Indexed OCR Text

Pages 201-220

ب- شخصية ابن القطان:
شخصية ابن القطان شخصية جريئة وقوية، يصارع العمالقة، ويسبح في
لجي البحر وعمقه، ولا يرضى إلا بما لمسه ورآه، وهذه الجرأة فتحت له مغاليق
كثيرة في هذا العلم، كما كلفته ثمناً باهظاً من وقته وماله، فليس من اليسير
والسهولة الرجوع إلى آلاف التراجم - للوقوف على ما قيل فيها، ولفرز ذلك
المقول، والخروج بنتيجة - لمن لم يكن مغامراً ومحباً في آن واحد.
وحب الاستطلاع - كما يقال - حلق بابن القطان في أجواء، ما رادها غيره
في زمانه، فقوة شخصيته تظهر في أسلوبه، ومناقشته، وتناوله للقضايا، فهو
قد حام في حمى كان محرماً على غيره الخوض فيه، وجال في مواطن أحجم
مَن تقدمه عن متابعة السير فيها .
فها هو أعاد النظر في كثير من المسلمات، وأثار النقاش في بعضها،
وابتكر في بعضها، فهو ينفر من التقليد نفار الخيل الشمس وينعاه.
ولا شك أن ما وفرته الدولة من نفائس الكتب، والخط العام الذي سلكته
في إحياء علوم الاجتهاد ونبذ الفروع، كان له دور رائد في هذا التكوين
الرصين والجريء، إضافة إلى المواهب الإلهية، والاستعداد الدائم، والحرص
المتواصل :
على أنني بين السماكين نازل
ولي همة لم ترض لي کنه منزلي
تعبت في مرادها الأجسام
وإذا كانت النفوس كباراً
٢٠١

:
المبحث الخامس
علاقة بيان الوهم والإيهام
بالأحكام الوسطى

المبحث الخامس
علاقة بيان الوهم والإيهام
بالأحكام الوسطى
أ. العلاقة بينهما علاقة تكامل:
علاقة بيان الوهم والإيهام بالأحكام الوسطى، هي علاقة تكامل، فبيان
الوهم والإيهام، كالذيل على الأحكام الوسطى.
وإن شئت قلت: لا تمكن الاستفادة من الأحكام الوسطى استفادة تامة
بعيدة عن التحريف والغلط بدون الاعتماد على بيان الوهم والإيهام.
أما كونه كالذيل عليه، فيتجلى في أمور:
منها: أنه أضاف للمادة الحديثية التي ينتقدها عليه إضافات مهمة من
حيث الأسانيد والمتون، بحيث أصبحت هذه الإضافات بياناً لإجمال ما
أجمله أبو محمد، أو تتمة لنقص ما أغفله.
ومنها: أنه نوّع المصادر وأضاف فيها، ووسع مخارج الأحاديث حتى
لا يظن أنها مقصورة على المواضع التي عزاها إليها أبو محمد.
ومنها: أنه جود المتون والأسانيد التي نقلها أبو محمد محرفة، أو وقع
فيها التحريف ممن بعده.
هذا مجمل ما يتضمنه اعتبار بيان الوهم والإيهام ذيلاً على الأحكام
الوسطى.
٢٠٥

وأما كونه تتوقف عليه الاستفادة الخالية من شوائب الوهم والغلط ، فتتبين
في أمور:
أولها: التركيز على بيان علل جملة كبيرة من الأحاديث التي سكت عنها
أبو محمد، بحيث يظن من سكوته عنها أنها سالمة من العلل، فجاء ابن القطان
فوضح أنها معللة، وأبرز ذلك فيها .
وثانيها: تعقب أبي محمد فیما صحح أو ضعف، ببيان أن حکمه ذلك لم
يدقق فيه، وأنه لم يستند للمقاييس العلمية المتبعة.
وثالثها: ذكر بعض علل الأحاديث دون بعضها الآخر، دون تنبيه علیه،
فبين ابن القطان أن ما تركه من العلل أحق أن يعلل به الحديث مما ذكر.
ورابعها: محاكمته إلى القواعد التي استعملها في مواضع، وتناقض فيها
في مواطن أخرى، كإعلال حديث ما، برجل، ثم سكوته عن ذلك الرجل في
حديث آخر، أو توثيق راو في مكان، وتضعيفه في آخر.
وهكذا أصبح بيان الوهم والإيهام كالشعار والدثار اللذين لا يستغني
عنهما الباحث في الأحكام الوسطى، بل الباحث في السنة عامة، مع اعتباره
مستقلاً بنفسه، لا يحتاج إلى الأحكام الوسطى ، كالفاتحة تستغني عن غيرها،
ولا يستغني غيرها عنها.
ب- الكتاب موضوع على الأحكام الوسطى لا على الكبرى:
يرى فريق من الباحثين قديماً وحديثاً، أن ابن القطان إنما وضع كتابه الوهم
والإيهام على الأحكام الكبرى لأبي محمد عبد الحق، لا على الوسطى،
وبعضهم يقول: الأحكام الصغرى، وبعضهم يقول: الوسطى، وفي هؤلاء
٢٠٦

جهابذة الحفاظ وأئمة النقاد.
قال الذهبي: ((طالعت كتابه المسمى بالوهم والإيهام، الذي وضعه على
الأحكام الكبرى لعبد الحق ... ))(١).
وكذلك أطلق عليه الحافظ - ابن حجر الأحكام الكبرى - في لسان
الميزان (٢)
وقال السيوطي: ((صنف الوهم والإيهام على الأحكام الكبرى لعبد
الحق))(٣).
وقال الغبريني: ((ولقد كتب أبو عبد الله بن القطان مزوار الطلبة بالمغرب
على الأحكام الصغرى نكتاً واستلحاقاً، وكتب غيره عليها رداً وإصلاحاً) (٤).
وقال الحجوي: ((وقد تعقب عليه بعض أحاديثه حافظ المغرب، أبو
الحسن ابن القطان ، بكتاب سماه: الوهم والإيهام ... وقد ظفرت بنحو
النصف من أول أحكامه، وأظنها الوسطى، بلغت إلى وسط كتاب الجهاد،
كتبت بإتقان ... ))(٥) .
وقال الكتاني: ((وككتاب الأحكام الشرعية الكبرى لأبي محمد
عبد الحق ... في ست مجلدات انتقاها من كتب الأحاديث، وقد وضع
عليها الحافظ الناقد أبو الحسن ... المعروف بابن القطان، ... كتابه المسمى
ببيان الوهم والإيهام ... )) (٦).
وقال الشيخ ناصر : ((وأنا أخالف ابن القطان في هذا الذي ظنه من
(١) تذكرة الحفاظ: (١٤٠٧/٤).
(٢) انظر: (١٠٤/٣).
(٣) طبقات الحفاظ (٤٩٨).
(٤) عنوان الدراية (٤٣).
(٥) الفكر السامي: (٢٢٦/٢ -٢٢٧).
(٦) الرسالة المستطرفة ص (١١٣).
٢٠٧

التسامح، وأرى أن عبد الحق يذهب إلى أن الحديث ثابت عنده ؛ لأنه قال في
مقدمة كتابه الأحكام الكبرى: (( وإن لم تكن فيه علة، كان سكوتي عنه دليلاً
على صحته) .
وأيضاً فقد أورد الحديث في كتابه الآخر: مختصر أحكام الشريعة
المعروفة بالأحكام الكبرى، وأورد الحديث فيه، وقد نص في مقدمتها قال:
(«فإني جمعت في هذا الكتاب متفرقًا من حديث رسول الله عمّ ، وتخيرتها
صحيحة الإسناد، معروفة عند النقاد))) انتهى قوله ونقله (١).
قلت: وفي هذه المقالة أوهام:
أحدها: أن الأحكام الكبرى لعبد الحق ليس فيه خطبة ذكر فيها أن ما
سكت عنه دليل على صحته، وإنما يوجد ذلك في مقدمة الأحكام الوسطى،
والصغرى.
وثانيها: تسميته مختصر أحكام الشريعة بأنه الأحكام الكبرى غلط
واضح؛ لأن مختصر أحكام الشريعة إنما هو اسم للأحكام الصغرى، كما
هو مكتوب بأول ورقة من نسخة الظاهرية.
وثالثها: التناقض الواضح في تسميته الأحكام الكبرى بتسميتين:
إحداهما الأحكام الكبرى، وثانيتهما مختصر أحكام الشريعة.
فكونه مختصراً يقتضي أنه مختصر من غيره، وأنه أصغر من ذلك الغير
فکیف یسمی بالأحكام الکبری؟ !.
ويظهر لي أن هذا الخلط إنما جاء من عدم الاطلاع على الأحكام الكبرى،
وعدم المقارنة بينها وبين الوسطى والصغرى، ويدل على هذا أيضًا قول الشيخ
حديث: ((لعن الله زائرات القبور ... )) وتضعيفه بأبي صالح: باذام؛ قال: ((وبه
(١) انظر الإرواء: ٣٣٩/٤.
٢٠٨

أعله عبد الحق الإشبيلي في أحكامه الكبرى ... فقال: وهو عندهم ضعيف
جداً .. ))(١) اهـ.
وتضعيف صالح هذا إنما هو في الوسطى لا في الكبرى.
وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لمراسيل أبي داود: ((وابن القطان
هذا هو الحافظ أبو الحسن: علي بن محمد ... وهو صاحب كتاب الوهم
والإيهام الذي وضعه على كتاب الأحكام الكبرى لعبد الحق الإشبيلي ... ))(٢).
وهذا أيضاً تخليط وتقليد.
ولما ذكر الدكتور محمد بن مطر الزهراني الأحكام الكبرى لعبد الحق في
كتابه: تدوين السنة النبوية نشأته وتطوره؛ قال: ((وقد وضع عليه الحافظ الناقد
أبو الحسن ابن القطان الفاسي كتابه بيان الوهم والإيهام، وهو لم يطبع فيما
أعلم))(٣) وهذا أيضًا وهم واضح.
وقال ابن عبد الملك ـ متحدثاً عن ابن المواق -: ((وله تعقب على كتاب شيخه
أبي الحسن بن القطان المرسوم ببيان الوهم والإيهام، الواقعين في كتاب
الأحكام، جمع عبد الحق بن الخراط الجاري عليه اسم الأحكام الكبرى ... ))(٤).
وقال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: ((ومن الوزن الثاني المفتوح الهاء الوهم،
سمى الحافظ أبو الحسن: علي بن محمد، المعروف بابن القطان الفاسي ...
ببيان الوهم والإيهام، الواقعين في كتاب الأحكام، أي الأحكام الكبرى لعبد
الحق الإشبيلي ... ))(٥) .
(١) انظر الإرواء: ٢١٢/٣.
(٢) انظر ص ٢٨٥ - هامش: ١.
(٣) انظر ص ٢١١ .
(٤) الإعلام: (٢٣٢/٤) نقلاً عن الذيل والتكملة.
(٥) الرفع والتكميل: ص (٥٥٣) الاستدراك.
٢٠٩

هذا مبلغ تضارب أقوال هؤلاء في تحديد الكتاب الذي تناوله ابن القطان،
وأوقعهم في هذا التضارب عدة أمور:
منها: ظنهم أن ابن القطان لم يصرح في مقدمة كتابه، لا بالصغرى ولا
بالكبرى، وإنما قال: ((فإن أبا محمد ... قد خلد في كتابه الذي جمع فيه
أحاديث أحكام أفعال المكلفين علماً نافعاً))(١).
ومنها: أنهم لم يطلعوا على الكتب الثلاثة لأبي محمد بكاملها، فمن
رأى منهم الصغرى لم ير الكبرى والوسطى، ومن رأى الكبرى لم ير
الوسطى.
ومنها: استبعادهم أن یکون ابن القطان وضع کتابه بحجمه الکبیر علی
الوسطى أو الصغرى فتوهموا أنه إنما تعقب الكبرى.
ومنها: علمهم بأن الوسطى مختصرة من الكبرى، فلا يتصورون أن
ابن القطان يترك الأصل، وينتقد الفرع.
ومنها: عدم مطالعتهم التامة لهذه الكتب بعناية، لاكتشاف خصائصها.
إلى غير ذلك من الأسباب التي تدعوهم لهذه المقالة، ما عرفنا منها وما لم
نعرف.
والحقيقة التي لا يجادل فيها منصف يحترم عقله، أن ابن القطان إنما وضع
كتابه على الأحكام الوسطى، لا على الكبرى ولا على الصغرى.
والحجج الدامغة على ذلك أمور:
أولها: انتقد ابن القطان على أبي محمد في الأحكام الوسطى، أكثر من
ألفي وثمانمائة حديث بالمكرر. وقد تتبعتها حديثاً حديثاً، وكلمة كلمة من
الأحكام الوسطى، وأثبتنا في حاشية كل حديث نقله ابن القطان من الأحكام
(١) انظر: ص (١١).
٢١٠

الوسطی رقمه بجزئه وصفحته.
ونفس الكلام الذي في الوسطى هو الذي ينقله ابن القطان بحروفه
وألفاظه ويتعقبه، وهذا دليل ملموس، لا نحتاج معه إلى زيادة.
وثانيها: أشار ابن القطان في ثنايا كتابه مراراً إلى أن المؤلف يذكر ما يذكر
على الصواب في الكبرى، فلما اختصر الوسطى من الكبرى غلط فذكر ما
ذكره على الخطأ، وأحيانًا يذكر ما يذكره في الكبرى خطأ، ويختصر ما
يختصره منها على الخطأ وعندي نصوص كثيرة في ذلك، بصفحاتها
وأرقامها، أجتزئ بنقل واحد منها كتبه على الخطأ في الكبرى، واختصره كما
هو بخطئه في الوسطى.
قال ابن القطان: «وهکذا رأیته کتبه بخطه في کتابه الکبیر، حیث یذکر
الأحاديث بأسانيدها، ساقه بإسناده فقال فيه: عن أبي الزبير، عن ابن عباس،
عن عائشة، هكذا على الخطأ، ثم اختصره من هناك فبقي كما كان))(١).
وأظن أن هذا كاف في إبطال هذه المقالة المزعومة، فلو وضع كتابه على
الأحكام الكبرى، هل يصح له أن يقول: وهكذا رأيته كتبه بخطه في
الكبرى ... ؟ !.
وثالثها: الكتاب الذي أكثر أبو محمد فيه من تعليل الأحاديث والكلام
على الرجال، هو الأحكام الوسطى لا الكبرى، ومن كان عنده هذه الكتب،
فسيدرك ذلك جيداً.
رابعها: الكتاب المشهور المتداول، الذي فُتن به طلاب العلم حتى جعلوه
إنجيلهم الذي لا يدانى، هو الأحكام الوسطى ، فترتيبه البديع، واستيعابه،
وحذفه الأسانيد، وذكره لعلل الأحاديث، كلها مزايا جعلت الإقبال عليه
(١) انظر: الحديث (١٨).
٢١١

يتزايد، حتى حُفظ عن ظهر قلب. وقد عاب ابن القطان على المقتصرين عليه
قصورهم هذا، وبين مساويه، وأغرى بالرجوع إلى أصوله، فالملكة التي
تحصل من التلبس بالأصول، لا تحصل من الالتصاق بالمختصرات.
خامسها: ابن القطان قد قال: ((خلد في كتابه)) ويعني الكتاب المعهود
المعروف عند الخاصة والعامة، وهو الأحكام الوسطى، وفي ثنایا کتابه قد
بین ذلك مراراً.
إذا اتضح هذا فإن ما سبق لا يعدو أن يكون وهماً أو تخميناً، والحقيقة هي
هذه كما ذكرها جلة من المحققين كالتجيبي، والعلامة الشيخ إبراهيم بن
الصديق. وهو الصواب الذي لا محيد عنه، ولا يغتر بما سواه.
هذا، وقد زل في هذا الموضع زلة علمية واضحة، الأستاذ عبد الهادي
أحمد الحُسَيْسن، حيث زعم أن ابن القطان لم يعين أي الأحكام التي وضع
عليها كتابه بقوله: ((لقد مر الكلام عن كتاب الأحكام الشرعية لعبد الحق
الإشبيلي التي هي الكبرى، والوسطى، والصغرى، وأيّ هاته الأحكام منها،
كتب عليها الحافظ ابن القطان كتابه: بيان الوهم والإيهام؟. هو نفسه لم يبين
أيًا لنا منها تصدى للكتابة عنها، وإنما قال في مقدمته: «فإن أبا محمد عبد
الحق، الأزدي، الإشبيلي - رحمة الله عليه - قد خلد في كتابه الذي جمع فيه
أحاديث أحكام أفعال المكلفين علماً نافعاً، وأجراً قائماً ... ))))(١).
قلت: لو لم ينقل الأستاذ المذكور من مقدمة الوهم والإيهام ما نقله،
لقلت: له عذر، لأنه لم ير الكتاب، ولكن لما نقل من المقدمة، وأعطانا الورقة
التي نقل منها، ورقم النسخة بخزانة القرويين ، كان ذلك دليلاً كافياً على أنه
رأى بيان الوهم والإيهام، وفي مقدمته التي نقل منها ما نقل، دليل قاطع على
(١) مظاهر النهضة الحديثية في عهد يعقوب المنصور الموحدي (٩٩/٢ - ١٠٠).
-
٢١٢

أن ابن القطان، إنما وضع كتابه على الأحكام الوسطى، لا على الكبرى، ولا
الصغرى، فكيف ساغ له أن نقل جملة من بداية المقدمة، ثم غفل عما بقي
فيها؟ .
فالمنهج العلمي يقتضي منه - إذ أراد أن يحكم - أن يستوعب المقدمة كلها
قراءة؛ لأنها عبارة عن منهج المؤلف الذي سطره أمام المقصود، وليس له أن
يحتج بأجزاء من المنهج على المنهج كله، كما لا تختزل جمل من المنهج
لإصدار أحكام کبری کهاته، بل لا بد من استيعاب المنهج کله، لارتباطه،
وشدة اتصال بعضه ببعض، من بدايته إلى نهايته .
وعليه؛ فهذا نص ابن القطان الدال على مقصوده من المقدمة التي نقل
منها الأستاذ المذكور وهو نص ينقض تمامًا ما زعمه الأستاذ عبد الهادي أحمد.
قال ابن القطان: ((وقد كنت شرعت في باب أذكر فيه ما ترك ذكره من
الأحاديث الصحاح، المفيدة أحكاماً لأفعال المكلفين، ... فرأيته أمراً يكثر،
ويتعذر الإحاطة به، ورأيت منه أيضًا كثيرًا، لا أشك في أنه تركه قصداً، بعد
العلم به والوقوف علیه، وعلمت ذلك إما بأن رأیته قد کتبه في كتابه الکبیر،
الذي يذكر فيه الأحاديث بأسانيدها، الذي منه اختصر هذا ... ))(١) .
فاسم الإشارة في آخر كلامه، راجع قطعاً إلى الأحكام الوسطى، لأنه
ذكر قبله الأحكام الكبرى، فدل ذلك على تصريحه الواضح بأن كتابه إنما
وضعه على الأحكام الوسطى، والأستاذ معذور؛ إذ مَنْ قبله أيضاً وقع له
خلط وخبط في هذا الموضوع، كما سنبينه في مبحث يخص ذلك إن شاء الله
تعالی .
(١) انظر المقدمة ص ١٦ .
٢١٣

الفصل الثالث
القيمة العلمية لكتاب
بيان الوهم والإيهام
وتحته خمسة مباحث
=

المبحث الأول
التعريف بالكتاب

المبحث الأول
التعريف بالكتاب
أ - إن ابن القطان انتقى لكتابه اسماً يطابق مسماه ومضمونه، فهو إذ عزم على
التأليف لمتابعة الأوهام المادية والمعنوية في أحكام أبي محمد عبد الحق، وضع
نصب عینیه شیئین اثنین :
أولهما: الأوهام النقلية التي توجد في هذا الكتاب؛ وفي المصادر المنقول
عنها خلاف ذلك.
وثانيهما: الأحكام المعنوية على الرواة وعلى الأحاديث التي توهم القارئ
أن ذلك الراوي ثقة، أو ضعيف، وهو في الواقع ليس كذلك، أو أن ذلك المتن
صحیح، أو ضعيف، وهو ليس كذلك.
وبالأخذ بمنطوق وفحوى ما سطره أبو محمد عبد الحق في أحكامه،
استنبط ابن القطان من ذلك اسماً يتضمن ذلك المعنى ويطابقه، فأسماه ((كتاب
بيان الوهم والإيهام، الواقعين في كتاب الأحكام))، وفي النسخة التركية
«كتاب الوهم والإيهام .. . )) بحذف كلمة ((بيان)) ولا بد منها.
ومن ينقل عن هذا الكتاب يختصر هذا الاسم في الغالب، فيقال: قال في
الوهم والإيهام، وضعفه في الوهم والإيهام، وصححه في الوهم والإيهام،
... إلى آخر العبارات المستعملة، وكل ذلك اختصار من النقلة على عادة
المتقدمين، في اختصار الاسم من أوله أو آخره.
ونظرة عجلى إلى هذا الاسم تدلك على أن هذا الكتاب سيقسمه مؤلفه إلى
قسمين؛ لأن اسمه مشتمل على مدلولین؛ كل منهما يكون قسماً مستقلاً بذاته،
يتناول فيه المؤلف حظاً وافراً من النصوص المتكاثرة، التي جمعها أبو محمد
عبد الحق في أحكامه.
٢١٩

ولهذا قال المؤلف - معبراً عن هذا المعنى بأخصر عبارة -: ((وباعتبار هذين
القسمين من الأوهام والإيهامات سميناه ((كتاب بيان الوهم والإيهام الواقعين في
كتاب الأحكام)) (١) .
وبهذا أصبح هذا المركب برمته عَلَماً على كتاب معين، متى أطلق انصرف
إلى كتاب ابن القطان.
والأحكام - التي حلاها بالألف واللام العهدية - تنصرف إلى الأحكام
المعهودة عنده، وهي الأحكام الوسطى؛ إذ تقدم أن للشيخ أبي محمد عبد الحق
أحكاماً ثلاثة: الأحكام الكبرى، والوسطى، والصغرى، وكل واحد منهما
مختصر من الذي قبله، وله خصائص تميزه، وقد صرح في آخر المقدمة بأنه
وضع كتابه على الوسطى، فأغنى ذلك عن تكلف بيان مراده(٢).
ب- نسبة الكتاب إلى مؤلفه:
لا نحتاج إلي كثير من النقول في إثبات أن الوهم والإيهام، من كتب ابن
القطان؛ إذ ذاك يحتاج إليه في الكتب الخاملة الذكر، غير المعروفة والمنتشرة؛
إما لجهالة أصحابها، أو لضعف مضمونها، وأما الكتبُ المتداولة الذائعة
الصيت لشهرة مؤلفيها، أو متانة حقائقها العلمية، فإنها تنزل منزلة ما تواتر،
المفيد للعلم القطعي بنسبة ذلك المؤلف لمؤلفه .
وكتاب ابن القطان من هذا القبيل، فهو أشهر في نسبته إليه من بعض
النقول التي تؤيد ذلك، ويدل على ذلك الحقائق التالية:
١ - كل من ترجم ابن القطان من أصحاب المصادر الأصلية وكذلك التبعية
ذكر له هذا الكتاب بهذا الاسم.
(١) انظر: ص (٦).
(٢) علم العلل في المغرب (٢٦٦/١).
٢٢٠