Indexed OCR Text
Pages 41-60
--- تمهيد شهدت الحركة العلمية أزهى عصورها في فترة الدولة الموحدية - وخاصة في فترة ثلاثة أمراء ، هم: عبد المؤمن بن علي، وابنه يوسف أبو يعقوب، وابن ابنه يعقوب المنصور - بغض النظر عن المنطلقات الفكرية التي اعتنقها مؤسسو هذه الدولة، من القول بعصمة المهدي بن تومرت المؤسس الأول للدولة. وقد كانت علوم الحديث في هذه الفترة، من أوفر العلوم حظاً، وأكثرها نصيباً ، وأجزلها بختًا، حيث كانت مجالس الحديث تعقد هنا وهناك في أنحاء المغرب والأندلس، وخاصة في مراكش عاصمة الدولة الموحدية، وقد كان المشاهير المرموقون من العلماء في شتى التخصصات يؤمون مراكش للسماع والإسماع، والإفادة والاستفادة. وتتجلى مظاهر الاهتمام بالعلم والعلماء في الدولة الموحدية في خمسة مناحي : المنحى الأول: قيام الدولة أساساً على العلم. المنحى الثاني: جلب العلماء وإغداق العطايا عليهم. المنحى الثالث: الاهتمام بطلبة العلم، والمبالغة في الاحتفاء بهم وإكرامهم. المنحى الرابع: اقتناء الكتب النادرة، وتوفيرها للدارسين والباحثين. المنحى الخامس: الأمر بالاجتهاد ونبذ التقليد. وكل واحد من هذه المناحي، تتشعب ذيوله، ويتسع الكلام فيه، كما يمكن تقسيمه إلى أقسام أخرَ للإحاطة بالموضوع. وإذا كان ذلك ليس مقصودنا في هذه العجالة؛ لأنه موضوع أفرد بالتأليف، فإن مما لابد فيه، هو حَبْك الكلام حول كل عنصر من هذه العناصر، موجزين، ومركزين في الوقت نفسه على إبراز معالم هذا الاهتمام ٤٣ العلمي، بدون إخلال برسم الصورة العامة، التي تهدي القارئ إلى تلمس هذه العناية والرغبة فيها . ومن الوفاء للحق والتاريخ، القول بأن حسنات هذه الدولة في الميدان الفكري لا تنكر، فلقد قطعت فيه أشواطاً بعيدة المدى، وبارزة الأثر. ففي الوقت الذي كانت فيه الخلافة العباسية آيلة إلى الزوال، كانت الدولة الموحدية في أوج ازدهارها سياسياً، وعلمياً، واقتصادياً، وكانت ملوك الإفرنج تخطب ودها وتتملق إليها، وتفَد عليها معلنة الطاعة. وفي فترتها ظهر للوجود فطاحل من العلماء في شتى التخصصات، لا يقلون كفاءة وخبرة عن أمثالهم في الشرق الإسلامي. المنحى الأول: قيام الدولة أساساً على العلم: أ - مؤسس الدولة الموحدية: هو المهدي بن تومرت، الذي رحل إلى المشرق وأخذ عن أعلامه البارزين على اختلاف اتجاهاتهم، ورجع بحصيلة علمية وافرة، مكَّنَّته من القدرة على الجدل، والدفاع عن قناعاته، فاستطاع بذلك أن يستميل الأفئدة، وأن يستهوي العامة، وأن يوطد لنفسه هيبة في نفوس المغاربة، وأدی به ذلك إلى إنشاء الدولة الموحدية على الطراز الذي ينتحله، والمبدأ الذي تشبع به، وهو القول بعصمته، وأنه الإمام، ولذلك سموه الإمام المهدي المعصوم. قال ابن خلكان: ((ثم رحل إلى المشرق في شبيبته طالباً للعلم، فانتهى إلى العراق، واجتمع بأبي حامد الغزالي، والكيا الهراسي، والطرطوشي، وغيرهم، وحصل طرفاً صالحاً من علم الشريعة، والحديث النبوي، وأصول الفقه والدين، وكان شجاعاً، فصيحاً في لسان العربي والمغربي، شديد ٤٤ الإنكار على الناس فيما يخالف الشرع، لا يقنع في أمر الله بغير إظهاره))(١). وفصاحته وإتقانه لأصول الفقه، مكَّناه من الانتصار على مخالفيه من فقهاء المرابطين في عدة مناظرات جرت بينهم (٢)، بغض النظر عن كونه يجادل بحق أو بباطل، وهو - فيما يقال - أول من أدخل مذهب الأشاعرة إلى المغرب، وناظر عنه، وكان مَنْ قبله ينتحلون مذهب السلف في المعتقد، ولذلك سماهم مجسِّمة كفاراً، وسمی أصحابه موحدین، وألف لهم في ذلك رسائل؛ مثل: (المرشدة))، و((أعز ما يطلب))، وغيرهما. قال ابن خلدون: ((وانطوى المهدي راجعاً إلى المغرب بحراً متفجراً من العلم، وشهاباً وارياً من الدين ... وكان من رأيه القول بعصمة الإمام، على رأي الإمامية من الشيعة، ولم تحفظ عنه فلتة في البدعة سواها))(٣). وإثر دعوى العصمة، قام فريق من العلماء المالكية بالإنكار عليه، سواء داخل المغرب أو الأندلس، وكان كثير منهم لا يعترفون بالدولة الموحدية، حتى بعد قيامها، لقيامها على أصل فاسد، كالقاضي عياض، وأبي محمد عبد الحق، وأضرابهما (٤) . ب - عبد المؤمن بن علي، القيسي، الكومي: تلميذ المهدي، وحامل راية دعوته ومبايعه على مؤازرته في المنشط والمكره، والعسر، واليسر، وهو خليفته بعده، وبه بدأت عظمة الدولة الموحدية واتساعها، وإزالة الدولة المرابطية من الوجود، بويع بعد موت المهدي سنة أربع وعشرين وخمسمائة. (١) وفيات الأعيان ٤٥/٥ -٤٦. (٢) الأنيس المطرب ١٧٤ . (٣) تاريخ ابن خلدون ٦/ ٣٠٢. (٤) الأعلام ٤/ ٧٣، والاستقصاء ٢/ ١٠٢ - ١٠٣. ٤٥ قال ابن أبي زرع: «كنت ولاية عبد المؤمن حسنة، وسيرته حمیدة، لم يكن في ملوك الموحدين مثله أحسن عطية، ولا فروسية، ولا ديناً، ولا أكثر علماً منه، وأما صفته، فكان ... فصيح اللسان، نبيهاً، عالماً بالجدل، فقيهاً في علم الأصول، حافظاً لحديث النبي ◌َّه ، متقن الرواية، مشاركاً في كثير من العلوم الدينية والدنيوية، إماماً في النحو، واللغة، والأدب، والقراءات، ... محباً في أهل العلم والأدب، مقرباً لهم، مشوقاً لوفادتهم، منفقاً لبضاعتهم)) (١) . وهذه الدراية والمحبة فيها، هي التي بعثت من جديد روح المعرفة في المغاربة، وقَوَّت فيهم ملكة الاستدلال، والاستنباط، بعد اندثارها فيهم منذ زمان، فلا غرابة إذ كان الخليفة عالماً محباً للعلم، أن تنحو الرعية نحوه، وتشتغل بما يقربها إليه، ومن كان من الأمراء ذا همة عالية، لا يقنع بدون هذا المطمح. وإذا كان لعبد المؤمن الفضل في بناء دولة موحدية قوية من طرابلس الغرب إلى الأندلس إلى حدود السنغال(٢)، فإن له الفضل أيضاً في تحريك همم العلماء، وتشجيعهم، وبث روح المنافسة فيهم، فراجت سوق المعرفة في إيانه، بعد كسادها، ونفقت سلعة الأدب بعد بوارها، وتفننت القرائح في استخراج المخبوءات بعد نكادها، وكان لعلوم الشرع: من حديث، وفقه، وأصول، القدح المعلى من اهتمام عبد المؤمن بن علي، إضافة إلى إقامة العدل بين الرعية، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والضرب على أيدي العابثين المفسدين، وله في ذلك رسالة تسمى رسالة الفصول، وهي من أعظم (١) الأنيس المطرب: ٢٠٣ -٢٠٤. (٢) المعجب: ٣٣٧ . ٤٦ الرسائل التي تبين نهجه وسياسته التي سلكها، وفيها من المبادئ الإسلامية ما هو جدير بالدراسة والتأمل(١). جـ- يوسف بن عبد المؤمن، أبو يعقوب: سار أبو يوسف على سيرة أبيه، من أخذ الأمور بالحزم، والقيام بمراسم الجهاد، ونشر العدل بين الرعية، فعم الرخاء، وأمنت الطرقات، وكثرت الأموال، وصلح أمر الناس في الحاضرة والبادية، وكان الجو العلمي للعلماء، ولمن يرغبون في العلم ممهداً في زمانه. قال ابن صاحب الصلاة: «کان أبو يعقوب، فاضلاً، کاملاً، عدلاً، ورعاً، جزلاً، حافظاً للقرآن بشرحه، وناسخه ومنسوخه، عالماً بحديث رسول الله ◌َ، حسنه وصحيحه، متفنناً في العلوم الشرعية والأصولية، وكان راغباً في العمارة، مثابراً علي الجهاد، مشيعاً للعدل، مقسطاً فيه، يذهب في زهده وورعه، وبسطه لعدله، وسداده في فضله، مذهب أبيه ... ))(٢) . وقال ابن خلكان: ((وكان يوسف المذكور فقيهاً، حافظاً، متقناً، لأن أباه هذبه، وقرن به وبإخوته أكملَ رجال الحرب والمعارف، فنُشِّئُوا في ظهور الخيل بين أبطال الفرسان، وفي قراءة العلم بين أفاضل العلماء، وکان میله إلى الحكمة والفلسفة، أكثر من ميله إلى الأدب وبقية العلوم، وكان جماعاً مناعاً، ضابطاً لخراج مملكته، عارفاً بسياسة رعيته ... أعرف الناس كيف تكلمت العرب، وأحفظهم لأيامها في الجاهلية والإسلام، صرف عنايته إلى ذلك، ... ويقال: إنه كان يحفظ صحيح البخاري، وكان شديد الملوكية، بعيد (١) مجموعة رسائل موحدية، نشرها بروفتصال: ١٣٦ -١٣٨. (٢) المن بالإمامة ١٦٥ . ٤٧ الهمة، سخياً، جواداً، ... وكان يحفظ القرآن العظيم، مع جملة من الفقه، ثم طمح إلى علم الحكمة، وبدأ من ذلك بعلم الطب، وجمع من كتب الحكمة شيئاً كثيراً))(١). فهذا الجو من دراية الأمراء، وتمكنهم من ناصية العلم، هي التي مهدت سبل الاجتهاد للعلماء المجتهدين المغاربة، الذين جاءوا بعدُ، أمثال ابن العربي، وابن القطان، وأضرابهما، فلَبنَات تكوينهم وضعها هؤلاء الأمراء بالأساس، وتوالى عليها مَن بعدهم، حتى انتهى بناء صرح المعرفة شامخًا يناطح الزمان، ويفتخر به في المجالس، ويحتذي حذوه في التكوين، والتشييد، والبناء. د - يعقوب المنصور الموحدي، أبو يوسف: يعتبر يعقوب المنصور واسطة العقد في الدولة الموحدية، جاهاً، وعلماً، وصرامة، وقدرة على إدارة الدولة، ومعالجة مشاكلها، ولئن كان شرف البناء لأبيه وجده، فإن شرف التمام، وقطف الثمار، واستثمار كل المؤهلات، ووضعها على مدرجها المثمر البناء، يرجع ليعقوب المنصور. قال ابن أبي زرع: ((كان ... جواداً، شجاعاً، كريماً، شهماً، عالماً بالحديث، والفقه، واللغة، مشاركاً في كثير من العلوم النافعة للدين والدنيا، محباً في العلماء، معظماً لهم، صادراً عن رأيهم، كثير الصدقة، محباً في الجهاد، مواظباً عليه ... ))(٢). وقال تاج الدين السرخسي: ((كان يجيد حفظ القرآن، ويحفظ متن الأحاديث ويتقنها ، ويتكلم في الفقه كلاماً بليغاً، وكان فقهاء الوقت يرجعون (١) وفيات الأعيان ٧/ ١٣٤. (٢) الأنيس المطرب: ٢١٦. ٤٨ إليه في الفتاوى، وله فتاوى مجموعة حسبما أدى إليه اجتهاده)) (١). وكان الجانب الثقافي قد ازدهر في عصره بما لم يسبق له مثيل، وكانت مراكش عاصمةُ مملكته يفد إليها كل من تعطش للعلم والمعرفة، وجَمَع من العلماء: المحدثين، والفقهاء، والأطباء، والفلاسفة، واللغويين، والقراء، والشعراء، والحكماء، ما لم يعهد خليفة قبله. وكان يدير كل ذلك بنظر ثاقب، وحزم، وعزم (٢). ولا غرابة أن ينادي بالاجتهاد، ونبذ التقليد، والرجوع إلى الكتاب والسنة والاستقاء منهما مباشرة، بعدما كان بينهما وبين الناس مفاوز من الوسائط، فاستطاع بحنكته وصرامته أن يرد الأمر إلى الأصل الأول. وكان له الفضل والسبق في تكوين أعلام يعرف بهم المغرب، ويشهد بإمامتهم العلمية أهل المشرق قبل المغرب، كابن القطان المحدث، والسهيلي اللغوي، وابن رشد الفيلسوف والفقيه، وابن زهر الطبيب، وأضرابهم. المنحى الثاني: جلب العلماء، وإغداق العطايا عليهم: يعتبر يعقوب المنصور مضرب المثل في جلب العلماء، والمبالغة في إكرامهم، والتنويه بمقامهم، وحثهم على الإملاء، حتى يستفيد النبغة من الطلبة من علمهم. ومن العلماء البارزين الذين جلبهم يعقوب المنصور إلى حضرة مراكش للتحديث والإملاء، وأمرهم بتدريس الحديث، ابنُ الفخار المالقي، وكان من حفاظ عصره في الحديث، وكان لا يجارى في حفظه، يحفظ صحيح مسلم وسنن أبي داود وموطأ مالك، وقد تتلمذ له ابن القطان الفاسي، واستمر ابن (١) نفح الطيب: ١٠٢/٣. (٢) البيان المغرب: ٢٢٩. ٤٩ الفخار في نشر الحديث وعلومه حتى توفى سنة تسعين وخمسمائة(١). وكذلك أبو محمد الحجري، استدعاه يعقوب المنصور إلى مراكش لإسماع الحديث(٢)، وكذلك أبو العباس بن الصيقل، استدعي من تلمسان إلى مراكش ليسمع بها(٣) . وغير هؤلاء، كثير في شتى التخصصات، لكن يبقى اهتمام يعقوب المنصور بالحديث وعلومه وعلمائه، أمراً فائقاً لغيره، وقد بذل كل جهده في جلب العلماء الأكفاء في هذا التخصص بالذات، تارة بالإغراء بالمال والهدايا السخية، والحفاوة البالغة، وتارة بتعيينهم في وظائف الدولة، وتارة بجعلهم من خواص جلسائه وأهل مشورته. وكان قصده من ذلك أن يجعل مذهب المحدثين مذهب الدولة الرسمي، ولذلك أمر بإحراق كتب الفروع والاستغناء عنها بالأصول، حتى يرسخ مبدأ الرجوع إلى الكتاب والسنة، فتم له بهذا العمل ما أراد؛ فراجت سوق الحديث، ونفقت تجارته، وعكف الناس على فقه المحدثين، ودراسة الحديث دراسة صحيحة نقدية، تجمع بين الرواية والدراية. وعاد بذلك للحديث - في الديار المغربية - مكانته الصحيحة ، التي يضاهي بها مدارس دمشق، وبغداد. وظهر في هذا التخصص بالذات في هذه الفترة أعلام بارزون، ومؤلفات مفيدة، لها خصائصها ومميزاتها، كمؤلفات أبي محمد عبد الحق الإشبيلي، وابن القطان الفاسي، وابن رشد الفقيه، وأبي العباس النباتي، وغيرهم، وكانت النزعة الاستقلالية في التوليد والاستنتاج، وإعادة النظر في قضايا علمية عديدة، بارزةً في مؤلفات هؤلاء. (١) المعجب: ٣٤٢، والأعلام: ٦٥/١. (٢) إفادة النصيح ص: ٧٨ -٧٩. (٣) الإعلام: ٤١/٢ . ٥٠ هـ المنحى الثالث: الاهتمام بطلبة العلم، والمبالغة في الحفاوة بهم وإكرامهم: كان ليعقوب المنصور حفاوة بالغة بطلبة العلم، وكان يجري لهم أرزاقاً سخية، على حسب مراتبهم، وقد نالوا عنده حظوة لم تكن لهم في إمارة من قبله من أبيه وجده، وأدى هذا الاهتمام بهم إلى حسد شيوخ الموحدين لهم، والتبرم منهم، مما جعل يعقوب المنصور يخاطب الموحدين بمقالته المشهورة، التي منها: ((يا معشر الموحدين، أنتم قبائل، فمن نابه منكم أمر فزع إلى قبيلته، وهؤلاء الطلبة لا قبيل لهم سواي، فمهما نابهم أمر، فأنا فزعهم، وإلي ملجؤهم، وإلي ينتسبون ... ))(١). وتتجلى مظاهر هذه العناية في مجالات شتى: - منها تخصيص بيت للطلبة، يجتمعون فيه للدراسة، على كبار الشيوخ، الطاعنين، والمقيمين ، ويمكن تشبيه هذا البيت بالجامعات، أو المعاهد التي فيها كبار العلماء، الذين يأوي إليهم من له دراية وعلم، ويرغب في الازدياد، وكان بيت الطلبة يرأسه من هو أكثرهم علماً، وأقدر على إدارتها . والشخصُ المختار لهذه الرئاسة في عهد يعقوب المنصور، هو ابن القطان الفاسي، الذي كان أوحد المغاربة استبحاراً في الحديث وعلومه، وطرقه وعلله. - ومنها بناء المدارس العلمية، كالمدرسة التي بناها بالمسجد الأعظم بسلا(٢). - ومنها مدرسة بناها خارج مدينة مراكش، فيها خزائن الكتب، وكان فيها (١) المعجب: ٤٠٢. (٢) الاستقصاء : ٢ / ١٧٤ . ٥١ من المصادر شيء كثير، إضافة إلى المساجد الكثيرة التي شيدها في إفريقيا، والأندلس والمغرب لهذا الغرض(١) . وبذلك يمثل عهده أخصب الفترات الفكرية في المغرب علي الإطلاق، فلم يكن في عهده تخصص من التخصصات العلمية، إلا وتخرج فيه فطاحل كبار، لهم إنتاج متميز، أسهم في بناء معالم الثقافة الإنسانية إلى اليوم، وذلك كله يرجع إلى الاهتمام البالغ والحرص الشديد من يعقوب على هذا المبدأ الذي ورثه عن أبيه وجده، فبذلك واصل السير في دربهم، مجدداً فيما عجزا عن التجديد فيه، وفاتحاً لدروب لم يطرقاها ولا سلكاها. المنحى الرابع: اقتناء الكتب النادرة، وتوفيرها للدارسين والباحثين: كانت المكتبة الموحدية، من أغنى المكاتب، وأجمعها لطرائف ولطائف الكتب في كل فن، وكان فيها من نوادر كتب الحديث خاصةً، ما تشد إليه الرحال، وتضرب إليه أكباد الإبل، وكان ليعقوب المنصور خاصة ولع تام بجلب الكتب واقتنائها، واستنساخها شرقاً وغرباً، وكذلك أبوه يوسف الذي كان له ولع شديد بجمع كتب الفلسفة، حتى اجتمع له مثل ما اجتمع للمستنصر بالله الأموي في الأندلس(٢) . وهذه الخزانة العظيمة والمتشعبة، كانت داخل القصر، ومعها دار الكرامة والضيافة. قال ابن فضل الله العمري: ((ثم إنه كذلك بنى قصر الخلافة، ودار الكرامة والأضياف، وفي هذه الرحبة المدرسةُ؛ وهي مكان جليل، فيه خزائن (١) المعجب: ٣٨٤. (٢) المصدر نفسه: ٣٤٧. ٥٢ الكتب))(١) . ويظهر من اهتمام الأمراء الموحدين بهذه المكتبة اهتماماً بالغاً، أنهم جعلوها من الخطط التي لا يتولاها إلا من كان ذا حظوة عندهم، بارزاً في تخصصه . وابنُ القطان الفاسي، هو الذي تولى هذه الخطة في عهد يعقوب المنصور، وكان أعلم رجل بنوادرها وخباياها، وهو الذي أعاد ترتيبها بعدما ◌ُهبت في فتنة قَتْل عبد الواحد بن محمد المخلوع. قال الناصري: «فلما كان يوم الأحد بعده، دخلوا على عبد الواحد القصر، وأحضروا القاضي، والفقهاء، والأشياخ، فأشهد على نفسه بالخلع، وبايع للعادل، ثم دخلوا عليه بعد مضي ثلاث عشرة ليلة من خلعه، فخنقوه حتى مات، وانتهبوا قصره واستولوا على أمواله ... ))(٢). وفي هذه الفتنة نُهبت أكثر نفائس هذه الخزانة، حتى إن العادل لما أراد أن يعيد ترتيبها، لم يجد وزيره من هو أعلم بمحتوياتها وما فقد منها غير ابن القطان . قال ابن عبد الملك: « وكان من غريب الاتفاقات، أن العادل لما استقر بمراكش بعد قتل عمه أبي محمد، وانتهاب أكثر كتب الخزانة التي كانت بالقصر في جملة ما نهب من ذخائره، خرج من قبل العادل إلى وزيره أبي الحسن: علي بن أبي جامع، أمْر بنظر عليٍّ في ترتيب ما بقي بالخزانة من الکتب، وتمییز کاملها من ناقصها، وکان مراد العادل بعلي، وزیرہ المذکور، فأمر الوزير أبا الحسن بن القطان بذلك ... (١) المسالك والممالك: ٥. (٢) الاستقصاء: ٢٣٠/٢. ٥٣ فتولاه أبو الحسن في أيام كثيرة، ثم لما فرغ منه طالع الوزير العادل بتمام ذلك ... فأمر تواً لمتولي ذلك بجملة وافرة من أمداد الزرع وغير ذلك ... ولما صار ذلك كله إلى ابن القطان، رفع إلى العادل شاكراً له هذا الإنعام الجزيل، فأنكر العادل ما صدر عن ابن القطان، ولم يعرف سببه، فسأل وزيره عنه فقال: ((إنه لما خرج الأمر بنظر علي في ترتيب الكتب، لم أشك في أن المراد بعلي هو ابن القطان، لأنه كان الناظر فيها في الفترة المتقدمة، ولأنه العارف بما يحاول من ذلك، وللعلم بأنه لا يقوم أحد في ذلك التصرف مقامه))(١))) . المنحى الخامس: الأمر بالاجتهاد، ونبذ التقليد: أول عمل أقدم عليه يعقوب المنصور بصرامة لم تعهد فیمن قبله، هو استخفافه بعقول من يقول بعصمة المهدي بن تومرت؛ لأنها كانت بدعة شنيعة، أدرك المنصور أنها أساءت للموحدين، وعاقت طرائق الاجتهاد في زمانهم . سأل يعقوب يوماً أحد الطلبة: ما قرأتَ من العلم؟ قال: قرأت تواليف المهدي، فنظر إليه نظرة المغضب، فقال له: ((ما هكذا يكون طلاب العلم، قل: قرأت كتاب الله، وقرأت شيئاً من السنة، ثم بعد هذا قل ما شئت))(٢). ثم كانت كثرة الروايات والأوجه في المذهب المالكي في مسألة واحدة، مما ضاق به الموحدون ذرعاً، وراموا إزالته، وإرجاع الناس إلى الكتاب والسنة، والاجتهاد في أخذ الأحكام منهما. قال عبد الواحد: ((وفي أيام يعقوب، انقطع علم الفروع، (١) الذيل والتكملة: ٨/ ١٦٥. (٢) المعجب: ٤١٧ . ٥٤ وخافه الفقهاء، وأمر بإحراق کتب المذهب، بعد أن يجرد ما فيها من حديث رسول الله ◌َ﴾. والقرآن، ففعل ذلك، فأحرق منها جملة في سائر البلاد، کمدونة سحنون، و کتاب ابن یونس، ونوادر ابن أبي زيد ومختصره، و کتاب التهذيب للبراذعي، وواضحة ابن حبیب، وما جانس هذه الكتب ونحا نحوها، لقد شهدتُّ منها - وأنا يومئذ بمدينة فاس - يؤتَى منها بالأحمال، فتوضع فيطلق فيها النار، وتقدم إلى الناس بترك الاشتغال بعلم الرأي، والخوض في شيء منه، وتوعد يعقوب على ذلك بالعقوبة الشديدة))(١). وهكذا تخلص يعقوب المنصور من العبء الذي أثقل كاهل الفقهاء، وفرق كلمتهم، وجعلهم طرائق قددًا، ولقد أدرك - رحمه الله - مَكْمن الداء فحسمه، ومعین الدواء، فأرشد إليه. وقال الناصري: ((وقد كان عبد المؤمن بن علي وبنوه من بعده، منعوا الناس من التقليد في الفروع، وحملوا الأئمة على أخذ الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة مباشرة، على طريق الاجتهاد المطلق، وأحرقوا شيئاً كثيراً من كتب الفروع الحديثة التصنيف، ووقع ذلك من بعض علماء عصرهم موقع الاستحسان، منهم الحافظ أبو بكر بن العربي ... ))(٢). هكذا حسم يعقوب المنصور الأمر بحرق كتب الفروع، ورد الاعتبار إلى كتب الحديث والاجتهاد، لكن ذلك - للأسف - لم يستمر طويلاً من بعده، للمنازعات الداخلية بين الموحدين، التي أدت إلى انهيار دولتهم، وقبر هذا المشروع في شبابه، ولو قدر له أن يعيش طويلاً لكان للمغرب شأن آخر في علوم الحديث. (١) المعجب: ٤٠٠. (٢) الاستقصاء: ١/ ١٤١. ٥٥ في هذا الجو المتدفق بالتحمس للعلم، ورفع رايته، وإكرام أهله، ولد الحافظ ابن القطان الفاسي، وفي هذه الظروف تربى، ولا غرابة أن يظهر عليه فضل هذه العناية بالعلم، فالموحدون وضعوا له سلم الترقي إلى أعلى مقامات النبغة من العلماء، فاستجاب بهمته العلية لهذه الدعوة العلمية، فترقى أعظم كرسي علمي في تاريخه، حتى اشتهر شرقاً وغرباً في تخصصه. وليس ابن القطان - وحده - غراس هذه الحقبة؛ فعلى شاكلته أعلام كثيرون نبغوا في تخصصات متعددة، وأنتجوا مؤلفات ذات قيمة علمية لم يستطع الزمان أن يتجاوزها، فغدت لذلك معيناً ومصدراً للباحثين والدارسين. وليس مقصودنا استقصاء هذه النماذج ولا حصرهم، وإنما نرمي إلى التنبيه على كثرتهم، ووفرة إنتاجهم، وهم مفردون بتراجم مستقلة في مظانها . ٥٦ الباب الأول · في التعريف بالحافظ ابن القطان الفاسي وتحت هذا الباب أربعة فصول الفصل الأول ترجمة الحافظ ابن القطان الفاسي