Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
العمل بالحديث وأقبلوا على سماعه)). فقال رضى الله عنه: ((نفس سماعهم للحديث
عمل به)). وكان يقول: ((لم تزل الناس فى صلاح ما دام فيهم من يطلب الحديث، فإذا
طلبوا العلم بلا حديث فسدوا)). وكان يقول: ((لا ينبغى (١) لأحد أن يقول قولا حتى يعلم
أن شريعة رسول الله مَّر تقبله)). وكان يجمع العلماء فى كل مسألة لم يجدها صريحة فى
الكتاب والسنة، ويعمل بما يتفقون عليه فيها. كذلك كان يفعل إذا استنبط حكما ، فلا
يكتبه حتى يجمع عليه علماء عصره، فإن رضوه قال لأبى يوسف: "اكتبه رضى الله
عنه". فمن كان على هذا القدم من اتباع السنة ...... كيف يجوز نسبته إلى الرأى؟
معاذ الله أن يقع فى مثل ذلك عاقل اهـ (ص-٤٧ و٤٨) . .
وقال أيضًا: وقد تتبعت بحمد الله أقواله وأقوال أصحابه لما ألفت كتاب أدلة
المذاهب، فلم أجد قولا من أقواله أو أقوال أتباعه إلا وهو مستند إلى آية، أو حديث، أو
أثر، أو إلى مفهوم ذلك، أو حديث ضعيف كثرت طرقه، أو إلى قياس صحيح على
أصل صحيح فمن أراد الوقوف على ذلك فليطالع كتابى المذكور اهـ (ص-٥٢) .
وقال أيضًا: فإنى تتبعت مذهبه فوجدته فى غاية الاحتياط والورع، لأن الكلام
صفة المتكلم، وقد أجمع السلف والخلف على كثرة ورع الإمام، وكثرة احتياطاته فى
الدين، وخوفه من الله تعالى. فلا ينشأ عنه من الأقوال إلا ما كان على شاكلة حاله اهـ
(ص-٥٧).
وقال أيضًا: إن الأئمة كلهم على هدى من ربهم، وإنه ما طعن أحد فى قول من
أقوالهم إلا لجهله به، إما من حيث دليله، وإما من حيث دقة مداركه عليه. لا سيما الإمام
الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت رضى الله عنه، الذى أجمع السلف والخلف على
کثرة علمه، وورعه، وعبادته، ودقة مدار كه، واستنباطاته، كما سيأتى بسطه. وحاشاه
رضى الله عنه من القول فى دين الله بالرأى الذى لا يشهد له ظاهر كتاب ولا سنة. ومن
نسبه إلى ذلك فبينه وبينه الموقف الذى يشيب فيه المولود اهـ (ص-٥١).
م
(١) لا يجوز (المؤلف).

٦٢
مقدمة إعلاء السنن
وقال نصر بن المروزى (مر توثيقه): ((لم أر رجلا ألزم للأثر من أبى حنيفة)) اهـ. كذا
فى "الجواهر المضيئة" (٢-٢٠١). وروى عن عبد الرزاق، قال: كنت عند معمر، فأتاه ابن
المبارك، فسمعت معمرا يقول: ما أعرف رجلا يحسن التكلم فى الفقه ويسعه أن يشرح
الحديث فى الفقه أحسن معرفةً من أبى حنيفة، ولا أشفق على نفسه من أن يدخل فی دین
الله شيئا من الشك مثل أبى حنيفة. وروى سعيد بن منصور، قال: سمعت فضيل بن
عياض يقول: ((كان أبو حنيفة رجلا فقيها معروفا بالفقه مشهورا بالورع صبورا على تعليم
العلم بالليل والنهار حسن الليل كثير الصمت حتى ترد مسألة فى حرام أو حلال، وكان
إذا وردت عليه مسألة، فيها حديث صحيح اتبعه، وإن كان عن الصحابة (أى مرسلا)
والتابعين (أى موصولا)، وإلا قاس فأحسن القياس)) اهـ من تبييض الصحيفة للسيوطى
(ص-٢٤ و٢٥).
وقال الخوارزمى فى "جامع المسانيد": ومما شنع الخطيب وغيره على أبى حنيفة
رضى الله عنه أنه لا يعمل بالحديث وإنما يعمل بالرأى، وهذا قول من لا يعرف شيئا من
الفقه ومن شم رائحته وأنصف اعترف أن أبا حنيفة من أعلم الناس بالأخبار، واتباع
الآثار.
والدليل على بطلان ما قالوا من وجوه ثلاثة (أحدها): أن أبا حنيفة رحمه الله يرى
المراسيل حجة ويقدمها على القياس، خلافا للشافعى رحمه الله. (والثانى) أن أنواع
القياس أربعة، أحدها القياس المؤثر وهو الذى يكون بين الأصل والفرع معنى مشترك
(بالعلية)، والثانى القياس المناسب، وهو أن يكون بين الفرع والأصل معنى مناسب
(بوجه ما)، والثالث قياس الشبه، وهو أن يكون بين الأصل والفرع مشابه" (١) صورة فى
الأحكام الشرعية، والرابع قياس الطرد، وهو أن يكون بين الأصل والفرع معنى مطرد،
وأبو حنيفة رحمه الله وأصحابه رحمهم الله قالوا بأن قياس الشبه والمناسبة باطل،
واختلف هو وأصحابه فى قياس الطرد، فأنكره بعضهم، وقال أبو زيد الكبير رحمه الله بأن
(١) كما بين الخل والدهن لمشابهتهما فى الصورة، فقال الشافعى: إن الخل لا يزيل النجاسة كالدهن، حكاه
الخوارزمى أيضا (المؤلف).

٦٣
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
القياس المؤثر حجة والباقى ليس بحجة، وقال الشافعى رحمه الله: بأن الأنواع الأربعة من
القياس حجة، ويستعمل قياس الشبه كثيرا. ثم العجب أن أبا حنيفة لا يستعمل إلا نوعا
أو نوعين، والشافعى يستعمل الأنواع الأربعة ويراها حجةً، ويقول الخطيب وأمثاله بأن أبا
حنيفة كان يستعمل القياس دون الأخبار، وهذا لغلبة الهوى وقلة الوقوف على الفقه،
ومن عرف مأخذ أبى حنيفة وأصحابه عرف بطلان ما قاله، ولكن رأى الخطيب وأمثاله
أنه ترك أبو حنيفة العمل ببعض الأحاديث التى أخذ بها الشافعى فظنوا أنه تركها بالقياس
ولم يعلموا أنه تركها لأحاديث الخوارزمى إحدى وثلاثين مسألة خلافية أخذ الخصم فيها
بأحاديث أو بعمومها، وتركها أبو حنيفة لأحاديث أخر أصح منها، وأصرح، وأخص
بتلك المسألة. فمن شاء التفصيل فليراجعه (١- ٤٢ و٥٤). وكتابنا إعلاء السنن كافل
لتحقيق ذلك بأتم تفصيل إن شاء الله تعالى.
وذكر القاضى أبو عبد الله الصيمرى (مر توثيقه) بإسناده إلى المأمون أمير المؤمنين
أنه جمع فى عصره كتاب فى الأحاديث، ووضع فى يده، وقالوا: إن أصحاب أبى حنيفة
الذين هم مقدمون عندك فلان وفلان لا يعملون بها، فى قصة طويلة، إلى أن صنف
عيسى بن أبان كتاب الحجة الصغيرة (١)، وبين فيه وجوه الأخبار وما يجب قبوله، وما
يجب رده، وما يجب تأويله، وما يجب بالعمل بالمتضادين، وبين فيه حجج أبى حنيفة
رضى الله عنه فلما قرأه المأمون ترحم على أبى حنيفة وتمثل ببيتى ابن المبارك:
فالقوم أعداء له وخصوم
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه
حسدا وبغضا: إنه لذميم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها
كذا فى "جامع المسانيد" (١- ٦).
قلت: وعيسى بن أبان ذكره السمعانى فى الأنساب عند ذكر القاضى، فقال:
أسند الحديث عن إسماعيل بن جعفر، وهاشم بن بشر، ويحيى بن زكريا بن أبى زائدة،
ومحمد بن الحسن، وغيرهم. وقال محمد بن سماعة: كان عيسى بن أبان حسن الوجه،
(١) عن محمد بن الحسن، كما فى كشف الظنون، حكاه عنه محشى جامع المسانيد.

٦٤
مقدمة إعلاء السنن
كان يصلى معنا، وكنت أدعوه إلى محمد بن الحسن فيقول: ((هؤلاء قوم يخالفون
الحديث)). وكان حسن الحفظ للحديث، فصلى معنا يوما الصبح، وكان يوم مجلس
محمد، فلم أفارقه، حتى جلس فى المجلس. فلما فرغ محمد قلت: هذا ابن أخيك أبان
ابن صدقة ومعه ذكاء ومعرفة بالحديث، وأنا أدعوه إليك فيأبى، ويقول: ((إنا نخالف
(الحديث)). فأقبل عليه، وقال: يا بنى! ما الذى رأيتما نخالفه من الحديث؟ فسأله عن
خمسة وعشرين بابًا من الحديث، فجعل محمد يجيبه عنه، ويخبره بما فيها عن الشيوخ،
ويأتى بالشواهد والدلائل. فقال (أى عيسى): ((كان بينى وبين النور ستر فارتفع عنى، ما
ظننت أن فى ملك الله مثل هذا الرجل يظهر للناس)). ولزم محمد بن الحسن لزوما شديدا
حتى تفقه. وقال أبو خازم القاضى (١): ما رأيت لأهل بغداد أكثر (٢) حديثا من عيسى،
وبشر بن الوليد اهـ (ص- ٣٩): وفى "الجواهر المضيئة" فى ترجمة عيسى بن أبان:
كتاب الحجج، رأيت المجلد الأول منه، وسبب تصنيفه له (٣) مشهور اهـ (١- ٤٠١).
وقال فى التحقيق: وقد عمل أصحابنا بحديث أبى هريرة رضى الله عنه ((إذا أكل
وشرب ناسيا)) وإن كان مخالفا للقياس، حتى قال أبو حنيفة: ((لولا الرواية لقلت
بالقياس)» ( كما قال به مالك). كذا فى الجواهر أيضاً (٢-٤١٧).
وقال القارئ فى المناقب: إن المسائل التى رجع (٤) عنها من القياس إلى الأثر كثيرة
لشدة اتباعه. منها: كان يقسم الدية على منافع الأصابع، ويوجب الأرش فى الإبهام أكثر
بما يوجبه فى سائر الأصابع، فلما بلغه قوله عليه السلام(٥): ((الأصابع كلها سواء)) رجع
عن ذلك. ومنها: أن الإمام كان يقول: أكثر الحيض خمسة عشر يوما، فلما بلغه عن أنس
(١) هو عبد الحميد شيخ الطحاوى (المؤلف).
(٢) هكذا فى الفوائد البهية، وفى الأنساب: ((حدثا أذكى)) مكان ((أكثر حديثا)) فلا أدرى أيهما أصح، وإنما اعتمدت
على لفظ الفوائد، لكون مؤلفه ناقلا متثبتا عالما بصحيح النسخ وسقيمها، والأنساب المطبوعة بأيدينا كثيرة
الأغلاط والقلب، والله أعلم (المؤلف) .
(٣) إشارة إلى النقطة التى ذكرها الصيمرى (المؤلف).
(٤) أى أبو حنيفة (المؤلف) .
(٥) هكذا فى الأصل وفيه سقط (المؤلف).

٦٥
ابو حنيفة وأصحابه المحدثون
أنه عليه السلام قال: ((الحيض ثلاثة أيام إلى العشرة، والزائد استحاضة)) رجع عن ذلك.
ومنها: ما ذكره خلف الأحمر: أن الإمام كان لا يصلى قبل العيد ولا بعده، ثم رأيته يصلى
بعد العيد، فسألته عن ذلك، فقال: ((بلغنى عن على رضى الله عنه أنه كان يصلى بعده
أربعا فاقتديت به)). انتهى، ولعله كان يصلى فى بيته (١) كما رواه ابن ماجة ((أنه كان عليه
السلام يصلى بعده فى بيته ركعتين)) اهـ (ص-٤٧٤).
وقيل لعبد الله بن داود الخريبى(٢): إن بعض الناس كتب عن أبى حنيفة مسائل
كثيرة، ثم لقيه بعده، فرجع عن كثير منها. فقال: ((لا يصدنك هذا، إن أبا حنيفة كان
مطلعا على الفقه، وإنما يرجع الفقيه عن القول فى الفقه إذا اتسع علمه)). وفى رواية:
قال: ((هذا يدلك على سعة العلم، لو كان علمه ضيقا كان جوابه واحدا، ولكن أمره
واسع يتناوله كيف شاء)). كذا فى "الجواهر المضيئة" (١-٢٦٨ و٢٧٥). وذكره الذهبى
فى تذكرة الحفاظ أيضًاً مختصرا (١-٣٠٩). ورحم الله الخطيب حيث ذكر ذلك فى
مطاعن الإمام(٣) وقال: ((إنه عمل بأقوال أولا ثم رجع عنها)). وأيم الله! إن الرجوع إلى
الحق خير من التمادى فى الباطل، كما كتب عمر رضى الله عنه إلى أبى موسى الأشعرى:
((ولا يمنعنك قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه رأيك فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه
الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شئ، ومراجعة الحق خير من التمادى فى الباطل)). كذا فى
"إعلام الموقعين" (١-٣٠). وإذ لاح للفقيه فى ما أفتى به له أن تلك المسائل القياسية
يخالف الأحاديث، أو إن الأحاديث التى عمل بها أولا تخالف ما هو أصح منها، أو علم
بكونها منسوخة، أو مؤولة، أو مرجوحة يجب الرجوع عنها. ولا يجوز الفتوى بها إصرارا
على الباطل، ومحاماة على الرياسة والجاه. فقد أراد الخطيب أن يذمه، ولكنه وصفه
بالورع، والديانة، وعدم الإصرار على الباطل. وإن كان أبو حنيفة رجع عن بعض أقواله
فرجوع الشافعى عن أقواله القديمة أضعاف أضعاف ذلك، حتى لم تبق مسألة غالبا إلا
وله فيه قولان، قديم وجديد، وكذلك فعل غيره، وهو دليل على ديانتهم، وورعهم،
(١) لا فى المصلى (المؤلف).
(٢) روى له الجماعة إلا مسلم (المؤلف).
(٣) كما فى جامع المسانيد (المؤلف).

٦٦
مقدمة إعلاء السنن
وإيثارهم الحق. رضى الله عنهم أجمعين.
وفيه دليل على شدة اتباع أبى حنيفة للآثار، حتى قال ابن القيم فى إعلام
الموقعين: أصحاب أبى حنيفة مجمعون على أن مذهب أبى حنيفة: أن الحديث
الضعيف عنده أولى من القياس والرأى، وعلى ذلك بنى مذهبه، كما قدم حديث القهقهة
مع ضعفه على القياس والرأى، وقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر فى السفر مع ضعفه
على الرأى والقياس، ومنع قطع السارق بسرقة أقل من عشرة دراهم والحديث فيه
ضعيف. إلى أن قال: فتقديم الحديث الضعيف، وآثار الصحابة على القياس والرأى قوله
وقول الإمام أحمد، وليس المراد بالضعيف فى اصطلاح السلف هو الضعيف فى
اصطلاح المتأخرين، بل ما يسميه المتأخرون حسنا (١) قد يسميه المتقدمون ضعيفا اهـ
(١-٢٧). فأنشدكم بالله! فهل يجوز نسبة مثل هذا الإمام الذى يرى المراسيل وأقوال
الصحابة حجة، ويقدم الحديث الضعيف على القياس فضلا عن الصحيح، إلى الرأى
المذموم؟ كلا! والله لا يجوز ذلك أبدا.
وذكر الحافظ فى "تهذيب التهذيب" أنه قال يزيد بن عبد ربه: سمعت وكيما يقول
ليحيى بن صالح: يا أبا زكريا! احذر الرأى فإنى سمعت أبا حنيفة يقول: ((البول فى
المسجد أحسن من بعض قياسهم)) اهـ (١١-٢٣). فدل ذلك على أن الإمام أبا حنيفة من
الذين يذكر أقوالهم فى ذم الرأى الذى نهى عنه الشارع احتجاجا بها .
فإن قلت: فما وجه نسبة المحدثين إياه إلى الرأى؟ قلت: إنهم لا يريدون به الرأى
المذموم، ولا يذكرون ذلك فى موضع الذم، بل كل من كان من الأئمة المحدثين وافر العقل
مفرط الذكاء كثير الاستنباط للأحكام وكثير التفريع لها يسمونه الرأى، ويريدون بذلك
أنه لا يقتصر على رواية الأحاديث بأسانيدها فقط ، بل يرويها مع شرحها وتفسيرها وبيان
ما فيها من الأحكام بالقياس الذى أجازه الشرع، كما قال عمر لشريح: ((اجتهد رأيك»،
وقد مر. ودليل ذلك أنهم يطلقون أهل الرأى على الصحابة أيضاً، وعلى الثقات الأثبات
الذين أجمع المحدثون على إمامتهم فى الحديث، كالمغيرة بن شعبة الصحابى كان من أهل
(١) لكثرة الطرق (المؤلف).

٦٧
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
الرأى، كما أخرج الحاكم فى المستدرك (٣-٤٤٧) عن محمد بن عمر قال المغيرة بن شعبة
كان يقال له: ((مغيرة الرأى)) وكان واهية اهـ. وكذا ذكره الحافظ فى الإصابة عن ابن
سعد، وقال الطبرى: كان ولا يلتبس عليه أمران إلا ظهرا الرأى فى أحدهما (٦-١٣٢).
وكالإمام ربيعة بن أبى عبد الرحمن الرأى شيخ مالك أخرج له الجماعة، وروى عنه
يحيى بن سعيد الأنصارى، وهو من أقرانه، ومالك، وشعبة والسفيانان، وحماد بن سلمة،
والليث، والأوزاعى، وخلق. قال الذهبى فى تذكرة الحفاظ: كان إماما حافظا فقيها
مجتهدا بصيرا بالرأى، ولذلك يقال له: ((ربيعة الرأى)). قال الخطيب: كان فقيها عالما
حافظا للفقه والحديث. وقال ابن الماجشون: ما رأيت أحدا أحفظ للسنة من ربيعة اهـ
(١-٤٨). وفى تهذيب التهذيب: قال أبو زرعة عن أحمد: ((ثقة)). وقال العجلى وأبو
حاتم، والنسائى: ((ثقة)). وقال يعقوب بن شيبة: ((ثقة ثبت أحد مفتى المدينة)) وقال
مصعب الزبيرى: ((أدرك بعض الصحابة والأكابر من التابعين، وكان صاحب الفتوى
بالمدينة، وكان يجلس إليه وجوه الناس بالمدينة، وعنه أخذ مالك)). وقال معاذ بن معاذ
العنبرى عن سوار العنبرى: ((ما رأيت أحدا أعلم منه)). قلت: ((ولا الحسن وابن
سيرين؟)) قال: ((ولا الحسن وابن سيرين)). وقال الليث عن عبيد الله بن عمر: ((هو
صاحب معضلاتنا، وأعلمنا، وأفضلنا)). وعن يحيى بن سعيد: ((ما رأيت أحدا أفطن
منه)). وقال مطرف: سمعت مالكا يقول: ((ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة)) اهـ
(٣-٢٥٨ و٢٥٩). وهو من أقران أبى حنيفة، كان يناظره، كما فى مناقب القارئ
(ص-٥٤٥).
قلت: فإن كان إطلاق ((أهل الرأى)) من المحدثين جرحا وطعنا فهل يكون مغيرة بن
شعبة مجروحا؟ وهو من الصحابة الذين كلهم عدول، وربيعة أيضًا مجروحا ومطعونا الذى
اتفق الشيخان بل سائر الأئمة على إخراج حديثه؟ كلا! بل مرادهم بالرأى إنما هو الفقه،
والعقل الصائب، والفهم الثاقب. وقال عبد الله بن أحمد بن شبويه: سمعت أبى (أحمد
ابن شبويه، وهو الإمام الحافظ القدوة شيخ وقته، روى عنه أبو داود، وأبو زرعة، وأحمد بن
أبى خيثمة، ويحيى بن معين) يقول: ((من أراد علم الفتن فعليه بالأثر، ومن أراد علم

٦٨
مقدمة إعلاء السنن
الخير فعليه بالرأى)) اهـ من "تذكرة الحفاظ" (٢- ٤٦). فأسألكم ماذا أراد ابن شبويه
بالرأى؟ هل أراد الرأى الذى نها عنه الشارع؟ كلا والله! فإنه لا خير فيه، بل أراد الرأى
الذى قلنا أى القياس الصحيح على الأصول الصحيحة بفهم صائب وعقل ثاقب.
وفى "تذكرة الحفاظ" للذهبى فى ترجمة وكيع: وقال يحيى(١): ما رأيت أفضل
منه، يقوم الليل، ويسرد الصوم، ويفتى بقول أبى حنيفة. وكان يحيى القطان يفتى
بقول أبى حنيفة أيضًا اهـ (١-٢٨٢). قلت: فعدا ابن معين إفتاء وكيع بقول أبى حنيفة
من فضائله، فلو كان أبو حنيفة عندهم صاحب الرأى المذموم فأى فضيلة فى الإفتاء
بقوله؟ وقال ابن عمار: ما كان بالكوفة فى زمان وكيع أفقه، ولا أعلم بالحديث منه، كما
فى التذكرة أيضًا (١-٢٨٣). فثبت به ما قلنا: إنهم يريدون بالرأى الفقه لا غير، وكل من
غلب عليه الفقه واستكثار المسائل واستنباطها يسمونه ((أهل الرأى)).
قال الذهبى فى "التذكرة" فى ترجمة معلى (٢) بن منصور: الحافظ أبو يعلى الرازى
ثم البغدادى الفقيه أحد الأعلام، وكان من أوعية العلم. وثقه ابن معين، وقال العجلى.
((ثقة نبيل صاحب سنة)). وقال ابن سعد: حديثه فى الكتب كلها، جمع الإمامة فى الرأى
والحديث اهـ (١-٣٤٣). فهذا كما ترى ذكره الذهبى فى موضع الثناء عليه، فإن كان
المراد بالرأى ما يعاب ويكره لم يكن فضل فى جمع الإمامة فيه مع الحديث، ولم يخرج
الأئمة الستة حديثه.
وقال الذهبى فى "التذكرة" أيضًا: الوحاظى(٣) الإمام الحافظ عالم الشام أبو زكريا
يحيى بن صالح الحمصى الفقيه روى عنه البخارى، والذهلى، وأبو حاتم، والدارمى.
قال ابن معين: «ثقة)) وقال أبو عوانة: «حسن الحدیث صاحب رأى، و کان عدیل محمد
ابن الحسن الفقيه إلى مكة)) اهـ (١-٣٦٨). وقال الحافظ فى "تهذيب التهذيب" فى
ترجمة زيد بن يحيى الخزاعى الدمشقى: قال أبو حاتم: (( كتبت عنه، وكان صاحب
(١) هو ابن معين (المؤلف).
(٢) هو من أكابر الحنفية، روى عن محمد وأبى يوسف مسائل كثيرة، وله ذكر فى كتبنا كالهداية ونحوها.
(المؤلف) .
(٣) هو من أصحاب محمد بن الحسن، كما فى الجواهر المضيئة (المؤلف).

٦٩
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
رأى)). وقال الدارقطنى: ((ثقة)) وقال أبو زرعة: كان من أهل الفتوى بدمشق، روى عنه
أحمد بن حنبل، ووثقه، والعجلى، وإسحاق بن إبراهيم بن العلاء، وقال أبو على
النيسابورى: ((ثقة مأمون)) اهـ (٣-٤٢٨)، ورمز له لأبى داود، والنسائى، وابن ماجه.
وقال أيضًا (١-١٨٤) فى إبراهيم بن يوسف بن ميمون الباهلى البلخى المعروف
بالماكيانى: صاحب الرأى، روى عنه النسائى، وذكره فى أسماء شيوخه، وقال: ((ثقة)).
وذكره ابن حبان فى "الثقات"، وقال الدارقطنى: ذكرته لعليك (١) الرازى، فقال: ((ثقة
ثقة)). وقرأت بخط الذهبى: ((لزم أبا يوسف حتى برع فى الفقه)) اهـ. فتلك كلماتهم تدل
على ما قدمنا أنهم لا يذكرون لفظ ((صاحب الرأى))، أو ((أهل الرأى)) فى موضع الذم،
ولا يريدون به الجرح، بل مرادهم به كون الرجل فقيها صاحب اجتهاد، وإلا لم يلقبوا
أجلة المحدثين الثقات الأثبات به، فافهم.
على أن ما نقلوه عن ميزان الذهبى لا أثر له فى بعض النسخ المصححة من الميزان،
كما قاله فخر الهند المحدث اللكنوى فى تذكرة الراشد (ص-٢٦٧) والعلامة المحدث
النيموى فى التعليق الحسن (١-٨٨). وجزم بكون هذه العبارة إلحاقية، واستدل عليه بما
قاله الذهبى فى ديباجة الميزان: ((إنى لا أذكر فى كتابى من الأئمة المتبوعين فى الفروع
أحدًا لجلالتهم فى الإسلام، وعظمتهم فى النفوس، مثل أبى حنيفة، والشافعى،
والبخارى)). وبأنه لم يورد كنية الإمام فى باب الكنى من الميزان على حسب عادته، وبأنه
قال العلامة العراقى فى شرح الألفية، والسيوطى فى تدريب الراوى: ((إلا أنه لم يذكر (فى
الميزان) أحدا من الصحابة والأئمة المتبوعين)) اهـ. نعم! ذكره أى أبا حنيفة فى تذكرة
الحافظ، ولم يصفه بإمام أهل الرأى، بل وصفه ((بالإمام الأعظم)) وهو اللقلب الذى ألفاه
الله فى قلوب عباده، لهذا الإمام النبيل. وكفا بذلك فخرا وفضيلة لأبى حنيفة أنه لا
يطلق الإمام الأعظم عند أهل المذاهب كلها إلا عليه، ولا يراد به غيره:
وإن كنت تدرى فالمصيبة أعظم
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة
(١) هو على بن سعيد الرازى، والكاف للتصغير فى الفارسية كما يقال: ((مردك)) بمعنى الرجيل (المؤلف).

٧٠
مقدمة إعلاء السنن
فائدة فى أسباب الاختلاف
بين المجتهدين، وترك بعضهم العمل بما عمل به الآخرون
قال العلامة ابن تيمية رحمه الله فى رفع الملام عن الأئمة الأعلام: وليعلم أنه ليس
أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولا عاما يتعمد مخالفة رسول الله مرّظلٍّ فى شىء من
سننه دقیق ولا جلیل، ولکن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه
فلابد له من عذر فى تركه، وجميع الأعذار ثلاثة أصناف. أحدها: عدم اعتقاده أن النبى
عٍَّ قاله. الثانى: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول. الثالث: اعتقاده أن ذلك
الحكم منسوخ، وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة. السبب الأول أن لا
يكون الحديث قد بلغه. السبب الثانى أن يكون الحديث قد بلغه لكنه لم يثبت عنده
محدثه، أو محدث محدثه، أو غيره من رجال الإسناد مجهول عنده، أو متهم أو سيئ
الحفظ، وإما لأنه لم يبلغه مسندا بل منقطعا، أو لم يضبط لفظ الحديث(١) ثم ذكر السبب
الثالث والرابع والخامس، ومرجعها إلى الاختلاف فى اعتقاد ضعف الحديث وصحته،
والتخالف فى شروط الصحة، وقد ذكرناها فى مقدمة الإعلاء.
قال: السبب السادس: عدم معرفته بدلالة الحديث تارة لكون اللفظ الذى فى
الحديث غريبا عنده، وتارة لكون معناه فى لغته وعرفه غير معناه فى لغة النبى منزلته ، وهو
يحمله على ما يفهمه فى لغته بناءً على أن الأصل بقاء اللغة (٢) وتارةً لكون اللفظ مشتركا
أو مجملا أو مترددا بين حقيقة ومجاز، فيحمله على الأقرب عنده، وتارة لكون الدلالة من
النص خفية، فإن جهات دلالات الأقوال متسعة جدا بتفاوت الناس فى إدراكها وفهم
وجوه الكلام بحسب منح الحق سبحانه وتعالى ومواهبه.
السبب السابع: اعتقاده أن لا دلالة فى الحديث، مثل أن يعتقد أن العالم
المخصوص ليس بحجة، وأن المفهوم ليس بحجة، وإن المقتضى لا عموم له إلى غير ذلك
مما يتسع القول فيه، فإن شطر أصول الفقه تدخل مسائل الخلاف منه فى هذا القسم.
(١) وقع فيه اضطراب ونحوه (المؤلف).
(٢) لا سيما مع قرب زمان المجتهد بزمنه من لته (المؤلف).

٧١
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
السبب الثامن: اعتقاده أن تلك الدلالة قد عارضها ما دل على أنها ليست مرادة
مثل معارضة العام بخاص أو المطلق بقيد إلى أنواع المعارضات، وهو باب واسع أيضًا،
فإن تعارض دلالات الأقوال وترجيح بعضها على بعض بحرصهم.
السبب التاسع: اعتقاده أن الحديث معارض بما يدل على ضعفه أو نسخه أو
تأويله، مما يصلح أن يكون معارضا بالاتفاق مثل آية، أو حديث آخر، أو مثل إجماع،
والإجماع المدعى فى الغالب إنما هو عدم العلم بالمخالف، وقد وجدنا من أعيان العلماء من
صاروا إلى القول بأشياء متمسكهم فيها عدم العلم بالمخالف، مع أن ظاهر الأدلة عندهم
تقتضى خلاف ذلك لكن لا يمكن العالم أن يبتدئ قولا لم يعلم به قائلا مع علمه بأن
الناس قد قالوا خلافه، فهذا لا يمكنه أن يصير إلى حديث(١) يخالف هذا، لخوفه أن يكون
هذا خلافا للإجماع، أو لاعتقاده أنه مخالف الإجماع، والإجماع أعظم الحجج.
السبب العاشر: معارضته بما يدل على ضعفه أو نسخه أو تأويله مما يعتقده غيره
(معارضا) كمعارضة كثير من الكوفيين الحديث الصحيح بظاهر القرآن واعتقادهم أن
ظاهر القرآن من العموم ونحوه مقدم (٣) على نص الحديث. ومن ذلك وقع الخبر الذى فيه
تخصيص لعموم الكتاب، أو تقييد لمطلقه، أو فيه زيادة عليه. فهذه الأسباب العشرة
ظاهرة. وفى كثير من الأحاديث يجوز أن يكون للعالم حجة فى ترك العمل بالحديث لم
نطلع عليها، فإن مدارك العلم واسعة، ولم نطلع نحن على جميع ما فى بواطن العلماء،
والعالم قد يبدى حجته وقد لا يبدى، وإذا أبداها قد تبلغنا وقد لا تبلغ، وإذا بلغتنا فقد
ندرك موضع احتجاجه وقد لا ندركه اهـ من جامع الآثار لشيخنا (ص-٩ و١٣). بقدر
الضرورة ملخصا .
وقال رأس محدثى الهند فى حجة الله البالغة: اعلم أن الله تعالى أنشأ بعد عصر
التابعين (جماعة) نشأ من حملة العلم إنجازا لما وعده رسول الله عز له، حيث قال: ((يحمل
(١) قد بينا فى مقدمة الإعلاء أن كون الحديث متروك العمل به إمارة نسخه عندنا، فتذكر (المؤلف).
(٢) قلت: ودليلهم حديث معاذ المشهور، وقد ذكرناه قبل، وقول عمر لشريح: ((ما استبان لك من كتاب الله فلا
تسأل عنه أحدا، وما لم يستبن منه فمن السنة، وإلا فاجتهد رأيك)). وقد تقدم أيضاً (المؤلف).

٧٢
مقدمة إعلاء السنن
هذا العلم من كل خلف عدوله)) فأخذوا عمن اجتمعوا معه منهم صفة الوضوء،
والغسل، والصلاة، والحج، والنكاح، والبيوع، وسائر ما يكثر وقوعه ورووا حديث النبى
مختر، وسمعوا قضايا قضاة البلدان وفتاوى مفتيهم فقضوا وأفتوا، ورووا وعلموا. وكان
صنيع العلماء فى هذه الطبقة متشابها، وحاصل صنيعهم أن يتمسك بالمسند من حديث
رسول الله مٍَّ والمرسل جميعا، ويستدل بأقوال الصحابة والتابعين علما منهم أنها إما
أحاديث منقولة عن رسول الله ◌ٍَّ فجعلوها موقوفةً، أو يكون استنباطا منهم من
المنصوص، أو اجتهادا منهم بآرائهم، وهم أحسن صنيعا فى كل ذلك ممن يجىء بعدهم،
وأكثر إصابةً، وأقدم زمانا، وأوعى علما. فتعين العمل بها إلا إذا اختلفوا، أو كان
حديث رسول الله مرّ يخالف قولهم مخالفة ظاهرة.
وإنه إذا اختلف أحاديث رسول الله عّ لٍّ فى مسألة رجعوا إلى أقوال الصحابة، فإن
قالوا بنسخ بعضها أو بصرفه عن ظاهره أو لم يصرحوا بذلك اتفقوا على تركه وعدم
القول بموجبه، فإنه كإبداء علة فيه أو الحكم بنسخه أو تأويله، اتبعوهم فى كل ذلك.
وإنه إذا اختلفت مذاهب الصحابة والتابعين فى مسألة فالمختار عند كل عالم مذهب
أهل بلده وشيوخه، لأنه أعرف بصحيح أقاويلهم من السقيم، وأدعى للأصول المناسبة
لها، وقلبه أميل إلى فضلهم وتبحرهم. ومذهب عبد الله بن مسعود وأصحابه، وقضايا
على وشريح والشعبى، وفتاوى إبراهيم أحق بالأخذ (١) عند أهل الكوفة من غيره، وهو
قول علقمة حين مال مسروق إلى قول زيد بن ثابت فى التشريك: ((هل أحد منهم أثبت
من عبد الله؟)) فقال: ((لا، ولكن رأيت زيد بن ثابت وأهل المدينة يشركون)).
فإن اتفق أهل البلد على شىء أخذوا بنواجذه، وهو الذى يقول مالك فى مثله:
((السنة التى لا اختلاف فيها عندنا كذا وكذا)). وإن اختلفوا أخذوا بأقواها أو أرجحها،
إما بكثرة القائلين، أو لموافقته لقياس قوى، أو تخريج من الكتاب والسنة، وهو الذى
يقول فى مثله مالك: ((هذا أحسن ما سمعت)). فإذا لم يجدوا فيما حفظوا منهم جواب
المسألة خرجوا من كلامهم وتتبعوا الإيماء والاقتضاء. وألهموا فى هذه الطبقة التدوين،
(١) أى فى الخلافيات بين الصحابة، كما هو ظاهر (المؤلف).

٧٣
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
فدون مالك وابن أبى ذئب بالمدينة، وابن جريج وابن عيينة بمكة، والثورى بالكوفة،
وكلهم مشوا على هذا المنهج الذی ذ کرته.
إلى أن قال: وكان أحسنهم تصنيفا وألزمهم درسا محمد بن الحسن، وكان من
خبره أنه تفقه على أبى حنيفة وأبى يوسف، ثم خرج إلى المدينة، فقرأ الموطأ على مالك،
ثم رجع إلى نفسه، فطبق مذهب أصحابه على الموطأ مسألة مسألة، فإن وافق فيها وإلا
فإن رأى طائفة من الصحابة والتابعين ذاهبين إلى مذهب أصحابه فكذلك، وإن وجد
قياسا ضعيفا أو تخريجا لينا يخالفه حديث صحيح فيما عمل به الفقهاء أو يخالفه عمل
أكثر العلماء تركه (١) إلى مذهب من مذاهب السلف مما يراه أرجح ما هناك.
إلى أن قال: ونشأ الشافعى فى أوائل ظهور المذهبين (لأبى حنيفة، ومالك) وترتيب
أصولهما وفروعهما، فنظر فى صنيع الأوائل، فوجد فيه أمورا كبحت (٢) عنانه عن الجريان فى
طريقهم، وقد ذكرها فى أوائل كتاب الأم. منها أنه وجدهم يأخذون بالمرسل والمنقطع
فيدخل فيهما الخلل، ومنها أنه لم تكن قواعد الجمع بين المختلفات مضبوطة عندهم، فكان
يتطرق بذلك خلل، إلى أن قال: فإذا كان الأمر على ذلك لا يكون عدم تمسكهم بالحديث
قدحا فيه، اللهم إلا إذا بينوا العلة القادحة، مثاله حديث القلتين، فإنه حديث صحيح
روی بطرق کثیرة معظمها ترجع إلى أبی الوليد بن کثیر عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد
الله، أو محمد بن عباد بن جعفر عن عبيد الله بن عبد الله، كلاهما عن ابن عمر، ثم تشعت
الطرق بعد ذلك. وهذان وإن كانا من الثقات لكنهما ليسا ممن وسد إليهم الفتوى وعول
الناس عليهم فلم يظهر الحديث فى عصر سعيد ابن المسيب، ولا فى عصر الزهرى، ولم
يمش عليه المالكية، ولا الحنفية، فلم يعملوا(١) به، وعمل به الشافعى. وكحديث خيار
(١) قلت: وفيه أبلغ رد على من زعم أن الحنفية يتركون الحديث بقول إمامهم، كلا! بل نترك نحن قول الإمام إذا
خالفه حديث صحيح مخالفة ظاهرة ولم يوافق قوله حديثا له، كما فعله محمد وأبو يوسف، ولذلك تری فی
كتبنا كثيرا ترجيح قول صاحبيه أو واحد منهما على قوله، لموافقة الأثر له (المؤلف).
(٢) أى توقف (المؤلف).
(٣) قلت: بلى قد عملنا به فى الماء المبسوط على وجه الأرض فى الصحارى ونحوها، ودليل ذلك ما ورد فى بعض
الطرق لهذا الحديث أنه مرّ سئل عن ماء يكون فى الفلاة وتنوبه السباع فقال: ((إذا كان قلتين لم يحمل
الخبث)» كما فى الترمذى (١-١١). وقيدناه بالمبسوط كيلا يعارض أثر ابن عباس وابن زبير فى أمرهما ينزح بثر
زمزم لسقوط زنجى فيه وموته، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم يقل أحد منهم: إن ماء زمزم أكثر من
القلتين، فلا حاجة إلى النزح. وبسط ذلك فى رسالتنا الاستدراك الحسن (المؤلف).

٧٤
مقدمة إعلاء السنن
المجلس، فإنه حديث صحيح روى بطرق كثيرة، وعمل به ابن عمر وأبو هريرة من
الصحابة، ولم يظهر على الفقهاء السبعة ومعاصريهم، فلم يكونوا يقولون به، فرأى مالك (١)
وأبو حنيفة هذه علة قادحة فى الحديث، وعمل به الشافعى اهـ ملخصا (٢-١١٥ و١١٧).
وفى الميزان للشعرانى (ص-١٥): وكان ابن حزم يقول: جميع ما استنبطه المجتهدون
معدود من الشريعة وإن خفى دليله على العوام(٢) ومن أنكر ذلك فقد نسب الأئمة إلى
الخطأ وأنهم يشرعون ما لم يأذن به الله، وذلك ضلال من قائله عن الطريق اهـ. قلت: هذا
قول ظاهرى لا يرى القياس، فانظر أدبه مع الأئمة المجتهدين أمناء الله على شرعه. ولعله قال
ذلك بعد تأليفه للمحلى، فإنه قد أقذع فيه الكلام فى شأن الأئمة الأعلام، وبذلك انطفأ
نوره وانعدم الانتفاع بكتبه، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ونور أنبيائه وأوليائه.
وقالوا عاشرا: إنه كان قليل العربية ولم يكن عالما حق العلم بلغة العرب ولسانهم.
وذكروا فى ذلك الحكاية (٣) المذكورة فى تاريخ ابن خلكان، ونصه: فمثل هذا الإمام لا
يشك فى دينه ولا ورعه وتحفظه ولم يكن يعاب بشىء سوى قلة العربية، فمن ذلك ما روى
أن أبا عمرو بن العلاء المقرئ النحوى سأله عن القتل بالمثقل هل يوجب القود أم لا؟
فقال: لا، كما هو قاعدة مذهبه خلافا للشافعى. فقال له أبو عمرو: ولو قتله بحجر
المنجنيق؟ فقال: ولو قتله بأبا قبيس، يعنى الجبل المطل على مكة. وقد اعتذروا عن أبى
(١) قال مالك: ((وجدت أهل المدينة على خلافه)) كما فى مقدمته جامع المسانيد (١-٦٢). وفيه دليل على تفرد ابن
عمر وأبى هريرة بما فهماه منه أن المراد هو التفرق بالأبدان، وأكثر الصحابة من أهل المدينة لم يفهموا منه ذلك بل
فهموا التفرق بالقول، كما فى قوله تعالى: ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته﴾، وأيضًا قوله تعالى: ﴿إلا أن
تكون تجارة عن تراض منكم﴾ يفيد تمام البيع بالتراضى، وهو بالإيجاب والقبول، فزيادة التفرق بالأبدان زيادة
على الكتاب، ولا تجوز بخبر الواحد عندنا. والبسط فى إعلاء السنن إن شاء الله تعالى (المؤلف).
(٢) أو على العلماء الملتحقين لهم (المؤلف).
(٣) قلت: واستدلوا أيضاً بقراءة شاذة منسوبة إليه، فقد وقع الجماعة من المفسرين وأصحاب المناقب وغيرهم أنهم
نسبوا إليه قراءات خلاف المتواتر، وقد شنع أئمة من الحفاظ المتأخرين عليهم فى ذلك، وأنهم اغتروا فى نقل
ذلك بكتاب لشخص اسمه محمد بن جعفر الخزاعى ألفه فى قراءات أبى حنيفة وقد صرح جماعة منهم
الدارقطني بأن ذلك الكتاب موضوع لا أصل له وأبو حنيفة برئ من ذلك، وهو أعقل وأدین من أن يعدل عن
القراءات المتواترة إلى قراءات شاذة لا وجه لكثير منها. كذا فى الخيرات الحسان لابن حجر. قال: وجاء فى عدة
طرق أنه القراءة عن الإمام عاصم أحد القراء السبعة اهـ (ص-٦٨) (المؤلف).

٧٥
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
حنيفة بأنه قال ذلك على لغة من يقول: إن الكلمات الستة المعربة بالحروف إعرابها يكون
بالألف فى الأحوال الثلث، وأنشدوا فى ذلك:
إن أباها وأبا أباها
قد بلغا فى المجد غايتاها
وهى لغة الكوفيين، وأبو حنيفة من أهل الكوفة، فهى لغته. والله أعلم اهـ من
تذكرة الراشد (ص-٢٨٩).
قلت: وعلى المستدل بهذه العبارة أن يعترف بسلامة الإمام عن كل ما ينسب إليه
سوى هذا، لأن ابن خلكان صرح بأنه لم يكن يعاب بشىء سوى قلة العربية، وهذا يستلزم
بطلان سائر المطاعن والمعايب التى نسبها الطاعنون إليه من الضعف فى الرواية، وقلة
الحفظ، وقلة الاعتناء بالحديث، وتقديم القياس على الخبر، وغير ذلك مما تقدم ذكره مع
الجواب عنه فليتوبوا عن وقيعتهم فى مثل هذا الإمام بأمثال هذه الأكاذيب. ونحن نجيبهم
عن هذه العلة أيضًا، أما أولا فهو الاعتذار الذى ذكره ابن خلكان بنفسه، وإن اختلج فى
صدرك بأن اللغة التى هى مبنى هذا الاعتذار ضعيفة غير صحيحة فأزحه بما ورد فى
صحيح البخارى من حديث أنس رضى الله عنه «قال: قال رسول الله ملآ يوم بدر: من
ينظر ما صنع أبو جهل؟ فانطلق ابن مسعود رضى الله عنه فوجده قد ضربه ابنا عفراء
حتى برد، فقال له: أنت أبا جهل. قال ابن علية: قال سليمان (التيمى): هكذا قالها
أنس، قال: أنت أبا جهل اهـ)) (٢-٥٧٣).
وقال الحافظ فى الفتح: كذا للأكثر، وللمستملى وحده ((أنت أبو جهل)) والأول.
هو المعتمد فى حديث أنس هذا. فقد صرح إسماعيل بن علية عن سليمان التيمى هكذا
نطق بها أنس، قال: ((أنت أبا جهل)) وكذلك نطق بها يحيى القطان، أخرجه الإسماعيلى
من طريق المقدمى عن يحيى القطان عن التيمى فذكر الحديث، وفيه: ((قال: أنت أبا
جهل. قال المقدمى: هكذا قالها يحيى القطان)). وقد وجهت الرواية المذكورة بالحمل
على لغة من يثبت الألف فى الأسماء الستة فى كل حالة. وقد أخرجه ابن خزيمة، ومن
طريقه أبو نعيم عن محمد بن المثنى شيخ البخارى فيه فقال فيه: ((أنت أبو جهل)) وكأنه
من إصلاح بعض الرواة اهـ ملخصا مع تقديم وتأخير (٧-٣٢٩ و٣٣٠). وهذا واضح فى

٧٦
مقدمة إعلاء السنن
أنه مما روى بلفظه لا بمعناه، وهو يؤيد ما روى عن الإمام من قوله: ((ولو رماه بأبا قبيس» وأن
هذه لغة صحيحة وليس بخطأ كما زعمه المتعصبون على لحن الإمام فى ذلك بجهلهم
وإفراطهم فى تعصبهم. ونسب الكسائى هذه اللغة إلى بلحارث، وزبيد، وخثعم،
وهمدان، ونسبها أبو الخطاب لكنانة، وبعضهم نسبها لبلعنبر، وبلجهم، وبطون من
ربيعة، وأنكره المبرد مطلقا، وهو مردود عليه بنقل الأئمة أبى زيد، وأبى الخطاب، أبى
الحسن الكسائى، كذا قاله العينى فى "شرح الشواهد" له، كما فى هامش الجواهر
المضيئة (١- ٣٥٨).
وقال السيوطى فى البهجة المرضية شرح الألفية (١) فى شرح قوله: ((وقصرها من
نقصهن أشهر)) أى قصر أب وأخ وحم، بأن يكون بالألف مطلقاً(٢) من نقصهن أشهر،
کقوله:
قد بلغا فى المجد غايتاها
إن أباها وأبا أباها
وفى شرح الألفية لابن هشام خالد بن عبد الله الأزهرى: والأب والأخ والحم
قصرهن أولى من نقصهن والمراد بقصرهن أن يلزم آخرهن ألف المنقلبة عن لامهن فى
الأحوال الثلاثة، فيعربن بحركات مقدرة عليها، كقوله: ((وهو أبو النجم)) فيما قال
الجوهرى. وقيل روبة إن أباها وأبا أباها إلخ. وقال أحمد الشجاعى فى حاشيته على شرح
الألفية لابن عقيل عند قول الناظم: ((وارفع بواو إلخ)): قضية هذا وقضية كلام الشارح
أولا أن هذه الأسماء الستة معربة بالحروف، ولكنه صحح بعد ذلك أنها معربة بحر كات
مقدرة عليها، تلخيص ما ذكروا فى إعرابها عشرة مذاهب بينها المرادى وغيره. قال:
وأقواها مذهبان، أحدهما وهو مذهب سيبويه والفارسى وجمهور البصريين أنها معربة
بحركات مقدرة. والثانى أنها معربة بالحروف. قال الناظم فى تسهيله: إن الأول أصحها .
وفى شرحه: إن الثانى أسهلها وأبعدها عن التكلف اهـ من تذكرة الراشد (ص-٢٩٠
و٢٩١).
(١) لابن مالك النحوى (المؤلف).
(٢) أى فى الأحوال الثلاث (المؤلف).

٧٧
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
فثبت أن قول الإمام كان على اللغة التى هى أصح اللغات فى ذلك وأقواها، وإن
كان غيرها أسهلها وأفصحها. قال الأنبارى رحمه الله: هذه لغة الحارثيين، قال شاعرهم:
إن أباها وأبا أباها إلخ. وقال سيبويه: قد جاءنا القرآن بذلك ﴿إن هذان(١) لساحران﴾،
وأنشد الزجاج:
تزوجها ما بين أذناه(٢) ضربة
دعته إلى هالى التراب عقيم
من "جامع المسانيد" (١-١٥٣).
وأما ثانيا: فقد ذكر الحافظ سبط ابن الجوزى: ((أنه افتراء على أبى حنيفة، وإنما
المنقول، "بأبى قبيس" كذا قاله الثقات من أرباب النقل)) اهـ. من "جامع المسانيد
أيضًا (١ - ٥٤).
وأما ثالثا: فمن أراد أن يعرف مقدار أبى حنيفة فى علم النحو والإعراب فلميطلع
مسائل الإيمان من الجامع الكبير يعرف تبحره فى علم الإعراب، لأن محمدا إنما رواها عن
أبى حنيفة، وما أخذها وما اعترفهما إلا من بحره. وقد شرحها أئمة النحو ابن جنى، وأبو
سعيد السيرانى، وأبو على الفارسى، وشهدوا بأجمعهم على ترغل صاحبها وبلوغه فى
علم اللغة والنحو الدرجة العليا والنهاية القصوى. قال أبو بكر الرازى فى شرح الجامع
الكبير: «كنت أقرأ بعض مسائل الجامع على بعض المبرزين فى النحو (قيل: هو أبو على
الفارسى) فكان يتعجب من تغلغل واضع هذا الكتاب فى النجو يعنى محمد بن
الحسن، وإنما نقلها من علم أبى حنيفة)). كذا فى جامع مسانيد الإمام أيضًا (١-٣٥
و٥٤).
(١) بالمثقلة مع الألف فى هذان. قال الحسن بن محمد بن حسين القمى النيسابورى فى تفسير هذه الآية: لا إشكال
فى قراءة أبى عمرو وابن كثير وحفص، وأما من قرأ "إن" بالتشديد و"هذان" بالألف فأورد عليه أن "إن" لم
يعمل فى المثنى، وأجيب بأنه على لغة بلحرث بن كعب وخثعم وبعض بنى عذرة، ونسبها الزجاج إلى كنانة،
وابن جنى إلى بعض بنى ربيعة، جعلوا التثنية كعصا وسعدى مما آخره ألف فلم يقبلوها ياء فى الجر والنصب،
واعترض أن موضع لام الابتداء فى السعة هو المبتدأ، والجواب أن القرآن حجة على غيره. وذكر الزجاج فى
جوابه أن التقدير لهما "ساحران" اهـ ملخصا (١-١١٨).
(٢) لا "أذنيه" (الثلف).

٧٨
مقدمة إعلاء السنن
وقال ابن حجر فى الخيرات الحسان: احذر أن تتوهم أن أبا حنيفة لم يكن له خبرة
تامة بغير الفقه، حاشا لله! كان فى العلوم الشرعية من التفسير والحديث، والعلوم الأدبية،
والمقايس الحكمية بحر لا يجارى وإماما لا يمارى. وقول بعض أعداء فيه خلاف ذلك
منشأه الحسد، ويأبى الله إلا أن يتم نوره. ومما يكذب ذلك أن له مسائل فقهية بنى أقواله
فيها على علم العربية بما إن وقف عليه من تأمله لقضى بتمكنه من هذا العلم بما يبهر
العقل اهـ (ص-٢٨). فهذا تمام الجواب عما ذكره الطاعنون فى هذا الباب. ولنصرف
الآن فى هذا المقام عنان الكلام، ونختمه على نبذ مما يدل على نباهته وجلالته فى
الإسلام.
قال السيوطى نقلا عن بعض الأعلام ونصه: من مناقب أبى حنيفة التى انفرد بها
أنه أول من دون علم الشريعة ورتبه أبوابا، ثم تابعه مالك بن أنس فى ترتيب الموطأ (١)، ولم
يسبق أبا حنيفة أحد. وبدأ بالطهارة، ثم بالصلاة، ثم بسائر العبادات ثم المعاملات، ثم
ختم الكتاب بالمواريث. وإنما بدأ بالطهارة والصلاة لأنهما أهم العبادات، وإنما ختم
الكتاب بالمواريث لأنها آخر أحوال الناس. وهو أول من وضع كتاب الفرائض وكتاب
الشروط. وبهذا قال الشافعى رضى الله عنه: ((الناس عيال أبى حنيفة فى الفقه)) اهـ. من
"تبييض الصحيفة" (ص-٣٦).
وقال صاحب "جامع المسانيد": أنبأنى الشيخ الثقة أحمد بن المفرج عن أبى
الفتح محمد بن عبد الباقى إجازة عن أبى النفيل بن خيرون عن القاضى الصیمری،
قال: أخبرنا عمر بن إبراهيم حدثنا مكرم أخبرنا أحمد بن عطية ثنا أبو سليمان
الجوزجاني(٢) قال لى أحمد بن عبد الله قاضى البصرة: ((نحن أبصر بالشروط من أهل
الكوفة)). فقلت له: ((إن الإنصاف بالعلماء أحسن. إنما وضع هذا أبو حنيفة فأنتم زدتم،
ونقصتم، وحسنتم الألفاظ، ولكن هاتوا شروطكم وشروط أهل الكوفة قبل أبى
حنيفة)). فسكت، ثم قال: ((التسليم أولى من المجادلة فى الباطل)) اهـ (١-٣٤٠). قلت:
سند لا بأس به، أكثر رجاله ثقات معروفون. وذكره السيوطى أيضًا فى "تبييض
(١) أى فى تدوين المسائل على الترتيب الفقهى (المؤلف).
(٢) صاحب محمد بن الحسن الإمام (المؤلف).
هـ

٧٩
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
الصحيفة" (ص-٣٦).
وفيه أيضاً: وروى الخطيب عن أبى يحيى الحمانى قال: سمعت أبا حنيفة يقول:
((رأيت رؤيا فأفزعتنى، رأيت كأنى أنبش (١) قبر النبى ◌ّر، فأتيت البصرة، فأمرت رجلا
يسأل محمد بن سيرين، فسأله، فقال: ((هذا رجل ينبش أخبار النبى مع ◌َلِّ)) اهـ
(ص-١٦). وذكره السمعانى فى الأنساب أيضًا. وفيه: فقال محمد بن سيرين: «صاحب
هذه الرؤيا يثور (يكشف) علما لم يسبقه أحد قبله)) اهـ (Z47).
وذكر الشعرانى فى الميزان: أن الإمام الشافعى رحمه الله ترك (٢) القنوت لما زار
قبره (٣) وأدركته صلاة الصبح عنده، وقال: ((كيف أقنت بحضرة الإمام وهو لا يقول
به؟)) وإن الإمام الشافعى إنما فعل ذلك فتحالباب الأدب مع الأئمة المجتهدين، وحملهم
فى جميع أقوالهم على المحامل الحسنة، وعلى أنهم ما قالوا قولا إلا لكونهم اطلعوا على
دليله من كلام الشارع مَّلفي اهـ (ص-٥). وذكر ذلك ابن حجر المكى فى الخيرات
الحسان أيضًا عن بعض المتكلمين على منهاج النووى، قال: وذكر ذلك غيره أيضاً، وزاد
((أنه لم يجهر بالبسملة)) ولا إشكال فى ذلك خلافا لمن ظنه ثم أطال فى توجيهه اهـ
(ص-٧٢).
(١) قلت: ورأيت البارحة ليلة الأربعاء لاثنين وعشرين مضت من شهر جمادى الأولى سنة ١٣٤٤ هـ كأنى زرت قبر
النبى مَّةٍ ورجل أعرفه أنا قاعد فوق القبر يدرس، فزجرته ونحيته، ثم اشتغلت بالصلاة والسلام عليه معدّيةٍ،
وقلت لهذا المدرس: لا تدرس عند قبر النبى مرّاتٍ غير القرآن والحديث من النحو والفقه وغيرهما، فإن ذلك يؤذى
النبى مَّ له. قال: الفقه يؤذى أيضا؟ قلت: نعم! فربما ترد الحديث الصحيح نصرة لمذهبك، أو تأوله بما لا يرضى
به النبى ◌ٍّ. ثم رأيت كأن القبر الشريف صار ينشق وأنا مشتغل بالصلاة والسلام عليه، ثم انتبهت وصيغة
الصلاة والسلام على لسانى، اللهم صل وسلم، وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وأصحابه كما تحب
وترضی.
(٢) أنكر بعض الناس هذه القصة، وقال: ((لا عبرة بنقل الشعرانى، لأنه ليس من أرباب النقل)). قلت: هذا والله مما
يدل على قلة حياء قائله. وما الذى وله على كون الشعرانى ضعيفا فى النقل؟ وقد أجاز له السيوطى وأجلة من
المحدثين، وأثنوا عليه خيرا، كما يظهر من رسالته الإجازة الملحقة بالبحر المورود، وأيضًا فكلامه فى الميزان يشعر
باختلاف علماء الشافعية فى تأويل ترك قنوت إمامهم، وهذا يقتضى صحة الواقعة عندهم، کیف؟ وقد وافقه فی
النقل ابن حجر الشافعى عن بعض شراح المنهاج (المؤلف).
(٣) أى أبى حنيفة (المؤلف).

٨٠
مقدمة إعلاء السنن
وعن أحمد بن بديل(١) قال أبو معاوية (٢): ((يا أهل الكوفة! رفعكم الله بالأعمش
وأبى حنيفة. يا أهل الكوفة! شرفكم الله به وبالأعمش)). وأبو معاوية هذا هو الضرير من
أئمة الكوفة وأجلتهم، وعن عبد الله بن لبيد (٣) قال: كنا عند يزيد بن هارون(٤) فقال (أبو
حنيفة): ((عن المغيرة عن إبراهيم))، فقال رجل: ((حدثنا عنه ێ)). فقال یزید: «یا
أحمق! هذا تفسير أحاديثه مَ لٍّ، وما ذا تصنع بالحديث إذا لم تعلم معناه؟ ولكن همتكم
السماع، ولو كانت همتكم العلم لنظرتم فى كتب الإمام وأقاويله)). فزجر الرجل، وأخرجه
عن مجلسه اهـ كذا فى مناقب القارئ (ص-٤٦٠). وعن يزيد بن هارون أيضًا قال:
((وددت أنى كتبت عن أبى حنيفة كذا وكذا مسألة)). ذكره السيوطى فى صحيفته
(ص-٢٨) نقلا من كتاب الحافظ أبى بكر بن الجعابى. ومنه أيضًا، قال سفيان بن
عيينة: سمعت شفيق(٥) بن عتيبة يقول: ((ما مقلت عينى مثل أبى حنيفة)) اهـ (٢٨).
وفيه أيضًا نقلا عن كتاب غاية الاختصار فى مناقب أئمة الأمصار اللحافظ محمد
ابن أحمد الحنبلى الموصلى): عن منصور بن هاشم، قال: كنا عند عبد الله بن المبارك
بالقادسية، إذ جاءه رجل من أهل الكوفة فوقع فى أبى حنيفة، فقال له عبد الله: ((ويحك!
أ تقع فى رجل صلى خمسا وأربعين سنة على وضوء واحد، وتعلمت الفقه الذى عندى
من أبى حنيفة؟)) وعن سويد بن سعيد المروزى قال: سمعت ابن المبارك يقول:
إمام المسلمين أبو حنيفة
لقد زان البلاد وعلیہا
كآثار الرموز على الصحيفة
بآثار وفقه فی حدیث
ولا بالمغربين ولا بكوفة
فما فى المشرقین له نظير
خلاف الحق مع حجج ضعيفة
رأيت القامعین له سفاها
(١) وثقه النسائي، وابن أبى حاتم (المؤلف).
(٢) ثقة روى له الجماعة (المؤلف).
(٣) لعله ابن أبى لبيد صدوق (المؤلف).
(٤) ثقة إمام حافظ (المؤلف).
(٥) لعله شقيق بن عقبة شيخ مسعر بن كدام، ثقة (المؤلف).