Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
· أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
يذهب إلى صاحب الربع، فمن هو؟)) قلت: أنا هو، فقال لى: ((ألا تذهب إليه كما
زعمت؟)) فقلت: يا أبا حنيفة! لم أقل: إنى أذهب الساعة، إنما قلت: إنى أذهب إليه بلا
وقت أتحينه، ولا أردته، فذلك على وقت ما. فقال: ((أ يحتال على؟ إن مخاطبات الناس
لا تقع على هذا الذى تريد، إنما هى على الفور)» اهـ "الجواهر المضيئة" (٢-٢٥٦). وفيه
دليل على تقدم الإمام فى الحديث والفقه جميعا، فكان كلما راح إلى بلدة كثر عليه
أصحاب الحديث والفقه يسألونه، ولا شك أن أهل الحديث إنما يسألونه عن الحديث لا
غير.
وكان الأوزاعى يكرهه فى أول أمره قبل أن يلقى الإمام، فلما لقيه وجاراه فى
المسائل قال لابن المبارك: ((غبطت الرجل بكثرة علمه ووفور عقله، أستغفر الله تعالى لقد
كنت فى غلط ظاهر، الزم الرجل، فإنه بخلاف ما بلغنى عنه)) من الخيرات الحسان لابن
حجر (ص-٣٤).
قلت: ولو كان الإمام قليل الاعتناء بالحديث ما أخذ أجلة المحدثين وأكابرهم
بأقواله، وقد مر أن يحيى بن سعيد القطان وهو إمام هذا الشأن كان يذهب إلى أقوال
الكوفيين، ويختار قوله من بينهم. وقال: ((لا نكذب الله، ما سمعنا بأحسن من رأى أبى
حنيفة، وقد أخذنا بكثير من أقواله)). وقال يحيى بن معين: ((الفقه عندى فقه أبى حنيفة،
والقراءة قراءة حمزة، وعليه أدركت الناس)). وقال مسعر بن كدام: ((أخذت برأيه
لصحته، فأتوا بأصح منه لأرغب عنه إليه)). ولا ريب أن أمثال هؤلاء من أئمة الحديث لا
يحسنون رأى أحد إلا إذا كان منطبقا على السنة، وصاحبه جامعا للأحاديث كبير
الاعتناء بها .
وقال يحيى بن زكريا(١) بن أبى زائدة: ((قال لى أبى (ثقة): يا بنى! عليك بالنعمان
بن ثابت، فخذ عنه قبل أن يفوتك)). قال يحيى: ((ربما عرضت على أبى فتياه فتعجب
به)) كذا فى "الجواهر" (١-٢٤٤). وفيه أيضًا: قيل لوكيع (٢): يختلف إلى زفر! فقال:
(١) ثقة حافظ (المؤلف).
(٢) حافظ مسند (هو ابن الجراح) (المؤلف).

٤٢
مقدمة إعلاء السنن
((غدرتمونا بأبى حنيفة حتى مات، تريدون أن تغرونا عن زفر حتى نحتاج إلى أسد
وأصحابه)) (١-٢٤٣). وقال على بن الجعد(١): كان رجل يختلف إلى رهبر (٣) ثم فقده
فأتاه بعد ذلك، فقال: أين كنت؟ قال: ذهبت إلى أبى حنيفة. فقال: ((نعم ما تعلمت،
لمجلس تجلسه مع أبى حنيفة فى خير فى ذلك (أى العلم) من أن تأتينى شهرا)) كذا فى
الجواهر أيضًا (١-٢٤٥).
وقال الصيمرى (٣): ومن أصحاب أبى حنيفة على بن مسهر(٤) وهو الذى أخذ عنه
سفيان الثورى علم أبى حنيفة ونسخ منه كتبه، وكان أبو حنيفة ينهاه عن ذلك اهـ من
الجواهر (١-٣٧٨).
وقصة ذلك ما ذكره القارئ فى المناقب عن يحيى بن نصير قال: قال على: خرج
الإمام عن الدنيا هو علىّ غضبان، لأنى كنت أجالس الإمام بالغدوات وسفيان الثورى
بالعشيات، وكان سفيان يقول لى: ما قال الشيخ؟ فأخبره بمسائل. وكان يقول الإمام:
((لم تأتى رجلا يأخذ منك ولا يحمدك؟)) وفى رواية: ((لم لا تدعه حتى يتعلم بنفسه؟)) اهـ
(ص-٥٤٤). وقال عبيد الله بن زياد الكوفى(*): كان أبو حنيفة إذا جلس فى المسجد جاء
سفيان بن سعيد الثورى فقام إلى جانب الحلقة وسمع ما يدور من المسائل، فأعلم أبو
حنيفة بذلك، فقال: "حدثنا أبو هذا القائم سعيد الثورى" فلم يعد سفيان بعد إلى ذلك
اهـ. من "الجواهر" (ص ٣٣٧). وقيل لسفيان وقد روى تحت رأسه كتاب الرهن لأبى
حنيفة: تنظر فى كتبه؟ فقال: ((وددت أنها كلها عندى مجتمعة أنظر فيها ما بقى فى شرح
(١) شيخ البخارى: ثقة (المؤلف).
(٢) ابن معاوية، روى له الشيخان (المؤلف) .
(٣) هو الحسين بن على أبو عبد الله سكن بغداد، روى عنه أبو بكر الخطيب البغدادى، وقال: " كان صدوقا وافر
العقل جيد النظر جميل المعاشرة، سمع من الدارقطنى أجزاء من"سننه".
وقال أبو الوليد الباجى: "كان إمام الحنفية ببغداد، وكان قاضيا عالما خيرا، وله كتاب مجلد ضخيم فى أخبار أبى
حنيفة وأصحابه" اهـ، من "الجواهر" ملخصا (١- ٢٧١).
(٤) ثقة روى له الشيخان (المؤلف).
(٥) هو شيخ البخارى، كما فى جامع المسانيد" (٥١٠:٢).

٤٣
بو حىيعه و اصحابه احدىول
العلم غاية، ولكنا لا تنصفه)). وقال أبو يوسف: ((الثورى أكه متابعة لأبى حنيفة منى)).
وقال يزيد بن هارون لما سئل عن النظر فى كتبه: ((انظروا فيها، فإنى ما رأيت أحدا من
الفقهاء يكره النظر فيها، ولقد احتال الثورى فى كتاب الرهن له حتى نسخه)). كذا فى
"الخيرات الحسان" (ص-٣٣ و٣٤). وعن عكرمة (١) قال: لما قدم زفر البصرة نقل إليه
جامع سفيان، فقال: ((هذا كلامنا ينسب إلى غيرنا)) اهـ. ذكره القارئ فى المناقب
(ص-٥٣٥).
قلت: وأخذ سفيان عن أبى حنيفة مما لا يشك فيه، ولهذا ترى قوله يوافق قول
الإمام كثيرا، قلما يختلف عنه، وسفيان سيد الحفاظ عندهم فى زمانه، فلم يكن ليأخذ
عن رجل قليل الاعتناء بالحديث، ويوافقه فى الفتيا .
وقال بشر(٢) بن الوليد القاضى(٣) صاحب أبى يوسف: كنا نكون عند ابن عيينة
فإذا وردت علينا مسألة مشكلة يقول: ((هاهنا أحد من أصحاب أبى حنيفة؟)) فيقال:
"بشر" فيقول: ((أجب فيها))، فأجيب. فيقول: ((التسليم للفقهاء سلامة فى الدين)) اهـ.
من "الجواهر" (١-١٦٦). وحكى ابن مندة عن أحمد بن أبى محمد الحارثى البخارى
قال: أخبرنا أبی ومحمد بن عبد الله بن سهل قالا: حدثنا محمد بن أحمد بن حفص عن
بشر بن يحيى عن جرير قال: سمعت الأعمش وجاءه رجل فسأله عن مسألة فقال:
((عليك بأهل تلك الحلقة، فإنهم إذا وقعت هم مسألة لا يزالون یدیرنها حتى يصيبونها))،
يعنى حلقة أبى حنيفة. كذا فى "جامع المسانيد" (١-٢٧).
وفيه أيضًا عن الحافظ أبى بكر الخطيب البغدادى قال: أخبرنا الخلال أخبرنا
الجريرى أن على بن محمد النخعى حدثهم نجيح بن إبراهيم حدثنا ابن كرامة قال: كنا
عند وكيع بن الجراح يومًا فقال رجل: ((أخطأ أبو حنيفة)). فقال وكيع: ((كيف يقدر أبو
حنيفة أن يخطئ ومعه مثل أبى يوسف وزفر ومحمد فى قياسهم واجتهادهم. ومثل يحيى
بن زكريا بن أبى زائدة وحفص بن غياث وحبان ومندل ابنا على فى حفظهم للحديث
(١) لعله ابن طارق صاحب أبى يوسف (المؤلف).
(٢) ذكره الخطيب بإسناده إلى بشر بن الوليد فى "تاريخ بغداد"، كما ذكره فى " جامع مسانيد الإمام" (٤١٥:٢).
(٣) وثقه الدارقطنى، وصدق صالح جزرة.

٤٤
مقدمة إعلاء السنن
ومعرفتهم به، والقاسم بن معن يعنى ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود رضى الله
عنه فى معرفته باللغة والعربية، وداود بن نصير الطائى وفضيل بن عياض فى زهدهما
وورعهما. من كان أصحابه هؤلاء وجلسائه لم يكن ليخطئ، لأنه إن أخطأ ردوه إلى
الحق)) اهـ (١-٣٣).
قلت: وسيأتى فى تراجم الأصحاب أن يحيى بن زكريا وحفص بن غياث من
أجلة حفاظ الحديث، وكذا ابن المبارك ويزيد بن هارون. وكان هؤلاء من الأربعين الذين
قربهم الإمام وأدناهم إليه، وقال: ((أنتم أجلة أصحابى، ومسار قلبى، وجلاء حزنى. وإنى
ألجمت هذا الفقه وأسرجتة لكم، فأعينونى. فإن الناس قد جعلونى جسراً على النار، فإن
المهنأ بغيرى والعبأ على ظهرى)). وكان إذا وقعت واقعة شاورهم وناظرهم وسألهم، فيسمع
ما عندهم من الأخبار والآثار، ويقول ما عنده، ويناظرهم شهرا أو أكثر حتى يستقر أحد
الأقوال، فيثبته أبو يوسف رحمه الله. حتى أثبت الأصول (والفروع) على هذا المنهاج
الشورى. وهذا مما اشتهر واستفاض، كما قال الخوارزمى فى جامع المسانيد عن أبيه عن
الإمام سيف الأئمة السائلى (١-٣٢ و٣٣). ويؤيده ما ذكره الخطيب عن الوكيع وقد مر
آنفا .
وقال الطحاوى: كتب إلى ابن أبى ثور يحدثنى عن سليمان بن عمران حدثنى
أسد بن الغراب قال: كان أصحاب أبى حنيفة الذين دونوا الكتب أربعين رجلا، فكان
فى العشرة المتقدمين أبو يوسف، وزفر، وداود الطائى، وأسد بن عمرو، ويوسف بن خالد
السمتى، ويحيى بن زكريا بن أبى زائدة وهو الذى كان يكتبها لهم ثلاثين سنة. كذا فى
"الجواهر المضيئة" (٢-٢١٢). وفيه دليل عظيم على كون أبى حنيفة كثير الحديث، قد
كان عنده جماعة من الحفاظ الذين أذعن المحدثون لحفظهم وسعة علمهم، واعترفوا
بتقدمهم وإمامتهم فى هذا الشأن، وكان الإمام يسألهم ويناظرهم ويسمع ما عندهم من
الآثار والأخبار. فناهيك به دليلا على عظمة شأنه فى الحديث.
وفى لسان الميزان فى ترجمة أسد بن عمرو: وقال ابن سعد: كان عنده حديث
كثير، وهو ثقة إن شاء الله تعالى. وقال أبو داود: صاحب رأى لا بأس به. وقال ابن عدى:

٤٥
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
ما بأحاديثه ورواياته بأس، وليس فى أصحاب الرأى بعد أبى حنيفة أكثر حديثا منه اهـ
(١-٣٨٤) وفيه دليل على كون أبى حنيفة أكثر الناس حديثا، وأجمع القوم له، ولو
ذهبنا إلى شرح أحواله، وبيان ما يدل على إكثاره وحفظه للحديث لأطلنا الخطب ولم
نصل إلى النهاية، فإنه كان إماما فى علوم الشريعة مقداما فى زمانه عالما عاملا ورعا تقيا
عابدا رضى الله عنه وعن أصحابه وأتباعه.
الفصل السابع
فى كون أبى حنيفة ناقدا للحديث صاحب الجرح والتعديل
اعلم أن الإمام أبا حنيفة قد قبل قوله فى الجرح والتعديل وأصول الحديث، وتلقاه
عنه علماء هذا الفن، وذكروه فى كتبهم احتجاجا به أو اعتدادا، كتلقيهم عن الإمام أحمد
والبخارى، وابن معين، وابن المدينى، وغيرهم من شيوخ الصنعة. وهذا يدلك على عظمة
شأنه فى الحدیث، وسعة علمه وسيادته.
فمن ذلك: ما رواه الترمذى رحمه الله فى كتاب العلل له من "الجامع الكبير" :
حدثنا محمود بن غيلان عن جرير عن يحيى الجمانى سمعت أبا حنيفة يقول: ما رأيت
أكذب من جابر الجعفى، ولا أفضل من عطاء اهـ. وذكره الحافظ فى "تهذيب التهذيب"
(٢-٤٨). وقال أبو قطن عن أبى حنيفة: نعم حشو المصر هو (أى شعبة) اهـ من التهذيب
(٤-٣٤٤). وذكر البيهقى الحافظ فى المدخل لمعرفة دلائل النبوة بسنده عن عبد الحميد
الحمانى: سمعت أبا سعد الصنعانى وقام إلى أبى حنيفة فقال: يا أبا حنيفة! ما تقول فى
الأخذ عن الثورى؟ فقال: ((أكتب عنه، فإنه ثقة، ما خلا أحاديث أبى إسحاق عن
الحارث، وحديث جابر الجعفى)) اهـ من "الجواهر المضيئة" (١-٣٠). وفيه دليل أى
دليل على عظمة شأن أبى حنيفة فى النفوس، وتقدمه عند أهل عصره فى الحديث،
والجرح والتعديل، حتى كان يسأل عن سفيان وأضرابه وينتقد أحاديثهم، فناهيك به.

٤٦
مقدمة إعلاء السنن
ومد تقدم قول سفيان بن عيينة: ((أول من أقعدنى للحديث أبو حنيفة)) وفى رواية:
((دخلت الكوفة ولم يتم لى عشرون سنة، فقال أبو حنيفة لأصحابه، ولأهل الكوفة:
((جاءكم حافظ علم عمرو بن دينار)» قال: فجاء الناس يسألونى عن عمرو بن دينار، فأول
من صيرنى محدثا أبو حنيفة)) اهـ كذا فى "الجواهر" (١-٢٥٠). وفيه دليل على أن أبا
حنيفة كان فى قبول جرحه وتعديله بمكان، فإذا عدل أحدا أقبل الناس إليه وأكبوا عليه.
وقال أبو حنيفة فى زيد بن عياش: ((إنه مجهول)) كما فى "تهذيب التهذيب"
(٣-٤٢٤). وتبعه ابن عبد البر، وابن حزم، والطبرى، وعبد الحق، والطحاوى، كما فى
"تلخيص الحبير" (٢-٢٣٥).
فإن قلت: إن الدارقطنى قال: ((إنه ثقة ثبت))، وقال المنذرى: «قد روى عنه اثنان
ثقتان)). وقد اعتمده مالك مع شدة نقده، وصححه الترمذى، والحاكم وقال: لا أعلم أحدا
طعن فيه.
قلت: إنما وثقه من وثقه لزعمه أنه أبو عياش الزرقى، وقال الطحاوى: وهو محال،
لأن أبا عياش الزرقى من أجلة الصحابة لم يدركه ابن يزيد(١) وقد فرق أبو أحمد الحاكم
بين زيد أبى عياش الزرقى الصحابى، وبين زيد أبى عياش الزرقى التابعى، وأما البخارى
فلم يذكر التابعى جملةً، بل قال: ((زيد أبو عياش، هو زيد بن الصامت من صغار
الصحابة)). وقال الحاكم: ((والشيخان لم يخرجاه لما خشيا من جهالة زيد بن عياش)) كذا
فى "تهذيب التهذيب" (٣-٤٢٤). فعرف بذلك قوة قول أبى حنيفة، وإن القول ما قالت
حذام .
وقال أبو حنيفة: ((طلق بن حبيب كان يرى القدر))، كذا فى الجواهر (١-٣٠).
وتبعه كثيرون، فقال أبو حاتم: ((كان يرى الإرجاء))، وكذا قال أبو زرعة. وقال ابن سعد:
((كان مرجيا ثقة إن شاء الله تعالى))، وكذا قال ابن حبان وقال الأزدى: « كان داعية إلى
مذهبه، تركوه))، كذا فى "تهذيب التهذيب" (٥-٣١).
وقال يعقوب بن شيبة: قلت لعلى بن المدينى: كلام رقبة بن مصقلة الذى
(١) هو عبد الله الراوى عن زيد بن عياش (المؤلف).

٤٧
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
يحدثه سفيان بن عيينة عن أبى حنيفة؟ قال يعقوب: فعرفه على بن المدينى، وقال: ولم
أجده عندى.
وقال أبو سليمان الجوزجانى: سمعت حماد بن زيد يقول: ما عرفنا كنية عمرو بن
دينار إلا بأبى حنيفة، كنا فى المسجد الحرام وأبو حنيفة مع عمرو بن دينار، فقلنا له: يا أبا
حنيفة! كلمه يحدثنا. فقال: ((يا أبا محمد! حدثهم))، ولم يقل: ((يا عمرو!)) اهـ من
"الجواهر" (١-٣١). قلت: حماد بن زيد هذا أحد الأعلام، روى له الأئمة الستة، قال
ابن مهدى: ((لم أر أعلم بالسنة منه)). وهو يقول: ((ما عرفنا كنية عمرو بن دينار إلا بأبى
حنيفة)) وفيه دليل على معرفة الإمام بالرجال وعلى كونه مقدما عند المحدثين العظام،
حتى كانوا يتوسلون به إلى السماع من الأكابر الأعلام.
وقال أبو حنيفة: ((لعن الله عمرو بن عبيد، فإنه فتح للناس بابًا إلى علم الكلام)).
وقال أبو حنيفة: ((قاتل الله جهم بن صفوان، ومقاتل بن سليمان، هذا أفرط فى النفى،
وهذا أفرط فى التشبيه)) كذا فى "الجواهر" (١-٣١). وفى تهذيب التهذيب: قال إسحاق
بن إبراهيم: قال أبو حنيفة: ((أتانا من المشرق رأيان خبيثان، جهم معطل، ومقاتل
مشبه)). وقال محمد بن سماعة عن أبى يوسف عن أبى حنيفة: ((أفرط جهم فى النفى،
حتى قال: إنه ليس بشىء، وأفرط مقاتل فى الإثبات، حتى جعل الله تعالى مثل خلقه)»
أهـ (١٠- ٢٨١).
وفى "تذكرة الحافظ" فى ترجمة جعفر بن محمد الصادق: وعن أبى حنيفة: ((ما
رأيت أفقه من جعفر بن محمد)) اهـ (١- ١٥٧). وقال الطحاوى: حدثنا سليمان بن شعيب
حدثنا أبى قال: أملأ علينا أبو يوسف، قال: قال أبو حنيفة: ((لا ينبغى للرجل أن يحدث
من الحديث إلا بما حفظه من يوم سمعه إلى يوم يحدث به)). وقال أبو قطن(١) فيما رواه
الطحاوى قال: قال لى أبو حنيفة: اقرأ على، وقل: ((حدثنى))، وقال لى مالك: اقرأ
على، وقل: ((حدثنى)) اهـ من "الجواهر" (١- ٣٢)، وكذا فى التهذيب (ص- ١٥٩).
(١) هو عمرو بن الهيثم، ثقة روى له مسلم وأحمد عنه (المؤلف).

٤٨
مقدمة إعلاء السنن
وفى "تدريب الراوى": روى البيهقى فى "المدخل" عن مكى بن إبراهيم شيخ
البخارى قال: كان ابن جريج، وعثمان بن الأسود، وحنظلة بن أبى سفيان، ومالك،
وسفيان الثورى، وأبو حنيفة، وهشام، وابن أبى ذئب، وسعيد بن أبى عروبة يقولون:
((قراءتك على العالم خير من قراءة العالم عليك)) اهـ (ص- ١٣٢). فذكر مكى بن إبراهيم
قول أبى حنيفة مع أقوال الآخرين من الأجلة، واحتج به كما احتج بهم، وناهيك به،
وفيه أيضًا: والأحوط فى الرواية بها أى بالقراءة أن يقول: قرأت على فلان، أو قرئ عليه
وأنا أسمع فأقر به، أو حدثنا بقراءتى عليه، أو قراءة عليه وأنا أسمع، أو أخبرنا بقراءتى، أو
قراءة عليه، ومنع إطلاق ((حدثنا)) و((أخبرنا)) هنا عبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل،
والنسائى، وغيرهم. وجوزهما طائفة، قيل: إنه مذهب الزهرى، ومالك بن أنس، وابن
عبينة، ويحيى القطان، والبخارى، وجماعة من المحدثين، ومعظم الحجازيين والكوفيين،
كالثورى، وأبى حنيفة، وصاحبيه، والنضر بن شميل، ويزيد بن هارون، وأبى عاصم
النبيل، والطحاوى وألف فيه جزءاً اهـ (ص- ١٣٢).
وفيه أيضًا فى ذكر المناولة ما نصه: وهذه المناولة كالسماع فى القوة عند الزهرى،
وربيعة، والشعبى، وإبراهيم، وعلقمة، ومالك، والصحيح أنها منحطة عن السماع
والقراءة، وهو قول سفيان الثورى، والأوزاعى، وابن المبارك، وأبى حنيفة، والشافعى اهـ.
وفيه أيضًا: قال العراقى: وقد اعترض ذكر أبى حنيفة مع هؤلاء، بأن صاحب القنية من
أصحابه نقل عنه، وعن محمد بن الحسن ((المحدث إذا أعطاه الكتاب وأجاز له ما فيه ولم
يسمعه ولم يعرفه لم يجز)). قال: والجواب أن البطلان عندهما لا للمناولة والإجازة، بل
لعدم(١) المعرفة، فإن الضمير فى قوله ((ولم يعرفه)) إن كان للمجاز وهو الظاهر لتتفق
الضمائر، فمقتضاه أنه إذا عرف ما أجيز له صحّ، وإن كان للشيخ فسيأتى أن ذلك لا
يجوز إلا إذا كان الطالب موثوقا بخبره اهـ (١ -١٤٤). أ فما ترى كيف ينقلون أقوال أبى
حنيفة فى أصوله سماع الحديث وطرقه، ويشرحونها، ويحتجون بها؟.
(١) قلت: ويدل على صحة هذا الجواب ما فى قفو الأثر لابن الحنبلى: والمختار فيها أى فى الإجازة وفاقا لابن
الساعاتى أن المجيز إن كان عالما بما فى الكتاب والمجاز له فهما ضابطا جازت الرواية بها، ووقع الاحتجاج، وإلا
بطلت عند أبى حنيفة ومحمد، وصحت عند أبى يوسف. قال: والأحوط ما قالاه اهـ (ص-١٨).

25
.
21
٤٩
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
وفيه أيضًا فى بحث الرواية عن الكتاب الذى أرسله إليه شيخه: ثم الصحيح أنه
يقول فى الرواية بها: كتب إلى فلان، أو أخبرنا فلان مكاتبة أو كتابة ونحوه، ولا يجوز
إطلاق ((حدثنا)) و((أخبرنا)). وجوزه الليث، ومنصور، وغير واحد، وجوز آخرون
((أخبرنا)) دون ((حدثنا)). روى البيهقى فى المدخل عن أبى عصمة سعد بن معاذ قال:
كنت فى مجلس أبى سليمان الجوزجاني، فجرى ذكر ((حدثنا)) و((أخبرنا))، فقلت: إن
كلاهما سواء. فقال رجل: بينهما فرق، ألا ترى محمد بن الحسن (صاحب الإمام) قال:
إذا قال رجل لعبده: إن أخبرتنى بكذا فأنت حر، فكتب إليه بذلك صار حرا، وإن قال:
إن حدثتنی بکذا فأنت حر، فكتب إليه بذلك لا يعتق اهـ (ص-١٤٨).
قلت: والمسألة مذكورة فى العالمكيرية (الهندية) فى باب الأيمان ولم يذكر فيهما
خلافا (٤ -٦٦). فهو قول أبى حنيفة أيضًا، واحتج بها المحدثون فى التفرقة بين ((أخبرنا))
و«حدثنا».
وفى "تدريب الراوى": ثم المرسل حديث ضعيف لا يحتج به عند جماهير
المحدثين والشافعى، وقال مالك وأبو حنيفة فى طائفة منهم أحمد: صحيح اهـ (ص ٦٧).
وقد تقدم فى مقدمة الإعلاء نقلا عن القارئ وغيره أن الإمام أبا حنيفة قبل رواية المستور
وتبعه فيه ابن حبان اهـ. وفى قفو الأثر: وأما حكم روايته من كتابه الذى هو أصله وبخطه
عندنا فهو إن كان مذكرا فحجة اتفاقا، وإلا فلا يعمل به عند أبى حنيفة مطلقا ، وقال أبو
يوسف: يعمل به إذا كان الخط معروفا لا يخاف تغيره عادة وكان فى يد أمين ولو غير
أمينه. وقال محمد: يعمل به مطلقا، ولكن إذا تيقن أنه خطه اهـ (ص-٢٦). وكذا فى
"تدريب الراوى" (ص-١٦١). ولا يخفى ما فى قول أبى حنيفة من الاحتياط والتوقى فى
" باب الرواية. وفى كل ذلك دليل على كونه رضى الله عنه إماما كبيرا من أجلة المجتهدين
فى علم الحديث، كما هو كذلك فى الفقه، وقد اعترف بذلك كل منصف، له قلب
سليم، كالذهبى حيث عده فى تذكرة الحفاظ من معدلى حملة الحديث النبوى الذين
يرجع إلى اجتهادهم فى التوثيق والتضعيف، والتصحيح والتزييف، وكابن خلدون
حيث قال: ((ويدل على أنه من كبار المجتهدين فى علم الحديث اعتماد مذهبه بينهم)) اهـ.

٥٠
مقدمة إعلاء السنن
وغيرهما من المتقدمين، كما مر ذكره فى هذه الرسالة. فرحم الله من أغمض عينيه عن ذلك
كله حسدا وبغيا أو مجازفة وتساهلا وجرح مثل هذا الإمام المحتاط المتشدد فى الرواية
بالضعف، أو قلة الحفظ، أو قلة الاعتناء بالحديث.
?
وذكر الخوارزمى بسنده عن إسحاق بن محمد النخعى عن يحيى بن عبد الحميد
الحمانى حدثنا شريك بن عبد الله قال: كنا عند الأعمش فى مرضه الذی مات فیه، فدخل
عليه أبو حنيفة، وابن أبى ليلى، وابن شبرمة، فالتفت أبو حنيفة إليه وكان أكبرهم،
فقال: ((يا أبا محمد! اتق الله فإنك فى أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا، وقد
كنت تحدث فى على بن أبى طالب بأحاديث لو سكت عنها كان خيرا لك». فقال
الأعمش: أ لمثلى يقال هذا؟ أسندونى أسندونى. حدثنا أبو المتوكل الناجى عن أبى
سعيد الخدرى قال: قال رسول الله ◌َ له: ((إذا كان يوم القيمة قال الله تعالى لى ولعلى بن
أبى طالب: أدخل الجنة من أحبكما، وأدخل النار من أبغضكما)) فذلك قول الله عز
وجل: ﴿ألقيا فى جهنم كل كفار عنيد﴾. قال: فقال أبو حنيفة: ((قوموا، لا يجىء بأظهر
من هذا، قوموا لا يجىء بأحكم من هذا)). فو الله ما خرجنا من الباب حتى مات الأعمش
اهـ (١) (ص-٢٩).
قلت: هذا والله كذب محض، وراويه إسحاق بن محمد بن أبان النخعى زنديق،
كان يقول: ((على هو الله)) وكان كذابا مارقا، كما فى "اللسان" (١-٣٧٢). والحديث
الذى رواه عن يحيى الحمانى عن شريك بن عبد الله عن الأعمش عن أبى المتوكل عن
أبى سعيد مرفوعا ذكره ابن الجوزى، وقال: موضوغ، وضعه إسحاق، والحمانى أيضاً
كذاب(٢) كذا فى اللآلى المصنوعة (١-١٩٨). وحاشا الأعمش أن يحدث بمثل هذه
البواطيل، والعجب من الخوارزمى وعلى القارئ كيف ذكراه فى مناقب أبى حنيفة ولم
يتنبها لعلته؟ ولم أذكره ههنا إلا للرد عليه، فإن أبا حنيفة غنى عن أن ينوه بشأنه بأمثال
هذه الأكاذيب.
(١) وذكره القارئ أيضاً فى مناقب الإمام (المؤلف).
(٢) قلت: فيه نظر، فإن الحمانى وثقه ابن معين، وهو مخرج له فى صحيح مسلم (المؤلف).

٥١
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
الفصل الثامن
فى بقية الأجوبة عن المطاعن فيه
وذكروا سادسا: ما رواه الحاكم من رواية أبى يوسف عن أبى حنيفة عن موسى بن
أبى عائشة عن عبد الله بن شداد عن أبى الوليد عن جابر مرفوعا: ((من صلى خلف الإمام
فإن قراءته له قراءة)). قال الحاكم: ((عبد الله بن شداد هو بنفسه أبو الوليد، بينه على بن
المدينى)). قال الحاكم: ((ومن تهاون بمعرفة الأسامى أورثه مثل هذا الوهم)) اهـ. ذكره
محشى "شرح النخبة" نقلا عن القارئ فى "شرح الشرح" له (ص-٢١١). قالوا: فقد
نسب الحاكم أبا حنيفة إلى الوهم، وعدم معرفته بأسامى الرجال.
قلت: إن أراد الحاكم ذلك فهو يدل على عدم معرفته هو بطرق الروايات وقلة تتبعه
لها، فإن الرواية الصحيحة عن الإمام ما أخرجه محمد فى موطئه: أخبرنا أبو حنيفة قال:
حدثنا أبو الحسن موسى بن أبى عائشة عن عبد الله مرفوعا، الحديث (ص-٩٦). وليس
فيه أبو الوليد. وما أخرجه أبو محمد (١) الحارثى البخارى عن عبد الصمد(٢) بن الفضل،
وحمدان(٣) بن ذى النون(٤)، وإسماعيل بن بشر، قالوا: ثنا مكى بن إبراهيم(٥) عن أبى
حنيفة عن أبى الحسن موسى بن أبى عائشة عن أبى الوليد عبد الله بن شداد عن جابر
بن عبد الله مرفوعا الحديث. كذا فى "جامع المسانيد" (١-٣٣٨)، وليس فيه عبد الله بن
شداد عن أبى الوليد، كما رواه الحاكم، بل فيه: عن أبى الوليد عبد الله بن شداد عن
جابر على الصحيح الصواب الذى قاله ابن المدينى. فتبين بذلك أن أبا حنيفة لم يهم،
(١) قال السمعانى: كان كثير الحديث، وكان معروفا بالأستاذ "الفوائد البهية" (ص-٤٤). قلت: وفى اللسان
(٣-٣٤٩): أكثر عنه أبو عبد الله بن مندة، وروى عنه ابن عقدة، والجعابى، وأبو بكر بن دارم، وآخرون اهـ.
فناهيك لعظمته إكثار ابن مندة عنه، فلا يلتفت إلى تضعيف من ضعفه (المؤلف).
(٢) ثقة، كما فى اللسان (٤-٢٢).
(٣) وثقه ابن حبان (المؤلف).
(٤) وثقه ابن حبان، وأبو داود (المؤلف).
(٥) شيخ البخارى، ثقة (المؤلف).

٥٢
مقدمة إعلاء السنن
فإن الثقات من أصحابه يروون ذلك عنه على الصواب، وإنما الوهم ممن هو تحت أبى
حنيفة، فرواه عن عبد الله بن شداد عن أبى الوليد بزيادة لفظة "عن".
والعجب من البيهقى! كيف اغتر برواية من رواه هكذا بالوهم، وأسقط الاحتجاج
بها لجهالة أبى الوليد؟ قال فى جزء القراءة له: وأما القصة التى فيها «فإن قراءته له قراءة)
فإن أبا حنيفة إنما رواها عن موسى بن أبى عائشة عن عبد الله بن شداد عن أبى الوليد
عن جابر، وهو رجل مجهول، كما قال الدارقطنى رحمه الله، ولا تقوم به حجة اهـ
(ص-١٠٣). ولو رأى البيهقى والدارقطنى أو سمعا رواية مكى بن إبراهيم عن أبى
حنيفة عن أبى الحسن موسى عن أبىّ الوليد عبد الله بن شداد عن جابر لاستحيا عن
قولهما بأن أبا الوليد مجهول، وعزفا أن زيادة لفظة "عن" فى روايتهما عن بعض الواهمين
من شيوخهما النازلين عن الإمام. ولا يبعد أن يكون الحاكم هو الذى وهم؛ لأنه كان كثير
الوهم، يضعف جماعة فى كتاب الضعفاء له، ويقطع بترك الرواية عنهم، ويمنع من
الاحتجاج بحديثهم، ثم يخرج أحاديث بعضهم فى "مستدركه" ويصححها، كما قاله
الحافظ فى "اللسان" (٥-٣٣٣). ولا يخفى ذلك على من طالع "تلخيص المستدرك"
للذهبى، والله أعلم.
وذكروا سابعا: عن ميزان الذهبى فى ترجمة مسعر بن كدام: ولا عبرة بقول
السليمانى: كان من المرجئة مسعر، وحماد بن أبى سليمان، والنعمان، وعمرو بن مرة،
وعبد العزيز بن أبى رواد، وأبو معاوية، وعمر بن ذر، وسرد جماعة. قلت: الإرجاء مذهب
لعدة من أجلة العلماء لا ينبغى التحامل على قائله اهـ (٣-١٦٣). وقالوا: كان أبو حنيفة
مرجئا، والمرجئة من الفرق الضالة.
قلت: هذا والله افتراء على هذا الإمام، لم يكن هو مرجئا قط، بل كان متبع السنة
حنيفا مسلما، كما يشهد به كتابه "الفقه الأكبر"، وكتب أصحابه، وعقيدة الطحاوى
التى بين فيها عقائد أبى حنيفة. وكيف يعتبر بقول السليمانى وقد قال الذهبى: لا عبرة
بما قاله؟ وأجاد ابن الحجر المكى الشافعى فى الخيرات الحسان حيث قال: قد عد جماعة
الإمام أبا حنيفة من المرجئة، وليس هذا الكلام على حقيقة. أما أولا فقال شارح الموافق:

٥٣
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
كان غسان المرجئ ينقل الإرجاء عن أبى حنيفة وبعده من المرجئة وهو افتراء عليه قصد
به غسان لترويج مذهبه بنسبته إلى هذا الإمام الجليل. وأما ثانيا فقد قال الآمدى: إن
المعتزلة كانوا فى الصدر الأول يسمون من خالفهم فى القدر مرجئا اهـ. من الرفع
والتكميل (ص-٢٤)؛ وقد بسطنا القول فى ذلك فى مقدمة الإعلاء، فلتراجع.
وقالوا ثامنا: إن قطب الأقطاب وغوث الأنجاب سيدنا الشيخ عبد القادر عد
الحنفية من المرجئة فى كتابه "غنية الطالبين".
والجواب عنه بعد تسليم صحته وعدم دسه من الملاحدة على هذا السيد الجليل
كما دسوا أشياء على الشيخ الأكبر محى الدين ابن العربى فى فصوصه، وعلى الإمام
الشعرانى فى كتابه "البحر المورود" ، أن الشيخ رضى الله عنه لم يعد أبا حنيفة من
المرجئة قط، ولو كان كذلك لم يذكره بنفسه فى غنيته بلفظ الإمام، ولم يذكر أقواله فى
الأحكام الشرعية مع الأئمة المرضية.
فمنه: قوله فى المواقيت بعد ذكر مذهبه أن التغليس بالفجر أفضل: "وقال الإمام
أبو حنيفة: الإسفار أفضل". ومنه: قوله في فضل الصلاة وحكم تاركها: "وقال الإمام أبو
حنيفة: لا يقتل، ولكن يحبس حتى يصلى فيتوب أو يموت فى الحبس"، وقال الإمام
الشافعى: يقتل بالسيف حدا، ولا يكفر اهـ. من الرفع والتكميل (ص-٢٦)، بل أراد
بالحنفية بعض أتباعه الذين يقلدونه فى الفروع، ويخالفونه فى أصول العقائد، وينتحلون
مذهب أهل الأهواء، كالزمخشرى، فإنه حنفى الفروع ومعتزلى العقائد، وكغسان
المرجئى، فإنه حنفى فى الفروع ومرجئى فى العقائد، وكالشيخ الرئيس ابن سينا، فإنه
حنفى فى الفروع أيضًا، ومنحرف عن إمامه فى العقائد متهم بالإعتزال ونحوه. ولا تزر
وازرة وزر أخرى. فلا يصل إلى الإمام منهم شىء. ومثل هؤلاء لا يخلو ولا يسلم منهم
مجتهد قط، فإن من الشافعية والمالكية أيضًا من هورمتهم بالاعتزال والفلسفة، كسيف
الدين الآمدى، والقاضى أبى الوليد بن رشد، وغيرهما.
وقالوا تاسعا: إن أبا حنيفة كان من أهل الرأى، كما قاله الذهبى فى الميزان (١):
(١) وقد مر ما فيه فتذكر (المؤلف).

٥٤
مقدمة إعلاء السنن
((النعمان بن ثابت بن زوطى أبو حنيفة الكوفى إمام أهل الرأى إلخ)). قلت: إن أرادوا
بالرأى العقل الصائب والفهم الثاقب، فهو منقبة شریفة، فإن من لا عقل له لا علم له، ولن
يتم أمر المنقول إلا بالمعقول، وإن أرادوا به القياس الذى هو أحد الحجج الأربعة فليس هذا
بأول قارورة كسرت فى الإسلام، ولا خصوصية لأبى حنيفة الإمام فى القياس بشرطه
المعتبر عند الأعلام، بل جميع العلماء يقيسون فى مضائق الأحوال إذا لم يجدوا فى
المسألة نصا من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا أقضية الصحابة، كما صرح به
الشعرانى فى "الميزان".
ولا عبرة بقول داود الظاهرى وأتباعه حيث أنكروا القياس رأسا. قال النووى فى
تهذيب الأسماء فى ترجمة داود هذا: قال إمام الحرمين: الذى ذهب إليه أهل التحقيق أن
منكرى القياس لا يعدون من علماء الأمة وحملة الشريعة، لأنهم معاندون ومباهتون فيما
ثبت استفاضةً وتواترا، لأن معظم الشريعة صادرة عن الاجتهاد، ولا تفى النصوص بعشر
معشارها ، وهؤلاء ملتحقون بالعوام اهـ من "فتح المبين" (ص-٣٠). وفى دراسات اللبيب
لملامعين: لا شك أن فى علماء الأمة ممن تعلق بهذا الحديث الكريم طائفة تسمى
"ظاهرية"، وهو فى التحقيق عبارة عن أصحاب داود الظاهرى خاصة، وعن كل من
كان على الظاهرية المحضة التى تسمى "جامدة" فى إطلاق العلماء، وذلك لعدم
قولهم بالقياس مطلقا حتى فى العلة المنصوصة والجلية، بل ما يترا أى من أقوالهم إنهم
لا يقولون بالاستنباط رأسا، وهو مما لا يعتد بهم أئمة الحديث والفقه، حتى قال
السيوطى، وغيره: إن الإجماع لا ينخرق بخلافهم، ومذهبهم مردود بالكتاب والسنة
الناطقين بجواز الاستنباط، وإعمال الفكر فى كتاب الله وسنة رسوله اهـ من "تذكرة
الراشد" (ص-٢٦٩).
وقد أطال ابن القيم فى إعلام الموقعين فى إثبات القياس، وبسط الكلام فيه،
وقسم الرأى إلى محمود ومذموم، ثم قال: الرأى المحمود هو أنواع، النوع الأول رأى أفقه
الأمة وأبرها قلوبا، وأعمقهم علما، وأقلهم تكلفا، وأصحهم قصودا، وأكملهم فطرةً،
وأتمهم إدراكا، وأصفاهم أذهانا الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وفهموا مقاصد

٥٥
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
الرسول. فنسبة (١) رأى من بعدهم إلى رأيهم كنسبة قدرهم إلى قدرهم. النوع الثانى من
الرأى المحمود الرأى الذى يفسر النصوص، ويبين وجه الدلالة منها ويقررها، ويوضح
محاسنها، ويسهل طريق الاستنباط منها، كما قال عبدان: سمعت عبد الله بن المبارك
يقول: ((ليكن الذى تعتمد عليه الأثر، وخذ من الرأى ما يفسر لك الحديث)) اهـ (١-٢٨
و ٢٩).
قلت: ورأى أبى حنيفة من قبيل هذا النوع، فقد تقدم عن ابن المبارك أنه قال:
((لا تقولوا: رأى أبى حنيفة، بل قولوا: تفسير الحديث))، ذكره السيوطى.
قال ابن القيم: النوع الثالث من الرأى المحمود الذى تواطأت عليه الأمة وتلقاه
خلفهم عن سلفهم، فما تواطئوا عليه من الرأى لا يكون إلا صوابا، كما تواطئوا عليه من
الرواية والرؤيا، وقد قال النبى ◌ّ ه: ((أرى رؤياكم قد تواطأت فى السبع الأواخر)) فاعتبر
مَّ قري تواطأوا رؤيا المؤمنين. فالأمة معصومة فيما تواطأت عليه من روايتها ورؤياها، ولهذا
كان من سداد الرأى وإصابته أن يكون شورى بين أهله ولا ينفرد به واحد، وقد مدح الله
سبحانه المؤمنين بكون أمرهم شورى بينهم، وكانت النازلة إذا نزلت بأمير المؤمنين عمر بن
الخطاب رضى الله عنه ليس عنده فيها نص عن الله ولا عن رسوله جمع لها أصحاب
رسول الله مَ لله ثم جعلها شورى بينهم. وقال الحميدى: ثنا سفيان ثنا الشيبانى عن
الشعبى قال: كتب عمر إلى شريح: قال: ((إذا حضرك أمر لابد منه فانظر ما فى كتاب الله
فاقض به، فإن لم يكن ففيما قضى به رسول الله مَّظهره، فإن لم يكن ففيما قضى به
الصالحون وأئمة العدل، فإن لم يكن فأنت بالخيار، فإن شئت فاجتهد رأيك، وإن شئت
أن تؤامرنى، ولا أرى مؤامرتك إياى إلا خيرا لك، والسلام)) اهـ (١-٣٠).
قلت: وفقه أبى حنيفة قد دون كذلك الشورى، فقد تقدم أن الذین دونوا كتب
أبى حنيفة من أصحابه كانوا أربعين رجلا، فإذا نزلت نازلة شاورهم وسائلهم وسمع ما
عندهم من الآثار والأحاديث ويقول ما عنده، حتى يتفقوا على أحد الأقوال، فيأمر بإثباته،
(١) قلت: وأبو حنيفة أكبر الآخذين بهذا النوع، فإن أقوال الصحابة وفتاواهم حجة عنده يترك به القياس، كما بسطنا
القول فيه فى مقدمة الإعلاء، فليراجع (المؤلف).
١

٥٦
مقدمة إعلاء السنن
وكتابته. وتقدم أيضًا عن الأعمش: وجاءه رجل فسأله عن مسألة، فقال: ((عليك بأهل
تلك الحلقة، فإنهم إذا وقعت لهم مسألة لا يزالون يدبرونها حتى يصيبونها))، يعنى حلقة
أبى حنيفة، وتقدم مثل ذلك عن وكيع أيضاً .
قال ابن القيم: النوع الرابع من الرأى المحمود أن يكون بعد طلب علم الواقعة عن
القرآن، فإن لم يجدها فى القرآن ففى السنة، فإن لم يجدها فى السنة ففيما قضى به
الخلفاء الراشدون أو اثنان منهم أو واحد، فإن لم يجده فيما قاله واحد من الصحابة رضى
الله عنهم، فإن لم يجده اجتهد رأيه، وانظر إلى أقرب ذلك من كتاب الله، وسنة رسول الله
مرّه، وأقضية أصحابه. فهذا هو الرأى الذى سوغه الصحابة واستعملوه، وأقر بعضهم .
بعضا عليه. قال على ابن الجعد: أنبأ شعبة عن سيار عن الشعبى قال: أخذ عمر فرسا من
رجل على سوم، فحمل عليه فعطب، فخاصمه الرجل، فقال عمر: ((اجعل بينى وبينك
رجلا)). فقال الرجل: ((إنى أرضى بشريح العراقى)). فقال شريح: ((أخذته صحيحا
سليما، فأنت له ضامن(١) حتى ترد صحيحا سليما)). قال: فكأنه أعجبه، فبعثه قاضيا،
وقال: ((ما استبان لك من كتاب الله فلا تسأل عنه، فإن لم يستبن فى كتاب الله فمن
السنة، فإن لم تجده فى السنة فاجتهد رأيك)).
وقال أبو عبيد: ثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان، وقال أبو نعيم: عن جعفر
ابن برقان عن معمر البصرى عن أبى العوام، وقال سفيان بن عيينة: ثنا إدريس أبو عبد
الله بن إدريس قال: أتيت سعيد بن أبى بردة، فسألته عن رسل عمر بن الخطاب التى كان
يكتب بها إلى أبى موسى الأشعرى وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبى بردة، فأخرج إليه
كتبا، فرأيت فى كتاب منها، رجعنا إلى حديث أبى العوام، قال: كتب عمر إلى أبى
موسى: ((أما بعد! فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة إلى أن قال: ثم الفهم الفهم
فيما أدلى عليك مما ورد عليك مما ليس فى قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك
واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق)). الحديث، قال ابن
(١) هذا هو مذهب أبى حنيفة أن المقبوض على سوم الشراء مضمون، وليس بعارية ولا وديعة غير مضمونة
(المؤلف) .

٥٧
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
القيم: وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة.
والحاكم، والمفتى أحوج شىء إليه، وإلى تأمله، والتفقه فيه اهـ (١-٣١).
وقال بعد إثبات التعليل، وقياس النظير، واعتبار المثل من القرآن (ص- ١٧١):
فهذا شرع الله، وقدره، ووحيه، وثوابه، وعقابه، كله قائم بهذا الأصل، وهو إلحاق النظير
بالنظير، واعتبار المثل بالمثل. وبهذا يذكر الشارع العلل، والأوصاف المنزهة، والمعانى
المعتبرة فى الأحكام القدرية، والشرعية، والجزئية، ليدل بذلك على تعلق الحكم بها أين
وجدت، واقتضاؤها لأحكامها، وعدم تخلفها عنها إلا لمانع يعارض اقتضاءها اهـ.
قال ابن القيم: وقد أمر النبى مرّةٍ معاذا على اجتهاد رأيه فيما لم يجد فيه نصا
عن الله ورسوله، فقال شعبة: حدثنى أبو عون عن الحرث بن عمرو عن أناس من
أصحاب معاذ عن معاذ، أن رسول الله ◌ٍّ لما بعثه إلى اليمن قال: كيف تصنع إن
عرض لك قضاء؟ قال أقضى بكتاب الله. قال: فإن لم يكن فى كتاب الله؟ قال: فبسنة
رسول الله مَّه. قال: فإن لم يكن فى سنة رسول الله عَظِيرٍ؟ قال: أجتهد رأى، ولا آلو.
قال: فضرب رسول الله مٍَّ صدرى، ثم قال: ((الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما
يرضى رسول الله ◌ٍَّ)) فهذا حديث وإن كان عن غير مسمين فهم أصحاب معاذ فلا
يضره ذلك، لأنه يدل على شهرة الحديث، وأن الذى حدث به عمرو بن الحرث عن
جماعة من أصحاب معاذ لا واحد منهم، وهذا أبلغ فى الشهرة من أن يكون عن واحد
منهم لو سمى، كيف؟ وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذى
لا یخفی.
لا يعرف فى أصحاب معاذ متهم،
ولا كذاب، ولا مجروح:
ولا يعرف فى أصحابه متهم، ولا كذاب، ولا مجروح، بل أصحابه من أفاضل
المسلمين وخيارهم، لا يشك أهل العلم بالنقل فى ذلك. كيف؟ وشعبة حامل لواء هذا
الحديث، وقد قال بعض أئمة الحديث: ((إذا رأيت شعبة فى إسناد حديث فاشدد يديك

٥٨
مقدمة إعلاء السنن
به)). قال أبو بكر الخطيب: وقد قيل: إن عبادة بن نسى رواه عن عبد الرحمن بن غنم
عن معاذ، ((وهذا إسناد متصل، ورجاله معروفون بالثقة)). على أن أهل العلم قد نقلوه
واحتجوا به، فوقفنا بذلك على صحته عندهم، كما وقفنا على صحة قول رسول الله
مَ ظلِّ: ((لا وصية لوارث)) وقوله فى البحر: ((هو الطهور ماؤه والحل ميتته)) وقوله: ((الدية
على العاقلة)) وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد، ولكن لما نقلها الكافة
عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها ، فكذلك حديث معاذ، لما احتجوا
به جميعا غنوا عن طلب الإسناد، انتهى كلامه اهـ (١-٧٣).
ثم أطال ابن القيم فى إثبات القياس، وأثبت عن الصحابة أنهم اجتهدوا برأيهم فى
زمن النبى معَّ له وبعده كثيرا، بين ذلك فى ثلث ورقات كبار. ثم قال: فالصحابة رضى
الله عنهم مثلوا الوقائع بنظائرها وشبهوها بأمثالها، ورووا بعضها إلى بعض فى أحكامها،
وفتحوا للعلماء باب الاجتهاد، ونهجوا لهم طريقه، وبينوا لهم سبيله اهـ (١-١٧٨).
قلت: ورأى أبى حنيفة فى المسائل الاجتهادية موافق للنوع الرابع أيضًا الذى ذكره
ابن القيم وحمده. فقد قال الصنعانى عن ابن معين: سمعت عبيد بن أبى قرة يقول:
سمعت يحيى بن الفريس يقول: سمعت سفيان (الثورى) وأتاه رجل فقال: ما تنقم على
أبى حنيفة؟ قال؛ وماله؟ قال: سمعته يقول: آخذ بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنة رسول
الله ◌َِّ، فإن لم أجد فبقول الصحابة، آخذ بقول من شئت منهم، ولا أخرج عن قولهم
إلى قول غيرهم. فأما إذا انتهى الأمر إلى إبراهيم، والشعبى، وابن سيرين، وعطاء، فقوم
اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا. ذكره الحافظ فى "تهذيب التهذيب" (١٠- ٤٥١). وقد
جاء فى رواية عنه أنه كان يقول: ((ما جاء عن رسول الله عرّ فعلى الرأس والعين، بأبى
هو وأمى، وليس لنا مخالفته، وما جاءنا عن أصحابه تخيرنا، وما جاء عن غيرهم فهم رجال
ونحن رجال)).
وكان(١) أبو مطيع البلخى يقول: كنت يوما عند الإمام أبى حنيفة فى جامع
(١) كان ابن المبارك يتبجله، ويعظمه لدينه وعلمه، فناهيك به، وجرحه آخرون (المؤلف).

٥٩
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
الكوفة، فدخل عليه سفيان الثورى، ومقاتل بن حبان، وحماد بن سلمة، وجعفر
الصادق، وغيرهم من العلماء، فكلموا أبا حنيفة وقالوا: ((قد بلغنا أنك تكثر من القياس
فى الدين، وإنَا نخاف عليك منه، فإن أول من قاس إبليس)). فناظرهم الإمام من بكرة نهار
الجمعة إلى الزوال، وعرض عليهم مذهبه، وقال: ((إنى أقدم العمل بكتاب الله، ثم
بالسنة، ثم بأقضية الصحابة مقدما ما اتفقوا عليه على ما اختلفوا فيه، وحينئذ أقيس)).
فقاموا كلهم، وقبلوا يده وركبتيه، وقالوا له: ((أنت سيد العلماء، فاعف عنا فيما مضى
منا من وقيعتنا فيك بغير علم)). فقال: ((غفر الله لنا ولكم أجمعين)). قال أبو مطيع: ومما
كان وقع فيه سفيان أنه قال: ((قد حل أبو حنيفة عرى الإسلام عروة عروة)) اهـ.
ذكره الشعرانى فى "الميزان"، وقال قبله: ((رواه الإمام أبو جعفر الشيزامارى بسنده
المتصل))، وقال بعده: ((فإياك يا أخى! إن أخذت الكلام على ظاهره أن تتقل مثل ذلك
عن سفيان بعد أن سمعت رجوعه(١) عن ذلك، واعترافه بأن الإمام أبا حنيفة سيد العلماء،
وطلبه العفو عنه)) (١- ٥٣).
قلت: فإن أرادوا بكون أبى حنيفة من أهل الرأى أنه كان يقدم القياس على
الحديث فهو فرية بلا مرية، كما تبين مما تقدم.
وروى الإمام أبو جعفر الشيزامارى بسنده المتصل إلى الإمام أنه كان يقول: ((كذب
والله وأفترى علينا من يقول عنا إننا نقدم القياس على النص. وهل يحتاج بعد النص إلى
قياس؟)) وكان رضى الله عنه يقول: ((نحن لا نقيس إلا عند الضرورة الشديدة، وذلك إنا
ننظر أولا فى دليل تلك المسألة من الكتاب والسنة وأقضية الصحابة، فإن لم نجد دليلا
قسنا حينئذ مسكوتا عنه على منطوق به بجامع اتحاد بينهما)) اهـ من "ميزان الشعرانى"
(ص-٥٣).
وروى السيوطى من تاريخ بخارى عن نعيم بن عمر قال: سمعت أبا حنيفة يقول:
((عجبا للناس يقولون: إنى أفتى بالرأى، ما أفتى إلا بالأثر)) اهـ. من تبييض الصحيفة
(١) وما ذكره البخارى عن نعيم بن حماد مما يدل على أبى سفيان قال: ذلك عند ما أتاه نعى أبى حنيفة فقد ذكرنا ما
فيه (المؤلف) .
صے

٦٠
مقدمة إعلاء السنن
(ص-٢٨). وفى مناقب القارئ عن أبى يوسف أنه كان إذا وردت حادثة قال الإمام: ((هل
عندكم أثر؟)). فإن كان عنده أو عندنا أثر أخذ به، وإن اختلف الاثار أخذ بالأكثر، وإلا
أخذ بالقياس اهـ (ص ٤٧٣).
وروى محمد بن محمد بن سلام البلخى عن يحيى بن نصير البلخى، قلت لأحمد
ابن حنبل: ما الذى تنقم على هذا الرجل؟ يعنى أبا حنيفة، قال: الرأى. قال: فقلت له:
هذا مالك بن أنس ألم يتكلم بالرأى؟ قال: نعم! ولكن رأى أبى حنيفة خلد الكتب.
فقلت: قد خلد رأى مالك الكتب؟ قال: أبو حنيفة أكبر رأيا منه فقلت له: فهلا تكلمتم
فى هذا بحصته وفى هذا بحصته؟ قال: فسكت اهـ. من "الجواهر المضيئة" (٢-١١٨).
وذكر فى "الخيرات الحسان" عن ابن عبد البر أيضًا، كما فى التعليق الممجد على موطأ
محمد (ص-٣٢). فتبين بذلك أن الكلام فى أبى حنيفة لأجل الرأى تحامل محض، لأنه
لم يسلم منه مجتهد قط كمالك والشافعى رضى الله عنهما. والمذموم إنما هو الرأى فى
معرض النص، وأبو حنيفة رضى الله عنه برئ منه.
قال الشعرانى فى "ميزانه": وأما ما نقل عن الأئمة الأربعة رضى الله عنهم أجمعين
فى ذم الرأى فأولهم تبريا من كل رأى يخالف ظاهر الشريعة الإمام أبو حنيفة النعمان بن
ثابت رضى الله عنه، خلاف ما يضيفه إليه بعض المتعصبين. ويا فضيحة يوم القيامة عن
الإمام! إذا وقع الوجه فى الوجه. فإن من كان فى قلبه نور لا يتجرأ أن يذكر أحدا من
الأئمة بسوء. وأين المقام من المقام؟ إذ الأئمة كالنجوم فى السماء وغيرهم كأهل الأرض
الذين لا يعرفون من النجوم إلا خيالها على وجه الماء.
وقد روى الشيخ محى الدين فى "الفتوحات المكية" بسنده إلى الإمام أبى حنيفة
أنه كان يقول: «إياكم والقول فى دين الله تعالى بالرأى، وعليكم باتباع السنة، فمن خرج
عنها ضل)). ودخل عليه مرة رجل من أهل الكوفة والحديث يقرأ عنده، فقال الرجل:
((دعونا من هذه الأحاديث)). فزجره الإمام أشد الزجر، وقال له: ((لولا السنة ما فهم أحد منا
القرآن)). وكان يقول: ((عليكم بآثار من سلف، وإياكم وآراء الرجال وإن زخرفوه بالقول،
فإن الأمر ينجلى حين ينجلى وأنتم على صراط مستقيم)). وقيل له مرة: ((قد ترك الناس