Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
ج - ١٨
کتاب الحیل
التحليل، والعينة، وهدية المقترض، فماذا يقولون فى التحيل لإسقاط حقوق المسلمين، بل لإسقاط
حقوق رب العالمين، وإخراج الإيضاع والأموال من ملك أربابها، وتصحيح العقود الفاسدة
والتلاعب بالدین.
والجواب عنه أن هذا تلبيس وتدليس؛ فإنا لا نقول بجواز كل حيلة، وتحريم بعض الحيل
الأمور مختصة بها لا يدل على تحريمها مطلقا، ولا توجد فيها مفسدة شرعية، فلا يكفى هذا التقرير
المحمل لإبطال الحيل، بل ينبغى أن يبين فساد كل حيلة جوزها الأئمة بأدلة تفصيلية من الكتاب،
والسنة، والإجماع، والقياس، حتى ينظر فى وجه الدلالة، فاندفع هذا التدليس والتلبيس بحذافيره.
ثم نقول: إن قول عمر رضى الله عنه: بأنی لا أوتی بمحلل ومحلل له إلا رجمتهما، لا يدل
على بطلان نكاح التحليل، وكونه زنا موجبا للحد، وإلا لما ترك المرأة مع كونها زانية، وإنما قال ما
قال سياسة، سدا لباب هذا النكاح الصحيح فى نفسه القبيح لعارض كونه خلاف المروة وكونه
أفعال الدناءة، كما يدل عليه لعن المحلل والمحلل له، وإفتاء ابن عمر وغيره بعدم تحل المرأة نكاح
التحليل يمكن أن يكون سياسة سدا للباب، ويمكن أن يكون مبنيا على الحقيقة، وعلى كل تقدير
لا حجة له فيه، أما على الأول فظاهر، وأما على الثانى فلأن اجتهاد مجتهد لا يكون حجة على
مجتهد آخر، وقد دل الدلائل الشرعية على صحة هذا النكاح مع الكراهة؛ لأنه عقد صدر من أهل
فى محل مع الشرائط، فكيف لا يكون صحيحا؟ وقد أشار النبى معَّ ◌ُّه إلى صحة النكاح، وكون
الناكح محللا، والزوج الأول محللا له فى قوله: ((لعن الله المحلل والمحلل له))؛ لأنه لا يسمى محللا
حقيقة إلا بعد أن يتحقق منه التحليل، وهو لا يكون إلا بالنكاح الصحيح، فيلزم أن يكون النكاح
صحيحا، وتأويل المحلل بمن يريد التحليل مجاز، فلا يجوز الذهاب إليه مع عدم القرينة الصحيحة،
وما جعلوه قرينة فهو مجرد تخيل لا تحقيق.
ومسألة قبول الهدية من المقترض مبنية على كون الهدية ربا أو رشوة، وكذا مسألة العينة
بنسيئة على كونها مشتملة على ربا، ومسألة طلاق المبتوتة مبنى على إبطال الحق الثابت، لا على
كونها حيلة لإبطال الحق؛ لأنه لو لم ينو إبطال الحق، بل طلقها لغرض آخر لا تحرم من الميراث
أيضا، ولو طلق فى الصحة بقصد أن لا ترث بعده لا ترث، ولا يؤثر هذه النية شيئا، فدل ذلك على
أن المسألة ليست مبنية على فساد النية بل على أمر آخر، وهو تعلق حق الورثة بماله، فلا حجة فى
هذه المسائل له.
.

٤٤٢
کتاب الحیل
إعلاء السنن
ثم قال ابن القيم: والذين ذكروا الحيل لم يقولوا: إنها كلها جائزة، وإنما أخبر أن كذا حيلة
هو طريق إلى كذا، وقد يكون الطريق محرمة، وقد يكون مكروهة، وقد يكون مختلفا فيها. وهذا
الكلام حق، ومقتضاه أن لا يشتغل بإبطال الخيل على الإطلاق. بل ينبغى أن يتكلم على كل حيلة
قال بجوازها قائل على وجه التفصيل، لكنه لم يفعل ذلك بل قصد إبطال الحيل رأسا، وهو مناقض
لهذا الكلام، فافهم
قال العبد الضعيف: ثم أطال بعض الأحباب الكلام فى الجواب عن إيرادات ابن القيم على
المحتالين. فأجاد وأفاد، ولكنه قد أقذع فى شأن ابن القيم إقذاعا لا يحسن من الأصاغر فى حق
الأكاير، وإن كان ذلك جزاء لإقذاعه فى شأن الأئمة فى بعض المسائل، ولكن ما لا نستحسنه منه
لا يستحسنه منا، فإن سوء الأدب عاقبته وخيمة، وجريمته عظيمة، فرأيت حذف الإيرادات
وأجوبتها أحسن وأجمل، لا سيما وابن القيم لم يرد بالرد على أصحاب الحيل الرد على الحنفية،
ولا على أصحاب المذاهب؛ لتصريحه بأن هؤلاء المحتالين ليسوا بمقتدين بمذهب أحد من الأئمة،
وهذا نصه: ولا يجوز أن ننسب هذه الحيل إلى أحد من الأئمة، ومن نسبها إلى أحد منهم فهو
جاهل بأصولهم ومقاديرهم ومنزلتهم من الإسلام، وإن كان بعض هذه الحيل قد تنفذ على أصول
إمام بحيث إذا فعلها المتحيل نفذ حكمها عنده، ولكن هذا أمر غير الإذن فيها، وإباحتها وتعليمها،
فإن إباحتبها. شىء، ونفوذها إذا فعلت شىء، ولا يلزم من كون الفقيه والمفتى لا يبطلها أن يبيحها
ويأذن فيها، وكثير من العقود يحرمها الفقيه ثم ينفذها ولا يبطلها، (كالطلقات الثلاث فإن إيقاعها.
جملة مكروه تحريما، ولكنه ينفذها ويوقعها إذا أوقعت جملة) ولكن الذى تدين الله به تحريمها.
وإبطالها وعدم تنفيذها ومقابلة أربابها بنقيض مقصودهم موافقة لشرع الله تعالى وحكمته وقدرته.
والمقصود أن هذه الحيل لا يجوز أن تنسب إلى إمام، فإن ذلك قدح فى إمامته، وذلك
يتضمن القدح فى الأمة حيث أيتمت بمن لا يصلح للإمامة، وهذا غير جائز. ولو فرض أنه حكى
عن واحد من الأئمة بعض هذه الحيل المجمع على تحريمها، فإما أن تكون الحكاية باطلة، أو يكون
الجاكى لم يضبط لفظه، فاشتبه عليه فتواه بنفوذها بفتواه بإباحتها مع بعد ما بينهما، ولا خلاف بين
الأمة أنه لا يجوز الإذن فى التكلم بكلمة الكفر لغرض من الأغراض إلا المكره إذا اطمأن قلبه
بالإيمان، ثم إن هذا على مذهب أبى حنيفة وأصحابه أشد؛ فإنهم لا يأذنون فى كلمات وأفعال دون
ذلك بكثير، ويقولون: إنها كفر، حتى قالوا: لو قال الكافر لرجل: أريد أن أسلم، فقال له: اصبر

ج - ١٨
كتاب الحيل
٤٤٣
ساعة. فقد كفر، فكيف بالأمر بإنشاء الكفر؟ وقالوا: لو قال مسيجد، أو صغر لفظ المصحف،
كفر، فعلمت أن هؤلاء المحتالين الذين يفتون بالحيل التى هى كفر أو حرام ليسوا بمقتدين
بمذهب أحد من الأئية، وأن الأئمة أعلم بالله ورسوله ودينه، وأتقى لهم من أن يفتوا بهذه
الجيل اهـ ملخصًا (٧٨:٢).
فالعجب من بعض الأحباب كيف ينابذ عن هؤلاء المحتالين الذين يذكرون الحيلة للمرأة التى
يأبى زوجها من طلاقها واختلاعها أن ترتد عن الإسلام وتبين منه؟ ولا شك أن من وضع هذا
الکتاب فهو كافر، ومن سمع ورضى به فهو كافر، ومن حمله من كوة إلى كوة فهو كافر، ومن
كان عنده فرضى به فهو كافر، والأئمة المقتدى بهم فى الدين وأصحابهم براء منه باليقين. وقد
ذكرنا فى المقدمة عن ابن أبى الوفاء القرشى أنه ذكر في "الجوهر" عن الجوزجاني فى ترجمة
وراق: كذبوا على محمد بن الحسن، ليس له كتاب الحيل، إنما كتاب الحيل للوراق اهــ أى
وهو مجهول لا يعرف، فمن نسب هذه الحيل إلى الحنفية فقد اغتر بنسبتها إلى الإمام محمد،
وقد علمت أن هذه نسبة مكذوبة مفتراة بالزور والبهتان، وحاشا محمدا أن يكتب أمثال هذه الحيل
بقلمه، أو يرويها ويحكيها عن غيره بفمه.
وفى "بلوغ الأمانى" للأستاذ الكوثرى: أنه طبع حديثا كتاب فى المخارج والحيل باسم
محمد بن الحسن، وهو المقيد باسم أبى يوسف بدار الكتب المصرية، وقد قال ابن أبى العوام:
سمعت ابن أبى عمران يقول: سمعت محمد بن الحسن يقول عن كتاب فى المخارج والحيل كان
يتداوله بعض الناس: هذا الكتاب ليس من كتبنا، وإنما ألقى فيها اهـ (٦٥).
قلت: سند صحيح لا غبار عليه؛ فلا يجوز نسبة مثل هذا الكتاب إلى محمد، ولا إلى أبى
حنيفة، أو أحد من أصحابه، فافهم.
اختلف الناس فى كتاب الجيل أنه من تصنيف محمد رحمه الله أم لا، كان أبو سليمان
الجوزجاني ينكر ذلك، ويقول: من قال: إن محمدا - رحمه الله - صنف كتابا سماه "كتاب
الحيل" فلا تصدقه، وما فى أيدى الناس فإنما جمعة وراقوا بغداد، وقال: إن الجهال ينسبون علماءنا
إلى ذلك على سبيل التعيير، فكيف يظن بمحمد رحمه الله أنه سمى شيئا من تصانيفه بهذا الاسم؛
ليكون ذلك عونا للجهال على ما يتقولون؟ اهـ (٢٠٩:٣٠).
هذا هو الأصح عندنا؛ لكون أبي سليمان الجوز جانى أعرف الناس بمحمد وكتبه؛ لكونه

٤٤٤
کتاب الحیل
إعلاء السنن
روايته، ولثقته وعدالته فيما يرويه، ولا عبرة بتصحيح السرخسى قول أبى حفص: إنه من تصنيف
محمد، وكان يروى عنه ذلك متمسكا بأن الحيل فى الأحكام المخرجة عن الإمام جائزة عند العلماء
أهـ. لأن جواز الحيل لا يدل على كون كتاب الحيل على ما هو عليه من تصنيف محمد كما لا
يخفى، لا سيما وبعض حيله لا ينطبق على مذهب الحنفية أصلا، وبعضها مما لا يجوز نسبته إلى
أحد من الأئمة أبدا.
وأيضا فقد عرف من مذهب محمد - رحمه الله- أنه كان يكره الحيلة مطلقا، وإنما وسع
فيها أبو يوسف - رحمه الله - إذا كان الرجل يتخلص بها من الحرام، أو يتوصل بها إلى الحلال
بطريق مشروع، وإذا احتال فی حق لرجل حتی یبطله، أو فى باطل حتى موهه، أو فى حق حتى
يدخل فيه شبهة، فهو مكروه بالاتفاق، فقول محمد بكراهة الحيلة مطلقا يأبى أن يكون صنف فيها
کتابا يدعو الناس إليها، فافهم.
قال الحافظ فى "الفتح": الحيلة ما يتوصل بها إلى مقصود بطريق خفى، وهى عند العلماء
على أقسام بحسب العامل عليها، فإن توصل بها بطريق مباح إلى إبطال حق أو إثبات باطل فهى
حرام، أو إلى إثبات حق أو دفع باطل فهى واجبة أو مستحبة، وإن توصل بها بطريق مباح إلى
سلامة من وقوع فى مكروه فهى مستحبة أو مباحة، أو إلى ترك مندوب فهى مكروهة. ووقع
الخلاف بين الأئمة فى القسم الأول هل يصح مطلقا وينفذ ظاهرا وباطنا، أو يبطل مطلقا، أو يصح
مع الإثم؟ ولمن أجازها مطلقا أو أبطلها مطلقا أدلة، فمن الأول (أى من أدلة الإجازة) قوله تعالى:
﴿وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث﴾. وقد عمل به رسول الله عَ ليه فى حق الضعيف الذى
زنا، وهو من حديث أبى أمامة بن سهل فى السنن. ومنه قوله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له
مخرجا﴾ وفى الحيل مخارج من المضائق، ومنه مشروعية الاستثناء (فى قوله تعالى: ﴿ولا تقولن
لشىء إنى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله﴾)، فإنه فيه تخليصا من الحنث، وكذلك الشروط كلها؛
فإن فيها سلامة من الوقوع فى الحرج. ومنه حديث أبى هريرة وأبى سعيد فى قصة بلال: (بع
الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنیبا)).
ومن الثانى (أى من أدلة الإبطال) قصة أصحاب السبت، وحديث: ((حرمت عليهم الشحوم
فأحلوها فباعوها وأكلوا ثمنها)) (وقد مر الجواب عنهما بأنه لم يكن من باب الحيلة، بل من باب
التعنت فتذكر) وحديث لعن المحلل والمحلل له (وقد مر أنه ليس من باب الحيلة فى شىء لكون

ج - ١٨
کتاب الحیل
٤٤٥
التزوج بزوج آخر شرطا للعود إلى الزوج الأول نصا، وهذا هو التحليل بعينه، فلا يجوز القول
بحرمة التحليل على إطلاق، ولا يكون المحلل والمحلل له ملعونين مطلقا، وإنما نهى الشارع عن جعل
التحليل حرفة يحترف بها الرجل ويكتسب حتى يعرف بها، ويكون ذلك وصفا له. ولا يخفي
على أحد أنه خلاف الغيرة، ولذا شبهه بالتيس المستعار).
قال: والأصل فى اختلاف العلماء فى ذلك اختلافهم هل المعتبر فى صيغ العقود ألفاظها
أو معانيها، فمن قال بالأول أجاز الحيل. ثم اختلفوا فمنهم من جعلها تنفذ ظاهرا وباطنا فى جميع
الصور أو فى بعضها، ومنهم من قال: تنفذ ظاهرا لا باطنا. ومن قال بالثانى أبطلها، ولم يجز منها
إلا ما وافق فيه اللفظ المعنى الذى تدل عليه القرائن الحالية، وقد اشتهر القول بالحيل عن الحنفية؛
لكون أبى يوسف صنف فيها كتابا (قلت: لم يصنف فيها أبو يوسف شيئا، ولا محمد بن الحسن،
وكتاب الحيل الذى بأيدى الناس إنما هو لمكحول الوراق، ولا يدرى من هو؟ نسبه من لا معرفة له
إلى محمد بن الحسن مرة وإلى أبى يوسف أخرى، وكلاهما بريئان منه).
قال: لكن المعروف عنه وعن كثير من أئمتهم تقييد إعمالها بقصد الحق، قال صاحب
"المحيط": أصل الحيل قوله تعالى: ﴿وخذ بيدك ضغثا﴾ الآية، وضابطها إن كان للفرار من الحرام
والتباعد من الإثم فحسن، وإن كانت لإبطال حق مسلم فلا، بل هى إثم وعدوان اهـ (٢٩٠:١٢).
قلت: ولا يخفى أن إبطال حقه إنما يكون بعد ثبوته لا قبله، فلا يرد على أبى يوسف إجازته
الحيلة لإبطال الشفعة قبل تحقق شرائطها، فافهم.
قال الحافظ: ونقل (١) أبو حفص الكبير راوى " كتاب الحيل" عن محمد بن الحسن أن
محمدا قال: ما احتال به المسلم حتی یتخلص به من الحرام أو یتوصل به إلى الحلال فلا بأس به،
وما احتال به حتى يبطل حقا أو يحق باطلا أو ليدخل به شبهة فى حق فهو مكروه، والمكروه عنده
إلى الحرام أقرب اهـ (٢٩٤:١٢).
ومن لطائف الحيل ما رواه الخصاف وغيره عن أبى حنيفة - رحمه الله- أن بعض من كان
(١) قلت: لم يثبت ذلك عن أبى حفص بسند متصل به، وإنما ذكره المصنفون فى كتبهم، كما ذكروا إنكار أبى سليمان
الجوزجانی علی ذلك وتكذيبه لمن يقول: إن محمدا صنف كتابا سماه "الحيل"، فلا يجوز لأحد نسبته إليه إلا بدليل ناهض،
وسند صحيح مقطوع به، ودونه خرط القتاد، ولأن محمدا أجل من أن يصنف حيلا لا يرضى مسلم بتعليمها وكتابتها، مع ما
عرف من مذهب محمد أنه كان يكره الحيلة مطلقا، كما مر، فتدبر، ظ.

٤٤٦
كتاب الحيل
إعلاء السنن
يتأذى منه أبو حنيفة جرى بينه وبين زوجته كلام، فامتنعت من جوابه، فقال: إن لم تكلمينى الليلة
فأنت طالق. فسكتت وامتنعت من كلامه، فخاف أن يقع الطلاق إذا طلع الفجر، فطاف على
العلماء - رحمهم الله فى الليل، فلم يجد عندهم فى ذلك حيلة، فجاء إلى أبى حنيفة - رحمه.
الله- وذكر له ذلك، فقال: هل أتيت أستاذك؟ فجعل يعتذر إليه ويقول: لا فرج لى إلا من قبلك،
فقال للرجل: ارجع إلى بيتك حتى آتيك فأتشفع لك، فرجع الرجل إلى بيته، وجاء أبو حنيفة فى
إثره، فصعد مأذنة محلته وأذن، فظنت المرأة أن الفجر قد طلع، فقالت: الحمدلله الذى نجانى منك،
فجاء أبو حنيفة - رحمه الله- إلى الباب وقال: قد برت يمينك، وأنا الذى أذنت أذان بلال -رضى
الله عنه- فى نصف الليل.
وذكر فى مناقب أبى حنيفة حكاية وقعت لبعض الأشراف بالكوفة، وكان قد جمع العلماء
-رحمهم الله - لوليمة وفيهم أبو حنيفة، وهو فى عداد الشباب يومئذ، فكانوا جالسين على المائدة
إذ سمعوا ولولة النساء، فقيل: ماذا أصابهن؟ فذكروا أنهم قد غلطوا، فأدخلوا امرأة كل واحد
منهما على صاحبه، ودخل كل واحد منهما الذى أدخلت عليه، وقالوا: إن العلماء على مائدتكم
فسألوهم عن ذلك، فسألوا، فقال سفيان الثورى - رحمه الله -: قضى فيها على -رضى الله عنه-
على كل واحد من الزوجين المهر، على كل واحدة منهما العدة، فإذا انقضت عدتها دخل بها
زوجها، وأبو حنيفة رحمه الله- ينكت بإصبعه على طرف المائدة كالمتفكر فى شىء، فقال له من
إلى جانبه: أبرز ما عندك، هل عندك شىء غير هذا؟ فغضب سفيان الثورى، فقال: هل يكون عنده
بعد قضاء على - رضى الله عنه- يعنى فى الوطئ بالشبهة؟ فقال أبو حنيفة - رحمه الله -: على
بالزوجين، فأتى بهما، فسأل كل واحد منهما أنه هل تعجبك المرأة التى دخلت بها؟ قال: نعم (أى
وسأل كل واحدة من المرأتين هل ترضى بمن دخل بها بعلا لها فقالت: نعم) ثم قال لكل واحد
منهما: طلق امرأتك (التى عقدت عليها) تطليقة، فطلقها، ثم زوج كل واحد منهم المرأة التى دخل
بها، وقال: قوما إلى أهلكما على بركة الله تعالى. فقال سفيان - رحمه الله -: ما هذا الذى صنعت؟
فقال: أحسن الوجوه وأقربها إلى الألفة، وأبعدها من العداوة، أرأيت لو صبر كل واحد منهما حتى
تنقضى العدة، أما كان يبقى فى قلب كل واحد منهما شىءٍ بدخول أخيه بزوجته؟ ولكنى أمرت
كل واحد منهما أن يطلق زوجته، ولم يكن بينه وبين زوجته دخول ولا خلوة، ولا عدة عليها من
الطلاق، ثم تزوجت كل امرأة ممن وطئها، وهى معتدة منه، وعدتها لا تمنع نكاحها، وقام كل

٤٤٧
ج- ١٨
كتاب الأدب والتصوف والإحسان(١)
باب حسن المعاشرة مع الخلق
٦٠٤- عن النواس بن سمعان، قال: سألت رسول الله عّ لّه عن البر والإثم؟
فقال: ((البر حسن الخلق، والإثم ما حاك فى صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس))،
رواه مسلم.
٦٠٤١- عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله عَّ ◌ُه: ((انظروا إلى من هو أسفل
منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم)) متفق
عليه، وفى لفظ مسلم: ((إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه فى المال والخلق فلينظر إلى
من هو أسفل منه)) الحديث.
واحد منهما مع زوجته، وليس فى قلب كل واحد منها شىء، فعجبوا من فطنة أبى حنيفة و حسن
تأمله، وفى هذه الحكاية فقه هذه المسألة، والله أعلم بالصواب، كذا فى "المبسوط" (٣٤٤:٣٠).
وبالجملة فإن تعليم الحيل لم يكن من دأب أئمتنا، وإنما كانوا يحتالون للمبتلى، ويجعلون له
من الضيق مخرجا صيانة للمسلم عن الوقوع فى المعاصى، عملا بقول رسول الله عَ له لبلال:
«ولکن بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنیبا»، وهذا مما لا خلاف فيه.
وليكن هذا آخر الكلام على الجيل، والله تعالى أعلم وأعلى وأجل، وصلى الله تعالى على
خاتم الأنبياء فى العلم والعسل، صاحب المقام المحمود والعز الجلل، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه
وسلم تسليما كثيرا لا انقضاء له ولا خلل.
كتاب الأدب والتصوف والإحسان
لما كان موضوع الكتاب دفع طعن الظاهرية فى الفقهاء الحنفية، أحببنا أن نلحق بآخره ما
يدفع طعنهم فى الفقهاء الصوفية أيضا، فإن الظاهرية يطيلون ألسنتهم فى هذه الطائفة بالسوء،
ويزعمون أن لا أصل لطريقهم من الكتاب والسنة، ومنشأه الغفلة عن حقيقة التصوف، والوقوف
(١) أحاديث هذا الفصل مأخوذة من "بلوغ المرام" مع بعض زيادات من حاشية لبعض الأعلام، وقد حملنى على ختم الكتاب بهذا
الفصل صنيع الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - فى كتابه ذلك، فإنه ختم "بلوغ المرام" بأحاديث الأدب والتصوف
والذكر والدعاء، والله أسأل أن يحشرنى ببركته مع العلماء العرفاء، وما ذلك على الله بعزيز.

٤٤٨
باب حسن المعاشرة مع الخلق
إعلاء السنن
٦٠٤٢- وعنه قال: قال رسول الله عَّ له: ((حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته
فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصحه، وإذا عطس فحمد الله فشمته،
وإذ مرض فعده، وإذا مات فاتبعه))، رواه مسلم.
٦٠٤٣- عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله عَّ له: ((إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى
اثنان دون الآخر حتى يختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه)) متفق عليه، واللفظ
لمسلم.
٦٠٤٤- عن ابن عمر رضى الله عنهما، قال: قال رسول الله عَّ له: ((لا يقيم
الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا)) متفق عليه.
٦٠٤٥- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: قال: قال رسول الله عَّ له:
((كل واشرب والبس وتصدق فى غير سرف ولا مخيلة))، أخرجه أبو داود وأحمد،
وعلقه البخارى.
٦٠٤٦- عن أبى هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله عَ له: من أحب أن
يبسط عليه فى رزقه وأن ينسأ له فى أثره فليصل رحمه))، أخرجه البخارى.
٦٠٤٧- وعن جبير بن مطعم، قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((لا يدخل الجنة قاطع
يعنى قاطع رحم)) متفق عليه.
على العوائد والرسوم التى اقتصر عليها الجهال من المتصوفة فى زماننا، ولو راجعوا كتب القوم
لعلموا أن الحق لله ولأوليائه، وضل عنهم ما كانوا يفترون. فاعلم أن التصوف عبارة عن التقرب .
إلى الله بالعلم والعمل، فالصوفى هو المقرب، ولا يعرف فى طرفى بلاد الإسلام شرقا وغربا هذا
الاسم لأهل القرب.
وإنما يعرف للمترسمين، وكم الرجال المقربين فى البلاد لا يسمون صوفية؛ لأنهم لا يتزيون
بزى الصوفية، ولا مشاحة فى الألفاظ، فمشائخ الصوفية الذين أسماءهم فى الطبقات وغيرها من
الكتب كلهم كانوا فى طريق المقربين، ومن تطلع إلى مقامهم من جملة الأبرار فهو متصوف ما لم
يتحقق بحالھم، فإذا تحقق بحالهم صار صوفيا، ومن عداهما ممن تمیز بزی ونسب إليهم فهو
مشتبه، وفوق كل ذی علم علیم.
وإذا عرفت ذلك فاعلم أن التصوف شعبة من الفقه؛ لكون الفقه عبارة عن معرفة النفس

ج - ١٨
باب حسن المعاشرة مع الخلق
٤٤٩
٦٠٤٨- عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله عَّ ◌ُّه قال: ((إن الله حرم عليكم عقوق
الأمهات، ووأد البنات، ومنعا وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة
المال)) متفق عليه.
٦٠٤٩- عن أنس، عن النبى عدّ قال: ((والذى نفسى بيده لا يؤمن عبد حتى
يحب لجاره أو لأخيه ما يحب لنفسه)) متفق عليه.
٦٠٥٠- عن أبى أيوب رضى الله عنه: أن رسول الله عَ لّه قال: ((لا يحل لمسلم أن
يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذى يبدأ
بالسلام» متفق علیه.
مالها وما عليها، كما حكى عن أبى حنيفة - رحمه الله- ولا يخفى أن معرفة طريق القرب إلى الله
علما وعملا داخل فى ذلك، بل هو الفقه فى الحقيقة، والفقيه هو المتقرب إلى الله بعلمه وعمله،
لا العالم بالأحكام والدلائل فقط، وهو المراد لقوله مَّه: ((فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف
عابد)). أى الفقيه العامل بفقهه المتقرب إلى الله بعلمه وعمله، قال الله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من
عباده العلماء﴾. ذكر بكلمة إنما، فانتفى العلم والفقه عمن لا يخشى الله، فلاح لعلماء الآخرة أن
الطريق مسدود إلى أنصبة المعارف ومقامات القرب إلا بالزهد والتقوى، فبصفاء التقوى وكمال
الزهادة يصير العبد راسخا فى العلم والعمل، وهو التصوف بعينه، والرجل هو الصوفى حقا.
فأنشدكم الله هل هذا من الابتداع فى شىء؟ وهل هذا مما لا أصل له فى الشرع؟ كلا! بل
هو الشرع بعينه، وهو مقصد الشرائع كلها. قال ابن مسعود رضى الله عنه: ليس العلم بكثرة
الرواية، وإنما العلم الخشية، فالتصوف كله آداب، لكل وقت أدب، ولكل حال أدب، وكل مقام
أدب، فمن لزم آداب الأوقات بلغ مبلغ الرجال، ومن ضيع الآداب فهو بعيد من حيث يظن القرب،
ومردود من حيث يظن القول. قال أبو حفص: حسن أدب الظاهر عنوان حسن أدب الباطن؛ لأن
النبى معَِّ قال: ((لو خشع قلبه لخشعت جوارحه)). وسئل أبو محمد الجريرى عن التصوف؟ فقال:
الدخول فى كل خلق سنى، والخروج عن كل خلق دنىء، كذا فى "عوارف المعارف" (٢٨٤).
وبالجملة فالتصوف عبارة عن عمارة الظاهر والباطن، أما عمارة الظاهر فبالأعمال الصالحة،
وأما عمارة الباطن فبذكر الله وترك الركون إلى ما سواه، وتحليته بالأخلاق الحميدة، وتطهيره عن
أنجاس الأخلاق الذميمة، وكان يتيسر ذلك للسلف بمجرد الصحبة، كما كان يتيسر لهم علم
الكتاب والسنة بذلك أيضا من غير احتياج إلى الكتب والعلوم المدونة فيها، ثم لما تغيرت الأحوال

٤٥٠
إعلاء السنن
باب الزهد والورع
٦٠٥١- عن النعمان بن بشير، قال: سمعت رسول الله عَّ له يقول: ((إن الحلال
بين، وأن الحرام بين، وبينهما مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات
فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع فى الشبهات وقع فى الحرام، کالراعى يرعى حول
الحمى، يوشك أن يقع فيه، ألا وأن لكل ملك حمى، ألا وأن حمى الله محارمه، ألا وأن
فی الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهی
القلب)) متفق عليه.
مست الحاجة إلى كتابة العلوم وتدوينها وإملاءها، وإقامة المدارس لتدريسها وتعليمها، وكذلك
الصوفية لما رأوا تغير أحوال القوم مهدوا لعمارة الظاهر والباطن مجاهدات وخلوات، وأقاموا لها
الخوانق والزوايا والرباطات، ولا يخفى أن ذلك كله من المقدمات، وحالها كحال مقدمات العلوم
بأسرها، وأما المقاصد فكلها ثابتة بنص الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين، ومن أذعن
النظر فى كتاب الأدب والزهد والرقاق من كتب الحديث لعرف أنها كلها التصوف بعينه، ولكن
أهل الظاهر لا يفقهون.
وبعد ذلك فاعلم أن من عمارة الظاهر حسن المعاشرة مع الخلق، وهذا مما قد تساهل فيه
الناس قاطبة حتى العلماء، فأكثرهم قد قصر عمارة الظاهر على الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج
من العبادات، وتركوا حسن المعاشرة وراءهم ظهريا، فيا لها من فتنة، قد عمت وطمت، وتركت
قلوب المسلمين متشتة بعد ما كانت مؤلفة مؤتلفة، وظهر بها الفساد فى البر والبحر، وكيف
لا يكون حسن المعاشرة من الواجبات وقد حض عليها الشارع كما حض على العبادات، وأمر لها
كما أمر بتلك سواء، ألا ترى إلى قوله مرّبه: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)).
وسئل عن البر؟ فقال: ((البر حسن الخلق) وقال: ((إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر فإن
ذلك يحزنه))، فالذى لا يرضى بمثل هذا من تحزين المسلم - وهو مما لا يعبأ به كثير من الناس-
كيف يرضى بأكثر من ذلك من تحزينه؟ وأساس حسن المعاشرة على إدخال المسرة فى قلب أخيه
المسلم، والاختراز عن تحزينه، وهذا من أكبر أعمال الصوفية الكرام، فانظروا من هو العامل
بالكتاب والسنة ومن هو الخائض فى بحار الغفلة والبدع والآثام.
باب الزهد والورع
قوله فى حديث النعمان بن بشير: ((إن الحلال بين والحرام بين)) إلخ قد أجمع الأئمة على

ج - ١٨
باب الزهد والورع
٤٥١
٦٠٥٢- عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((تعس عبد الدينار والدراهم
والقطيفة، إن أعطى رضى، وإن لم يعط لم يرض))، أخرجه البخارى.
٦٠٥٣- عن ابن عمر قال: أخذ رسول الله مرّ ◌ُله بمنكبى فقال: ((كن فى الدنيا
كأنك غريب أو عابر سبيل))، وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا
أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك، أخرجه
البخارى.
٦٠٥٤- وعنه، قال: قال رسول الله عَ له: ((من تشبه بقوم فهو منهم))، أخرجه أبو
داود، وصححه ابن حبان.
٦٠٥٥- وعن ابن عباس، قال: كنت خلف النبى عدّ يوما، فقال: يا غلام!
احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت
فاستعن بالله))، رواه الترمذى، وقال: حسن صحيح.
٦٠٥٦- عن سهل بن سعد، قال: جاء رجل إلى النبى معَّه، فقال: يا رسول الله!
دلنى على عمل إذا عملته أحبنى الله وأحبنى الناس، فقال: ((ازهد فى الدنيا يحبك الله،
وازهد فیما عند الناس يحبك الناس)، رواه ابن ماجه وغيره، وسنده حسن.
عظم شأن هذا الحديث، وعلى أنه من الأحاديث التى تدور عليها قواعد الإسلام، وفى قوله: ((فمن
اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)) بيان حقيقة الورع، ولا يتيسر ذلك إلا بالزهد فى الدنيا
والرغبة إلى الآخرة، ولذلك عقبه بقوله: ((ألا وأن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله
وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهى القلب))، فدل على أن الورع لا يحصل إلا بصلاح القلب
وطهارته عن حب الدنيا، وفإن حبها رأس كل خطيئة، ولا يخفى أن الزهد أول قدم الصوفية
الكرام فى طريق القرب، وهم أشد الناس اهتماما به، ولما عرفوا عدم تيسره إلا بصلاح القلب
جاهدوا فى ذلك أشد جهاد، حتى ظفروا به وعلوا قلل المراد.
قوله عّ لّهِ: ((تعس عبد الدينار والدراهم)) الحديث نظير قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يعبد الله
على حرف فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه﴾. أراد بعبد الدينار
والدراهم من استعبدته الدنيا بطلبها، وصار كالعبد لها، تتصرف فيه تصرف الملاك، فمن كان عبدا
لهواه لم يصدق فى قوله: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ وقمع الهوى والحرص والطمع أول قدم

٤٥٢
باب الزهد والورع
إعلاء السنن
٦٠٥٧- وروى البيهقى والحاكم وصححه عن سعد بن أبى وقاص بلفظ: قال : -
أوصنى، فقال عَّ ◌ُله: ((عليك بالإياس مما فى أيدى الناس، وإياك والطمع فإنه الفقر
الحاضر)) اهـ.
٦٠٥٨- عن سعد بن أبى وقاص، قال: سمعت رسول الله عّ لّه يقول: ((إن الله
يحب العبد التقى الغنى الخفى))، أخرجه مسلم.
٦٠٥٩- وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله عَ له: ((من حسن إسلام المرء تركه
ما لا یعنیه))، رواه الترمذى، وقال: حسن.
٦٠٦٠- وعن أنس، قال: قال رسول الله عَّ له: ((كل نبى آدم خطاء، وخير
الخطائین التوابون))، أخرجه الترمذى وابن ماجه، وسنده قوى.
٦٠٦١- وعن أنس رضى الله عنه، قال: قال رسول الله عَّ له: ((الصمت حكمة
وقليل فاعله)) أخرجه البيهقى بسند ضعيف وصحح أنه موقوف من قول لقمان الحكيم.
الزاهدين، والصوفية الكرام أشد الناس اعتناء به، ومن قمع هواه لم يكن فى الدنيا إلا كغريب
أو عابر سبيل. وفى قوله مَّه: ((من تشبه بقوم فهو منهم)) مدح لمن اشتبه بالزاهدين بإخلاص النية
من غير رياء ولا سمعة، فعسى أن يلحق بهم وأن يتحقق بحالهم. وفى قوله: ((يا غلام! احفظ الله
يحفظك)) تأييد للقوم فى مراقبتهم لعظمة الله وحفظهم له بقلوبهم دائما. وفى قوله: ((احفظ الله
تجده تجاهك)) دلالة على حصول المشاهدة بعد المجاهدة والمراقبة، وهو من أعلى مقاصد القوم. وفى
قوله: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) دلالة على طريق حصول الإحسان المذكور فى
حديث جبريل بقوله عليه السلام: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))؛ فإن حسن
الإسلام هو الإحسان فيه، فمن استحضر بقلبه أن الله تعالى مطلع على فعل العبد خبير بقوله بصير
بحاله، قل كلامه وعمله إلا فيما يعينه، فالحديث من جوامع الكلم النبوية، وهو أساس طريق
الصوفية الصافية العلية.
وفى قوله: ((كل بنى آدم خطاء)) ردع للمتقين العاملين عن الإعجاب بعملهم، وعن ظنهم
بأنفسهم خيرا؛ فإن العبد لا يكون معصوما عن الخطأ ولو بلغ من الوصول والقرب أعلاه ما خلا
الأنبياء والرسل.
فقد أجمعت الأمة على عصمتهم من الآثام خطأ أو عمدا، اللهم إلا أن يكون من خطأ

٤٥٣
ج - ١٨
باب الترهيب عن مساوئ الأخلاق
٦٠٦٢- عن أبى هريرة قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((إياكم والحسد فإن الحسد
يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)). أخرجه أبو داود، ولابن ماجة من حديث
الاجتهاد، وأما غيرهم فلا عصمة له، فعليه أن لا يغفل عن التوبة والإنابة إلى ربه، والاستغفار من
ذنوبه ولا طرفة عين، كيف وقد كان رسول الله عَ لّهه يستغفر الله ويتوب إليه فى اليوم سبعين مرة،
والتوبة من أول مقدمات التصوف وآخرها.
وفى قوله: ((الصمت حكمة وقليل فاعله)) تأييد للقوم، فإن تقليل الكلام من المجاهدات التى
عليها بناء طريقهم، وقد وردت عدة أحاديث فى مدح الصمت عن فضول الكلام، منها حديث
ابن عمر عند الترمذى مرفوعا بلفظ: ((من صمت نجا))، قال الترمذى: غريب، ورواه الطبرانى
ورجاله ثقات. وروى محمد فى آخر "آثاره": عن أبى حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، قال: البلاء
موكل بالكلم (١٢٨)، ورواه ابن أبى شيبة فى "الأدب المفرد": من رواية إبراهيم عن ابن مسعود
بلفظ: البلاء موكل بالمنطق، ورواه القفاعى من حديث حماد بن سلمة، عن حميد، عن
الحسن، عن جندب، عن حذيفة مرفوعا به، كما فى "المقاصد الحسنة" (٧٠) قال: وقد أورد ابن
الجوزى هذا الحديث فى الموضوعات من حديثى أبى الدرداء وابن مسعود، ولا يحسن بمجموع ما
ذكرناه الحكم عليه بذلك، وأنشد القاضى ابن بهلول:
لا تنطقن بما كرهت فربما نطق اللسان بحادث فيكون
وروى مالك عن أسلم قال: إن عمر دخل يوما على أبى بكر الصديق وهو يجند لسانه،
فقال عمر: غفر الله لك، فقال أبو بكر: إن هذا أوردنى الموارد. وروى أحمد، والنسائى، وابن
ماجة، والترمذى وقال: حديث حسن صحيح، عن معاذ بن جبل. قلت: يا رسول الله! وإنا
لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ((ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس فى النار على وجوههم أو
قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم)) (الترغيب ٤٩٥). وفيه أيضا من حديث أبى ذر، وفيه
حكاية عن صحف إبراهيم عليه السلام، وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه،
حافظا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه (٤٩٦).
باب الترهيب عن مساوئ الأخلاق والتر غيب فى مكارم الأخلاق
قال العبد الضعيف: تزكية الأخلاق من أهم الأمور عند القوم، وهى المقامات عندهم، وبها

٤٥٤
الترهيب عن مساوئ الأخلاق
إعلاء السنن
أنس نحوه وفى ذم الحسد أحاديث وآثار عند الطبرانى والبزار والبيهقى بأسانيد جياد
رجالها ثقات.
٦٠٦٣- وعنه، قال: قال رسول الله عَّ له: ((ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد
الذی يملك نفسه عند الغضب»، متفق عليه.
٦٠٦٤- وعن محمود بن لبيد، قال: قال رسول الله عّ لّهِ: ((إن أخوف ما أخاف
علیکم الشرك الأصغر، الریاء))، أخرجه أحمد پاسناد حسن.
٦٠٦٥- عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله عَّ ◌ُّه: ((إياكم والظن، فإن الظن
أكذب الحديث))، متفق عليه.
٦٠٦٦- وعنه: أن رجلا قال: يا رسول الله! أوصنى، قال: ((لا تغضب، فردد
مرارا وقال: لا تغضب))، أخرجه البخارى.
٦٠٦٧- وعن خولة الأنصارية رضى الله عنها، قالت: قال رسول الله عَ له: ((إن
رجالا يتخوضون فى مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة))، أخرجه البخارى.
٦٠٦٨- وعن أبى ذر، عن النبى مێ فیما یرویه عن ربه، قال: ((يا عبادی! إنى
حرمت الظلم على نفسى، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا))، أخرجه مسلم.
٦٠٦٩- عن أبى هريرة رضى الله عنه، أن رسول الله عَ لّه قال: ((أتدرون ما
الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان فى
أخى ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته))، أخرجه
مسلم.
امتازوا عن غيرهم، وبها عرفوا، ومن أمعن النظر فى الكتاب والسنة عرف موضع الأخلاق من
الدين كموضع الآس من البناء، ولا يتيسر ذلك إلا بالمجاهدة على يد شيخ كامل قد جاهد نفسه،
وخالف هواه وتخلى عن الأخلاق الذميمة، وتحلى بالأخلاق الحميدة. ومن ظن من نفسه أنه يظفر
بذلك بمجرد العلم ودرس الكتب فقد ضل ضلالا بعيدا، فكما أن العلم بالتعلم من العلماء كذلك
الخلق بالتخلق على يد العرفاء، فالخلق الحسن صفة سيد المرسلين، وأفضل أعمال الصديقين، وهو
على التحقيق شطر الدين، وثمرة مجاهدة المتقين، ورياضة المتعبدين. والأخلاق السيئة هى السموم
القاتلة، والمهلكات الدامغة، والمخازى الفاضحة، والرذائل الواضحة، والخبائث المبعدة عن جوار رب

٤٥٥
ج - ١٨
الترهيب عن مساوئ الأخلاق
٦٠٧٠- وعنه، قال: قال رسول الله عَّ له: ((لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا
تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم
أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ههنا - ويشير إلى صدره ثلاث
مرات- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه،
وماله، وعرضه))، أخرجه الشيخان واللفظ لمسلم، وهو أتم الروايات.
٦٠٧١- وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((لا تمار أخاك ولا تمازحه،
ولا تعده موعدا فتخلفه))، أخرجه الترمذى بسند ضعيف، وله شواهد حسنة فى معناه.
٦٠٧٢- وعن أبى الدرداء، قال: قال رسول الله عَّ له: ((إن الله يبغض الفاحش
البذی))، أخرجه الترمذى وصححه.
٦٠٧٣- وله من حديث ابن مسعود رفعه: ((ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا
الفاحش، ولا البذى))، وحسنه وصححه الحاكم، ورجح الدار قطنى وقفه، ورواه
البخارى فى "الأدب": عن عبد الله مرفوعا.
٦٠٧٤- وعن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله عَّ له: ((لا تسبوا
الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا))، أخرجه البخارى، ولأبى داود بلفظ: ((إذا مات
صاحبکم فدعوا ولا تقعوا فیه)).
٦٠٧٥- وعن حذيفة قال: قال رسول الله عَّ له: ((لا يدخل الجنة قتات))، متفق
عليه.
٦٠٧٦- وعن أنس قال: قال رسول الله ماګآله: «من کف غضبہ کف الله عنه
عذابه)) أخرجه الطبرانى فى الأوسط، وله شاهد من حديث ابن عمر عند ابن أبى الدنيا.
العالمين، المنخرطة بصاحبها فى سلك الشياطين، وهى الأبواب المفتوحة إلى نار الله الموقدة التى
تطلع على الأفئدة، كما أن الأخلاق الجميلة هى الأبواب المفتوحة من القلب إلى نعيم الجنان وجوار
الرحمن، والأخلاق الخبيثة أمراض القلوب، وأسقام النفوس، إلا أنه مرض يفوت حياة الأبد، فلا بد
من الاعتناء بها أشد من الاعتناء بأمراض الجسد، والخلق هيئة للنفس بها تميل إلى أحد الجانبين،
ويتيسر عليها أحد الأمرين: إما الحسن، أو القبيح. وكما أن حسن الصورة الظاهرة مطلقا لا يتم
بحسن العينين دون الأنف والفم والخد، بل لا بد من حسن الجميع ليتم حسن الظاهر، كذلك فى
:

٤٥٦
الترهيب عن مساوئ الأخلاق
إعلاء السنن
٦٠٧٧- وعن ابن عباس رضى الله عنه، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((من تسمع
حديث قوم وهم له كارهون، صب فى أذنيه الآنك يوم القيامة -يعنى الرصاص-))،
أخرجه البخارى.
٦٠٧٨- وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه، قال: قال رسول الله عَ له:
((خصلتان لا تجتمعان فى مؤمن، البخل وسوء الخلق))، أخرجه الترمذى، وفى سنده
ضعف.
٦٠٧٩- وله شاهد عن أبى هريرة عند البخارى فى "الأدب" بلفظ: قال عَ له:
((لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا وسوء الخلق)).
٦٠٨٠- وعن أنس رضى الله عنه، قال: قال رسول الله: ((طوبى لمن شغله عيبه
عن عيوب الناس))، أخرجه البزار پإسناد حسن.
٦٠٨١- وله شاهد من حديث عبد الله بن عباس عند البخارى فى "الأدب"
بلفظ: ((إذا أردت عيوب صاحبك فاذكر عيوب نفسك)).
٦٠٨٢- وعن ابن عمر رضى الله عنهما، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((من تعاظم
فى نفسه، واختال فى مشيته، لقى الله وهو عليه غضبان))، أخرجه الحاكم، ورجاله
ثقات.
٦٠٨٣- ولمسلم وغيره من حديث ابن مسعود بلفظ: ((لا يدخل الجنة من كان
فى قلبه مثقال ذرة من كبر)).
٦٠٨٤- وعن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله عَ له: ((العجلة من الشيطان))،
أخرجه الترمذى، وقال: حسن.
٦٠٨٥- ولأبى داود والحاكم وصححه من حديث مصعب بن سعد عن أبيه
بلفظ: ((التؤدة فى كل شىء خير إلا فى عمل الآخرة)).
الباطن أربعة أركان لا بد من الحسن فى جميعها، حتى يتم حسن الخلق باستواء الأركان واعتدالها
وتناسبها، وهو: قوة العلم، وقوة الغضب، وقوة الشهوة، وقوة العدل بين هذه القوى الثلاث.
وأما قوة العلم فحسنها وصلاحها فى أن تصير بحيث يسهل بها درك الفرق بين الصدق
والكذب فى الأقوال، وبين الحق والباطل فى الاعتقادات، وبين الجميل والقبيح فى الأفعال، فإذا

ج - ١٨
الترهيب عن مساوئ الأخلاق
٤٥٧
٦٠٨٧٦- وعن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((من عير أخاه بذنب
لم يمت حتى يعمله))، أخرجه الترمذى وحسنه، وسنده منقطع، وله شاهد من حديث
أبى جرى جابر بن سليم عند النسائى مختصرا، وعند أبى داود وابن حبان والترمذى
مطولا، وقال: حسن صحيح.
٦٠٨٧٠- وعن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده رضى الله عنه، قال: قال رسول
الله عَّ له: ((ويل للذى يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له ثم ويل له))، أخرجه
الثلاثة وإسناده قوی.
٦٠٨٨- وعن أنس، عن النبى عّ لّه، قال: ((كفارة من اغتبته أن تستغفر له))، رواه
الحارث بن أبى أسامة بإسناد ضعيف.
٦٠٨٩- وعن عائشة رضى الله عنها، قالت: قال رسول الله عَّ له: ((أبغض الرجال
إلى الله الألد الخصم))، أخرجه مسلم والبخارى وغيرهما.
صلحت هذه القوة حصل منها ثمرة الحكمة، والحكمة رأس الأخلاق الحسنة، وهى التى قال الله
فيها: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا﴾، وهى المراد بالفقه فى قوله عّ لّه: ((من يرد الله
به خيرا يفقهه فى الدين))، وأما قوة الغضب فحسنها فى أن يصير انقباضها وانبساطها على حد ما
تقتضيه الحكمة، وكذلك الشهوة حسنها وصلاحها فى أن تكون تحت إشارة الحكمة، أعنى إشارة
العقل والشرع. وأما قوة العدل فهو ضبط الشهوة والغضب تحت إشارة العقل والشرع.
ثم اعلم أن بعض من غلبت عليه البطالة استثقل المجاهدة والرياضة والاشتغال بتزكية النفس
وتهذيب الأخلاق، وزعم أن الأخلاق لا يتصور تغييرها؛ لأن الطباع لا تتغير، ولو كان كذلك
لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات، وكيف ينكر هذا فى حق الآدمى وتغيير خلق البهيمة ممكن؟
إذ ينقل البازى من الاستيحاش إلى الأنس، والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك، كما هو
مشاهد فى كلاب الصيد ونحوها، وكذلك الفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد.
وبالجملة فقد اشتبه على هذا القائل إمالة الأخلاق بإزالتها، فالممتنع هو الثانى دون الأول،
فالغضب والشهوة لو أردنا قمعهما وقهرهما بالكلية حتى لا يبقى لهما أثر لم نقدر عليه أصلا، ولو
أردنا سلاستهما وقوتهما بالرياضة والمجاهدة قدرنا عليها، وقد أمرنا بذلك، وصار ذلك سببا لنجاتنا
ووصولنا إلى الله تعالى، نعم! الجبلات مختلفة، بعضها سريعة القبول، وبعضها بطيئة القبول،

٤٥٨
إعلاء السنن
باب التر غيب فى مكارم الأخلاق
٦٠٩٠- عن ابن مسعود -رضى الله عنه-، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((عليكم
بالصدق، فإن الصدق يهدى إلى البر، وأن البر يهدى إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق
ویتحری الصدق حتی یکتب عند الله صدیقا، وإیا کم والكذب، فإن الكذب یہدی إلی
الفجور، وأن الفجور يهدى إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى
یکتب عند الله كذابا)) متفق عليه.
٦٠٩١- وعن معاوية -رضى الله عنه- قال: قال رسول الله عَّ له: ((من يرد الله به
خيرا يفقهه فى الدين)) متفق عليه.
٦٠٩٢- وعن أبى الدرداء، قال: قال رسول الله عَّ ◌َّه: ((ما من شىء فى الميزان
أثقل من حسن الخلق))، أخرجه أبو داود والترمذى، وصححه.
٦٠٩٣- وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله عَّ له: ((أكثر ما يدخل الجنة تقوى
الله وحسن الخلق)، وأخرجه الترمذى، وصححه الحاكم.
٦٠٩٤- وعنه، قال: قال رسول الله عّ لّه: ((إنكم لا تسعون الناس بأموالكم،
ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق))، أخرجه أيو يعلى، وصححه الحاكم.
٦٠٩٥- وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله عَّ له: ((الحياء من الإيمان)) متفق
عليه.
٦٠٩٦- وعن أبى مسعود رضى الله عنه قال: قال رسول الله عَ له: ((إن مما أدرك
الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) أخرجه البخارى وأبو داود.
٦٠٩٧- وعن أبى هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((المؤمن
القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفى كل خير، احرص على ما ينفعك،
واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أنى فعلت كذا كان كذا وكذا،
ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان))، أخرجه مسلم.
وكيف يقصد قلع الشهوة والغضب بالكلية؟ ولو بطل الغضب بطل الجهاد، وكيف يقصد ذلك
والأنبياء عليهم السلام لم ينفكوا عنه؟ إذ قال عَّ له: ((إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر))،

ج - ١٨
الترغيب فى مكارم الأخلاق
٤٥٩
٦٠٩٨- وعن عياض بن حمار رضى الله عنه، قال: قال رسول الله عَّ له: ((أوحى
إلى أن تواضعوا حتى لا يبغى أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد))، أخرجه مسلم.
٦٠٩٩- وعن أبى الدرداء، عن النبى عّ لّه، قال: ((من رد عن عرض أخيه بالغيب
رد الله عن وجهه النار يوم القيامة))، أخرجه الترمذى وحسنه.
وكان إذا تكلم بين يديه بما يكره يغضب حتى تحمر وجنتاه، ولكن لا يقول إلا حقا(١) فكان لا
يخرجه غضبه عن الحق. وقال تعالى: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس﴾، ولم يقل والفاقدين
الغيظ، فرد الغضب والشهوة إلى حد الاعتدال، بحيث لا يقهر واحد منهما العقل ولا يغلبه، بل
يكون الشرع والعقل هو الضابط لهما والغالب عليهما، ممكن حتما، وهو المراد بتغيير الخلق،
فافهم.
وهذا الاعتدال يحصل على وجهين: أحدهما: بجود إلهى وكمال فطرى، بحيث يخلق
الإنسان ويولد كامل العقل حسن الخلق، قد كفى سلطان الشهوة والغضب، بل خلقتا معتدلتين،
كالأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، ولا يبعد أن يكون فى الطبع والفطرة ما قد ينال بالاكتساب،
فرب صبی خلق صادق اللهجة سخیا جریا.
والوجه الثانى: اكتساب هذه الأخلاق بالمجاهدة والرياضة، وأعنى به حمل النفس على
الأعمال التى يقتضيها الخلق المطلوب، ويحصل ذلك فيه بالاعتياد، ومخالطة المتخلقين بهذه
الأخلاق.
فمن أراد مثلا أن يحصل لنفسه خلق الجود، فطريقه أن يتكلف تعاطى فعل الجواد، وهو بذل
المال، فلا يزال يطالب نفسه ويواظب عليه تكلفا مجاهدا نفسه فيه، حتى يكون ذلك طبعا له
وتيسيرا عليه، فيصير به جوادا، وكذا من أراد أن يحصل لنفسه خلق التواضع وقد غلب عليه
الكبر، فطريقه أن يواظب على أفعال المتواضعين مدة مديدة، وهو فيها يجاهد نفسه، ويتكلف إلى
(١) وبالجملة فإن أصل هذه الأخلاق ليس بمذموم، وإنما المذموم العمل بمقتضاها على خلاف ما تقتضيه الحكمة والشرع، ووجه
ذلك أن أصل الأخلاق فطرى خارج عن اختيار العبد، والعمل بمقتضاها اختيارى غير خارج عن قدرته، ولا يكلف الله نفسا
إلا وسعها، فلا يلام العبد على وجود الغضب فيه، بل على العمل بمقتضاه على خلاف الشرع، وترك العمل بمقتضى هذه
الأخلاق وإن كان مقدورا للعبد، ولكنه يحتاج إلى مقاومة شديدة فى كل حين، وأما من جاهد نفسه على يد شيخ صادق
فذلك يتيسر له ترك العمل بمقتضاها بأدنى مقاومة، بل قد يكون ترك العمل به طبعا له، حتى يستلذ به ويتألم بالعمل به، كما
هو مشاهد من حال القوم، هذا هو السر فى صحبة المشايخ والتشبث بذيولهم، فافهم.

٤٦٠
الترغيب فى مكارم الأخلاق
إعلاء السنن
٦١٠٠- عن عبد الله بن سلام رضى الله عنه، قال: قال رسول الله عَّ له: ((يا أيها
الناس! أفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام،
تدخلوا الجنة بسلام))، أخرجه الترمذى وصححه.
٦١٠١- وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله: (المؤمن مرأة أخيه المؤمن))،
أخرجه أبو داود بإسناد حسن.
أن يصير ذلك خلقا له وطبعا فيتيسر عليه، وجميع الأخلاق المحمودة شرعا تحصل بهذا الطريق.
ولصحبة المشايخ الكمل وللتجانب عن أصحاب الأخلاق الذميمة تأثير؛ فإن الطباع كما
هى متسرقة لذمائم الأخلاق متسرقة لحسانها أيضا، وربما يعمل فى الرجل تنبيه الشيخ وزجره ما لا
يعمل فيه قصده وإرادته، فيخرج من ورطة الأخلاق الذميمة بتنبيه شيخه فى أسرع مدة لا يخرج
منها بقصده وإرادته فى أضعاف ضعفها، فإذا كانت النفس بالعادة والصحبة تستلذ الباطل وتميل
إليه وإلى القبائح، فكيف لا تستلذ الحق لوردت إليه مدة والتزمت المواظبة عليه، مع مخالطة أهله
ومصاحبتهم، ومجانبة أهل الباطل ومتاركتهم؟ بل ميل النفس إلى هذه الأمور الشنيعة خارج عن
الطبع يضاهى الميل إلى أكل الطين، فأما ميله إلى الحكمة وحب الله تعالى ومعرفته وعبادته فهو
كميله إلى الطعام والشراب؛ فإنه مقتضى طبع القلب؛ فإنه أمر ربانى، وميله إلى مقتضيات الشهوة
غريب من ذاته عارض على طبعه، وإنما غذاء القلب الحكمة والمعرفة وحب الله عز وجل، ولكن
الصرف عن مقتضى طبعه لمرض قد حل به، كما قد يحل المرض بالمعدة فلا تشتهى الطعام
والشراب، وهما سببان لحياتها، فكل قلب مال إلى حب شىء سوى الله تعالى فلا ينفك عن مرض
بقدر ميله، إلا إذا كان قد أحب ذلك الشىء لكونه معينا له على حب الله تعالى وعلى دينه، فعند
ذلك لا يدل على المرض، ولا يعرف ذلك إلا الناقد البصير، ولا عبرة فى ذلك برأى المبتلى به إلا أن
يكون قد صدقه فى ذلك شيخه، فربما يسول له الشيطان ويموه له النفس أن حبه لهذا الشىء إنما
لكونه معينا له على حب الله وعلى دينه، وإنما هو يحبه لهواه أو لغرض نفسانى، فافهم.
ولعلك قد عرفت بذلك قطعا أن هذه الأخلاق الجميلة يمكن اكتسابها بالرياضة، وهى
تكلف الأعمال الصادرة عنها ابتداء، لتصير طبعا انتهاء، وهذا من عجيب العلاقة بين القلب
والجوارح أعنى النفس والبدن، فإن كل صفة تظهر فى القلب يفيض أثرها على الجوارح، حتى لا
تتحرك إلا على وفقها لا محالة، وكل فعل يجرى على الجوارح فإنه قد يرتفع منه أثر إلى القلب
والأمر فيه دور، فكما أن من أراد أن يصير فقيه النفس فلا طريق له إلا أن يتعاطى أفعال الفقهاء،