Indexed OCR Text

Pages 101-120

المبحث الثالث
ابن القطان
ومدی استفادته من شیوخه

المبحث الثالث
ابن القطان ومدى استفادته من شيوخه
يقول الحافظ الذهبي: ((أخذ الفن من المطالعة))(١).
وهذه العبارة في الحقيقة عبارة مجملة لا يدرى مقصوده بها، هل معناها،
أخذه استقلالاً، فروعاً وأصولاً من المطالعة، أو أخذه من المطالعة، تعمقاً
واستقراء وبحثاً؟
فإذا كان يعني المعنى الأول، فلا ريب أنه غلط واضح، إذ النظرة العجلى
على برنامج ابن القطان الذي ألفه في أسماء شيوخه - سواء بالسماع أو الإجازة.
تفند هذا المعنى وتستبعده، ولا سيما أنه سمع من کبار حفاظ زمانه،
الأندلسيين والمغاربة، وفيهم من طبقت شهرته الآفاق، كأبي ذر الخشني
وغيره.
وأما إذا قصد المعنى الثاني، فلا شك أنه صحیح، فلا مجال لإنكاره؛ إذ
الرجل تعمق إلى حد بعيد بسبب المطالعة والمباحثة، ووفرة نوادر الكتب
عنده، التي لم تتوفر لغيره، كما صرح بذلك في مقدمة كتابه ((الوهم والإيهام))
في قوله: ((وقد كاد يكون مما لم نسبق إلى مثله في الصناعة الحديثية، وترتيب
النظر فيها، المستفاد بطول البحث، وكثرة المباحثة، والمناظرة، والمفاوضة،
وشدة الاعتناء، ووجود الكتب المتعذر وجودها على غيرنا ... ))(٢).
ولا يجادل أحد۔في كل متخصص برز وأشير إليه بالبنان -أنه ما بلغ ذلك
إلا بصرف الهمة للمتابعة والمطالعة.
(١) نقد الوهم والإيهام: ٧٢.
(٢) انظر: ص ٧.
١٠٣

والذهبي یعرف ذلك عن نفسه، فليس علمه كله وما کتبه واستفاده،
سمعه من شيوخه، فذاك ما لا يتصور وجوده؛ لأن وظيفة الشيوخ، هي
تکوین ملکة البحث لدی الباحث، ثم يرخون له العنان، ليطور وينمي تلك
الملكة بالبحث والمثابرة .
والذي حمل الذهبي على هذه المقالة، هو أنه لا يعرف شيئاً عن أحوال
ابن القطان وشيوخه وتلامذته. ويدل على ذلك أنه ترجمه مرتين: مرة في
تذكرة الحفاظ، ومرة في سير أعلام النبلاء، ولم يتجاوز في أحدهما ما قاله
في الآخر بحروفه، بحيث نسخ إحدى الترجمتين من الأخرى، وخصص له
في كلا الكتابين صفحة واحدة، ولم يعْدُ أن نقل فيه مقالة ابن الأبار، وابن
مسدي، في حين ترجم لمن هم دون ابن القطان بمفاوز جمة، فأطنب في
الکلام علیھم.
فلو اتفق أن وقع للذهبي ما يتعلق بأحوال ابن القطان التفصيلية، لغيّر رأيه
فيه، ولأنصفه. هذا من حيث الواقع.
وأما من حيث التصور، فإن أغلبية علماء المشرق يتصورون أن المغاربة
مهتمون بالفروع أكثر من الأصول؛ ولذا لم يتصور الذهبي وجود مثل ابن
القطان في الغرب الإسلامي، بكعبه العالي في السنة وعلومها، بهذا الحجم
الذي برز به ابن القطان، فلما وُوجه بهذه الحقيقة، عزا ذلك للكتب لا لشيوخ
يدرسون الحدیث ويهتمون به، كما هو دأب المشارقة.
ويؤكد هذا التصور أن الذهبي نفسه قال عن المغاربة: ((وأما بجاية،
وتلمسان، وفاس، ومراكش، وغالب مدائن المغرب: فالحديث بها قليل،
وبها المسائل))(١) .
(١) الأمصار ذوات الآثار ص ١٩٠ - ١٩٢ -٣٩٣، وانظر مقالة السخاوي أيضاً في الإعلان
والتوبيخ ص: ٦٦٥ .
١٠٤

وهذه هي نظرة المشارقة للمغاربة، وهم محقون في ذلك إلى حدما،
فالمغاربة بالغوا في الفروع، وقصروا نوعاً ما في التعامل مع الأصول. وهذه
الحقيقة لا يجحدها إلا مكابر، أو من يتكلم بغير علم، أو يدافع بعصبية،
ونظرة عابرة على الفكر السامي للحجوي، تعطيك صورة واضحة عن هذا
المعنى، لكن هذا ليس على إطلاقه، فهناك قلة تشتغل بهذه الفنون، ولم
ينقطع أثرها، وهو المعنى الذي ينبغي أن يناقش فيه الذهبي.
والواقع، أنه لا يتصور وجود إمام يتكلم في دقائق علم ، وفي خباياه التي
تستعصي على الكبار، دون أن يكون هناك من وضع المفاتيح في يده، وعلَّمه
كيف يحل المعضلات، ويفك رموز المغلقات، فهذا لا يتصور في أي علم ،
ولا في أي زمان.
والكتب وحدها لا تعلم كل شيء؛ فالإفهام، والتقريب، واختصار
المسافات، وتوضيح الفكرة، كلها من خصائص الشيوخ، ولا مجال فيها
للكتاب، فکم من فكرة لا تتضح لك في الكتاب إلا بعد توضیح عارف بها!،
وكم من احتمالات لا يفهم شيء بدونها لا تسطر في الكتب!، فالكتب ليست
كل شيء، فلو كانت كل شيء، لما احتاج الشافعي للرحلة إلى المدينة، ليسمع
من مالك ويأخذ عنه؛ باعتبار أنه في قمة الفصاحة والبلاغة، بل رضعها
من ثدي أمه؛ فبمُكْنته أن یفهم أغوار کل جملة کتبت - وهو في بیته-دون
حاجة لشيخ، إلا أنه رحل ليرسخ مبدأ أصيلاً في علومنا، وهو أنها علوم
نقلية شفاهية أساساً، شافه بها جبريل عليه السلام نبي الله ثمّه ، وشافه بها
رسول الله ◌َي أصحابه، واستمرت المسيرة إلى يومنا هذا على هذا المنوال.
فالمشافهة، فيها سر لا يدرك إلا بها، ولا يلمسه إلا من زاولها، فكم من
١٠٥
١

عقول أضلتها كتب!، وكم من أفهام زاغت عن الحق بالاقتصار على كتب!،
ولذا قال ابن وهب: (لولا أن الله تعالى استنقذنا بمالك والليث لضللنا))(١).
ومعلوم أنهما أنقذاه بتعلیمه کیف یتعامل مع الكتب، و کیف یأخذ منها لبابها،
ويدع قشورها.
وعليه؛ فعلم ابن القطان في أسسه ومبادئه، كان علم شيوخ لقيهم وأخذ
عنهم، ومن لم يلقه منهم فقد أجازه، وهو وارف الظلال، باسق الفروع،
بالمباحثة والمطالعة، ولُودُ بالمدارسة والتدريس، صقيل بالمناظرة والمحاققة.
(١) ترتيب المدارك: (١/ ١٧٢).
١٠٦

المبحث الرابع
ابن القطان
=
واتهامه بالتشدد في التجريح

المبحث الرابع
ابن القطان واتهامه بالتشدد في التجريح
يقول الحافظ الذهبي: ((لقد أسرف في المحاققة والتعنت))(١).
وقال: ((لكنه تعنت في أحوال رجال، فما أنصف، بحيث إنه أخذ يلين
هشام بن عروة ونحوه)) (٢) .
وقال في ترجمة هشام بن عروة: ((ولاعبرة بما قاله أبو الحسن بن القطان
من أنه وسهيل بن أبي صالح اختلطا وتغيرا. نعم، الرجل تغير قليلاً ولم يبق
حفظه كهو في حال الشبيبة، فنسي بعض محفوظاته، أو وهم، فكان
ماذا؟ ... فدع عنك الخبط، وذر خلط الأئمة الأثبات بالضعفاء والمختلطين،
فهشام شيخ الإسلام، ولكن أحسن الله عزاءنا فيك يا ابن القطان ... ))(٣).
هذه هي المقالات التي يبني عليها غير الذهبي أن ابن القطان متشدد في
التجريح، يجرح بأدنى شيء، كابن حبان الذي يقولون عنه: متشدد في
التجريح ومتساهل في التعديل.
فهل فعلاً . كما زعم الذهبي - تعنت ابن القطان في التجريح؟.
ذلك ما لم نجد له أثراً في كتابه بعد دراسته كلمة كلمة، وكلامه في سهيل
ابن أبي صالح، وهشام بن عروة، كلام صريح في أنهما تغيرا، وذلك منقول
عمن قبله، فأي لائمة عليه فيه؟!، فكل من راجع ترجمتهما يجد ذلك مسطراً
قبل ابن القطان بقرون، فكيف نجعل من هذه المقالة التي ليست له، ذريعة لنعته
(١) نقد بيان الوهم والإيهام: ٧١.
(٢) تذكرة الحفاظ: (٤/ ١٤٠٧).
(٣) الميزان: (٣٠٢/٤).
١٠٩

بالتشدد؟ !.
علماً بأن هذا سيؤدي إلى نتيجة لا يرضاها الحافظ الذهبي لنفسه ولا لغيره؛
وهي أن كل من نقل عمن تقدمه قولاً قاسياً في راو من الرواة، فإنه يعتبر
متشدداً، وخاصة إذا انفرد ذلك الإمام بذلك القول ولم يتابعه عليه أحد،
وأظن أن الذهبي نفسه سيكون بهذا المقياس - رحمه الله - على رأس قائمة
المتشددين، فكم من خلق فيهم آراء للأئمة المتقدمين انفردوا بها، فنقلها الحافظ
الذهبي عنهم، وغمز بها أولئك الرواة، وأدخلهم في الضعفاء بهذا الاعتبار.
وله - بهذا الاعتبار - أكثر مما لابن القطان، وهذه نماذج من ذلك:
قال الذهبي في ترجمة الحسن بن مقداد: وأحسب هذا وضعه، وإلا
فالجسار(١).
ورد عليه ابن حجر بقوله: وهذا الرجل لم أجد من ضعفه فضلاً عن أن
یتهمه بوضع(٢) .
وقال في ترجمة محمد بن خلاد بن هلال الإسكندراني: ((لا یدری من
هو))(٣).
ورد عليه ابن حجر بقوله: «وقول الذهبي : لا یدری من هو - مع من روی
عنه من الأئمة، ووثقه من الحفاظ - عجيب، وما أعرف للمؤلف سلفاً في ذكره
في الضعفاء سوى قول ابن يونس- يعني قوله: يروي المناكير)) (٤).
وقال في ترجمة أحمد بن نفيل السكوني: ((مجهول)) (٥) .
(١) الميزان: (٥٢٣/١).
(٢) لسان الميزان: (٢/ ٢٥٧).
(٣) الميزان: (٥٣٧/٣).
(٤) لسان الميزان: (١٥٥/٥ -١٥٦).
(٥) المغني: (٦١/١).
١١٠

وتعقبه ابن حجر بقوله: ((بل هو معروف يكفيه رواية النسائي عنه))(١).
ولا نريد أن نسترسل في الأمثلة التي تشبه نفس الأمثلة التي شنع بها
الذهبي على ابن القطان فنسَبَه للتعنت بها؛ لأن الغرض إثبات ذلك لا
استقصائه.
وعليه؛ فإذا كان الحافظ الناقد يحكم على الراوي بحسب ما توفر
لديه من معلومات حوله، - بعد التحري والتدقيق - فنأخذ بذلك الحكم،
ونحگمه ونتحاكم إليه، ما لم يظهر فيه خطؤه، ولا ننسبه فيما قال لا للتساهل
ولا للتشدد، فينبغي طبقاً لذلك أن نعمم هذا المقياس في جميع الحفاظ، دون
التفريق بينهم في ذلك.
وأما إذا تتبعنا كل من تكلم في راو ثقة فضعفه، أو ضعيف فوثقه، فنَصفُ
الأول بالتشدد، والثاني بالتساهل، فلن يبقى لنا إمام يقتدى به إلا ونصنفه في
خانة من هاتين الخانتين .
ومن هنا سنجد الحافظ الذهبي یلزق به وصفُ التشدد أكثر، وهذا منحی
ينبغي الإعراض عنه في حفاظ السنة وحملتها، فهم قد اجتهدوا، فالمصيب له
أجران، والمخطئ له أجر واحد.
وأعجب ممن ينقل هذه المقالة عن الذهبي في الحافظ ابن القطان،
ويتبناها، ويبني عليها نتائج خطيرة، كالشيخ عبد الفتاح أبي غدة في قوله:
((وابن القطان هذا معروف بتعنته وتشدده في الرجال، كما ذكر ذلك الذهبي
في مواضع من كتبه، منها في ترجمته في تذكرة الحفاظ ... ))(٢).
(١) التهذيب: (٧٦/١).
(٢) سكوت المتكلمين في الرجال عن الراوي توثيق له، نقلاً عن (رواة الحديث الذين سكت
عنهم أئمة الجرح والتعديل بين التوثيق والتجهيل): ص ٨٧.
م
١١١

والحق أنه لا ينبغي أن نأخذ من كلام الذهبي ما يحلو لنا، ونترك منه ما لا
يروقنا .
فإما أن نأخذه کله، وإما أن نتر که کله، وإما أن نأخذ منه بمقاییس، وندع
منه بمقاییس.
وأخطاء العلماء لا ينبغي تقليدهم فيها، والشيخ أبو غدة إنما قلد فيما قال
اللكنوي الذي نقل عن الذهبي تقسيمه للمعدلين والمجرحين ثلاثة أقسام،
فذكر منهم قسماً متعنتاً (١) .
ونحن لسنا بصدد مناقشة ما للكنوي من هفوات في هذا الكتاب، وهي
كثيرة، يعرفها أهل الاختصاص، وما للشيخ أبي غدة أيضاً في تعليقاته عليه
من أوهام، وإنما ننبه إلى أن هذا المنقول، قلد فيه متأخر متقدماً، بدون
تمحيص .
(١) انظر: الرفع والتكميل: ٢٨٢.
١١٢

الفصل الثالث
الأعمال التي تولاها ابن القطان
في الدولة الموحدية
وتحت هذا الفصل أربعة مباحث

المبحث الأول
وظائفه

المبحث الأول
وظائفه
أ- وظيفة القضاء:
تولى ابن القطان وظيفة القضاء في الدولة الموحدية، كغيره من كبار
العلماء في الأقطار الإسلامية، الذين أسندت لهم هذه الوظيفة لخطورتها،
وإنما تسند إلى أمثال هؤلاء، بناءً على كفاءتهم العلمية أولاً - التي يستطيعون
أن يحلوا بها مشاكل الناس، وغالباً ما يكون صاحب هذا المنصب مجتهداً أو
قريباً من المجتهد، وبذلك يتمكن من فَضِّ النزاعات فيما يعرض عليه من
قضايا عويصة - وقربهم ثانياً من ولاة الأمر؛ إذ منصب القضاء لا يتولاه إلا من
كان محظوظاً عند السلطان.
قال ابن عبد الهادي: ((الإمام الحافظ الناقد، قاضي الجماعة ... ))(١) .
وقال الذهبي: ((الشيخ الإمام، العلامة الحافظ الناقد، المجود،
القاضي ... ))(٢).
وقال في تذكرة الحفاظ: ((الحافظ العلامة الناقد، قاضي الجماعة))(٣).
وقال ابن الأبار: ((ومات وهو على قضاء سجلماسة))(٤) .
وقال ابن مسدي: ((ولي قضاء الجماعة في أثناء تقلب الدولة، فنقمت
عليه أغراض انتهكت فيها أعراض ... ))(٥).
(١) طبقات علماء الحديث (١٩٠/٤).
(٢) سير أعلام النبلاء: (٣٠٦/٢٢).
(٣) انظر: (٤/ ١٤٠٧).
(٤) التكملة: ١٨٨/١.
(٥) تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٠٧).
١١٧

وفي السير: ((ولي قضاء الجماعة في أثناء تقلب تلك الدولة، فنسخت
أواخره الأول»(١) .
وهذا غمز خفي من ابن مسدي لابن القطان في قوله: ((نسخت أواخره
الأول)) غفر الله لهما معاً، والرجل أدرى بما دخل فيه، وما يحقق من مصالح
فیه لغيره ولنفسه.
فهذه النصوص يظهر من بعضها أنه تولى القضاء في أواخر أمره لما
اضطرب أمر الدولة، وهل تولاه في مراكش، أو في سجلماسة؟.
أجمعت النصوص على أنه تولاه في سجلماسة، عندما لاذ إليها مع
المعتصم فراراً من عمه المأمون.
وقد توصل العلامة الشيخ إبراهيم بن الصديق في رسالته إلى أنه تولى
القضاء أقل من سنة في سجلماسة. وفند آراء من قالوا إنه قاضي الجماعة،
بحجج سديدة، فأصاب في ذلك(٢) .
وعليه؛ فالقضاء ليس مهنة حقيقية لابن القطان، وإنما عرضت له أواخر
حياته، ولكن ليس عندنا دليل ملموس يدل على نوع القضاء الذي مارسه في
أثناء تلك المدة، والراجح أنه قضاء محدود جداً؛ لاضطراب أمر الدولة،
وكون ابن القطان في حالة الفرار مع المعتصم، الذي تسبب له في عدم
الاستقرار، وعدم النفوذ الذي كان يتمتع به في إبان يعقوب المنصور.
ب- رئاسة الطلبة:
وهذه الوظيفة أيضاً وصفه بها جمع ممن ترجموه، ولا شك أن الطلبة في
اصطلاحهم هذا، ليس معناه ما يتبادر إلى أذهاننا من المعنى الاصطلاحي
(١) انظر: (٣٠٦/٢٢).
(٢) علم العلل في المغرب (٢١٩/١).
١١٨

المعاصر، الذي هو من كان في بداية الطلب. واصطلاح الطلبة في أقوال
هؤلاء يقرب جداً من قولنا: رئيس العلماء أو رئيس المفتين.
وعليه؛ فهؤلاء الطلبة من نوع خاص، ممن درسوا، ووعوا، وحصلوا،
فأرادوا بعد ذلك أن يتعمقوا في تخصصاتهم، فهذا النوع هو الذي كان ابن
القطان يرأسهم، ليعمق تخصصاتهم؛ ولهذا تخرج به جماعة من جهابذة
الحفاظ، كابن المواق وأضرابه.
وكان هؤلاء الطلبة من جهات شتى يفدون للعلم، والتلقي عن العلماء،
وهل كان لهم مدرسة خاصة بهم، أو كان ابن القطان يدرسهم في مسجد
خاص؟ محل نظر، والأقرب أنه كان لهم مكان يسكنون فيه ويدرسون فيه
دراسة تعمقية تخصصية .
هؤلاء الطلبة كانوا محل عناية الخليفة، يغمرهم ببره، ويعطف عليهم
ويقضي مآربهم، ويقرب دانيهم، حتى أثار ذلك حسد رجال الدولة علیهم،
فقال لهم يعقوب المنصور كلمته المشهورة: ((يا معشر الموحدين، أنتم قبائل،
فمن نابه منكم أمر فزع إلى قبيلته، وهؤلاء لا قبيل لهم إلا أنا، فمهما نابهم
أمر، فأنا ملجؤهم وإلي فزعهم، وإلي ينتسبون.
فعظم منذ ذلك اليوم أمرهم، وبالغ الموحدون في برهم وإكرامهم)) (١).
فهذا النص يفيد أنهم أجناس مختلفة شرقاً وغرباً، وأنهم عاكفون على
المدارسة والتدريس، ولعل غرض الموحدين من هذا هو تحقيق النهم العلمي
الذي شغفوا به، وبعث الحياة العلمية الراكدة، واقتراب من الأصول أكثر من
الفروع التي أفقدت العلم حلاوته وطلاوته.
(١) المعجب: ٤٠٢.
١١٩

وكان هذا جزءًا من خطتهم في إحياء الاجتهاد، وتخريج المجتهدين من
جديد، كما له بعْدٌ آخر، وهو ترسيخ أركان الدولة بالعلم، وإذاعة صيتها
وتمثيلها من قبل هؤلاء الطلبة الوافدين؛ ولذا فقد عين جملة من هؤلاء الطلبة
في وظائف سامية للدولة، كعبد الله بن محمد بن جبل الهمداني، الذي تولى
منصب الخطابة والكتابة لعبد المؤمن بن علي (١).
جـ- المجالس الإملائية:
وهذه المجالس، هي من جهة امتحان للمحدث، ومن جهة أخرى
تشريف له، إذ جرت العادة في الدولة الموحدية أن تعقد هذه المجالس في قصر
الخليفة وبحضرته، وحضرة العلماء من شتى التخصصات.
وابن القطان الفاسي هو الذي حظي بشرف الإملاء بحضرة يعقوب
المنصور الموحدي، وهو المعيّن لهذه المهمة، ولا شك أن أساس تعمقه في
تخصصه، كان يرجع إلى هذه المجالس؛ إذ يعد لها عدتها الكاملة، وخاصة
أنها يغشاها أصحاب تخصصات شتى: من فقهاء، ومحدثین، ومتكلمین،
وفلاسفة، ومؤرخین.
قال ابن عبد الملك: ((وكان قد سعد عند المنصور منهم كثيراً، فكان
المنصور يؤثره على غيره من أهل طبقته، وجرت له أخبار طريفة معه؛
منها : أنه عينه لقراءة الحديث الذي كان يقرأ بین یدیه، وكان أبو الحسن يعتريه
بعض الأحيان توقف في كلامه، فابتدأ أول يوم القراءة، فبسمل، وصلى
على النبي تمّله ، وكان العادة إتباع القارئ التصلية بالدعاء للمنصور بالرضا،
فحين فرغ أبو الحسن من التصلية، عرض له التوقف الذي كان يعتريه، فمكث
قليلاً، ثم قال: ورضي الله عنكم، واصلاً الدعاء بالتصلية فيما رأى، ثم
(١) المن بالإمامة: ١٥٦، والمعجب: ١٢١.
١٢٠