Indexed OCR Text
Pages 441-460
فوائد شية ١ - قال ابن تيمية في ((منهاج السنة)) (١): وقد جمَع الشافعي رحمه الله كتاباً فيه خلافُ علي وابن مسعود، لمَّا كان أهل العراق يناظرونه في المسألة فيقولون : قال علي وابن مسعود ، ويحتجون بقولهما، فجَمَع الشافعي كتاباً ذكرَ فيه ما تركوه من قول علي وابن مسعود ، وهذا كلامٌ مع علماء يحتجون بالأدلة الشرعية من أهل الكوفة . كأصحاب أبي حنيفة: محمد بن الحسن وأمثاله (٢). مناظرة الشافعي إنما كانت لمحمد بن الحسن وأصحابه ، ولم يدرك أبا يوسف فإِن أَكثرَ مناظرةٍ الشافعي كانت مع محمد بن الحسن وأصحابِه . لم يُدرك أَبا يوسف، ولا ناظره، ولا سَمِعَ منه ، بل تُوفي أَبو يوسف قبل أن يدخل الشافعي العراق ، توفي سنة ثلاث وثمانين - أَي ومئة - وقدم الشافعي العراق سنة خمس وثمانين ( أَي بعد (١). ٣ : ٢٦٥ (٢) فيه اعتراف بكون أصحاب أبي حنيفة يحتجون بالأدلة الشرعية ، لا بمجرّد القياس ، وبأن أهل العراق - أي الحنفية - كانوا يناظرون خصومهم بأقوال علي وابن مسعود ، لا بمجرّد الرأي . كما زعمه طائفة من منكري التقليد . ( ش ) . ٤٣٨ وفاة مالك ) . ولهذا إِنما يَذكر في كتبه أقوالَ أَبي يوسف عن محمد ابن الحسن عنه . اهـ . الرحلة المنسوبة للشافعي مكذوبة قلت : فالرحلةُ المنسوبة إلى الشافعي مختلَقَة قطعاً(١)، فقد ذكرَ فيها لقاءُ الشافعي أَبا يوسف ، ودخولُه العراق ومالكٌ حي . وعُلِمَ بهذا الكلام أَن بناءَ مذهب أبي حنيفة على أقوال ابن مسعود وعلي رضي الله عنهما عن النبي عَ لل وهي الأكثر ، أَو عن اجتهادهما . وإنما خالف أَبو حنيفة وأصحابُه ابن مسعود وعلياً في بعض المسائل ، حيث لاحَ لهم القوة في أقوال غيرهما من الصحابة . كما هو مبسوط في كتب أصحابنا ، والله أعلم . (١) قال الحافظ في ((اللسان)) في ترجمة (عبد الله بن محمد البلوي) ٣: ٣٣٨: قال الدار قطني: يضع الحديث، وهو صاحبُ ((رحلة الشافعي))، طولها ونمّقها، وغالبُ ما أورده فيها مُختلَق. ( ش). وانظر لإبطال هذه الرحلة المختلفة وشقيقة لها مثلُها كذباً كتاب ((فقه أهل العراق وحديثهم)» لشيخنا الكوثري ص ٩١ - ٩٢. وقد توسع رحمه الله تعالى في تفنيدهما في (( إحقاق الحق بإبطال الباطل في ((مغيث الخلق)) ص ١٠ - ١١، و((بلوغ الأماني)» ص ٢٨. و((حسن التقاضي)) ص ٥٤ - ٥٩ من طبعة حمص. و((تأنيب . الخطيب )» في مواضع متعددة . ٢ ٤٣٩ كلمات كاشفة في تفسير الثعلبي والواحدي والبغوي ورواياتهم ٢ - وقال أيضاً فيه(١): إِن مجرَّدَ عزو الحديث إلى تفسير الثعلبي، أَو نقْلَ الإِجماع على ذلك من غير العالِمين بالمنقولات الصادقين في نقلها : ليس بحجة باتفاق أهل العلم وإِن لم نعرف ثبوت إِسناده . فالجمهورُ أَهلُ السنة لا يُثبتون بمثل هذا شيئاً يريدون إثباته . لا حكماً ولا فضيلةٌ ولا غيرَ ذلك ، وكذلك الشيعة ، وإِذا كان هذا بمجرده ليس بحجة باتفاق كليهما بَطَل الاحتجاج به . وهكذا القول في كل ما نقله(٢) وعزاه إلى أَبي نُعَيم أَو الثعلبي أَو النفَّاش أَو ابن المغازي ونحوِهم ، فقد أجمع أهل العلم بالحديث أَن الثعلبي رَوى طائفة من الأحاديث الموضوعات ، كالحديث الذي يرويه في أول كل سورة عن أَبي أمامة في فضل تلك السورة ، ولهذا يقولون : هو كحاطب ليل ، وهكذا الواحدي تلميذه وأَمثالُهما من (١) أي في ((منهاج السنة))٤: ٣. ونَقَلَ العلامة عبد الحي اللكنوي في ((الأجوبة الفاضلة)) ص ١٠١ - ١١١ كلام الشيخ ابن تيمية الآتي هذا . في الثعلبي والواحدي والبغوي والنقاش وأبي نُعَيم وكُتُبهم، وعلّقتُ عليه هناك ما يعززه ويزيده شرحاً وفائدة، فانظره ففيه جُمَل من العلم حسنة ، ولولا أنها طويلة لعلقتها هنا : (٢) أي الشيعيّ صاحب كتاب ((منهاج الكرامة )) المردود عليه بكتاب ((منهاج السنة)). ٤٤٠ المفسرين ينقلون الصحيح والضعيف (١). ولهذا لما كان البغوي عالماً بالحديث، أَعلمَ به من الثعلبي والواحدي . وكان تفسيره مختصرَ تفسير الثعلبي .. لم يَذكر في تفسيره شيئاً من هذه الأحاديث الموضوعة التي يرويها الثعلبي . ولا ذكرَ تفاسير أهل البدع التي ذكرها الثعلبي ، مع أن الثعلبي فيه خَيْرٌ ودِين ، ولكنه لا خبرة له بالصحيح والسقيم من الأحاديث ، ولا يميز به السنة والبدعة في كثير من الأقوال . اهـ . يُرجَعَ في كل علم إلى أهله ورجاله ٣ - وقال أيضاً(٢): المقصودُ هنا أَنَّا نذكر قاعدة فنقول : المنقولاتُ فيها كثير من الصدق وكثير من الكذب ، والمرجعُ في التمييز بين هذا وهذا إلى علماء الحديث . كما نَرجِعُ إِلى النحاة في الفرق بين نحوِ العرب وغير نحو العرب ، ونَرجعُ إِلى علماء اللغة فيما هو من اللغة وما ليس من اللغة. وكذلك علماءُ الشعر والطبّ وغير (١) قال الحافظ في ((اللسان ))٣ : ٧٥ في ترجمة الحافظ الثّبْت (أبي القاسم الطبراني) صاحب ((المعاجم الثلاثة)) ما نصه : قد عاب عليه إسماعيلُ بن محمد بن الفضل جَمْعَه الأحاديث بالأفراد . مع ما فيها من النكارة الشديدة والموضوعات ، وفي بعضها القَدْحُ في كثير من الصحابة ، وغيرهم ، وهذا أمر لا يختص به الطبراني . فلا معنى الإفراده باللوم ، بل أكثرُ المحدثين في الأعصار الماضية . من سَنّةِ مئتين وهلمّ جرّاً . إذا ساقوا الحديث بإسناده . اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته، والله أعلم. اهـ . (ش ). (٢) أي الشيخ ابن تيمية في ((منهاج السنة)) ٤: ١٠ و١١. ٤٤١ ذلك، فلكل علم رجالٌ يُعرَفون به (١)., (١) لا شك في صحة هذا الكلام : أن لكل علم رجالاً يُعرَفون به، وأن. المرجع في معرفة الحديث إلى المحدثين ، ولكن منهم من هو منّت . أو متشدّد، أو متعصّب ، ومنهم من هو منصف معتدل في الجرح والتعديل ، فهذا ابن تيمية نفسه متشدّد في الجرح ، فقد قال الحافظ في ((لسان الميزان)) ٦ : ٣١٩ : ((وجدتُه كثيرَ التحامل إلى الغاية في ردّ الأحاديث التي يوردها ابنُ المطهّر ( الحلّ الرافضي ، مصنّف كتاب في فضائل علي رضي الله عنه ) ، وإن كان معظم ذلك من الموضوعات والواهيات ، لكنه رَدّ في رَدّه كثيراً من الأحاديث الجياد التي لم يستحضر مظانها حالة التصنيف ، لأنه كان لاتساعه في الحفظ يتكل على ما في صدره ،. والإنسان عائدٌ للنسيان ، وكم من مبالغة لتوهين كلام الرافضي أدّتْه أحياناً إلى تنقيص علي رضي الله تعالى عنه)). اهـ . قلت . ومما رَدّه ابن تيمية من الأحاديث الجياد في كتابه ((منهاج السنة )) حديثُ ردّ الشمس لعلي رضي اللّه تعالى عنه، ولمّا رأى الطحاويَّ قد حسّنْه وأثبته ، جَعَلَ يجرح الطحاوي بلسان ذَلْق وكلام طَلْق. وأيمُ اللّه إنّ درجةَ الطحاوي في علم الحديث فوق آلاف من مثل ابن تيمية ، وأين لابن تيمية أن يكون كتُرابٍ نعليه ! فمثلُ هؤلاء المتشدّدين لا يُحتجّ بقولهم إلا بعد التثبت والتأمل، واللّه تعالى أعلم . ( ش ) . قال عبد الفتاح: قولَةُ شيخنا المؤلف في حق الإمام ابن تيمية بالنسية للإمام الطحاوي رحمهما الله تعالى: (( وأين لابن تيمية أن يكون كتراب نعليه ؟)) . هي من كلمات علماء الهند ولهجتهم كما سمعتها منهم مزاراً . يقولونها في بيان التفاوت بين شخصينٍ فاضلٍ وأفضل . ٤٤٢ علوّ منزلة علماء الحديث وفضلهم على غيرهم والعلماءُ بالحديث أَجلُّ قدراً من هؤلاء ، وأعظمُهم صدقاً ، وأعلاهم منزلةً، وأكثرُهم دِيناً ، وهم من أعظم الناس صدقاً وأَمانة وعلماً وخبرةً فيما يذكرونه من الجرح والتعديل .. (ثم ذكّرٌ أسماء بعض المحدِّثين )، وقال : وأَمثالُ هؤلاءٍ خَلْقٌ كثير لا يُحصَى عددُهم ولا يقصدون بها الإزراء بالمفضّل عليه والانتقاص له، كما يتبادر لفهمنا نحن معشر العرب في الشام ومصر وغيرهما . وسيأتي في المقطع -١٢ - ص ٤٦١ من هذا الفصل قولُ شيخنا المؤلف حفظه الله تعالى ، عن نفسه في جانب بيان فضل ابن القيم تلميذ الشيخ ابن تيمية: ((فوالله لأن نَصيرَ ثُرابَ نعليه أرفعُ لمرتبتنا)). انتهى. وانظر عبارة شيخنا هناك ، فإنها أتمّ وضوحاً في الوجه الذي قلتُه . ومع معرفي بعادة علماء الهند وقصدهم من هذا التعبير ، كتبتُ إلى شيخنا المؤلف سلّمه الله تعالى، من ( المعتقل ) بوساطة بعض أصحابي الذين زاروني فيه ، بشأن كلمته هذه في الشيخ اين تيمية رحمه الله تعالى ، فكتب إليّ رعاه الله بخط يده ما يلي: (( وقد كنتُ أمرتُ بعض أصحابي أن يضربوا على هذه العبارة في حق الإمام ابن تيمية رحمه اللّه تعالى، ولكنه نسي وأنساني الشيطان أن أذكره . فاضربوا أنتم على هذه العبارة ، واكتبوا في الهامش : إن المؤلف قد رجع عن تلك العبارة . وكانت من هفوات القلم . وهو يستغفر الله ويتوب إليه من سوء الأدب في حق أئمة الإسلام ، ومنهم: الإمام ابن تيمية الحرّاني شيخ الإسلام ، رحمه الله تعالى وأدخله وإيانا. دار السلام ٤٤٣ من أهل العلم بالرجال والجرح والتعديل ، وإِن كان بعضُهم أَعلمَ بذلك من بعض ، وبعضُهم أَعدلُ من بعض في وزن كلامه ، كما أن الناس في سائر العلوم كذلك ، وهذا علمٌ عظيم من أعظم علوم الإِسلام . التفاوت في علوم الإسناد بين الرافضة والمعتزلة والخوارج والرافضه أقلهم معرفةٌ بذلك ولا ريب أن الرافضة أَقلُّ معرفة بهذا الباب ، وليس في أَهل البدع والأهواءِ أَجهلُ منهم به ، فإن سائر أهل الأهواء كالمعتزلة والخوارج يُقصِّرون في معرفة هذا ، لكن المعتزلة أعلم بكثير من الخوارج ، والخوارج أَعلم بكثير من الرافضة ، والخوارجُ أَصدقُ من الرافضة ، بل الخوارج لا نعرف عنهم أنهم يتعمَّدون الكذب ، بل هم من أصدق الناس، والمعتزلةُ مثلُ سائر الطوائف فيهم من يكذب وفيهم من يصدق ، ولكن ليس لهم من العناية بالحديث والمعرفة ما لأَهل الحديث والسنة، فإن هؤلاء لا يتدينون (١) فيحتاجون إلى أن يعرفوا ما هو الصدق . وأهل البدع سلكوا طريقاً أُخرى ابتدعوها واعتمدوها ، ولا يذكرون الحديث بل ولا القرآن في أصولهم إلا للاعتضاد لا للاعتماد . والرافضة أقل معرفة وعناية بهذا ، إِذْ كانوا لا ينظرون في الإسناد، ولا في سائر الأدلة الشرعية والعقلية ، هل توافق ذلك أو تخالفه ، (١) كذا جاء في الأصل وفي المصدر المنقول منه ، ولعلّه محرف عن (لا يتدينون بالنقليات ) ؟ أو نحو هذا . ٤٤٤ ولهذا لا يوجدُ لهم أسانيد متصلة صحيحة قط ، بل كل إسناد متصل لهم فلا بد أن يكون فيه من هو معروف بالكذب (١)، أَو كثرةِ الغلط . وهم في ذلك شبيه باليهود والنصارى ، فإنه ليس لهم إسناد الإسناد من خصائص الإسلام والإسنادُ من خصائص هذه الأمة، وهو من خصائص الإِسلام . ثم هو في الإِسلام من خصائص أهل السنة . والرافضة أقل عناية به ، إذا كانوا لا يُصدِّقون إلا بما يوافق أهواءهم، وعلامةُ كذبه أَنه يخالف هواهم ، ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي : أَهلُ العلم يكتبون ما لهم وما عليهم ، وأَهلُ الأُهواء لا يكتبون إلا ما لهم . اهـ . قلتُ : قولُ ابن مهدي هذا حَرِيَّ بأَن يُكتَب بماء الذهب . كثرة أنواع الكذب في المنقولات ٤ - وقال أيضاً (٢): فكلُّ من له أدنى علم وإنصافٍ يعلم أن المنقولات فيها صدق وكذب ، وأن الناس قد كذّبوا في المثالب والمناقب ، كما كذّبوا في غير ذلك ، وكذّبوا فيما يوافقه ويخالفه ، ونحن نعلم أنهم كذَبوا في كثير مما يروونه في فضائل أبي بكر وعمر وعثمان ، كما كذَبوا في كثير مما يروونه في فضائل علي ، وليس في أهل الأهواءِ أَكثرُ كذباً من الرافضة(٣)، فإن الخوارج لا يكادون (١) جاء في الأصل وفي المصدر المنقول منه: (ما هو معروف بالكذب ) فأثبته (من هو ) . (٢) أي الشيخ ابن تيمية في ((منهاج السنة)) ٤ : ١٢. (٣) انظر في ذلك ((الكفاية)) للخطيب البغدادي ص ١٢٦، و(نصب الراية)) الزيلعي ١ : ٣٥٧. 19 ٤٤٥ يكذبون بل هم من أصدق الناس مع بدعتهم وضلالهم . موقف أهل السنة من المنقولات هو الموقف الحق وأَما أَهلُ العلمِ فلا يُصدِّقون بالنقل ويُكذِّبون بمجرد موافقةِ ما يعتقدون . بل قد يَنقلُ الرجلُ أَحاديثَ كثيرة فيها فضائل النبي عَّحِ وأُمتِه وأصحابِه، فيردُّونَها لعلمهم بأنها كذب ، ويقبلون أحاديث كثيرة لصحتها وإن كان ظاهرها بخلاف ما يعتقدونه ، إما لاعتقادهم أنها منسوخة ، أَو لها تفسير لا يخالفونه ، ونحو ذلك . فالأَصلُ في النقل أَن يُرجعَ فيه إلى أَئمة النقل وعلمائه ، وأَن يُستدَل على الصحة والضعف بدليل منفصل عن الرواية ، فلا بد من هذا وهذا ، وإلا فمجرَّد قول القائل: رواه فلان، لا يَحتَجِّ به لا أَهلُ السنَّة ولا الشيعةُ، وليس في المسلمين من يحتجُّ بكل حديث رواه كل مصنِّف ، فكلُّ حديث يَحتجُّ به نطالبه مِن أَوَّلِ مَقَامٍ بصحته . اهـ . عادة المحدثين القدامى أن يرووا جميع ما في الباب صحيحاً أو ضعيفاً ٥ - وقال أيضاً(١): إنَّ أَبا نُعَيم (صاحب ((الحِلية))) رَوى كثيراً من الأحاديث التي هي ضعيفة بل موضوعة باتفاق علماءٍ أَهل الحديث ، وهو وإِن كان حافظاً ثقة كثير الحديث واسع الرواية ، لكن رَوى كما هو عادَةُ المحدِّثين أَمثالِهِ يروون جميعَ ما في الباب لأَجل المعرفة بذلك ، وإن كان لا يُحتَج من ذلك إلا ببعضه . (١) ٤ : ١٥ ٤٤٦ ذكر طائفة من العلماء لا يروون إلا عن ثقة عندهم والناسُ في مصنفاتهم منهم من لا يروي عمن يعلم أنه يكذب ، مثل مالك وشعبة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل ، فإن هؤلاء لا يروون عن شخص ليس بثقة عندهم ، ولا يروون حديثاً يعلمون أنه عن كذاب ، ولكن قد يتفق فيما يروونه ما يكون صاحبه قد أخطأً فيه . اهـ (١). اتبّاعُ بعض العلماء لبعض الصحابة فيما سَنُّوه ٦ - وقال أيضاً في ((منهاج السنة))(٢): فأحمدُ بن حنبل وكثيرٌ من العلماءِ يَتبعون علياً فيما سَنَّه ، كما يَتبعون عمر وعثمان فيما سَنَّه، وآخرون من العلماء كمالك وغيره لا يتبعون علياً فيما سَنَّه، وكلُّهم متفقون على اتِّباع عمر وعثمان فيما سَنَّاه. اهـ . بطلان نسبة كتاب «الحيل الإمام محمد » ٧ - قال ابن أبي الوفاء القرشي في ((الجواهر المضيّة)) في ترجمة ( ورَّاق)(٣): قال أبو سُلَيمان الجوزجاني: كذَبوا على محمد ( بن الحسن)، ليس له كتاب ((الحِيل))، إنما كتاب ((الحِيل)) للورَّاق. اهـ . قلت : والورَّاقُ لا يُدرَى من هو ؟ بطلان نسبة العمل بالحيل المحظورة إلى أحد من الأئمة والله دَرُّ الجوزجاني حيث نبَّهنا على الحقيقة ، وأَخرجنا عن (١) وتقدم مستوعباً ذكرُ من كان لا يروي إلا عن ثقة في المقطع - ١٢ - من الفصل السابع ص ٢١٦ - ٢٢٧ ، فانظره . (٢) ٣ : ٢٠٥ . (٣) ٢ : ٢٠٨ . ٤٤٧ عمياء الطريقة . فإِن كتاب ((الحِيل)) هذا - كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى (١) - : حِيَل دائرةٌ بين الكفر والفسوق. ولا يجوز أَن تُنسَب إلى أَحد من الأَئمة . ومن نسبها إلى أَحد منهم فهو جاهل بأصولهم ومقاديرهم ومنزلتهم من الإِسلام ، وإِن كان بعضُ هذه الحِيَل قد تَنفُذُ على أصول إِمام، ولكن هذا أمرٌ غيرُ الإِذن فيها وإِباحتِها وتعليمِها . فإِن إِباحَتَها شيءٌ، ونُفوذَها إِذا فُعِلت شيءٌ. ولو قُرِضَ أَنه حُكِيَ عن واحد من الأَئمة بعضُ هذه الحِيَل المجمّع على تحريمها : فإما أن تكون الحكاية باطلة ، أو يكون الحاكي لم يَضبط لفظَه، فاشتَبه عليه فتواه بنفوذها بفتواه بإِباحتها مع بُعدِ ما بينهما . ولا خلاف بين الأئمة أنه لا يجوز الإذن في التكلُّم بكلمة الكفر الغرض من الأغراض إِلا المُكرَه إِذا اطمأَنَّ قلبُه بالإِيمان . الحنفية أشدّ من غيرهم في تحريم الحيل المحظورة ثم إِن هذا على مذهب أبي حنيفة وأصحابه أَشد . فإِنهم لا يأذنون في كلماتٍ وأفعالِ دُونَ ذلك بكثير ، ويقولون : إِنها كفر ، حتى قالوا: لو قال الكافرُ لرجل : إِني أُريد أَن أُسْلِمَ فقال له : اصبر ساعة فقد كَفَر ، فكيف بالأمر بإنشاء الكفر ؟ وقالوا : لو قال : مُسَيْجِد. أَوْ صَغَّر لفظَ المُصْحَف كَفَر . فعلمتَ أَن هؤلاء المحتالين الذين يُفتُون بالحِيَل التي هي كفر أو (١) في ((إعلام الموقعين ٨ ٣ : ١٩٠ . : ٤٤٨ حرام، ليسوا بمقتدين بمذهب أَحد من الأئمة ، وأَنَّ الأَئمةِ أَعلمُ بالله ورسوله ودينِهِ وأتقى له من أن يفتوا بهذه الحِيل . اهـ . قلت : ومن نسَب هذه الحيل إلى الحنفية ، فقد اغتَرَّ بنِسبتها إلى الإمام محمد ، وقد علمتَ أَن هذه نسبة مكذوبة بالزُّور والبُهتان . تميُّزُ عبد الله بن مسعود من بين الصحابة بأصحابه وتحرير فتاواه ومذاهبه ، ثم بأصحابهم وأصحاب أصحابهم من فقهاء الكوفة والعراق ٨ - وقال ابن القيم في ((إعلام الموقعين))(١): وكما أن الصحابة سادَةُ الأُمة وأَئمتها ، فهم ساداتُ المفتين والعلماء . وقال محمد بن ابن جرير : لم يكن أَحدُ له أصحاب معروفون ، حرَّروا فتياه ومذاهِبَه في الفقه غيرَ ابن مسعود ، وكان يَترك مذهبه وقولَه لقول عمر ، وكان لا يكاد يُخالِفِه في شيء من مذاهبه ، ويرجع من قوله إلى قوله .. قال الشعبي : كان عبد الله لا يقنت - أَي في الفجر - قال : ولو قنَت عمر لقنَت عبد الله . ثم صارت الفتوى في أصحاب هؤلاء - الصحابةِ المذكورين - . فكان من المفتين بالكوفة: علقمةُ، والأَسود ، وعَمْرو بن شُرَحْبِيل ، ومسروق، وعَبِيدَة السَّلْماني، وشُرَيح القاضي، وسُوَيد بن غَفَلة، ... وغيرُهم ، وهؤلاءِ أَصحاب علي وابنٍ مسعود . ثم بعدهم إِبراهيمُ النَّخَعي ، وعامر الشعبي ، وسعيد بن جُبَير ، ... (١) ١ : ١٤ و٢٠ و٢٢ و٢٥ و٢٦ . ٤٤٩ وغيرُهم. ثم بعدهم حمَّد بن أبي سليمان، وسليمان بن المعتمر . والأعمش، ومِسْعَر بن كِدَام . ثم بعدهم محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وسفيان الثوري ، وأبو حنيفة ... وغيرهم . ثم بعدهم حفص بن غياث . ووكيع بن الجرَّاح ، وأصحابُ أبي حنيفة كأَبي يوسف القاضي ، وزُفَر ، وحمَّاد بن أبي حنيفة ، ومحمد بن الحسن قاضي الرَّقَّة، والحسن بن زياد اللؤلؤي القاضي . وعافيةً القاضي، وأَسد بن عَمْرو ، ونُوح بن دَرَّاج القاضي . اهـ . قلت : فيه دليل على كون أبي حنيفة وأصحابه أَعلَمَ الناس بالشريعة في زمانهم ، لكون مدار الإفتاء عليهم فيه ، وكان لا يُفتى في الزمن الماضي إلا من أحاط علماً بالقرآن والسنة وأقوالِ الصحابة مع إصابةٍ الرأي . تقديم العمل بفتوى الصحابي على العمل بالحديث المرسل عند أحمد والحنفية وقال أيضاً في بيان أُصول أَحمد في فتاواه(١) : وكان تحرّيه لفتاوى الصحابة كتحري أصحابه لفتاواه ، حتى إنه ليُقدِّم فتاواهم على الحديث المرسل . اهـ . قلت : وكذلك الحنفية يحتجون بأقوال الصحابة كثيراً ، كما لا يخفى على من مارس كتبهم (٢) . (١) ١: ٢٩ . وانظره ففيه جواب الإمام أحمد بذلك صراحة. (٢) وتقدمت الإشارة تعليقاً في ص ٩٦ إلى أن فتاوى الصحابة تقدم على القياس عند الحنفية إذا عارضها . ٤٥٠ ذكرُ القرون المشهود لها بالخيرية ٩ - قال الحافظ في ((الفتح)) (١) في شرح حديث ((خيرُ أُمَّتي قَرْني)» وشَكِّ الراوي أنه هل ذكَّرَ بعد قَرْنِهِ قرنينٍ أَو ثلاثةٌ ما نصُّه: ووقَعَ في حديث جَعْدَةَ بن هُبَيْرة عند ابن أبي شيبة والطبراني إِثباتُ القرن الرابع، ولفظُهُ: ((خَيرُ الناسِ قَرْني ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم، ثم الآخرون أَردَاً)). رجاله ثقات إِلا أَنَّ جَعْدَة مختلف في صُحبته. اهـ(٢). قلت : ولكن الراجح صُحبتُه ، فإنه ابنُ أُم هانىء بنت أبي طالب، رأى النبيَّ ◌َُّ وهو صغير، فكونه له رؤيةٌ حقٌّ. ومرسَلُ الصحابي حجة بلا شك ، وعندنا مرسَلُ التابعي أيضاً ، وعلى هذا : فيجوز لنا أن نحتج بمراسيل القرن الرابع أيضاً ، لاشتراكهم مع الثالث في العلّة التي بها قَبِلنا مراسيلهم (٣)، ومن أراد البسط في ترجمة (١) ٧ : ٦ . (٢) وقع لفظ الحديث في الأصل: ( خير القرون قرني ) . وهو سبق قلم من شيخنا المؤلف سلمه الله تعالى، فهو كما أثبتُّه (خيرُ الناسِ قرني) في ((فتح الباري)) المنقول عنه. وفي ((مجمع الزوائد)) للهيثمي ١٠: ٢٠، و((الجامع الصغير)) بشرح ((فيض القدير)) للمناوي ٣: ٤٧٩. و((الاستيعاب)) و((الإصابة)) في ترجمة (جعدة بن هبيرة ) . (٣) قلت : هذا توسّع غير ناهض ، فقد جاء ذكر (الخيرية ) للقرن الخامس أيضاً. كما في ((مجمع الزوائد)) ١٠: ١٩ من حديث (عبد الله ابن حَوَالة ). رواه أحمد وأبو يعلى بسندٍ رجالُه رجالُ الصحيح. ٤٥١ جَعْدة فليراجع ((الإصابة)) و((تهذيب التهذيب)). تميّزُ مسلم على البخاري بالمحافظة على اللفظ في الرواية ١٠ - قال الحافظ في ((الفتح)) أيضاً(١) في حديث ((لا يُصَلَيَنَّ أَحَدٌ العصرَ إلا في بني قُرَيظة)»(٢)، ما نصه: إِن البخاري كتَبَه من حِفظِهِ ، ولم يُراعِ اللفظ كما عُرف من مذهبه في تجويز ذلك ، (١) ٧ : ٣١٤ . (٢) رواه البخاري في كتاب المغازي، في (باب مرجع النبي عَ لٍّ من الأحزاب ) ٧ : ٣١٣ ، ورواه مسلم في كتاب الجهاد والسير . في (باب المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين) ١٢ : ٩٧ ولفظ البخاري: ((لا يُصلين" أحدٌ العصرَ ... )) .. ولفظ مسلم: ((لا يصلين" أحد الظهرّ ... )). روياه عن شيخ واحد ، وبإسناد واحد ، واللفظُ بينهما مختلف كما ترى . وقد استوفى الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) ٧ : ٣١٤ - ٣١٥ الكلام في ذلك. وبهذا البيان يتضحُ لك كلامُ الحافظ ابن حجر الذي نقله المؤلف . قال شيخنا بالإجازة الشيخ عبد الحي الكتاني رحمه اللّه تعالى في ((التراتيب الإدارية)) ١: ٤٠ ((والقاعدة عندهم أنه لا يُقدّم أحَدٌ على ((البخاري)) في العزو. ويعزون الحديث ! ((الصحيحين)) إذا إذا كان فيهما . ولكن يسوقون لفظه لمسلم ، لشدّة محافظته على الألفاظ النبوية )). انتهى . وقد وقع لفظ الحديث في الأصل هنا: ((لا يُصليَنّ أحد الظهر ... )). وهو رواية مسلم كما علمت، والكلامُ الآتي مبنيٌ على رواية البخاري ، فما وقع هنا سبقُ قلم ، ولذا عدّلتُه وأثبتّ رواية البخاري . ٤٥٢ بخلاف مسلم فإِنه يُحافظ على اللفظ كثيراً ، وإِنما لم أُجوِّز عكسَه الموافقة من وافق مسلماً على لفظه بخلاف البخاري . اهـ . قلت : وهذه مزية عظيمة لمسلم امتاز بها . كما امتاز بحُسن سِياقِهِ للحديث وجمعِه طُرقَه كلَّها في مكان واحد ، ومن هاهنا رجَّح بعضُهم ((كتاب مسلم)) على ((كتاب البخاري)). البخاري يجوّز رواية الحديث بالمعنى ، ومبنى رأي مالك في تقديم عمل أهل المدينة على خبر الآحاد إذا تعارضا وفيه : دليلٌ أيضاً على كون البخاري يُجوِّزُ رواية الحديث بالمعنى من غير رعاية اللفظ ، ولعلْ ذلك هو مَبْنَى رأْي مالكٍ في تركه أخبار الآحاد إِذا خالفت عملَ أَهلِ المدينة ، لأَن عمل أَهل المدينة في خَيْر القرون أَقوى في الاستناد إلى النبي ◌َِّ من خبر الواحِدِ الذي لا ندري أَضَبَط أُم لم يَضبِط ؟ وهل رَوَى الحديثَ بلفظه أَو بمعناه ؟ وهل فَهِم أُو لم يَفهم ؟ مبنى قول الحنفية : إن خبر الآحاد إذا عارض السنة المشهورة فهو شاذ و کذا إذا ورد في بلوی عامة وهو مَبْنَى قولِ الحنفية: إِنَّ أخبار الآحاد إنما تُقبَل إذا لم تُعارِض السُّنَّةَ المشهورة ، وإِذا خالفَتْها فهي شاذَّة، وكذا إِذا ورَدَتْ برواية الآحاد في بَلْوَى عامَّة، فإنَّ معرفةَ الواحد بحكم مثلِ هذه هذه الحادثة من بين الناس بَعيدةٌ . وقد قدّمنا الإِشارة إلى جميع ذلك ٤٥٣ عند ذكر الأُصول (١) الحديث الذي لم يُعرف في زمن الخلفاء الأربعة ولا في بلدان معادن السنة لا حجة فيه ، ولا يمكن أن یکون من ضروريات الدين إذا عرفتَ ذلك ، فكلُّ حديث لم يُعرَف في زمن الخلفاءِ الأربعة ، بل ولم يُعرَف في زمن الشيخين، بل بَحَثَ عنه المتأَخِّرون . وفتّشوا عنه بالارتحال إلى بلادٍ بعيدة وأرضٍ شاسعة ، ولم يكن له أثرٌ في أَهل الحجاز ، ولا أَهلِ المدينة ، ولا أَهلِ العراقَيْن، فلا حُجَّة فيه . وليس مِثلُ هذا الحديث من ضروريات الدين ، فإِن الإِسلام قد انتهى عُروجُه في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ثم منه إلى زمن الخلفاء الراشدين ، فكلُّ ما كان من ضروريات الدين لا بد وأن يظهر في زمنهم في بلادهم ، وإِذا خفي عنهم وعن أهل بلادهم ، وظهَرَ في بلد بعيدٍ وأَرضٍ شاسعة، فالظاهرُ كونه من الشواذ ، وعلى تقدير صحته ، فليس من ضروريات الدين ، وإنما هو من الزوائد ، ولذا قال معاوية رضي الله عنه : عليكم من الحديث بما كان في عهد عمر ، فإنه كان قد أَخاف الناسَ في الحديث عن رسول الله عَمِ (٢). ذكره الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٣) له عن ابن عُلَيَّة، عن رجاء (١) انظر المقطع - ٥ - و - ٦ - ص ١٢٥ وما قبلهما وما بعدهما من الفصل الرابع . (٢) أي فلم يُحدّث الناسُ في زمانه إلا بما حفظوه، ودعَتْ الضرورةُ إلى إظهاره، ولم يحدثوا بالزوائد . وبما لم يحفظوه . ( ش ) . . (٣) ١ : ٧ ٤٥٤ ابن أَبي سَلَمة أنه بلغه أَن معاوية ، فذكَرَه . اهـ . استيثاق عمر في رواية الحديث ، وإفادته أن تكثير الطرق لتقوية الحدیث أمر حسن وقد عُرِفَ من عادة عمر أنه كان إذا حدَّثه أَحدُ عن رسول الله يُخِ بما لا يعرفه ، قال له : هل معك من يشهد لك ؟ أو لأَفعلَنَّ بك . قال الذهبي(١): ففي هذا دليل على أن الخَبَر إذا رواه ثقتان كان أقوى وأَرجحَ مما انفرد به واحد(٢)، وفي ذلك حضرٌّ على تكثير طرق الحديث ، لكي يرتقي عن درجة الظنِّ إلى درجة العلم ، إذ الواحِدُ يجوز عليه النسيان والوَهَم ، ولا يكاد يجوز ذلك على ثقتين لم يخالفهما أَحد . اهـ . نقض زعم بعضهم أن أبا حنيفة لو عاش حتى دُوّن الحديث لترك کل قياس قاسه قلت : فلا حاجة إذن إلى القول: بأَن أبا حنيفة إنما كَثُرَ القياسُ في مذهبه لكونه في زمنٍ قبلَ تدوين الحديث ، ولو عاش حتى دُوِّنت أحاديث الشريعة ، وبعْدَ رحيل الحفاظ في جمعها من البلاد والثغور، وظَفِرَ بها لأَخَذَ بها ، وترَكَ كلَّ قياس كان قاسه : لأَّنا نقول لو ظَفِرَ الإِمام بها لم يأخذ منها إلا ما ظهر في عصر الخلفاءِ (١) أي في (تذكرة الحفاظ)) ١: ٦. (٢) قلت: بل فيه إشارة إلى أن كل حديث لم يعرفه عن النبي ع لِ إلا واحد ، فليس هو من ضروريات الدين ، فإن الضروريّات كان يُبلّغُها بطريق العموم دون الخصوص، والقرينةُ على ذلك قولُ عمر : أو لأفعلنّ بك . ( ش ) . ٤٥٥ الأَربعة ، وكلُّ ما ظهر من الحديث في زمنهم لم يفته منه شيءٌ ، لكونه محيطاً على علم الحجاز والمدينة والعراقَين ، يدل على ذلك كثرةُ شيوخه، وكونُه أَعلمَ الناس في زمانه بشهادة الأَئمة، كما مرَّ ذكره(١)، وما عداه فشاذٌّ ، أَو ليس مما يجب العمل به . وإِن سلَّمْنا أن الإِمام خفي عليه بعضُ الأحاديث التي يجب العمل بها شرعاً ، فنقول: إِن محمداً، وأبا يوسف، وزُفّر بن الهُذَيل. وابنَ المبارك ، والحسنَ بن زياد ، وغيرهم من أصحابه قد تأخروا إلى زمان تدوين الحديث . ثم الطحاويُّ ، والكرخيُّ ، والحاكم مؤلف ((الكافي)). وعبدُ الباقي بن قانع، والمستغفري، وابن الشَّرْقي، والزيلعي . وغيرُهم من حفاظ الحنفية ونقَّاد الحديث منهم تأخروا إلى كمال التنقير عن الحديث النبوي ، واطّلعوا على صحيحه وسقيمه ومشهوره وآحاده . فكل قياس من قياسات أبي حنيفة رأوه خلاف الحديث ، تركَهُ أَصحابُه كمحمد وأبي يوسف وزفر والحسن ، وخالفوا شيخَهم في شطر مذهبه . ومذهبُ الحنفية هو مجموع أقوال الإمامِ وأصحابِهِ هؤلاء . ثم المحدِّثون من الحنفية مِن بعدِهم رجَّحوا في بعض المسائل قولَ الشافعي ، وفي بعضها قولَ مالك ، وبعضِها قولَ أَحمد ، وأَفتوا بما ترجّح عندهم بالدليل . وهذا كله هو مذهب أبي حنيفة ، لكونه (١) في ص ٣٠٨ - ٣٣١ . ٤٥٦ جارياً على منواله وأُصوله التي بَنَى عليها مذهَبَه، منها تقديمُه النصَّ ولو ضعيفاً على القياس ، فلم يبق - والحمد لله - في مذهبنا قولٌ خلاف حديث إلا وعندنا حديث آخر يؤيدنا . والذي خالفناه ظاهراً فله عندنا تأويل لا نخالفه ، وكذلك الأئمةُ كلُّهم وأصحابُهم يفعلون . فلا يستطيع أَحدٌ أَن يَدَّعي العملَ بكل الأحاديث بجملتها . وإنما كلَّ يَعمل ببعضِها ، ويَترك بعضَها، إِما لكونه ضعيفاً عنده. أو مخالفاً للنص، أَو الخبرِ المشهور أَو المتواتر، أَو لكونه شاذّاً أَو معلَّلاً أو منسوخاً أَو مؤولاً بمعنى لا يدركه العامة ، ونحو ذلك . كلمة حسنة جامعة في مناقشة ذامّي التقليد ومانعيه هذا ، وأَما المنكرون للتقليد فلا يمكن منهم العملُ بالحديث على أَصلهم أصلاً، لأَن العمل به لا يمكن إلا بتقليد بعض العلماء في أَن هذا الحديث صحيح ، وهذا ضعيف ، وهذا يجْبُ العملُ به ، وهذا لا يجب به العمل، بل يجوز أَو يُستحب أَو يَحرُم الأَخذُ به . وهذا - كما ترى - كلُّه تقليد في الأحكام، فإِنَّ كون الحديث واجبٌ الأَخذُ به وبالعكس، أَو يَحرُمُ الأَخذُ به أَو بالعكس : من الأحكام حَنْماً . ولذا ذكَرَ الفقهاءُ بحثَ السُّنَّةِ قبولِها وردِّها والأَخذِ بها وتركِها وأحكامِ الرواة: في الفقه وأصوله ، لكونه مادَّة الأحكام، وهؤلاء ينكرون التقليدَ والقياسَ والاجتهادَ ( في الأَحكام رأْساً). فكيف يُقلِّدون المحدِّثين في هذه ؟ وكيف يجعلون ظنَّهم واجتهادَهم في