Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢١٧
٤ - وشعبة(١). صرَّح به الحافظ في خطبة ((تهذيب التهذيب)) .
٥ - وكذا سعيد بن المسيّب . ٦ - ومحمد بن سيرين . ٧ -
وإِبراهيم النخعي. قال في ((الجوهر النقي)) (٣): قال أَبو عُمَر في أوائل
((التمهيد))(٤): وكلُّ من عُرِفَ أَنه لا يأُخذ إلا عن ثقة، فتدليسُه
(١) وهذا على المشهور من تشدد شعبة. كما تقدم تعليقاً في كلام السخاوي
في ص ٢١٤ . ولذلك يقال : إذا رأيت في السند ( شعبة ) فاشدد يديك
عليه . ولكن التتبع ينفي أن يكون ذلك كلياً . فهو على الأكثر الأغلب
لا يحدث إلا عن ثقة. وقد أسند إليه الخطيب في ((الكفاية)) ص ٩٠
قوله: ((لو لم أحدثكم إلا عن ثقة، لم أحدثكم عن ثلاثين)). وتقدم
نقلُه في كلام السخاوي، وقال الحافظ ابن سيد الناس في فاتحة ((عيون
الأثر ١٤:١٨ (( وقد حدّث شعبة عن جابر الجُعْفي، وإبراهيم الحَجّري،
ومحمد بن عبيد اللّه العَرْزَمي، وغيرٍ واحد ممن يُضعَّفُ في الحديث)).
وفي ((نصب الراية)) ٤: ١٧٤ ((قال الخطيب : لقد أساء شعبة
حيث حدث عن محمد بن عبيد اللّه العرزمي)) . وقال الذهبي في
((الميزان)) ٣: ٦٢٥ ((هو من شيوخ شعبة المجمع على ضعفهم)). وفي
ترجمة (زيد العَمّي) في ((التقريب)): ((ضعيف)) وفي ((تهذيب
التهذيب)) ٣: ٤٠٨ ((قال ابن عدي: عامة ما يرويه ضعيف . على
أن شعبة قد روى عنه . ولعل شعبة لم يترو عن أضعف منه)).
(٢) ١: ٥. قال الحافظ ابن حجر فيه ١: ٤ - ٥ ((فإن كانت الترجمة
طويلة اقتصرتُ على من عليه رقم الشيخين مع ذكر جماعة غيرهم .
ولا أعدل عن ذلك إلا لمصلحة مثل أن يكون الرجل قد عُرف من حاله
أنه لا يروي إلا عن ثقة ، فإنني أذكر جميع شيوخه أو أكثرهم ،
كشعبة ومالك وغيرهما )) .
(٣) في كتاب الحج في ( باب المفرد والقارن يكفيهما طواف واحد وسعي
(٤) ١ : ٣٠ .
واحد ) ٥ : ١٠٩ .

٢١٨
وترسيلُه مقبول، فمراسيلُ سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وإِبراهيم
النخعي عندهم صحاح . اهـ .
٨ - قلت: وكذا يحيى بن معين وإن لم أَرَ من صرَّح بذلك، ولكن
شأنه أَجلُّ وأرفع من أَن يَرويَ عن غير ثقة ولا يُبينَه ، فإِنه كان يَذُبُّ
الكذب عن رسول الله صَ لئل ،وكان يجتمع مع أحمد وابن المديني ونظرائهم،
فكان هو الذي يَنتخب لهم الأحاديث لا يتقدمه منهم أحد، كما في
((التهذيب))(١) فجزاه الله عنا وعن سائر المسلمين خيرَ الجزاءِ وأَنمَّه
وأَفضله .
٩ - وكذا يحيى بن أبي كثير الطائي، قال أبو حاتم : يحيى
إمام لا يحدث إلا عن ثقة، كذا في ((التهذيب))(٢) .
١٠ - قلت: وكذا سفيان بن عيينة. فإنهم قبلوا تدليسه ، وما
ذلك إلا لتجنبه عن الضعفاء، كما مر (٣).
١١ - وكذا شيوخُ أحمد كلهم ثقات، قال الحافظ الهيثمي(٤) في
( ثابت بن الوليد بن عبد الله بن جُمَيع): رَوى عنه أَحمد، وشيوخُهُثقات (٥).
(١) ١١ : ٢٨٨ .
(٢) ١١ : ٢٦٩ .
(٣) في ص ١٥٨-١٥٩.
(٤) في ((مجمع الزوائد)) ١ : ٨٠ .
(٥) قلت : هذا غالبي لا كلي ، فقد روى أحمد عن ( عامر بن صالح )
و (علي بن مجاهد الكابلي) وأمثالهما من المتروكين والمتهمين بالكذب .
ففي ترجمة (عامر ) في ((الميزان ٨ ٢: ٣٦٠ ((قال أبو داود سمعت
يحيى بن معين يقول : جُنّ أحمد يحدث عن عامر بن صالح؟!)).

٢١٩
١٢ - قلت: وكذا شيوعُ إِمامنا الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه
وانظر بقية ترجمته في ((الميزان)).
وجاء في ترجمة (الكابُلي) في ((الميزان)) ٣: ١٥٢ ((كذّبه
يحيى بن الضُّرَيْس، ومشّاه غيره ، ووُثّق ، وقال ابن معين: كان
يضع الحديث)). وقال الحافظ ابن حجر في ((التقريب)): ((متروك،
وليس في شيوخ أحمد أضعف منه )) .
وجاء في ((خصائص المسند)) لأبي موسى المديني ، المطبوع في
أول ((المسند)) من طبعة أحمد شاكر ١: ٢٧، وفي ((مسوَّدة آل
تيمية في أصول الفقه)) ص ٢٧٥ (( قال عبد اللّه: قلت لأبي : ما تقول
في حديث رِبْعي بن حراش عن حذيفة ؟ قال : الذي يرويه عبد العزيز
ابن أبي رَوّاد ؟ قلت : نعم ، يصح ؟ قال : لا ، الأحاديثُ بخلافه ...
قلتُ: فقد ذكرتَه في ((المسند))؟ قال: قصدتُ في ((المسند)) الحديث
المشهور ، وتركتُ الناس تحت ستر اللّه تعالى ، ولو أردتُ أن أقصد
ما صح عندي، لم أرو من هذا ((المسند)) إلا الشيء بعد الشيء ... )).
وقال الحافظ ابن حجر في مقدمة ((تعجيل المنفعة)) ص ٦ (( مسند
أحمد ادَّعى قوم فيه الصحة ، وكذا في شيوخه . والحقّ أن أحاديثه
غالبها جياد ، والضعافُ منها إنما يوردها للمتابعات ، والقليل من
الضعاف والغرائب والأفراد ، أخرجها ثم صار يضرب عليها شيئاً
فشيئاً ، وبقي منها بعده بقية)) .
وقال المديني في ((خصائص المسند)) ١: ٢٧ ((ويروي أحمد في
غير ((المسند)) عمن ليس بذاك)). انتهى. وانظر لاستكمال هذا
الموضوع - إذا شئت - ما علّقتُه على ((الأجوبة الفاضلة)) للكنوي
ص ٩٥ - ١٠٠، وما علّقتُه على ((المنار المنيف)) لابن القيم ص
٥٢ - ٥٣ و ١٣٥ - ١٣٦ .
19-6 . وال الرد

٢٢٠
ثقات(١)
٠
قال الإِمام العلامة الشَّعْراني تلميذ الحافظ السيوطي في ((الميزان))(١)
ما نصه: وقد مَنَّ الله تعالى عليَّ بمطالعة ((مسانيد الإِمام أبي حنيفة))
الثلاثة ، من نسخة صحيحة عليها خطوط الحفاظ، آخِرُهم الحافظُ
الدمياطي ، فرأيته لا يروي حديثاً إلا عن خيار التابعين العدول الثقات ،
كالأَسود وعلقمة وعطاء وعكرمة ومجاهد ومكحول والحسن البصري
وأَضرابهم رضي الله عنهم أجمعين . فكلُّ الرواة الذين بينه وبين رسول
الله عَِّ عدول ثقات أَعلامٌ أَخيار، ليس فيهم كذَّاب، ولا مُنَّهَمٌ
بالكذب. وناهيك يا أخي بعدالة من ارتضاهم الإمام أبو حنيفة رضي
الله عنه لِأَن يَأْخَذَ عنهم أَحكامَ دينه مع شدَّة تورُّعه وتحرِّزه. اهـ .
قلت : تشديدُ الإِمام في باب الرواية معروف حتى قال : لا ينبغي
للرجل أَن يُحدِّث من الحديث إلا بما حفِظَه من يوم سمعه إلى يوم
يُحدِّثُ به ، رواه الطحاوي . - قال -: حدثنا سليمان بن شعيب ، نا
(١) هذا أيضاً على الأغلب الأكثر ، وإلا فسيأتي في أواخر الكتاب في المقطع
-٢- من (تتمة في مسائل شتى): (( ... روى أبو حنيفة عن جابر
الجعفي، وثبت عنه أنه قال : ما رأيت أكذب منه)). إلا أن يقال :
روى عنه ولم يسكت عليه . ومع هذا يبقى الأمرُ عندي أغلبياً لا كلياً
كما بينته في ص ٢١٦ و ٢١٧ .
(٢) ١ : ٦٨ .

٢٢١
أَبي، قال: أَملى علينا أَبو يوسف، قال: قال أبو حنيفة به . كذا في
((الجواهر المضية)) (١). وسيأتي(٢) ما يدلك على معرفة هذا الإِمام بالرجال
وتنقيده - أَي نقده ـــ لهم، فمن رَوى أبو حنيفة عنه ولم يُبيِّن فيه
جرحاً فهو ثقة .
١٣ - قلت: وكذا من رَوى عنه الإمام المعظم سيدُ الفقهاءِ، ورئيسُ
المحدثين وأَمير المؤمنين في علوم الشريعة في وقته محمد بن إدريس
الشافعي المطلبي عالم قريش، وسكت عنه فهو ثقة . فكان رضي الله عنه
من الأئمة الذين يُرجَع إليهم في الحديث وفي الجرح والتعديل .
وهذا وإِن خالَفَنَا فيه أصحابُه ولم يجعلوا روايته عن أحد توثيقاً له،
لروايته عن الأسلمي (٣) وهو مكشوف الحال، ولكنا نُجلُّه عن أن يروي
عن متهم ولا يُبيِّنَ حاله؛ فشأْتُه أَرفَعُ وأَعلى من ذلك . وأَما روايته عن
الأسلمي فإنه كان ثقة في الحديث عنده(٤)، وإن ضعّفه غيره، والشافعي
(١) ١ : ٣١ .
(٢) في الفصل التاسع أواخر الكتاب في ترجمة أبي حنيفة ، في مبحث ( أبو
حنيفة ناقد للحديث صاحب جرح وتعديل ) ..
(٣) هو ( إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي المدّني ).
(٤) قال الربيع : سمعت الشافعي يقول : كان قدرياً . قال ابن حيّويه!
فقلت للربيع : فما حمل الشافعيَّ على الرواية عنه ؟ قال : كان يقول :
لأن يخر من السماء أحبُّ إليه من أن يكذب ، وكان ثقة في الحديث .
انتهى من ((الميزان)) للذهبي، وانظر ترجمته فيه ١ : ٥٧ - ٦١٠ وفي
(تهذيب التهذيب)) لابن حجر ١ : ١٥٨ - ١٦١.

٢٢٢
رحمه الله قد خَبَره بنفسه وصَحِبه، فلعله وجد فيه ما سوِّغ له الرواية
عنه .
١٤ - وكذا كلُّ من رَوى عنه ابنُ أبي ذئب ثقة إِلا أَبا جابر
البَيَاضي، قاله ابنُ مَعين وأحمد بن صالح، كذا في ((تهذيب التهذيب))(١)
١٥ - وكذا من حدَّث عنه النسائيُّ فهو ثقة. قال الذهبي في
((الميزان))(٣) عن الخطيب في ترجمة ( أَبي الوليد أَحمد بن عبد الرحمن
البُسْري): وأَبو الوليد ليس حاله عندنا ما ذكر أبو بكر الباغَنْدي عن
السكري ، بل كان من أهل الصدق، حدَّث عنه النسائي، وحَسْبُك به . اهـ
١٦ - قلت: وكذا من أُخرَجَ له النسائي في ((المجتبى)) وسكت عنه
فهو حُجَّة ، فإنَّ له شرطاً في الرجال أَشدَّ من شرط البخاري ومسلم . قال
الحافظ ابن حجر: حكى أبو الفضل بن طاهر قال: ( سأَلتُ ) سعد بن
على الرَّنْجاني (٣) عن رجل فوثّقه فقلت له: إن النسائي لم يَحتجّ به،
فقال: يا بُنَّيَّ إِنَّ لأَبي عبد الرحمن شرطاً في الرجال أَشدَّ من شرط
البخاري ومسلم . كذا في ((زهر الربى))(٤) .
١٧ - وكذا كلّ من حدَّث عنه البخاري فهو ثقة، فانه لا يروي إلا
(١) ٩ : ٣٠٥ .
(٢) ١ : ١١٥ .
(٣) وقع في الأصل وفي ((زهر الربى)): (الريحاني). وهو تحريف .
تصويبه عن ((شروط الأئمة الستة)) لابن طاهر المقدسي بتحقيق شيخنا
الکوثري ص ١٨ .
(٤) ١ : ٤ .

٢٢٣
عن ثقة عنده لا في ((الصحيح)) ولا في غيره ، فقد روى محمد بن أبي حاتم
عنه قال : كتبتُ عن أَلفٍ وثمانين نفساً ، ليس فيهم إِلا صاحبُ
حديث. وقال أيضاً: لم أَكتب إِلا عمن قال: الإِيمان قولٌ وعملُ (١).
كذا في ((متقدمة الفتح)) (٢) .
١٨ - وكذا كلّ من ذكره البخاري في ((تواريخه)) ولم يَطعن فيه
فهو ثقة، فإِنَّ عادته ذكرُ الجَرْح والمجروحين، قاله ابن تيمية (٣) . كذا
(١) هذا لا دخل له في التوثيق، وإنما ذكره شيخنا المؤلف سلمه الله تعالى
تبعاً لذكر الحافظ ابن حجر له تبعاً لمذهبه في المسألة .
(٢) ص ٤٧٩ و ٢ : ١٩٤ .
(٣) إذا أُطلق ( ابن تيمية) فيراد به : شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين
أحمد بن عبد الحليم ، رحمه الله تعالى . وقائل هذا الكلام هو أبو
البركات مجد الدين عبد السلام بن عبد الله ابن تيمية المتوفى سنة ٦٥٢ ،
وهو جد شيخ الإسلام ابن تيمية. ونصّ عبارة الشوكاني ((قال ابن
القيم في ((الهدي)) ١ : ٢٦٩: وفي إسناده (عكرمة بن إبراهيم).
وقد أعلّه البيهقي بانقطاعه عنه وتضعيفه عكرمة . قال أبو البركات
ابن تيمية : ويمكن المطالبة بسبب الضعف، فإن البخاري ذكره في
((تاريخه)) ولم يَطعن فيه، وعادَتُه ذكر الجرح والمجروحين)).
انتهى . وهذا التوثيق ضمني - لا صريح - كما هو ظاهر .
وقد مشى على هذا أيضاً الحافظ ابن حجر في ((تعجيل المنفعة)).
فتراه يقول في كثير من المواضع: ((ذكره البخاري ولم يذكر فيه
جرحاً ))، انظر منه ص ٢١٩ و ٢٢٣ و٢٢٥ و٢٥٤ .
وسيأتي في المقطع ١٢ و ٤٥ من (تتمة في مسائل شتى ) النص
أيضاً على هذه الاستفادة من أن سكوت ابن أبي حاتم وأبي حاتم وأبي
زرعة عن جرح الراوي توثيق له .

٢٢٤
في ((نيل الأوطار))(١).
١٩ - وكذا كلُّ من حدَّث عنه مسلم أو أخرج له فهو ثقة، فإنه
لا يَروي أيضاً إلا عن ثقة عنده، ولا يَحتجّ إلا بثقة .
٢٠ - وكذا أبو داود ، قال الخطيب البغدادي: وما احتَجَّ البخاري
ومسلم وأبو داود به من جماعةٍ عُلِمَ الطعنُ فيهم من غيرهم: محمولٌ
على أنه لم يَثبت الطعنُ المؤثرُ مفسَّرَ السبب. كذا في مقدمة ((مسلم))
للنووي (١). وقال ابن القطان: وأبو داود إنما يروي عن ثقة عنده كذا
في ((الزيلعي )) (٣) .
٢١ - قلت: وكذا من سکت أبو داود عن حديثه في ((سننه )) فهو
صالح، قال الذهبي في ((الميزان)) في ترجمة (إبراهيم بن سعيد المدني)(٤) عن
نافع: منكّرُ الحديث غيرُ معروف، وله حديثٌ واحد في الإِحرام ، أُخرجه
أبو داود وسكت عنه، فهو مقارَّبُ الحال . اهـ . فجعله مقارِبَ الحال
لسكوت أبي داود عنه . وقد مَرَّ(٥) أَن سكوت أبي داود مشعر بصلاحية
الحديث للاحتياج به، فكذا بصلاحية رجاله، والله أعلم .
٢٢) (" قلت: وكذا بَقِيِّ بن مَخْلَد لم يَرو إلا عن ثقة، قال الحافظ
في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة (أحمد بن جَوَّاس الحنفي)(٦) ما نصه:
ورَوى عنه بَقِيّ بن مَخْلَد، وقد قال: إنه لم يُحدِّثْ إلا عن ثقة. اهـ .
(١) في (باب من اجتاز في بلد فتزوّج فيه فليُمَّ) ٣: ١٧٩.
(٢) ١: ٢٥. (٣) يعني ((نصب الراية)) ١ : ١٩٩
(٤) ١ : ٣٥ .
(٥) في ص ٨٣ وما بعدها، ومرَّ معه نقدُ هذا الإطلاق
(٦) ١ : ٢٢

٢٢٥
٢٣ - وكذا شيوخ حَرِيز بن عثمان، كلُّهم ثقات. صَرَّح به
الحافظ في ((اللسان)) (١).
٢٤ - وكذا شيوخ الطبراني الذين لم يُضعَّفوا في ((الميزان)) ثقاتُ.
صرَّح به الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١).
قلت: وبناؤُّه في ظني على ما ذكره الذهبي في ديباجة ((الميزان)) (١):
ولم أَر من الرأي أَن أَحذف اسم أحد ممن له ذِكرٌ بتليينٍ مَّا في كتب
الأَئمة المذكورين(٤)، خوفاً من أَن يُتعقَّب علي، لا أَني ذكرتُه لضعف
فيه عندي. اهـ. وإلا فلم نجد في ((الميزان)) ما يدل على خصوصية شيوخ
الطبراني الذين لم يذكروا فيه بالتوثيق، فالظاهرُ أَن الهيثمي إِنما حَكَمَ
بتوثيقهم أخذاً من عموم هذا القول، وعلى هذا فيجوز لنا الحكمُ بتوثيق
كل راوٍ لم يُضَعَّف في ((الميزان)) بهذا الأصل، سواء كان من شيوخ
الطبراني أم لا(٥) .
(١) ٢ : ٣٦٠
(٢) ١ : ٨
(٣) ١ : ٢
(٤) أي وهم أصحاب ((الكتب الستة)).
(٥) يضاف إلى هؤلاء الذين قيل فيهم : (لا يروي إلا عن ثقة ) من
تقدَّم ذكرُهم تعليقاً عن السخاوي في مص ٢١٤ أو ذكرهم شيخنا المؤلف
هنا: ما يلي - والتتبع ينفي الحصر - :
١ - القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، أحد فقهاء المدينة
السبعة، ففي ((سنن الدارمي)) في (باب التورع عن الجواب) ١ : ٤٦

٢٢٦
هذا، وقد ذَكَرَ الحافظ في آخر ((لسان الميزان)) عقيبَ ( فصل
قوله متورعاً عن جواب فيما لا يعلم : ((إن أشد من ذلك أن أفّي بغير
علم ، أو أروي عن غير ثقة)) .
٢ - محمد بن جُحادة الأودي. ففي ترجمته في ((تهذيب
التهذيب)) ٩: ٩٢ ((عن أبي داود : كان لا يأخذ عن كل أحد ،
وأثنى عليه )) .
٣ - أبو الهُذّيل محمد بن الوليد بن عامر الزَّبيدي الحمصي القاضي.
ففي ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) ٩: ٥٠٣ ((قال الإمام أحمد :
كان لا يأخذ إلا عن الثقات)).
٤ - يزيد بن هارون . وسيأتي في ترجمة الإمام أبي يوسف
أواخر الكتاب ((قال محمود بن غيلان : قلت ليزيد بن هارون : ما
تقول في أبي يوسف ؟ قال : أنا أروي عنه)).
٥ - علي بن المديني. ففي ((تهذيب التهذيب)) ٩: ١١٤ ((قال
أبو العرب القيرواني : إن أحمد وعلي بن المديني لا يرويان إلا عن
مقبول )) .
٦ - أبو زرعة الرازي. ففي ((لسان الميزان)) في ترجمة (داود
ابن حماد البلخي) ٢ *٤١٦ ((قال ابن القطان: حاله مجهول. قلتُ
- أي ابن حجر - بل هو ثقة ، فمن عادة أبي زرعة أن لا يحدث إلا
عن ثقة )) .
٧ - أبو بكر محمد بن إسحاق الصاغاني شيخ الجماعة إلا البخاري.
المترجم له في ((تهذيب التهذيب )) ٩ : ٣٥. ففي ترجمة الواقدي فيه
٩ : ٣٦٦ قوله: ((لولا أن الواقدي عندي ثقة ما حدثت عنه)).

آ
۔
٢٢٧
المتفرقات)(١) ما معناه: أَن كلَّ راوٍ لا يوجد في ((اللسان)) ولا في ((تهذيب
التهذيب)) له فهو إما ثقة أَو مستور. اهـ .
قلت: وقد قدَّمنا (٢) حكمَ المستور عند الحنفية فليراجع .
البدعة نوعان مؤثرة في رد الرواية وغير مؤثرة
١٣ - وأَما البدعة فالموصوف بها إما أن يكون ممن يُكفَّر بها، أَو
يُفسَّقِ.
فالمكفَّرُ بها لا بد أن يكون ذلك التكفير متفقاً عليه من قواعد
جميع الأَئمة (٣)، كما في غُلاة الروافض من دعوى بعضهم حُلولَ الإلهية
في علي أَو غيره، أَو الإِيمانَ برجوعه إلى الدنيا قبل يوم القيامة، ( أَو
وقوعَ التحريف في القرآن، أَو نسبةَ التهمة إِلى السيدة عائشة الصديقة
رَضِيَ الله عنها، ولَعَنَ قاذفَها . فروايةُ مثل هؤلاءِ مردودة قطعاً ).
والمفسَّقُ بها كبِدَع الخوارج والروافض الذين لا يَغْلُون ذلك الغلو،
وغيرِ هؤلاءٍ من الطوائف المخالفين لأصول السنة خلافاً ظاهراً ، لكنه
(١) ٦ : ٨٦٦ .
(٢) في ص ٢٠٤ و ٢٠٨ .
(٣) قال السيوطي في ((التدريب)) ص ٢١٦ في بيان اشتراط أن يكون التكفير
متفقاً عليه من قواعد جميع الأئمة: ((قال الحافظ ابن حجر : ذلك لأن
كل طائفة تدعي أن مخالفتها مبتدعة ، وقد تبالغ فتكفّر مخالفيها . فلو
أُخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف. والمعتمد أن
الذَي تَرُّد" بدعتُهُ روايته من أنكر أمراً متواتراً من الشرع . معلوماً
من الدين بالضرورة ، أو اعتقد عكسه)).

٢٢٨
مستند إلى تأويلٍ ظاهرُه سائغ، فقد اختَلَف أَهلُ السنة في قبولِ حديثٍ
مَن هذا سبيلُه إذا كان معروفاً بالتحرز من الكذب، مشهوراً بالسلامة
من خوارم المروءة، موصوفاً بالديانة والعبادة، فقيل: يقبل مطلقاً(١)،
(١) أي ولو داعية. وقد مشى على هذا القول الحافظ ابن حجر في بعض كتبه،
إذ قال في ختام كلامه السابق الذي نقلتُ بعضه عن السيوطي في التعليقة
السابقة: ((وأما من لم يكن كذلك - أي من لم ينكر معلوماً من الدين
بالضرورة ... - وانضم إلى ذلك ضبطُه لما يرويه مع ورعه وتقواه :
فلا مانع من قبوله)). انتهى من ((التدريب)) ص ٢١٦ . فلم يذكر
في شروط قبوله : كونه غير داعية ، وأقره السيوطي .
فالظاهر أن للحافظ ابن حجر في هذه المسألة رأيين : القبول مطلقاً
في البدعة غير المكفرة ... ، والتفصيل الذي سيأتي عنه ، والله أعلم .
وقد نقَلَ العلامة الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى في تعليقه على
((اختصار علوم الحديث)) ص ١١٠ - ١١١ قولَ الحافظ ابن حجر
هذا المطلق، ثم قال: ((وهذا الذي قاله الحافظ هو الحق الجدير
بالاعتبار ، ويؤيده النظر الصحيح)) .
ثم حكى الشيخ شاكر اشتراط بعضهم لقبول رواية المبتدع : أن
لا يكون ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه ، واشتراط بعضهم فيه :
أن لا يكون داعية إلى بدعته ، ثم قال رحمه الله تعالى :
((وهذه الأقوال كلها نظرية ، والعبرة في الرواية بصدق الراوي
وأمانته والثقة بدينه وخُلُقه . والمتتبع لأحوال الرواة يرى كثيراً من
أهل البدع موضعاً للثقة والاطمئنان ، وإن رووا ما يوافق رأيهم ،
ويرى كثيراً منهم لا يوثق بأي شيء يرويه ، ولذلك قال الحافظ الذهبي
في ((الميزان)) في ترجمة ( أبان بن تغلب الكوفي) ١: ٥ ((شيعي
جَلْد، لكنه صدوق، فلنا صدقُه، وعليه بدعتُه، وقد وثّقه أحمد

٢٢٩
ابن حنبل وابن معين وأبو حاتم)). ثم قال - أي الحافظ الذهبي - :
((فلقائل أن يقول : كيف ساغ توثيقُ مبتدع ؟ وحدّ الثقة :
العدالةُ والإتقان ، فكيف يكون عدلاً وهو صاحب بدعة ؟ وجوابه
أن البدعة على ضربين :
فبدعةٌ صغرى، كغلوّ التشيّع، أو التشيع بلا غلو ولا تحرّق ،
فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق . فلو رُدّ
حديث هؤلاء لذهبت جملةٌ من الآثار النبوية ، وهذه مفسدة بيّنة .
ثم بدعة" كبرى، كالرفض الكامل والغلوّ فيه، والحطّ على أبي
بكر وعمر رضي الله عنهما، والدعاء إلى ذلك؛ فهذا النوع لا يُحتَجّ
بهم ولا كرامة . وأيضاً فما أستحضِرُ الآن في هذا الضرب رجلاً
صادقاً ولا مأموناً ، بل الكذبُ شِعارُهم، والتقيّةُ والنفاق دِثارُهم .
فكيف يُقبَلُ نقلُ من هذا حالُه ؟! حاشا وكلاً .
فالشيعي الغالي في زمان السلف وعُرفهم : هو من تكلّم في عثمان
والزبير وطلحة ومعاوية وطائفةٍ ممن جارى علياً رضي الله عنه ، وتعرّض
لسبهم .
والغالي في زماننا وعُرفنا : هو الذي يُكفّرُ هؤلاء السادة، ويتبرأ
من الشيخين أيضاً ، فهذا ضالٌ مُفْتّرٍ)).
والذي قاله الذهبي مع ضميمة ما قاله ابن حجر فيما مضى : هو
التحقيق المنطبق على أُصْول الرواية، والله أعلم)). انتهى كلام الشيخ
أحمد شاكر رحمه الله تعالى .
وقد ذكر السيوطي في ((التدريب)) ص ٢١٧ عن الحافظ العراقي
أنه اعتُرض على اشتراط أن لا يكون داعيةً بأنّ الشيخين احتجا
بالدعاة مثل عمران بن حطّان وغيره ، ثم أجاب الحافظ العراقي عن

٢٣٠
وقيل: يرد مطلقاً . والثالثُ التفصيلُ بين أن يكون داعية لبدعته أو
غير داعية ، فيُقْبِلُ حديث غير الداعية، ويُردُّ حديث الداعية .
وهذا المذهب هو الأُعدل وصارت إليه طوائف من الأئمة، وادَّعى
ابنُ حِبَّان إِجماع أهل النقل عليه، لكن في دعوى ذلك نظر. ثم اختَلَف
القائلون بهذا التفصيل فبعضُهم أَطلَقَ ذلك. وبعضهم زاده تفصيلاً
فقال : إِن اشتملت رواية غير الداعية على ما يشيد بدعتَه ويُزينُه ويُحسِّنُه
ظاهراً فلا تُقبَل، وإن لم تشتمل فتُقبَل. كذا في ((مقدمة الفتح))
للحافظ
ذلك بما لا يخرجه عن كونه داعية ، وهو موضع الشاهد في إيرادي
له هنا .
ثم قال السيوطي رحمه الله تعالى في ص ٢١٩ (( فائدة : أردت أن
أسرد هنا من رُمي ببدعة ممن أخرج لهم البخاري ومسلم أو أحدهما )).
ثم سمّهم ، فبلغ عدّدُ من رُمي بالإرجاء ١٤ ، ومن رُمي بالنّصْب
٧ . ومن رُمي بالتشيع ٢٥، ومن رُمي بالقدر ٣٠. ومن رُمي برأي
جَهْمٍ ١. ومن رُمي برأي الحَرُوريّة وهم الخوارج ٢. ومن رُمي
بالوقف ١ . ومن رمي بالحرورية من الخوارج القَعّدية ١ . ومجموعهم
٨١ رجلاً .
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في (( هدي الساري )) ص ٤٦٠
و ٢ : ١٧٩ من رُمي من رجال البخاري بطعن في الاعتقاد ، فبلغوا
٦٩ راوياً .
(١) ص ٣٨٢ و٢: ١١١. ونحو هذا التفصيل للذهبي في ((الميزان ))٢٧:١.

٢٣١
وقال في ((قفو الأَثر)) (١): وعندنا - أَي الحنفية - إِن أَدَّتْ إِلى
الكفر لم تُقبَل روايةُ صاحبها وفاقاً لأَكثر الأُصوليين، وإِن أَدَّتْ إلى
الفسق فقيل: قُبِلَتْ روايةُ صاحبها إِذا كان عدلاً ثقةً غير داعية. اهـ .
وصرَّح فيما بعد بكون هذا هو المختار .
قال الحافظ في ((مقدمة الفتح))(٢): واعلم أنه قد وقع من جماعةٍ
الطعنُ في جماعة بسبب اختلافهم في العقائد، فينبغي التنبهُ لذلك وعدم
الاعتداد به إلا بحق .
وكذا عاب جماعةٌ من الورعين جماعةً دخلوا في أمر الدنيا فضعَّفوهم
لذلك، ولا أثر لذلك التضعيف مع الصدق والضبط ، والله الموفق .
وأَبعَدُ من ذلك كلِّه من الاعتبار تضعيفُ من ضَعَّفَ بعضَ الرواة
بأمرٍ يكون الحمل فيه على غيره، أَو للتحاملِ بين الأقران .
وأَشدُّ من ذلك تضعيفُ من ضعَّف من هو أَوثقُ منه، أَو أَعلى قدراً،
أَو أَعرفُ بالحديث، فكلُّ هذا لا يُعتبَر به . اهـ .
(١) ص ٢١ .
(٢) ص ٣٨٢ و٢ : ١١٢ .

٢٣٢
فائدة
الإرجاء على نوعين ، والتشيع على نوعين
قال الحافظ في ((مقدمة الفتح)) (١): فالإِرجاءُ بمعنى التأخير، وهو
عندهم على قسمين :
منهم من أراد به: تأخيرَ القول في الحكم في تصويب إحدى
الطائفتين اللَّتَيْنِ تقاتلوا بعد عثمان.
ومنهم من أراد: تأخيرَ القول في الحكم - على من أتى الكبائِرَ وتَرَكَ
الفرائض- بالنار، لأن الإِيمان عندهم الإقرار والاعتقاد، ولا يَضرِّ العملُ
(٢)
مع ذلك(٢) .
والتشيّعُ محبّةُ عليٍّ وتقديمُه على الصحابة ، فمن قدَّمه على أبي بكر
وعمر فهو غالٍ في تشيعه، ويطلق عليه رافضي(٣)، وإلا فشيعيّ ، فإن انضاف
(١) ص ٤٥٩ و ٢ : ١٧٩ .
(٢) هكذا هي العبارة في ((مقدمة الفتح)) في طبعتيها : البولاقية والمنيرية .
وهكذا هي أيضاً في النسخة المخطوطة من ((مقدمة الفتح)» التي عليها
خط المؤلف الحافظ ابن حجر ، وسبق وصفها تعليقاً في ص ٢٠٠ .
والظاهر أن المراد من العمل هنا هو : إتيانُ الكبائر وتركُ الْرائض .
(٣) جاء في ((العبر)) للذهبي ١: ١٥٤، و((تاج العروس)) للزبيدي في
مادة (رفض) ما خلاصته: ((الرافضة فرقة من الشيعة كانوا بايعوا
زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رحمهم الله تعالى ، ثم قالوا
له : تبرّأ من الشيخين أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - نقاتل معك.
فأنى وقال : كانا وزيرَيْ جدّي ◌ِ ◌ِّ فلا أبرأ منهما. أنا مع وزيرَيْ

٢٣٣
إلى ذلك السبُّ أَو التصريحُ بالبُغض فغالٍ في الرفض ، وإِن اعتَقَدَ الرجعة
إلى الدنيا فأَشدُّ في الغلوّ . اهـ .
وقال في ((التهذيب)) (١): التشيّعُ في عرف المتقدمين هو اعتقادُ
تفضيل علي على عثمان، وأَنَّ علياً كان مصيباً في حروبه، وأَنَّ مخالِفَه
مخطىءٌ، مع تقديم الشيخين وتفضيلهما . وربما اعتَقَد بعضهم أن علياً
أَفضلُ الخلق بعد رسول الله عَلَّلِ، وإذا كان معتقِدُ ذلك وَرِعاً ديناً
صادقاً مجتهداً، فلا تُرَدُّ روايته بهذا لا سيما إن كان غير داعية . وأَما
التشيّعُ في عرف المتأخرين فهو الرفض المحض ( أَي السبَّ والشتم ) فلا
تُقبَل رواية الرافضي الغالي ولا كرامة . اهـ .
قلت: ولا يخفى أن الإرجاء بالمعنى الأول ليس من الضلالة في
شيء، بل هو - والله - الورَعُ والاحتياط . والسكوتُ عما جرى في
الصحابة وشجَرَ بينهم أولى، فليس كل من أُطلِقَ عليه الإِرجاءُ متهماً
جدي ، فقالوا : إذاً نَرْفُضُك، فتركوه ورفضوه وارْفَضّوا عنه - أي
تفرقوا عنه - ، فمن ذلك الوقت سُمّوا : الرافضة ، والنسبة رافضي .
وقالوا : الروافض ولم يقولوا : الرُّفَّاض، لأنهم. عَنوا الجماعات.
وسُمّيْت شيعةُ زيد: الزيدية)). انتهى .
وهذا النصّ يفيد أن الرفض هو التديّنُ ببُغْض الشيخين رضي
اللّه عنهما، لا تقديمُ علي رضي اللّه عنه عليهما بالمحبة ، كما هو كلام
الحافظ ابن حجر ، فتأمل ، وانظر ما تقدم تعليقاً في ص ٢٢٩
من كلام الحافظ الذهبي ، إذ يفهم منه تفسير الرفض بأشد من تقديم
علي على الشيخين رضي الله عنهم ، والله أعلم .
(١) ١ : ٩٤ .

٢٣٤
في دينه وخارجاً عن السنة ، بل لا بُدَّ من الفحص عن حاله ، فإن كان
لإِرجائه أَمْرَ الصحابة - الذين تقاتلوا فيما بينهم - إِلى الله ، وتوقّفِهِ عن
تصويب إحدى الطائفتين ، فهو من أهل السنة ومن حزب الورعين
حتماً، ومن أُطلِقَ عليه ذلك لقوله بعدمُ إِضرار المعاصي، فهو الذي
يُتّهم في دينه .
وفي ((شرح المقاصد)) للتفتازاني(١): اشتَهَر من مذهب المعتزلة أَن
صاحب الكبيرة بدون التوبة مخلَّد في النار ، وإن عاش على الإِيمانِ
والطاعة مِئةً سنة(٢)، ولم يفرقوا بين أنْ تكون الكبيرة واحدةً أَو كثيرةً،
واقعةً قبلَ الطاعات أَو بعدها أَو بينها، وجعلوا عدمَ القطع بالعقاب
وتفويضَ الأَمر إلى الله - يغفر إن شاءَ أَو يُعذِّبُ ، على ما هو مذهب
أَهل الحق .- إرجاءٌ بمعنى أَنه تأخيرٌ للأمر، وعدَمُ جزمٍ بالعقاب والثواب.
وبهذا الاعتبار جُعِلَ أَبو حنيفة وغيرُه من المرجئة . اهـ .
وقال ابن حجر المكي في الفصل السابع والثلاثين (٣) من كتابه
((الخيرات الحسان)): قد عَدَّ جماعةٌ الإِمامَ أَبا حنيفة من المرجئة ، وليس
هذا الكلام على حقيقته .
أَما أَولاً: فلأَّنه قال شارح ((المواقف)): كان غسَّان المرجىُ ينقلُ
(١) ٢ : ٢٣٨ .
(٢) لفظ (الطاعة) زيادة من ((شرح المقاصد)).
(٣) وقع في الأصل تبعاً لما في ((الرفع والتكميل)): (السابع والعشرين).
وهو سبق قلم، صوابه: (السابع والثلاثين)، كما في ((الخيرات
الحسان )) ص ٧٣ .

٢٣٥
الإِرجاءً عن أبي حنيفة ويَعُدَّه من المرجئة. وهو افتراءُ عليه، قصَدَ به
غسان ترويجَ مذهبه بنسبته إلى هذا الإِمام الجليل .
وأَما ثانياً: فقد قال الآمدي: إِنَّ المعتزلة كانوا في الصدر الأول
يُسمُّون مَنْ خالفَهم في القَدَر: مُرجِئاً، أَو لأنه لمَّا قال : الإِيمانُ لا يزيد
ولا ينقص، ◌ُنَّ بهِ الإِرجاء بتأخير العمل من الإِيمان. اهـ (١) .
قلت : وإِطلاقُ الإِرْجاءِ من المحدِّثين على من لا يقول بزيادةِ الإِيمان
ونقصانه، ولا بدخول العمل في حقيقته: كثيرٌ، وهو ليس بطعن في
الحقيقة (٢)، على ما لا يخفى على مهَرَة الشريعة، فإن النزاع في ذلك
لفظي، كما حقَّقه المحققون من الأولين والآخرين(٣).
(١) من ((الرفع والتكميل)) ص ٢٢٧ وما بعدها ملخصاً.
(٢) قال الحافظ الذهبي في ((الميزان)) ٤: ٩٩ (( الإرجاء مذهب لعدة من
جلّة العلماء ، لا ينبغي التحامل على قائله)).
(٣) وقد أوضحه خيرَ إيضاح شيخُ شيوخنا الإمام الكشميري رحمه الله
تعالى في كتابه العظيم ((فيض الباري على صحيح البخاري)) ١ : ٥٣ -
٥٤ فقال: ((الإيمان عند السلف عبارة عن ثلاثة أشياء : اعتقاد ،
وقول . وعمل . وقد مرّ الكلام على الأولين أي التصديق والإقرار.
بقي العمل ، هل هو جزء للإيمان أم لا ؟
فالمذاهب فيه أربعة ، قال الخوارج والمعتزلة : إن الأعمال أجزاءٌ
للإيمان ، فالتارك للعمل خارج عن الإيمان عندهما . ثم اختلفوا :
فالخوارجُ أخرجوه عن الإيمان، وأدخلوه في الكفر . والمعتزلةُ لم
يدخلوه في الكفر ، بل قالوا بالمنزلة بين المنزلتين .
والثالث : مذهبُ المُرجئة، فقالوا : لا حاجة إلى العمل ، ومدارُ

٢٣٦
النجاة هو التصديق فقط ، فصار الأوّلون والمرجئة على طَرّفي نقيض .
والرابع : مذهبُ أهل السنة والجماعة ، وهم بينَ بين ، فقالوا :
إن الأعمال أيضاً لا بد منها ، لكن تاركها مفسَّقٌ لا مكفَّر ، فلم
يُشدّدّوا فيها كالخوارج والمعتزلة ، ولم يُهوّنوا أمرّها كالمرجئة .
ثم هؤلاء - أي أهل السنة - افترقوا فرقتين، فأكثرُ المحدّثين
إلى أن الإيمان مركب من الأعمال . وإمامُنا الأعظم رحمه اللّه تعالى
وأكثرُ الفقهاءِ والمتكلمين إلى أن الأعمال غيرُ داخلة في الإيمان ، مع
اتفاقهم - جميعاً - على أنّ فاقِدَ التصديق كافر ، وفاقِدَ العمل
فاسق ، فلم يبق الخلاف إلا في التعبير ، فإن السلف وإن جعلوا الأعمال
أجزاءً لكن لا بحيث ينعدم الكلّ بانعدامها ، بل يَبْقى الإيمانُ مع
انتفائها .
وإمامُنا - أبو حنيفة - وإن لم يجعل الأعمال جزءاً لكنه اهتمّ بها ،
وحرّض عليها ، وجعلّها أسباباً سارية في نماء الإيمان ، فلم يَهدرها
هدرّ المرجئة ، إلا أن تعبير المحدثين القائلين يجزئية الأعمال ، لمّا كان
أبعد من المرجئة المنكرين جزئية الأعمال، بخلاف تعبير إمامنا الأعظم
رحمه الله تعالى ، فإنه كان أقرب إليهم من حيث نفيُ جزئية الأعمال :
رُسِيَ الحنفية بالإرجاء ، وهذا كما ترى جَوْر علينا ، فالله المستعان .
ولو كان الاشتراك - مع المرجئة - بوجه من الوجوه التعبيرية
كافياً لنسبة الإرجاء إلينا ، لزِمَ نسبةُ الاعتزال إليهم - أي إلى المحدّثين
فإنهم - أي المعتزلة - قائلون يجزئية الأعمال أيضاً كالمحدّثين ، ولكن
حاشاهم من الاعتزال ، وعفا الله عمن تعصّب ونسَبَ إلينا الإرجاء .
فإنّ الدين كلّه نُصْح لا مراماة" ومنابذة بالألقاب ، ولا حول ولا
قوة إلا بالله العلي العظيم)). انتهى .
=