بن زيد الآتي بعد حديث؛ وليس من حديث
عثمان ؛ كما يوهمه سياق الشارح !
وكذلك لفظ ابن حبان؛ هو عن عبدالله ؛ كما في ((التلخيص)) (٢٩) ...
(٦) يتعلق بقوله : (فمضمض واستنثر). والمعنى: أنه جمع بينهما ثلاث مرات ؛ كل مرة
من غرفة ؛ كما في ((الفتح)) (٢٤٣/١) .
قلت : ومثل ذلك رواية عليٌّ المتقدمة .
ومما يؤيد هذا المعنى ما في رواية أخرى للبخاري (٢٣٥/١) بلفظ: (فمضمض واستنشق
واستنثر ثلاث غرفات)؛ فإنه صريح في أن الثلاث إنما هي غرفات .
فإذا ضمّت هذه الزيادة إلى اللفظ المذكور في الكتاب؛ نتج من ذلك أنه تمضمض واستنشق
ثلاث مرات من ثلاث غرفات ، وهذا يكاد يكون صريحاً في الرواية الآتية (رقم ٤٨).
. ١٥٤
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٤٨ - حديث علي
واحدة))، ومع ورود الروايتين: الجمع وعدمه، فالأقرب التخيير(١)، وأن الكل سنة
وإن كان رواية الجمع أكثر وأصح .
وقد اختار في الشرح التخيير وقال : إنه قول الإمام يحيى .
واعلم أن الجمع قد يكون بغرفة واحدة(٢)، وبثلاث منها ؛ كما أرشد إليه ظاهر
قوله في الحديث : ((من كف واحد ، ومن غرفة واحدة)). وقد يكون الجمع بثلاث
غرفات لكل واحدة من الثلاث المرات غرفة ؛ كما هو صريح(٣): ثلاث مرات من
ثلاث حفنات . قال البيهقي في ((السنن)) بعد ذكره الحديث : يعني - والله أعلم -:
أنه مضمض واستنثر كل مرة من غرفة واحدة ، ثم فعل ذلك ثلاثاً من ثلاث
غرفات ، قال : ويدل له حديث عبد الله بن زيد ، ثم ساقه بسنده ، وفيه : ثم أدخل
يده في الإناء فمضمض واستنشق واستنثر ثلاث مرات من ثلاث غرفات من
ماء ، ثم قال : رواه البخاري في ((الصحيح)). وبه يتضح أنه يتعين هذا الاحتمال .
٤٨ - وَعَنْ عَلِيَّ رَضِيَ الله عَنْهُ - فِي صِفَةِ الْوُضُوء -: ثُمَّ تَمَضْمَضَ عَليه
واسْتَنْثَرَ ثَلاثاً، يُمَضمضْ وينثر من الكَفِّ الَّذِي يأخذ منه الماء. أَخْرَجَهُ أَبُو
دَاود وَالنَّسَائِي.
(وعن علي رضي الله عنه - في صفة الوضوء -: ثم تمضمض مَله واستنثر
(١) وبه قال الحنابلة. ((مقنع)) .
(٢) أي : يمضمض ويستنشق من الغرفة الواحدة ثلاث مرات على ظاهر رواية البخاري :
...
(ثلاث مرات من غرفة واحدة) ! وقد عرفت ما فيها .
(٣) عند ابن حبان ..
١٥٥
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٤٩ - حدیث عبد الله بن زيد
ثلاثاً ، يمضمض وينثر من الكف الذي يأخذ منه الماء . أخرجه أبو داود
والنسائي(١)): هذا من أدلة الجمع؛ ويحتمل أنه من غرفة واحدة ، أو من ثلاث
غرفات(٢) .
٤٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ زَيِّدٍ رضي الله عنه - في صِفَةِ الْوُضُوءِ -: ثُمَّ أدخَلَ
عَ﴿ يَدَهُ، فمضمضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍ وَاحِدةٍ ، يفعَلُ ذَلِكَ ثَلاثاً. مثَّفَقٌ
علَيْه .
(وعن عبد الله بن زيد رضي الله عنه - في صفة الوضوء -) : أي : وضوءه
(ثم أدخل يده) : أي: في الماء (فمضمض واستنشق): لم يذكر
الاستنثار؛ لأن المراد إنما هو ذكر اكتفائه بكف واحدة من الماء ، لما يدخل في الفم
والأنف ؛ وأما دفع الماء فليس من مقصود الحديث (من كف واحدة) : الكف
يذكر ويؤنث (يفعل ذلك ثلاثاً. متفق عليه): هو ظاهر(٣) فى أنه كفاه كف واحد
للثلاث المرات ، وإن كان يحتمل أنه أراد به فعل كل منهما من كف واحد ؛
يغترف في كل واحدة من الثلاث ، والحديث كالأول من أدلة الجمع ، وهذا
الحديث والأول مقتطعان من الحديثين الطويلين في صفة الوضوء ، وقد تقدم مثل
(١) بسند صحيح .
(٢) وهو الظاهر.
(٣) كذا قال! والظاهر خلافه؛ وهو أنه فعل كُلاًّ من المضمضة والاستنشاق من كف
واحدة ؛ ثلاث مرات بثلاث غرفات .
وهو الذي ذهب إليه ابن دقيق العيد، ووافقه الشارح في ((العدة)) (١٩٨/١).
١٥٦
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٥٠ حديث أنس
هذا؛ إلا أن المصنف إنما يقتصر على موضع الحجة الذي يريده؛ كالجمع هنا .
٥٠ - وعن أنس رضي الله عنه قالَ: رأى النّبيُّ :﴿ رَجُلاً، وفي قَدَمِهِ
مِثْلُ الظُّفُرِ لَمْ يُصِبْهُ المَاءُ ، فَقَالَ: ((ارْجعْ فَأحْسنْ وُضُوءَكَ)). أخرجه أبو داودَ
والنسائي .
(وعن أنس رضي الله عنه قال: رأى النبي ﴿ رجلاً(١)، وفي قدمهِ مثل
الظفر) : بضم الظاء المعجمة والفاء ، فيه لغات أخر ، أجودُها ما ذكر، وجمعه :
أظفار، وجمع الجمع : أظافير (لم يصبه الماء): أيْ: ماء وضوئه (فقال: «ارْجعْ
فأحْسنْ وُضُوءَكَ)). أخرجه أبو داود(٢) والنسائي(٣)): وقد أخرج مثله مسلم
من حديث جابر عن عمر ؛ إلا أنه قيل : إنه موقوف على عمر ، وقد أخرج أبو
داود من طريق خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي {18: أن النبي ◌َ ﴾
رأى رجلاً يصلي، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء ، فأمره
(١) أي : وهو يصلي .
(٢) (١٦٤ - ((صحيحه))).
(٣) في عزوه للنسائي نظر؛ فإني لم أجده في «سننه))، ولا عزاه إليه الحافظ نفسه في
((التلخيص)» (ص٣٥)، وكذا ابن تيمية في ((المنتقى))، والشوكاني في ((شرحه)) (١٤٨/١)!
وإني لأخشى أن يكون مقحماً من بعض النساخ ؛ بدليل قول الشارح عقبه :
(وقد أخرج مثله من حديث جابر)) ؛ فإن الضمير عائد إليه ؛ باعتباره أقرب مذكور .
ولم يخرجه النسائي أيضاً؛ وإنما أخرجه أبو داود ، ولكن معلقاً ، وقد وصله مسلم ، وأبو
عوانة ، وغيرهما من طريق أبي الزبير عن جابر.
ففي صنيع الشارح ما لا يخفى !!
١٥٧
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٥٠ حديث أنس
النبي * أن يعيد الوضوء والصلاة . قال أحمد بن حنبل لما سئل عن إسناده؛
جيد؟ : نعم .
وهو دليل على وجوب استيعاب أعضاء الوضوء بالماء نصاً في الرِّجل،
وقياساً في غيرها ، وقد ثبت حديث: ((ويلٌ للأعْقاب من النار))؛ قاله ◌َ ◌ّةٍ فِي
جماعة لم يمس أعقابهم الماء ، وإلى هذا ذهب الجمهور .
وروي عن أبي حنيفة قال : إنه يعفى (١) عن نصف العضو، أو رُبُعه ، أو أقل
من الدرهم ؛ روایات حُكيت عنه .
وقد استدل بالحديث أيضاً على وجوب الموالاة ، حيث أمره أن يعيد الوضوء ،
ولم يقتصر على أمره بغسل ما تركه ، قيل : ولا دليل فيه ؛ لأنه أراد التشديد عليه
في الإنكار ، والإشارة إلى أن من ترك شيئاً فكأنه ترك الكل ، ولا يخفى ضعف
هذا القول ، فالأحسن أن يقال : إن قول الراوي ؛ أمره أن يعيد الوضوء ؛ أي : غسل
ما تركه ، وسماه إعادة باعتبار ظن المتوضئ؛ فإنه صلى ظاناً بأنه قد توضأ وضوءاً
مجزئاً ، وسماه وضوءاً في قوله : يعيد الوضوء ؛ لأنه وضوء لغة (٢) .
وفي الحديث دليل على أن الجاهل ، والناسي حكمهما في الترك حكم العامد(٣).
(١) في قول مرجوح. قلنا : ضروري أن نرجع إلى كتب الفقه على مذهب أبي حنيفة .
(٢) قلت: وفيه بُعْدٌ؛ لأنه لم يرد في الشرع بمعنى الغَسْل؛ كما جزم بذلك ابن تيمية في
((الفتاوى)) (٥٦/١)
.
وحديث : «بركة الطعام الوضوء قبله وبعده)) ؛ ضعيف ! .
(٣) وحديث النعل ، وأبي بكرة ، ومعاوية ؛ يدل على خلاف ذلك !
٠٫٠٠
١٥٨
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٥١ حديث أنس
يَتَوَضَّأُ بالمُدِّ ، وَيَغْتَسِلُ
٥١ - وعنهُ رضي الله عنه قالَ: كانَ رَسُولُ الله ◌ِ
بِالصَّاعِ، إلى خَمْسَةٍ أَمْدَادٍ. مُتَّفقٌ علَيْهِ .
(وعنه رضي الله عنه): أيْ: أنس بن مالك (قال : كان رسول الله
يتوضأ بالمُدّ) : تقدم تحقيق قدره (ويغتسلُ بالصَّاع): وهو أربعة أمداد ؛ ولذا قال
(إلى خَمْسة أمداد): كأنه قال: بأربعة أمداد إلى خمسة (متفق عليه) : وتقدم
أنه ◌َّهُ توضأ بثُلُثي مد؛ وقدَّمنا أنه أقل ما قدر به ماء وضوئه ، ولو أخر المصنف
ذلك الحديث إلى هنا . أو قدم هذا؛ لكان أوفق لِحُسْن الترتيب .
وظاهر هذا الحديث أن هذا غاية ما كان ينتهي إليه وضوءه ﴿، وغُسْله ، ولا
ينافيه حديث عائشة الذي أخرجه البخاري: أنه ﴿ توضأ منْ إناءٍ واحد يُقالُ
له : الفَرَق؛ بفتح الفاء والراء ، وهو إناء يسع تسعة عشر رطلاً(١)؛ لأنه ليس في
حديثها أنه كان ملآناً ماء ؛ بل قولها : من إناء ، يدل على تبعيض ما توضأ منه (٢).
(١) أي : اثني عشر مُدّاً ، أو ثلاثة أصُع عند أهل الحجاز .
(٢) قلت: الحديث في ((البخاري)) (كتاب الغسل) عنها بلفظ :
كنت أغتسل أنا والنبي ◌ٍَّ من إناء واحدٍ ؛ من قدح يقال له : الفرق .
والمصنف ذكره بلفظ: (توضأ)! وظننت في أول الأمر أنه خطأ مطبعي ؛ ثم تأكدت أنه خطأ
من المؤلف ؛ بدليل قوله :
«تبعیض ما توضأ منه)) !
وكذلك ورد الحديث في ((فتح العلام)) تبعاً للمؤلف !
وما أظن للحديث أصلاً باللفظ الذي ذكره المصنف؛ لا في ((البخاري)) ولا في غيره !!
وقد ثبت اغتساله ﴿ وعائشة في إناء واحد ، يسع ثلاثة أمداد أو قريباً من ذلك . رواه مسلم .
وللنسائي نحوه .
١٥٩
١ - كتاب الطهارة
٤ - باب الوضوء
٥٢ - حديث عمر
وحديث أنس هذا ، والحديث الذي سلف عن عبد الله بن زید یرشدان إلى
تقليل ماء الوضوء ، والاكتفاء باليسير منه ، وقد قال البخاري : وكره أهل العلم
فيه - أي: ماء الوضوء - أن يتجاوز فعل النبي تَله .
: ((ما منْكُمْ مِنْ
٥٢ - وعن عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: قالَ رسولُ الله
أحد يَتَوَضَّأُ، فَيُسْبِغُ الوُضُوءَ، ثُمَّ يقولُ: أَشْهَدُ أنْ لا إله إلا الله وَحْدَهُ لا
شريكَ لَهُ ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، إلا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنّة)).
أخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ، وزَادَ : ((اللَّهُمَّ! اجعلني من التّوَّابينَ، واجْعَلْنِي مِنَ
الْمُتَطَهِّرِينَ)).
(وعن عمر رضي الله عنه): بضم العين المهملة ، منقول من جمع عمرة ،
وهو أبو حفص عمر بن الخطاب القرشي، يجتمع مع النبي {18 في كعب بن
لؤي ، أسلم سنة ست من النبوة ، وقيل : سنة خمس بعد أربعين رجلاً ، وشهد
المشاهد كلها مع النبي ◌َّامٍ ، وله مشاهد في الإسلام، وفتوحات في العراق
والشام ، وتوفي في غرة المحرم سنة أربع وعشرين ، طعنه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن
شعبة ، وخلافته عشر سنين ونصف .
(قال: قال رسول الله عَ هُ: (ما منكم من أحد يتوضأ، فيُسبغُ الوُضوء):
تقدم أنه إتمامه (ثم يقول): بعد إتمامه (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، إلا فتحت له أبواب الجنة))): هو من
باب: ﴿ونفخ في الصور﴾ [الكهف: ٩٩]، عبر عن الآتي بالماضي ؛ لتحقق وقوعه ،
والمراد : تفتح له يوم القيامة ، يدخل من أيها شاء (أخرجه مسلم) : وأبو داود ،
١٦٠