Indexed OCR Text

Pages 81-100

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٣ - حديث أنس
عمر ، وجابر بن عبد الله ، وابن أبي أوفى ، والبراء ، وأبي ثعلبة ، وأبي هريرة ،
والعرباض بن سارية ، وخالد بن الوليد ، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ،
والمقدام بن معديكرب ، وابن عباس(١)، وكلها ثابتة في دواوين الإسلام، وقد
ذكر من أخرجها في ((الشرح))(٢)، وهي دالة على تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية،
وتحريمها هو قول الجماهير من الصحابة ، والتابعين ، ومن بعدهم ؛ لهذه الأدلة .
وذهب ابن عباس إلى عدم تحريم الحمر الأهلية (٣)، وفي ((البخاري)) عنه : لا
أدري! أَنُّهيَ عنها من أجل أنها كانت حمولة الناس ، أو حُرِّمت؟ ولا يخفى
(١) وسلمة بن الأكوع وغيره عند ابن القيم .
(٢) ومن قبله ابن القيم في ((التهذيب)) (٣١٧/٥ - ٣٢٤)؛ وفي بعضها فوائد:
ففي حديث ابن أبي أوفى : فانتحرناها .
وفي حديث سلمة: ((أهريقوا ما فيها ، واكسروا قدورها))، فقام رجل ... فقال : نهريق ما
فيها ونغسلها؟ قال النبي ﴿: ((أو ذا)). رواه مسلم. قال ابن القيم: ((وهو صريح في أنّ ما لا
يؤكل لحمه ، لا يطهر بالذكاة ، وأنها لا تعمل شيئاً)).
وفي حديث أنس - في رواية لمسلم -: ((فإنها رجس من عمل الشيطان)).
وفي حديث جابر: وأَذِنَ في لحوم الخيل . رواه مسلم بإسنادين صحيحين عنه ، وأحدهما
عند البخاري (٥٣٧/٩). وزاد الإمام أبو جعفر الطحاوي (٣١٨/٢):
((والحمار الوحشي)). وسنده صحيح.
(٣) قلت: في هذا الإطلاق نظر! والتحقيق؛ كما قال ابن القيم (٣٢٢/٥ -٣٢٣): أن ابن
عباس أباحها أولاً - حيث لم يبلغه النهي - فسمع ذلك منه جماعة ، فرووا ما سمعوا . ثم بلغه
النهي عنها؛ فتوقف ؛ هل هو للتحريم أو لأجل كونها حمولة؟ فروى ذلك عنه الشعبي وغيره . ثم
لما ناظره علي بن أبي طالب ؛ جزم بالتحريم ؛ كما رواه عنه مجاهد .
٨١

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٣ ۔ حديث أنس
ضعف هذا القول ؛ لأن الأصل في النهي التحريم ، وإن جهلنا علّته ، واستدل ابن
عباس بعموم قوله تعالى: ﴿قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ [الأنعام: ١٤٥]
الآية ؛ فإنه تَلاها جواباً لمن سأله عن تحريمها ، ولحديث أبي داود : أنه جاء إلى
رسول الله ﴿ غالب بن أبجر، فقال: يا رسول الله ◌َّهِ، أصابَتْنا سنَة ، ولم
يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سِمَان حُمُر ، وإنك حرَّمت لحوم الحُمُر الأهلية ،
فقال: ((أطعم أهلك من سَمِين حُمرك؛ فإنَّما حرمتها من أجل جوالٌ(١)
القرية))، يريد التي تأكل الجلة ؛ وهي العَذرة .
وأُجيب بأن الآية خصَّت عمومها الأحاديث الصحيحة المتقدمة ، وبأن حديث
أبي داود مضطرب مُخْتَلَفٌ فيه اختلافاً كثيراً(٢) ، وإن صحَّ حُمِلَ على الأكل منها
عند الضرورة ؛ كما دَلَّ عليه قوله : أصابتنا سَنَّةٌ ؛ أي : شدَّةٌ وحاجة .
وذكْرُ المصنف لِهِذَين الحديثين في باب النجاسات وتعدادها ، مبنيٌّ على أن
التحريم من لازمه التنجيس ، وهو قول الأكثر، وفيه خلاف .
والحق أن الأصل في الأعيان الطهارة ، وأن التحريم لا يلازم النجاسة ؛ فإن
الحشيشة مُحَرَّمَةٌ طاهرة ، وكذا المخدِّرات والسُّموم القاتلة ؛ لا دليل على نجاستها ،
وأمّا النجاسة ، فيلازمها التَّحريم ؛ فكلُّ نَجسِ مُحَرَّمٌ، ولا عكس؛ وذلك لأنَّ
(١) جمع (جالَّة)؛ كـ (سامّة) و(سواءٌ)؛ ((نهاية)). يقال: جلَّتِ الدابَّةُ الجِلَّةَ واجتلَّتها؛ فهي
جالَّة وجلالة ، إذا التقطتها .
(٢) انظر ((مختصر السنن)) (٣٢٠/٥ - ٣٢١).
ورواه ابن سعد أيضاً (٤٨/٨) من الوجه الذي رواه أبو داود. وقال الحافظ في ((الفتح)» (٥٣٩/٩):
((وإسناده ضعيف ، والمتن شاذ مخالف الأحاديث الصحيحة؛ فالاعتماد عليها)).
٨٢

١٠ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٣ - حديث أنس
الحكم في النجاسة هو المنع عن ملابستها على كل حال ، فالحكم بنجاسة
العين حكم بتحريمها ، بخلاف الحكم بالتحريم ؛ فإنه يحرم لبس الحرير والذهب ،
وهما طاهران ضرورة شرعية وإجماعاً .
فإذا عرفت هذا؛ فتحريم الحُمُر ، والخمر الذي دلت عليه النصوص ، لا يلزم
منه نجاستهما ؛ بل لا بد من دليل آخر عليه (١)، وإلا بَقِينًا على الأصل المتفق
(١) وقال العلامة السيد محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى وقد سئل عن حكم الأعطار
الإفرنجية - كالكلونيا واللوندا : نسمع عن كثير من الناس القول بنجاسة الكحول - أي : السبرتو -
ونجاسة كل ما فيه شيء منه ، ويحتجون على هذا بأنه هو سبب الإسكار في الخمر، وهي نجسة
عند أكثر أئمة المسلمين وعلمائهم؟
وهذا الاستنباط والاجتهاد معارض بوجوه :
أولها : أنه لا دليل على نجاسة الخمرة نفسها في اللغة ، ولا في الكتاب والسنة . وقوله
تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾، لا يدل على
نجاستها ؛ لأن الرجس - مع كونه ليس نصّاً في النجاسة - محمول عليها وعلى الميسر والأنصاب
والأزلام ، وهذه الأشياء غير نجسة بالإجماع .
هذا ما يقال لمن سلك في القول بالنجاسة مسلك الاجتهاد والاستنباط .
ثانيها : سلّمنا أن الخمر نجسة تقليداً للقائلين بذلك ، من غير أن نعرف لهم دليلاً مقنعاً؛ لكنا
لا نسلِّم أن العلة في نجاستها وجود هذه المادة الكيماوية فيها ؛ لأن هذه المادة ليست قذرة تعافها
النفوس السليمة ؛ فتكون هي الجزء النجس ؛ بل هي من المطهرات التي تزيل ما لا يزيله الماء مع
الصابون من الأقذار والنجاسات ، ولأن هذه المادة لم تكن معروفة للمجتهدين الذين قالوا
بنجاسة الخمر ، ولأن أحكام دين الفطرة مبنية على الأمور الظاهرة لجميع أصناف الناس الذين
دُعوا إليه ، لا على دقائق العلوم الطبيعية المختصة بصنف من الناس .
ثالثها : إذا كانت رجسية الخمر ونجاستها معنوية ؛ كما هو الظاهر على حدٍّ ﴿إنما المشركون =
٨٣

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٣ حديث أنس
عليه من الطهارة ، فمن ادَّعى خلافه ، فالدليل عليه ؛ ولذا نقول: لا حاجة إلى
= نجس﴾، لتأكيد اجتنابها والبعد عنها، فلا تعلُّق لهذه المسألة بالصلاة؛ إلا من حيث
اجتنابُ قرب الصلاة للسكران .
وإن كانت نجاستها حسِّية ؛ كما هو المعروف عن الفقهاء القائلين بذلك؛ بمعنى أنه يجب
تطهير الثوب والبدن إذا أصابه شيء منها ؛ فالأمر - لا شك - تعبُّدي ، والتعبدي لا يبحث في
علته ، ولا يقاس عليه ؛ وإنما يتمثل فيه ظاهر النص .
رابعها : إن هذا الكحول يوجد في غير الخمرة من الأشربة والأدوية والأعطار القديمة غير
الإفرنجية وغير ذلك، فإذا كان قولهم: إن كل ما فيه مادة الكحول نجس، فعلينا أن نحكّم
الكيماويين في معرفة أنواع النجاسة المحرمة شرعاً، ونأخذ بأقوالهم؛ وإن كان لا يسلم لنا شيء
من النجاسة !
خامسها : إذا قالوا : إن الخمرة نجسة العين ، فاللازم في اتباعهم اجتناب هذا الشراب المسكر
الذي يسمى: خمراً ، والتطهُّرٍ منه ؛ وليس علينا أن نحلّل بسائطه ونقول : إن كل عنصر منه يوجد
في شيء آخر نحكم على ذلك الشيء بحكمه ؛ لأن جزء نجس العين نجس ! فإن هذه فلسفة لا
تليق بالحنيفية السمحة ، ولأن الأحكام إنما هي على هذه المركبات؛ وهذا العطر ليس خمراً .
سادسها : إن النجاسات المجمع عليها - كبول الإنسان وغائطه - مركبة من عناصر كيماوية
توجد في كل طعام وشراب ؛ وإنما القذارة من التركيب المخصوص على النِّسبِ المخصوصة .
سابعها : المعروف في محاسن الشريعة أن الأحكام تدور مع العلل وجوداً وعدماً ، فإذا حرمت
الأشربة المسكرة التي كانت في زمن التشريع وسميت خمراً، فلا شك أن الأشربة التي اخترعت
بعد ذلك - كالكُنياك ــ لها حكمها، وجاء النص بِحِلِّ الخل الذي كان خمراً - أي: وتخلل
بنفسه -، وحكم الأئمة القائلون بنجاسة الخمر بطهارتها إذا تخللت؛ لأن المفسدة التي كانت
في هذا المائع واقتضت اجتنابه قد زالت ، فأي معنى للتضييق على المسلمين من الانتفاع به؟!
وكذلك جلود الميتة إذا دُبغت تطهر ؛ للأمن من نتنها وفسادها ، وانقلاب العين ودخول النار من
المطهِّرات في مذهب الحنفية ، فإذا طُبخ الصابون بالزيت النجس يكون ظاهراً؛ فكيف لا يكون
العطر الذي فيه الكحول طاهراً؟!
=
٨٤

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٣ ۔ حديث أنس
إتيان المصنف بحديث عمرو بن خارجة الآتي قريباً، مستدلاً به على طهارة
= ثامنها: إن الطِّيب ضدّ القذر؛ والنجاسة هي القذارة الشديدة؛ ومن البلاء أن نغلو في
الدين ونتعمّق بالتفلسف فيه ؛ حتى نعطي الضد حكم ضده؛ بل نجعله منه ! فهذه الأعطار
والطّيوب الإفرنجية ليست خمراً ولا قذراً، ولا نعرف أيضاً عن أئمة الدين قولاً بتحريم شيء
لعلل فلسفية وتحليلات كيماوية .
تاسعها : قد ثبت في الكيمياء أن هذا الكحول يوجد في غير هذه الأعطار من الأكل والشرب
والدواء؛ لا سيما المتَخمِّر منها، كالعجين وغيره؛ كما تقدم ، فإذا حكمنا بنجاسة كل ذلك؛ نوقع
الأمة في أشد الحرج ! والحرج كله مُنْتَفٍ بالنص ! ولا مرجح للقول بنجاسة هذه الأعطار دون غيرها .
هذا؛ وإننا نرى كثيراً من أهل العلم يتعطرون بهذه الطُّيوب ؛ بعلة أنها مجهولة الأصل ، وأن
قول الكيماويين غير معتبر شرعاً ! وعندنا أن قول الكيماويين يقيني ؛ لأنه مبني على المشاهدة ،
ومتواتر عنهم بالنسبة إليهم . انتهى من المجلد الرابع (ص ٥٠٠).
وإنما نقلنا كلامه بتمامه وإن كان ليس من الموضوع الذي نحن فيه ؛ لتتم الفائدة ، ولأن له
تعلقاً فيه .
وقال في (صفحة ١٨٤) من المجلد السابع عشر:
(«ذهب جمهور الفقهاء إلى نجاسة الخمر. وروي عن ربيعة شيخ الإمام مالك القول بطهارتها -
قلت: وكذا روي عن الإمام داود؛ كما في ((رحمة الأمة))، و((الميزان)) -. وأما النجاسة الحسِّية؛
فلا تصدق على الخمر لغةً ؛ لأنها ليست قذرة ، والنجس ما كان شديد القذارة . ولا قام عليها
دليل من الكتاب ولا من السنَّة)). ثم قال ما مفاده:
((اجتمعنا بجماعة من أكابر علماء الأزهر، فدار الكلام بيننا في هذه المسألة ؛ فقال أحد
علماء المالكية بنجاسة الخمر. قلت: أيمكنك أن تذكر ما عندك من الدليل؟ قال : الإجماع
- انظر كتاب ((إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول)) للشوكاني؛ تعرف حقيقة هذه
الكلمة - ! قلت: لم ينقله أحد؛ بل نقلوا عن الإمام ربيعة التصريح بطهارتها ! قال : آية
المائدة . قلت : إن لفظ ﴿رِجْسٌ﴾ محمول فيها على الخمر والميسر والأنصاب والأزلام؛ فتعيَّن =
٨٥

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٤ - حديث عمرو بن خارجة
لعاب الراحلة ، وأمّا الميتة ؛ فلولا أنه ورد: ((دباغ الأديم طهوره))، و ((أيما إهاب
دبغ؛ فقد طهر))، لقلنا بطهارتها؛ إذ الوارد في القرآن تحريم أكلها ، لكن حكمنا
بالنجاسة ، لما قام عليها دليل غير دليل تحريمها .
بِمِنئِ ، وهو
٢٤ - وعن عَمرو بن خارجةَ قَالَ: خَطَبَنَا رسول الله
على رَاحِلَته، ولُعَابُهَا يسيل على كَتِفي. أخرَجَهُ أحمَدُ والترمذيُّ،
وصححه .
(وعن عمرو بن خارجة): هو صحابي أنصاري عِدَاده في أهل الشّام ، وكان
حليفاً لأبي سفيان بن حرب ، وهو الذي روى عنه عبد الرحمن بن غنم : أنه
سمع رسول الله ◌َ ﴿ يقول في خطبته : ((إنَّ الله قد أعطَى كلَّ ذي حق حقه ؛
فلا وصيَّة لوارث)) (قال: خطبنا رسولُ الله ◌َّهُ بمنّى، وهو على راحلته) :
بالحاء المهملة ، وهي من الإبل الصالحة لأن ترحل (ولُعابها) : بضم اللام فعين
مهملة وبعد الألف موحدة؛ هو: ما سال من الفم (يسيلُ على كتفي . أخرجه
أحمد ، والترمذي وصححه)(١).
= أن يكون الرجس هو المستقبح عقلاً وشرعاً لضرره . ولما لم يستطع المالكي أن يقيم دليلاً؛
سأل أحدُ الحاضرين مُفْتي الديار المصرية - وكان يسمع المناظرة - عن رأيه في المسألة؟ فقال
المفتي: ما مذهب الأستاذ؟ - يعني: صاحب ((المنار)) - قيل له: شافعي. فقال لي: ما المعتمد
عند الشافعية في المسألة؟ قلت: المعتمد أن الخمر نجسة . قال: انتهى الأمر ! قلت : لا ، إننا
نبحث في الدليل على نجاسة الخمر ، لا في نص المذهب . فإن كان لديك دليل فاذكره لنا ، فلم
یأت بشيء ! ثم سكت الشیوخ وسکتنا» . انتهى .
(١) وفي سنده (١٩٠/٣): شَهْرُ بن حوشب؛ وهو سيئ الحفظ .
=
٨٦

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٥ - حديث عائشة
والحديث دليل على أن لُعاب ما يُؤكل لحمه طاهر، قيل: وهو إجماع ، وهو
أيضاً الأصل، فَذِكْرُ الحديث بيان للأصل، ثم هذا مبنيّ على أنه مَّهُ عَلِم
سيلان اللعاب عليه ؛ ليكون تقريراً .
٢٥ - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كانَ رسول الله عَ ◌ّهُ يَغْسِلُ
الْمَنِيَّ، ثم يخرُجُ إلى الصَّلاة في ذلك الثّوبِ ، وأنَا أَنْظُرُ إلى أثَرِ الْغَسْلِ.
متفق عليه .
﴿ فَرْكاً، فَيُصَلي فِيهِ .
ولمسْلم : لَقَدْ كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْب رسول الله
وفي لفظ له : لَقَدْ كُنْتُ أَحْكُهُ يابساً بِظُفْرِي مِنْ ثَوْبِهِ .
(وعن عائشة رضي الله عنها) : هي أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر
الصديق، أمها أم رومان ابنة عامر، خطبها النبي ◌َ ﴿ بمكة، وتزوجها في شوال
سنة عشرة من النبوة ، وهي بنت ست سنين ، وعرس بها - أي : دخل بها - في
المدينة في شوال سنة اثنتين من الهجرة ، وقيل غير ذلك ، وهي بنت تسع سنين
- من غير اعتبار الكسر -، ومات عنها ولها ثماني عشرة سنة ، ولم يتزوج بكراً
= ومن طريقه: رواه أحمد (١٨٦/٤ - ١٨٧)، وكذا النسائي (١٢٨/٢)، وابن ماجه (٢٧١٢)،
والبيهقي (٢٥٦/١) .
وله - عنده - شاهد عن ابن عمر في قصة ذكرها في الحج .. قال : وإني تحت ناقة رسول
الله ◌َ - يمستُني لعابها - أسمعه يلبِّي بالحج .
ورجاله ثقات؛ لكن سعيد بن عبدالعزيز اختلط في آخر عمره .
وشاهد آخر عن أنس : أخرجه الضياء (٢/١٢٥) من طريق الدارقطني - بسنده - عن سعيد
ابن أبي سعيد عنه .
٨٧

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٥ - حديث عائشة
غيرها ، واستأذنت النبي ◌َ﴿ في الكُنية ، فقال لها: تَكَنَّي بابن أختك عبد الله
ابن الزبير ، وكانت فقيهة عالمة فصيحة فاضلة ، كثيرة الحديث عن رسول الله
﴿﴿ ، عارفة بأيام العرب وأشعارها، روى عنها جماعة من الصحابة والتابعين،
في
نزلت براءتها من السماء في عشر آيات في سورة النُّور ، تُوفي رسول الله
بيتها ، ودفن فيه ، وماتت بالمدينة سنة سبع وخمسين ، وقيل : سنة ثمان
وخمسين ، ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان ، ودفنت بالبقيع ، وصلى
عليها أبو هريرة رضي الله عنه ، وكان خليفة مروان في المدينة .
(قالت: كان رسول الله ◌َ﴿ يغسلُ المنيَّ، ثم يخرُجُ إلى الصَّلاة في ذلك
الثّوب ، وأنا أنظرُ إلى أثر الغسل . متفق عليه) : وأخرجه البخاري أيضاً من
حديث عائشة بألفاظ مختلفة: وأنها كانت تغسل المني من ثوبه من﴿18 ، وفي
بعضها: وأثّرُ الغسل في ثوبهِ بقع الماء ، وفي لفظ: فيخرج إلى الصلاة ، وإنَّ بقع
الماء في ثوبه ، وفي لفظ: وأثر الغسل فيه بقع الماء ، وفي لفظ : ثم أراه فيه بقعة ،
أو بقعاً ، إلا أنه قد قال البزار: إن حديث عائشة هذا مداره على سليمان بن
يسار، ولم يسمع من عائشة ، وسبقه إلى هذا الشافعي في ((الأم)) حكاية عن
غيره ، ورد ما قاله البزار بأن تصحيح البخاري له ، وموافقة مسلم له على
تصحيحه ؛ مفيد لصحة سماع سليمان من عائشة ، وأن رفعه صحيح(١) .
(١) قلت: هذا الجواب ليس بالقوي؛ لأنه يوهم أن سليمان بن يسار لم يصرّح بتلقيه
الحديث من عائشة عند الشيخين ! وليس كذلك؛ فقد صرّح عند البخاري (٦٤/١) بقوله :
((سألت عائشة عن المنيِّ يصيب الثوب؟ ... ))
=
٨٨

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٥ - حديث عائشة
وبهذا الحديث استدل من قال بنجاسة المنيّ ، وهم الهادوية ، والحنفية ،
ومالك ، ورواية عن أحمد ؛ قالوا : لأن الغسل لا يكون إلا عن نجس ، وقياساً
على غيره من فضلات البدن المستقذرة من البول والغائط ؛ لا نصباب جميعها
إلى مقر، وانحلالها عن الغذاء ؛ ولأن الأحداث الموجبة للطهارة نجسة ، والمني
منها ؛ ولأنه يجري من مجرى البول ، فتعين غسله بالماء كغيره من النجاسات ،
وتأولوا ما يأتي مما يفيده قوله (ولُسلم) : أيْ: عن عائشة ؛ رواية انفرد بلفظها عن
البخاري، وهي قولها (لقد كنتُ أفرُكُهُ من ثَوْبِ رسول الله تَ ﴿ٍ فَرْكاً) : مصدر
تأكيدي يقرر أنها كانت تفركه وتَحُكُّه ، والفرك : الدَّلك ، يقال : فرك الثوب ، إذا
دلكه (فيصلي فيه(١)، وفي لفظ له): أيْ: لمسلم عن عائشة: (لقد كنتُ
أُحُكَّهُ) : أي : المنيَّ حال كونه (يابساً بظفري من ثوبه): اختص مسلم بإخراج
رواية الفَرْك ، ولم يخرجها البخاري .
وقد روى الحت والفرك أيضاً البيهقي ، والدارقطني ، وابن خزيمة ، وابن الجوزي ،
من حديث عائشة، ولفظ البيهقي: ربما حَتَتُهُ من ثوب رسول الله عَ ليهِ ، وهو
= وفي ((مسلم)) (١٦٥/١): ((أخبرتني عائشة ... )).
وقد جاء الغَسْل من طريق أخرى ، رواه الدارقطني (٤٦) عن عمرة عنها بلفظ :
((كنت أفرك المنيّ من ثوب رسول الله عَ﴿ إذا كان يابساً، وأغسله إذا كان رطباً)).
وأخرجه أبو عوانة ، والطحاوي . وسنده صحيح على شرطهما .
(١) زعم ابن العربي (١٨١/١) أن هذه الزيادة متكلم عليها؛ فلا حجة فيها !!
ولا مغمز فيها عند مسلم (١٦٤/١)، وأبي داود (٦١/١).
٨٩

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٥ - حديث عائشة
يصلي(١)، ولفظ الدارقطني، وابن خزيمة أنها كانت تَحُتُّ المنيّ من ثوب رسول
الله ﴿، وهو يصلي(١)، ولفظ ابن حبان: لقد رأيتني أفرك المني من ثوب رسول
الله عَ ليه، وهو يصلي(١)، رجاله رجال الصحيح؛ وقريب من هذا الحديث حديث
ابن عباس عند الدارقطني ، والبيهقي وقال البيهقي (٢) بعد إخراجه : ورواه وكيع
عن ابن أبي ليلى موقوفاً على ابن عباس ، وهو الصحيح(٣) . اهـ. سئل رسول الله
عن المني يصيب الثوب فقال: ((إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق والبزاق))،
وقال: ((إنما يكفيك أن تمسحه بخرقة ، أو إذخرة)).
(١) لم أجد هذا اللفظ عند الدارقطني والبيهقي! ولا رأيت أحداً عزاه إليهما! وإنما عزاه
الحافظ في ((الفتح)) (٢٦٥/١) رواية الدارقطني وابن خزيمة ، لابن خزيمة فقط.
ووهم الشارح في ((العُدَّ)) على الحافظ! فذكر (٤١١/١) عنه أنه عزا هذه الرواية لمسلم؛
ولیست عنده !
ومن الألفاظ الثابتة في الحديث :
یَسْلُت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه ، ويحثُه من ثوبه يابساً ثم
«کان رسول
يصلي فيه)» .
أخرجه أحمد (٢٤٣/٦) بسند حسن. قال الشارح في («العدة)) (٤٠٥/١):
((وهذا صريح في طهارته ؛ لا يحتمل تأويلاً ألبتّة)).
(٢) (٤١٨/٢) .
(٣) قلت : وهو كما قال ؛ فإن الذي رواه عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس مرفوعاً ؛ إنما
هو شريك ؛ وهو سيئ الحفظ . ورواه عمرو بن دينار وابن جريج عن عطاء عن ابن عباس موقوفاً .
ومنه تعلم أن قول الشارح في «العدة)) (٤٠٤/١): إنه ثبت مرفوعاً !! وهم أو تساهل ! وكأنه
تبع ابن الجوزي ؛ فراجع ((التحقيق)) (٦١/١).
وليس لابن عباس مخالف .
٠
٩٠

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٥ - حديث عائشة
فالقائلون بنجاسة المنيّ، تأولوا أحاديث الفرك هذه بأن المراد به الفرك مع
غسله بالماء ، وهو بعید .
وقالت الشافعية : المني طاهر(١) ، واستدلوا على طهارته بهذه الأحاديث ،
(١) أقول : وقد حقق الكلام في طهارة المني شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فقال:
((مني الآدمي فيه أقوال ثلاثة :
أحدها : أنه نجس كالبول ؛ فيجب غسله رطباً ويابساً من البدن والثوب . وهذا قول مالك
والأوزاعي والثوري وطائفة .
وثانيها : أنه نجس يجزئ فرك يابسه . وهذا قول أبي حنيفة وإسحاق ورواية عن أحمد .
وثالثها : أنه مستقذر كالمخاط والبصاق. وهذا قول الشافعي وأحمد في المشهور عنه ، وهو
الذي نصرناه . والدليل عليه من وجوه :
أحدها : ما أخرج مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: كتت أفرك المني من ثوب
رسول الله 18 ، ثم يذهب فيصلي فيه ، وروي في لفظ الدارقطني : كنت أفركه إذا كان يابساً ،
وأغسله إذا كان رطباً .
فهذا نص في أنه ليس كالبول نجساً نجلسة غليظة . بقي أن يقال : يجوز أن يكون نجساً كالدم.
- قلت: يفهم منه أن الدم أخف نجاسة من البول عنده؛ كما لا يخفى ! - أو طاهراً كالبصاق؛
لكن الثاني أرجح؛ لأن الأصل وجوب تطهير الثياب من الأنجاس قليلها وكثيرها ، فإذا ثبت
جواز حمل قليله في الصلاة ؛ ثبت ذلك في كثيره ؛ فإن القياس لا يفرق بينهما !
فإن قيل: فقد أخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله بل كان يغسل المني
ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه . فهذا يعارض حديث الفرك
في مني رسول الله ﴿؛ والغَسْل دليل النجاسة؛ فإن الطاهر لا يطهّر!
فيقال: هذا لا يخالفه؛ لأن الغسل للرطب ، والفرك لليابس؛ كما جاء مفسراً في رواية
الدارقطني ، أو فعل هذا أحياناً وهذا أحياناً . وأما الغَسْل؛ فإن الثوب قد يغسل من المخاط
والبصاق والنخامة ؛ استقذاراً لا تنجيساً؛ ولهذا قال سعد بن أبي وقاص وابن عباس:
=
٩١

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٥ - حديث عائشة
قالوا : وأحاديث غسله محمولة على النّدب ، وليس الغسل دليل النجاسة ؛ فقد
- أَمْهُ عنك ولو بإذخرة ؛ فإنما هو بمنزلة المخاط والبصاق .
الدليل الثاني: ما روى الإمام أحمد في «مسنده» بإسناد صحيح عن عائشة قالت : كان
رسول الله ﴿ يَسْلُتُ المنيَّ من ثوبهِ بعرق الإذخر ثم يصلي فيه ، ويحثُّه من ثوبه يابساً ثم
يصلي فيه .
وهذا من خصائص المستقذرات لا من أحكام النجاسات؛ فإن عامة القائلين بنجاسته لا
یجوّزون مسح رطبه .
الدليل الثالث: ما احتجَّ به بعض أوّلينا بما رواه إسحاق الأزرق عن شريك عن محمد بن
عبدالرحمن عن عطاء عن ابن عباس قال: سئل النبي ﴿ عن المني يصيب الثوب؟ فقال :
((إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو إذخرة)). قال الدارقطني: (لم
يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك». (قالوا :) وهذا لا يقدح؛ لأن إسحاق بن يوسف الأزرق
أحد الأئمة ، وروى عن سفيان وشريك وغيرهما، وحدث عنه أحمد ومن في طبقته ، وقد
أخرج له صاحبا ((الصحيح))؛ فيقبل رفعه ! وأنا أقول: أما هذه الفتيا؛ فهي ثابتة عن ابن
عباس، وقبله سعد بن أبي وقاص؛ ذكر ذلك عنهما الشافعي. وأما رفعه إلى النبي ﴿لقد ؛
فمنكر باطل لا أصل له؛ لأن الناس كلهم رووه عن شريك موقوفاً. ثم شريك ومحمد بن
عبدالرحمن - وهو ابن أبي ليلى - ليسا في الحفظ بذاك؛ والذين هم أعلم منهم بعطاء ؛ مثل ابن
جريج الذي هو أثبت فيه من القطب (كذا) وغيره من المكيين ؛ لم يروه أحد إلا موقوفاً؛ وهذا
كله دليل على وهم تلك الرواية .
فإن قلت : أليس من الأصول المستقرة أن زيادة العدل مقبولة، وأن الحكم لمن رفع لا لمن
وقف ؛ لأنه زائد؟!
قلت : هذا عندنا حق ؛ مع تكافؤ المحدّثین المخبرین وتعادلهم . وأما مع زيادة عدد من لم یزد ؛
فقد اختلف فيه أولونا؛ وفيه نظر ! وأيضاً؛ فأهل نقد الحديث والمعرفة به أقعد بذلك؛ وليسوا
يشكّون في أن هذه الزيادة وهم .
٩٢

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٥ - حديث عائشة
يكون لأجل النظافة ، وإزالة الدرن ، ونحوه . قالوا : وتشبيهه بالبُزاق والمخاط دلیل
= الدليل الرابع: أن الأصل في الأشياء الطهارة؛ فيجب القضاء بطهارته ، حتى يجيئنا ما
يوجب القول بأنه نجس ، وقد بحثنا وسبرنا، فلم نجد لذلك أصلاً؛ فعُلِم أن كل ما لا يمكن
الاحتراز عن ملابسته معفو عنه .
ومعلوم أن المني يصيب أبدان الناس وثيابهم وفرشهم؛ بغير اختيارهم أكثر مما يلغ الهر في
آنيتهم؛ فهو طواف الفضلات ؛ بل قد يتمكن الإنسان من الاحتراز من البصاق والمخاط المصيب
ثيابه ، ولا يقدر على الاحتراز من الاحتلام والجماع؛ وهذه المشقة الظاهرة توجب طهارته ولو
كان المقتضي للتنجيس قائماً، ألا ترى أن الشارع خفف في النجاسة المعتادة، فاجتزا فيها
بالجامد ، مع أن إيجاب الاستنجاء عند وجود الماء أهون من إيجاب غسل الثياب من المني ؛ لا
سيّما في الشتاء في حق الفقير ومن ليس له إلا ثوب واحد؟!
فإن قيل : الذي يدلُّ على نجاسة المني وجوه :
أنه قال: ((إنما يُغْسل الثوب من البولِ
أحدها: ما روي عن عمار بن ياسر عن النبي ؛
والغائط والمني والقيء)». رواه ابن عدي. وحديث عائشة قد مضى في أن النبي { ** كان يغسله .
الوجه الثاني : أنه خارج يوجب طهارتي الخبث والحدث، فكان نجساً كالبول والحيض ؛
وذلك لأن إيجاب نجاسة الطهارة دليل على أنه نجس؛ فإن إماطته وتنحيته أخف من التطهير
منه ، فإذا وجب الأثقل ؛ وجب الأخف بالأولى ؛ لا سيّما عند من يقول بوجوب الاستنجاء منه ؛
فإن الاستنجاء إماطة وتنحية ، فإذا وجب تنحيته من مخرجه ؛ ففي غير مخرجه أحق وأولى .
الوجه الثالث: أنه من جنس المذي - يعني: والمذي نجس بالإجماع - فكان نجساً كالمذي،
وذلك ؛ لأن المذي يتحرك عند مقدمات الشهوة ؛ والمني أصل المذي عند استكمالها ، وهو يجري
في مجراه ، ويخرج من مخرجه ، فإذا نجس الفرع ؛ فلأن ينجس الأصل أولى .
الوجه الرابع : أنه خارج من الذكر أو خارج من القبل ؛ فكان نجساً كجميع الخوارج ، مثل البول
والمذي والودي؛ وذلك لأن الحكم في النجاسة منوط بالمخرج؛ ألا ترى أن الفضلات الخارجة من
أعالي البدن ليست نجسة ، وفي أسافله تكون نجسة وإن جمعها الاستحالة في البدن؟!
الوجه الخامس: أنه يجري في مجرى البول؛ فيتنجس بملاقاة البول؛ فيكون كاللبن في
الظرف النجس .
=
٩٣

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٥ - حديث عائشة
فهذه أدلة كلها تدل على نجاسته .
=
فنقول : الجواب - وعلى الله تعالی قصد السبيل - :".
أما حديث عمار بن ياسر؛ فلا أصل له؛ في إسناده ثابت بن حماد؛ قال الدارقطني :
((ضعيف جدا)). وقال ابن عدي: (له مناكير)) . وحديث عائشة ؛ مضى القول فيه .
وأما الوجه الثاني؛ فقولهم: ((يوجب طهارتي الخبث والحدث))! أما الخبث فممنوع؛ بل.
الاستنجاء منه مستحب كما يستحب إماطته من الثوب والبدن . وقد قيل : هو واجب ، كما قد
قيل : يجب غسل الأنثيين من المذي ، وكما يجب غسل أعضاء الوضوء إذا خرج الخارج من
الفرج؛ فهذا كله طهارة وجبت لخارج، وإن لم يكن المقصود إماطته وتنجيسه ؛ بل سبب آخر
كما يغسل منه سائر البدن .
فالحاصل أن سبب الاستنجاء منه ليس هو النجاسة؛ بل سبب آخر، فقولهم: ((يوجب
طهارة الخبث)) وصف ممنوع في الفرع؛ فليس غسله عن الفرج للخبث، وليست الطهارات
منحصرة في ذلك ؛ كغسل اليد عند القيام من نوم الليل ، وغسل الميت ، والأغسال المستحبة ،
وغسل الأنثيين وغير ذلك. فهذه الطهارة إن قيل بوجوبها؛ فهي من القسم الثالث؛ فيبطل
قياسه على البول؛؛ لفساد الوصف الجامع .
وأما إيجابه طهارة الحدث؛ فهو حق ؛ لكن طهارة الحدث ليست أسبابها منحصرة في
النجاسات؛ فإن الصغرى تجب من الريح إجماعاً ، وتجب - بموجَب الحجة - من ملامسة الشهوة ،
ومن مسنّ الفرج، ومن لحوم الإبل، ومن الردّة، وغسل الميت، وقد كانت تجب ـ في صدر
الإسلام - من كل ما غيرته النار ، وكل هذه الأسباب غير نجسة .
وأما الكبرى ؛ فتجب بالإيلاج إذا التقى الختانان ؛ ولا نجاسة ، وتجب بالولادة التي لا دم منها
على رأي مختار؛ والولد طاهر، وتجب بالموت ؛ ولا يقال : هو نجس ، وتجب بالإسلام عند طائفة .
فقولهم: ((إنما أوجب طهارة الحدث - إذ وجب الاغتسال ـ نجسٌ))! منتقض بهذه الصور
الكثيرة؛ فبطل طَرْدُهُ . فإن ضمّوا إلى العلة كونه خارجاً ؛ انتقض بالريح والولد نقضاً فادحاً . =
٩٤

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٥ - حديث عائشة
= وأما قولهم: ((التطهير منه أبعد من تطهيره)) ! فجمع ما بين متفاوتين متباينين؛ فإن الطهارة
منه طهارة عن حدث، وتطهيره إزالة خبث؛ وهما جنسان مختلفان في الحقيقة والأسباب
والأحكام من وجوه كثيرة؛ فإن هذه تجب لها النية دون تلك ، وهذه من باب فعل المأمور به ؛
وتلك من باب اجتناب المنهي عنه ، وهذه مخصوصة بالماء أو التراب ؛ وقد تزال تلك بغير الماء
في مواضع بالاتفاق، وفي مواضع على رأي ، وهذه يتعدى حكمها محل سببها إلى جميع
البدن؛ وتلك يختص حكمها بمحلها ، وهذه تجب في غير محل السبب وفيه وفي غيره ؛ وتلك
تجب في محل السبب فقط ، وهذه حسِّية ؛ وتلك عقلية ، وهذه جارية في أكثر أمورها على سنن
مقايس البحَّاثين ؛ وتلك مستصعبة على سبر القياس، وهذه واجبة بالاتفاق؛ وفي وجوب
الأخرى خلاف معلوم ، وهذه لها بدل ؛ وفي بدل تلك في البدن خاصة خلاف ظاهر .
وبالجملة ؛ فقياس هذه الطهارة على تلك الطهارة كقياس الصلاة على الحج ؛ لأن هذه عبادة
وتلك عبادة ؛ مع اختلاف الحقيقتين .
وأما الوجه الثالث - وهو إلحاقه بالمذي -؛ فقد منع الحكم في الأصل على قول طهارة المذي
- كذا! ولعل الصواب : المني - ، والأكثرون سلَّموه ، وفرَّقوا بافتراق الحقيقتين؛ فإن هذا يخلق منه
الولد الذي هو أصل الإنسان؛ وذلك بخلافه. ألا ترى أن عدم الإمناء عيب يُبْنَى عليه أحكام
كثيرة ؛ منشؤها على أنه نقص ؛ وكثرة الإمذاء ربما كانت مرضاً ، وهو فضلة محضة لا منفعة فيه
كالبول ؛ وإن اشتركا في انبعاثهما من شهوة النكاح؛ فليس الموجب لطهارة المني أنه عن شهوة
الباءة فقط ؛ بل شيء آخر .
وأما كونه فرعاً؛ فليس كذلك؛ بل هو بمنزلة الجنين الناقص ، كالإنسان إذا أسقطته المرأة قبل
كمال خلقه ؛ فإنه وإن كان مبدأ خلق الإنسان ؛ فلا يناط به من أحكام الإنسان إلا ما قلَّ .
ولو كان فرعاً؛ فإن النجاسة استخباث، وليس استخباث الفرع بالموجب خبث أصله ؛
كالفضول الخارجة من الإنسان !
وأما الوجه الرابع؛ فقياسه على جميع الخارجات - بجامع اشتراكهن في المخرج - منقوض
بالفم ؛ فإنه مخرج النخامة والبصاق الطاهرين والقيء النجس ، وكذلك الدبر مخرج الريح =
٩٥

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٥ - حديث عائشة
= الطاهر والغائط النجس ، وكذلك الأنف مخرج المخاط الطاهر والدم النجس .
وإن فصلوا بين ما يعتاد الناس من الأمور الطبيعية وبين ما يعرض لهم لأسباب حادثة .
قلنا : النخامة المعدِيَّة - إذا قيل بنجاستها - معتادة ، وكذلك الريح .
وأيضاً؛ فإنا نقول: لِمَ قلتم : إن الاعتبار بالمخرج؟! ولِمَ لا يقال: الاعتبار بالمعدن والمستحال؟!
فما خلق في أعلى البدن فطاهر، وما خلق في أسفله فنجس ؛ والمني يخرج من بين الصلب
والترائب ؛ بخلاف البول والودي .
وهذا أشد الطِّراداً؛ لأن القيء والنخامة المنجسة خارجان من الفم؛ لكن لما استحالا في
المعدة ؛ كانا نجسین .
ثم إن المني مخالف لجميع ما يخرج من الذكر في خلقه ؛ فإنه غليظ وتلك رقيقة ، وفي لونه ؛
فإنه أبيض شديد البياض ، وفي ريحه ؛ فإنه طيب كرائحة الطلع وتلك خبيثة .
ثم جعله الله أصلاً لجميع أنبيائه وأوليائه وعباده الصالحين والإنسان المكرم؛ فكيف يكون
أصله نجساً؟!
ولهذا ؛ قال ابن عقيل - وقد ناظر بعضَ من بقول بنجاسته - لرجل قال له : ما بالك وبال هذا؟ ؛
قال : أريد أن أجعل أصله طاهراً؛ وهو يأبى إلا أن يكون نجساً !!
ثم ليس شأنه شأن الفضول ؛ بل شأن ما هو غذاء ومادة في الأبدان ؛ إذ هو قوام النسل ؛ فهو
بالأصول أشبه منه بالفضل !
الوجه الخامس : وفيه أجوبة :
أحدها : لا نسلّم أنه يجري في مجرى البول ؛ فقد قيل: إن بينهما جلدة رقيقة ، وإن البول
إنما یخرج رشحاً ، وهذا مشهور .
وبالجملة ؛ فلا بد من بيان اتصالهما ، وليس ذلك معلوماً ، إلا في ثقب الذكر ؛ وهو طاهر ، أو
معفو عن نجاسته .
الثاني : أنه لو جرى في مجراه ، فلا نسلم أن البول قبل ظهوره نحس ؛ كما تقرر في الدم، =
٩٦

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٥ - حديث عائشة
= وهو في الدم أبین منه في البول ؛ لأن ذلك رکن وهذا فضل ۔
الثالث : أنه لو كان نجساً (أي: قبل ظهوره)؛ فلا نسلِّم أن المماسَّة في باطن الحيوان موجبة
للتنجيس ؛ كما قد قيل في الاستحالة ؛ وهو في المماسة أبين .
يؤيد هذا قوله تعالى: ﴿من بين فَرْثٍ ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين﴾، ولو كانت المماسة
في الباطن للفرث - مثلاً - موجبة للنجاسة ؛ لنَّجس اللبن .
فإن قيل : لعل بينهما حاجزاً؟!
قيل : الأصل عدمه !
على أن ذكره هذا في معرض بيان ذكر الاقتدار بإخراج طيِّب من بين خبيثين في الاغتذاء،
ولا يتم إلا مع عدم الحاجز؛ وإلا فهو مع الحاجز ظاهر في كمال خلقه سبحانه .
وكذلك قوله: ﴿خالصاً﴾؛ والخلوص لا بد أن يكون مع قيام الموجب للشَّوْب .
وبالجملة ؛ فخروج اللبن من بين الفرث والدم أشبه شيء بخروج المني من مخرج البول .
وقد سلك هذا المسلك من رأى أنفحة الميتة ولبنها طاهراً ؛ لأنه كان طاهراً ، وإنما حدث نجاسة
الوعاء ، فقال : الملاقاة في الباطن غير ظاهرة .
ومن نَجِّس هذا فرَّق بينه وبين المني ؛ بأنّ المني ينفصل عن النجس في الباطن أيضاً ، بخلاف
اللبن ؛ فإنه لا يمكن فصله من الميتة إلا بعد إبراز الضرع؛ وحينئذٍ يصير في حد ما يلحقه
النجاسة)). انتهى ملخصاً من صفحة (١١٦ - ١٢٣) من الجزء الثاني من ((فتاويه)).
فمما تقدم في قوله: «وأما الغسل ... )) إلخ في الصفحة الأولى من هذا التحرير، وما في
((نيل الأوطار)) للشوكاني :
((وأجيب - يعني: عن حديث عائشة - بأنه لم يثبت الأمر بغسله من قوله {18 في شيء من
أحاديث الباب ؛ وإنما كانت تفعله عائشة ؛ ولا حجة في فعلها إلا إذا ثبت أن رسول الله
علم بفعلها وأقرَّها .
=
٩٧

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٥ - حديث عائشة
على طهارته أيضاً، والأمر(١) بمسحه بخرقة، أو إذخرة لأجل إزالة الدّرن المستكره
بقاؤه في ثوب المصلي ، ولو كان نجساً لما أجزأ مسحه ، وأمّا التشبيه للمني
بالفضلات المستقذرة من البول والغائط ؛ کما قاله من قال بنجاسته ؛ فلا قیاس
مع النص .
قال الأولون : هذه الأحاديث في فركه وحتّه؛ إنما هي في منيّه
طاهرة ؛ فلا يلحق به غيره .
؛
وفضلاته
وأجيب(٢) عنه بأن عائشة أخبرت عن فرك المنّي من ثوبه ، فيحتمل أنه عن
جماع، وقد خالطه مني المرأة، فلم يتعين أنه منيه { 18 وحده(٣)، والاحتلام
= على أن علمه بفعلها وتقريره لها لا يدل على المطلوب ؛ لأن غاية ما هناك أنه يجوز غسل
المني من الثوب ؛ وهذا مما لا خلاف فيه ؛ بل يجوز غسل ما كان متفقاً على طهارته ، كالطيب
والتراب ؛ فکیف بما كان مستقذراً؟!)) انتهى .
قلت: فمن هذا تعلم الجواب عن قول علمائنا الحنفية : ((فلو كان طاهراً لمنعها من إتلاف الماء
من غير حاجة ؛ فإنه سرف)) انتهى ! كما لا يخفى على اللبيب ، وإني لفي عجب كيف خفي
هذا على ذاك اللفيف؟! والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ؛ وهو حسبي ونعم الوكيل ، والحمد
لله رب العالمين .
(١) التعبير بـ (الأمر) فیه تسامح کبیر! فإنه لم يسبق له ذکر في ((الشرح))، ولا له أصل
في شيء من الحديث! والشارح إنما يشير بذلك إلى حديث ابن عباس المتقدم بلفظ: ((إنما
یکفیك ... )) !
. (٢) أي: على تقدير صحة كونه من الخصائص؛ كما في ((الفتح)) (٢٦٥/١). فلو ذكر
الشارح هذا ؛ لكان أحسن .
(٣) قلت: ويؤيده رواية همام ، قال : ضاف عائشة رضي الله عنها ضيفٌ ، فأرسلت إليه =
٩٨

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٦ - حديث أبي السمح
على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام غير جائز؛ لأنه من تلاعب الشيطان ، ولا
سلطان له عليهم؛ ولأنه(١) قيل: إنه منيّه عَ لَ﴾ وحده ، وإنه من فيض الشهوة
بعد تقدم أسباب خروجه من ملاعبة ونحوها ، وإنه لم يخالطه غيره ، فهو
محتمل ، ولا دليل مع الاحتمال .
وذهبت الحنفية إلى نجاسة المنّي كغيرهم؛ ولكن قالوا : يطهره الغسل ، أو
الفرك ، أو الإزالة بالإذخر، أو الخرقة ؛ عملاً بالحديثين ، وبين الفريقين القائلين
بالنجاسة ، والقائلين بالطهارة مُجادَلات ، ومناظرات ، واستدلالات طويلة
استوفيناها في حواشي ((شرح العمدة))(٢).
٢٦ - وعن أبي السّمْح رضي الله عنه، قال: قالَ رسول الله خَالِهِ: ((يُغْسَلُ
مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ ، ويُرشُّ مِنْ بَوْلِ الغُلام)). أخرجه أبو داود والنسائي،
وصححه الحاكمُ .
(وعن أبي السمح) : بفتح السين المهملة وسكون الميم فحاء مهملة ، واسمه
إياد بكسر الهمزة ومثناة تحتية مخففة بعد الألف دال مهملة ، وهو خادم رسول
= تدعوه ، فقالوا لها : إنه أصابته جنابة ، فذهب يغسل ثوبه . فقالت عائشة رضي الله عنها :
وَلِمَ غسله؟! إن كنت لأفرك المني من ثوب رسول الله خَ اتٍ .
رواه البيهقي (٤١٧/٢) ، وقال :
((رواه مسلم في ((الصحيح)) عن محمد بن حاتم عن سفيان)).
قلت: هو في ((مسلم)) (١٦٥/١) كما قال ، ولكنه لم يسق لفظه! وهو صحيح.
(١) ولئن .
(٢) (٤٠١/١) .
٩٩

١ - كتاب الطهارة
٣ - باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٦ - حديث أبي السمح
الله ◌ٍَّ له حديث واحد (رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَّهُ: «يُغْسَلُ من
بَوْلِ الجارية): في ((القاموس)): أن الجارية فتية النساء (ويُرَشُّ منْ بَوْل الغُلام)).
أخرجه أبو داود والنسائي ، وصححه الحاكم(١)) .
وأخرج الحديث أيضاً البزار، وابن ماجه ، وابن خزيمة من حديث أبي
السمح قال: كنت أخدم النبي ◌َ ﴿، فأُتِيَ بحسن ، أو حُسين ، فبال على
صدره؛ فجئت أغسله ، فقال: ((يُغسل من بول الجارية))، الحديث. وقد رواه
أيضاً أحمد ، وأبو داود(٢) ، وابن خزيمة ، وابن ماجه ، والحاكم من حديث لُبابة
بنت الحارث ، قالت : كان الحسين ... وذكرت الحديث، وفي لفظه: ((يُغسل
من بول الأنثى ، وينضح من بول الذكر)) . ورواه المذكورون ، وابن حبان(٣) من
حديث علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله تَّهِ - في بول الرّضيع -:
((يُنضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية))، قال قتادة - راويه -: هذا ما لم
يَطْعَما؛ فإذا طَعِمَا غُسلا . وفي الباب أحاديث مرفوعة ، وهي - كما قال الحافظ
البيهقي - إذا ضُمَّ بعضها إلى بعض قويت .
والحديث دليل على الفرق بين بول الغلام ، وبول الجارية ؛ في الحكم،
وذلك قبل أن يأكلا الطعام؛ كما قيده به الراوي ؛ وقد روي مرفوعاً؛ أي :
بالتقييد بالطعم لهما ، وفي «صحيح ابن حبان))، و((المصنف)) لابن أبي شيبة
(١) ووافقه الذهبي ، وصححه ابن خزيمة أيضاً؛ وهو كما قالوا . وقال البخاري :
((حديث حسن))؛ فانظر ((صحيح أبي داود)) (٤٠٠).
(٢) وإسناده حسن ، انظر المصدر السابق (٣٩٩).
(٣) (٢٤٧) .
١٠٠