Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ إعلاء السنن باب ميراث ابنة الابن والأخت مع البنت ٦٠١٠- عن هزيل بن شرحبيل، قال: أتيت أبا موسى وسلمان بن ربيعة فى ابنة، وابنة ابن، والأخت لأب وأم، فقالا: للابنة النصف، وللأخت النصف، وقالا: انت ابن مسعود فإنه سيتابعنا، فأتيته فأخبرته، فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، ولكن وبقوله عليه السلام: ((ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقى فهو لأولى رجل ذكر)). والأب ههنا عصبة؛ فيكون له ما فضل عن ذوى الفروض (قل أو كثر) كما لو كان مكانه جد، والحجة معه لو لا انعقاد الإجماع من الصحابة على مخالفته؛ ولأن الفريضة إذا جمعت أبوين وذا فرض كان للأم ثلث الباقى، كما لو كان(١) معهم بنت، ويخالف الأب الجد؛ لأن الأب فى درجتها (فلا يجوز تفضيلها عليه) والجد أعلى منها (وأبعد فلا بأس بتفضيلها عليه) وما ذهب إليه ابن سيرين تفريق فى موضع أجمع الصحابة على التسوية فيه، ثم أنه مع الزوج يأخذ مثلى ما أخذت الأم، كذلك مع المرأة قياسا عليه، كذا فى "المغنى" (٢١:٧) لابن قدامة. باب ميراث ابنة الابن والأخت مع البنت قوله: "عن هزيل" إلخ: قلت: ما أفتى به ابن مسعود هو مذهب أصحابنا، ومعنى قوله: "لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين" أنى لو أفتيت بما أفتى به أبو موسى وسلمان لكنت مخطئا لا مصيبا؛ لأنى سمعت رسول الله عَِّ خلاف ذلك، ولا أكون معذورا فى هذا الخطأ؛ لأنه تعمد للغلط ولا عذر للمتعمد، بخلاف أبى موسى وسلمان فإنهما معذوران فى الخطأ؛ لأنه لم يبلغهما ما بلغنى. وعلى هذا فليس فيه نفى للإفتاء بالرأى والاجتهاد كما ظنه ابن حزم، بل فيه عذر لعدم موافقتهما للنص الذى عنده. وفيه رد على ابن عباس أيضا؛ لأنه روى عنه أنه قال: ((شىء لا تجدونه فى كتاب الله، ولا فى قضاء رسول الله عَ ليه، وتجدونه فى الناس كلهم، للابنة النصف والأخت النصف))، رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وأقره الذهبى عليه. ووجه الرد ظاهر؛ لأن ابن مسعود روى عن النبى عنّ له مسألة: ٦ (١) ميتـ أم أب بنت ٣. ٢ ١ ٣٨٢ ميراث ابنة الابن والأخت مع البنت ج - ١٨ أقضى بما قضى به رسول الله عَ ليه، للابنة النصف، ولابنة الابن السدس، وما بقى فللأخت، رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبى عليه. أنه ورث الأخت مع البنت وابنة الابن ما بقى من فرضهما، ويظهر منه أن الأخت مع البنت عصبة تحرز ما بقى منها، وقد روى الحاكم عن الأسود بن هلال أنه سمع معاذ بن جبل يقول وهو على المنبر: ورث مال رجل ترك ابنة وأختا، فجعل لابنته النصف ولأخته النصف، ورسول الله عد اله حى بين أظهرهم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وهو أصرح شىء فى الباب، وقال الدارمى: حدثنا بشير بن عمرو، قال: سألت ابن أبى الزناد عن رجل ترك بنتا وأختا؟ فقال: لابنته النصف ولأخته ما بقى. وقال: أخبرنى أبى عن خارجة بن زيد أن زيد بن ثابت كان يجعل الأخوات مع البنات عصبة اهـ. وما روى أهل الفرائض عن النبى معَِّ أنه قال: ((اجعلوا الأخوات مع البنات عصبة))، فلم أجده بهذا اللفظ، إلا أنه مأخوذ من قول معاذ بن جبل أنه ورث البنت النصف والأخت النصف، ورسول الله مَّ ◌ُلّه حى بين أظهرهم، والله أعلم. قال العبد الضعيف: لقد استروح بعض الأحباب فى عزوه حديث المتن إلى "المستدرك" للحاكم، وهو متفق عليه، كما فى "المغنى"، وإنما استدركه الحاكم عليهما لما فى روايته من ذكر سلمان بن ربيعة مع أبى موسى، وليس هو عندهما، بل هو فى رواية غندر عن شعبة عند النسائى: جاء رجل إلى أبى موسى الأشعرى - وهو الأمير- وإلى سلمان بن ربيعة، فسألهما، وكذا أخرجه أبو داود من طريق الأعمش عن أبى قيس، لكن لم يقل: وهو الأمير، وكذا للترمذى وابن ماجة من طريق عن سفيان الثورى بزيادة سلمان بن ربيعة مع أبى موسى، وقد ذكروا أنه كان على قضاء الكوفة (فتح البارى ١٤:١٢)، وإذا كان الحديث عند واحد من أصحاب الصحاح والسنن فالعزو إليه أولى وأوجب. قال ابن بطال: أجمعوا على أن الأخوات عصبة البنات، فيرثن ما فضل عن البنات، فمن لم يخلف إلا بنتا وأختا فللبنت النصف وللأخت النصف الباقى على ما فى حديث معاذ، وإن خلف بنتين وأختا فلهما الثلثان، وللأخت ما بقى، وإن خلف بنتا وأختا وبنت ابن، فللبنت النصف، ولبنت الابن تكملة الثلثين، وللأخت ما بقى على ما فى حديث ابن مسعود؛ لأن البنات لا يرثن أكثر من الثلثين، ولم يخالف فى شىء من ذلك إلا ابن عباس، فإنه كان يقول: للبنت النصف وما بقى للعصبة، وليس للأخت شىء، فإذا لم تكن عصبة رد الفضل على البنت أو البنات. قال: ولم ٣٨٣ إعلاء السنن باب ميراث الأم والجد مع الأخت ٦٠١١- عن الشعبى، قال: احتاج إلى الحجاج فى فريضة، فبعث إلى، فقال: ما تقول فى أم وأخت وجد؟ قلت: اختلف فيها خمسة من أصحاب النبي عدّ له: عبد الله ابن مسعود وعلى وعثمان وزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس، قال: فما قال فيها ابن يوافق ابن عباس على ذلك أحد إلا أهل الظاهر اهـ ملخصا من "فتح البارى" (٢٠:١٢). وكان ابن الزبير يوافق ابن عباس على ذلك، ثم رجع عنه إلى قول الجمهور حين سمع حديث معاذ، وأخرج البيهقى فى "سننه": من طريق سفيان عن أشعث بن أبى الشعثاء، عن الأسود ابن يزيد، قال: قضى ابن الزبير فى ابنة وأخت، فأعطى الابنة النصف، وأعطى العصبة سائر المال، فقلت له: إن معاذا قضى فيها باليمن، فأعطى الابنة النصف، وأعطى الأخت النصف، فقال عبد الله ابن الزبير: فأنت رسولى إلى عبد الله بن عتبة، فتحدثه بهذا الحديث وكان قاضيا على الكوفة. ومن طريق عبد الرزاق: أنا معمر، عن الزهرى، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن، قال: جاء ابن عباس رجل، فقال: رجل توفى وترك ابنته وأخته لأبيه وأمه، فقال: للابنة النصف، ولیس للأخت شىء، ما بقى فهو لعصبته، فقال له رجل: فإن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قد قضى بغير ذلك، جعل للابنة النصف وللأخت النصف. قال ابن عباس: أنتم أعلم أم الله؟ قال معمر: فلم أدر ما وجه ذلك؟ حتى لقيت ابن طاوس فذكرت له حديث الزهرى، فقال: أخبرنى أبى أنه سمع ابن عباس يقول: قال الله تبارك وتعالى: ﴿إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك﴾، قال ابن عباس: فقلتم أنتم: لها نصف وإن كان له ولد اهـ. قال البيهقى: المراد بالولد ههنا الابن، بدليل ما مضى عن النبى عَّ ثم عمن بعده اهـ (٢٣٣:٦)، وأيضا فإن عدم الولد إنما جعل شرطا فى فرضها الذى تقاسم به الورثة لا فى توريثها مطلقا، فإذا عدم الشرط سقط الفرض، ولم يمنع ذلك أن ترث بمعنى آخر، كما شرط فى ميراث الأخ من أخته عدم الولد بقوله تعالى: ﴿وهو يرثها إن لم يكن لها ولد﴾، وقد أجمعوا على أنه يرثها مع البنت، والله تعالى أعلم، ظ. باب ميراث الأم والجد مع الأخت قوله: "عن الشعبى" إلخ: قلت: اختار أبو حنيفة مذهب ابن عباس، وقال: بحرمان الأخت ٣٨٤ ج - ١٨ ميراث الأم والجد مع الأخت عباس أن كان لمتقنا؟ قلت: جعل الجد أبا، ولم يعط للأخت شيئا، وأعطى الأم الثلث. قال: ما قال فيها ابن مسود؟ قلت: جعلها من ستة، أعطى الأخت ثلاثة، وأعطى الجد اثنين، وأعطى الأم سهما، قال: فما قال فيها أمير المؤمنين؟ قلت: جعلها أثلاثا، قال: فما قال فيها أبو تراب؟ قلت: جعلها من ستة، أعطى الأخت ثلاثة، وأعطى الأم اثنين، وأعطى الجد سهما، قال: فما قال فيها زيد بن ثابت؟ قلت: جعلها من تسعة، أعطى الأم ثلاثة، وأعطى الجد أربعة، وأعطى الأخت اثنين، قال: مر القاضى يمضيها على ما أمضاها أمير المؤمنين، رواه البزار والبيهقى، كذا فى "كنز العمال". مع الجد، وكون الثلث للأم والباقى للجد. قال العبد الضعيف: هذه المسألة تسمى بالخرقاء، والأثر رواه البيهقى فى "سننه" من طريق يعقوب بن سفيان: ثنا عبد الله بن يوسف، ومن طريق هلال ابن العلاء الرقى: ثنا عبد الله بن جعفر، قالا: ثنا عيسى بن يونس، ثنا عباد بن موسى، ثنا الشعبى: أنه أتى به الحجاج موثقا، فذكر الحديث إلى أن قال: فأطلق عنه، ثم احتاج إليه فى فريضة، فذكره مطولا (٢٥٢:٦). ورواه ابن حزم فى "المحلى" من طريق البزار: ثنا روح بن الفرج -ويقال: ليس بمصر أو ثق وأصدق منه حديثا- نا عمرو بن خالد، نا عيسى بن يونس، أنا عباد بن موسى، عن الشعبى، قال: بعث إلى الحجاج فقال: ماتقول فى أم وأخت وجد؟ فذكر الحديث، وزاد: قال الحجاج: مر القاضى يمضيها على ما أمضاها عليه أمير المؤمنين يعنى عثمان رضى الله عنه. ومن طريق سعيد بن منصور: نا هشيم، عن عبيدة، عن الشعبى، قال: أرسل إلى الحجاج، فقال لى: ما تقول فى فريضة أتيت بها، أم وجد وأخت؟ فقلت: ما قال فيها الأمير، فأخبرنى بقوله، فقلت: هذا قضاء أبى تراب يعنى على بن أبى طالب، وقال فيها سبعة من أصحاب رسول الله عد اله قال عمرو بن مسعود: للأخت النصف، وللأم السدس، وللجد الثلث، وقال على: للأم الثلث، وللأخت النصف، وللجد السدس. وقال عثمان بن عفان: للأم الثلث، وللأخت الثلث، فقال الحجاج: ليس هذا بشىء، وقال زيد: للأم ثلاثة، وللجد أربعة، وللأخت سهمان، وقال ابن عباس وابن الزبير: للأم الثلث، وللجد ما بقی، ولیس للأخت شیء (٢٨٩:٩). ٣٨٥ إعلاء السنن باب ميراث ابنى العم أحدهما زوج والآخر ابن الأم ٦٠١٢- عن حكيم بن عقال: أن امرأة ماتت وتركت ابنى عمها، أحدهما زوجها، والآخر أخوها لأمها، فاختصموا إلى شريح، فقال: للزوج النصف، وما بقى فللأخ من الأم، فارتفعوا إلى على، فقال له: أفى كتاب الله وجدت هذا أم فى سنة رسول الله عَّ؟ قال: بل فى كتاب الله، قال: وأين هو من كتاب الله؟ قال: يقول الله: قلت: قول ابن عباس وابن الزبير وهذا هو قضاء أبى بكر الصديق رضى الله عنه، فإنه جعل الجد أبا، ولا يرث الإخوة والأخوات مع الأب، فكذلك مع الجد، وقد عرفت أن عمر وعثمان وعليا وابن مسعود، قد وافقوا أبا بكر على ذلك، صح ذلك عنهم بأسانيد ثابتة، فهو الراجح، والذى ذكره الشعبى عن عمر وعثمان وعلى وابن مسعود، هو ما كانوا يقولونه أولا، ثم رجعوا إلى قول أبى بكر حين رجع إليه عمر رضى الله عنه فى آخر أيامه، والله تعالى أعلم. باب ميراث ابنى العم أحدهما زوج والآخر ابن الأم قوله: "عن حكيم" إلخ: قلت: اختار أبو حنيفة مذهب على، وصورة المسألة: أن رجلا تزوج امرأة فأتت منه بابن، ثم تزوج أخرى فأتت منه بآخر، ثم فارق الثانية، فتزوجها أخوه فأتت منه ببنت، فهى أخت الثانى لأمه وابنة عمه، فتزوجت هذه البنت الابن الأول وهو ابن عمها، ثم ماتت عن ابنى عمها، أحدهما زوجها، والآخر أخوها لأمها (فتح البارى ٢٢:١٢)، فالنصف للزوج من جهة الزوجية، والسدس لابن الأم من جهة الإخوة لأم، والباقى بينهما نصفين من جهة العصوبة، فاعرف ذلك. وقد روى عن عبد الله مثل ما قال شريح. قال الحارث الأعور: ذكر لعلى فى رجل ترك بنى عمه أحدهم أخوه لأمه: أن ابن مسعود جعل له المال كله، فقال: رحم الله عبد الله أن كان لفقيها، لو كنت أنا لجعلت له سهمه، ثم شركت بينهم، رواه عبد الرزاق، وسعيد بن منصور وابن جرير والبيهقى، كذا فى "كنز العمال"، ولعله رجح أحدهما بقرابة الأم، كما يرجح أخ لأب وأم على أخ لأب. والجواب أن الترجيح إنما يكون عند اتحاد جهة الوراثة، وههنا الجهتان مختلفتان؛ لأن كونه ابن أم جهة، وكونه ابن عم جهة أخرى، وهما متساويان فى كونهما ابنى عم لها؛ فلا يرجح أحدهما بكونه ابن أم، فاحفظه. قال العبد الضعيف: روى البيهقى فى "سننه" من طريق يزيد -هو ابن هارون- نا محمد ٣٨٦ ج - ١٨ ميراث ابنى العم أحدهما زوج والآخر ابن الأم ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله﴾، فقال على: هل تجد فى كتاب الله النصف للزوج وما بقى فللأخ من الأم؟ فقال على: للزوج النصف، وللأخ من الأم السدس، وما بقى فهو بينهما نصفين، رواه سعيد بن منصور وابن جرير والبيهقى وابن عساكر، كذا فى "كنز العمال". ابن سالم، عن الشعبى: أن امرأة تركت ابنى عمها، أحدهما زوجها والآخر أخوها لأمها، قال على وزيد - رضى الله عنهما- للزوج النصف، وللأخ من الأم السدس، وهما شريكان فيما بقى، وفى قول عبد الله: للزوج النصف، وللأخ من الأم ما بقى، قال يزيد: بقول على وزيد رضى الله عنهما يؤخذ اهـ (٢٤٠:٦). قال الموفق فى "المغنى": ابنا عم أحدهما زوج، فللزوج النصف، والباقى بينهما نصفان عند الجميع، فإن كان الآخر أخا من أم فللزوج النصف، وللأخ السدس، والباقى بينهما، أصلها من ستة، للزوج أربعة، وللأخ للأم اثنان، وترجع بالاختصار إلى ثلاثة، وعند ابن مسعود: الباقى للأخ، فتكون من اثنین، لكل واحد منهما سهم اهـ (٢٩:٧). قال: وإذا كانا ابنى عم أحدهما أخ لأم، فلأخ للأم السدس، وما بقى بينهما نصفين، هذا قول جمهور الفقهاء، یروی عن عمر رضى الله عنه ما يدل على ذلك، ویروی ذلك عن على رضى الله عنه، وزيد وابن عباس، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعى، ومن تبعهم، وقال ابن مسعود: المال للذى هو أخ من أم، وبه قال شريح والحسن وابن سيرين وعطاء والنخعى وأبو ثور؛ لأنهما استويا فى قرابة الأب، وفضله هذا بأم، فصار كأخوين أو عمين أحدهما لأبوين والآخر لأب، ولأنه لو كان ابن عم لأبوين وابن عم لأب كان ابن العم للأبوين أولى، فإذا كان قربه لكونه من ولد الجدة قدمه، فكونه من ولد الأم أولی. ولنا أن الإخوة من الأم یفرض له بها إذا لم يرث بالتعصيب، وما یفرض له به لا يرجح به كما لو كان أحدهما زوجا، ويفارق الأخ من الأبوين والعم وابن العم إذا كانا من أبوين؛ فإنه لا يفرض له بقرابة أمه شىء، فرجح به، ولا يجتمع فى إحدى القرابتين ترجيح وفرض اهـ (٢٨:٧). وقال ابن بطال: وافق عليا زيد بن ثابت والجمهور، وقال عمر وابن مسعود: جميع المال - يعنى الذى يبقى بعد نصيب الزوج- للذى جمع القرابتين ، فله السدس بالفرض والثلث الباقى بالتعصيب، وهو قول الحسن وأبى ثور وأهل الظاهر. واحتجوا بالإجماع فى أخوين أحدهما شقيق والآخر لأب أن الشقيق يستوعب المال؛ لكونه أقرب بأم. وحجة الجمهور حديث ابن عباس: ٣٨٧ إعلاء السنن باب البداءة بذوى الفروض وإعطاء العصبة ما بقى ٦٠١٣- عن النبى عَ ◌ّ، قال: ((ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقى فهو الأولى رجل ذكر)) متفق عليه (منتقى). ٦٠١٤- وعن جابر، قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله عَ ليه بابنتيها من سعد، فقالت: يا رسول الله! هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك شهيدا فى أحد، وأن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالا، ولا ينكحان إلا بمال، فقال: يقضى الله فى ذلك، فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول الله عَ لّه إلى عمهما، فقال: ((أعط ابنتى سعد الثلثين، وأمهما الثمن وما بقى فهو لك))، رواه الخمسة إلا النسائى (منتقى). (ألحقوا الفرائض بأهلها، فإن بقى شىء فلأولى رجل ذكر))، فلما أخذ الزوج فرضه، والأخ من الأم فرضه، صار ما بقى موروثا بالتعصيب، وهما فى ذلك سواء، وقد أجمعوا فى ثلاثة إخوة للأم أحدهم ابن عم، أن للثلاثة الثلث، والباقى لابن العم (فكذا ههنا)، والفرق بين هذه الصورة وبين تقديم الشقيق على الأخ لأب طريق الترجيح؛ لأن الشرط فيها أن يكون فيه معنى مناسب لجهة التعصيب؛ لأن الشقيق شارك شقيقه فى جهة القرب المتعلقة بالتعصيب، بخلاف الصورة المذكورة، والله أعلم اهـ من "فتح البارى" (٢٣:١٢) ملخصا. باب البداءة بذوى الفروض وإعطاء العصبة ما بقى قوله: "عن النبى معَّه" إلخ: قلت: الحديثان نصان فى الباب، وأما إذا لم يكن هناك صاحب فرض فالمال كله للعصبة. قال العبد الضعيف: العصبة هم الذكور من ولد الميت وآباءه وأولادهم، وليس ميراثهم مقدرا، بل يأخذون المال كله إذا لم يكن معهم ذو فرض، فإن كان معهم ذو فرض لا يسقط بهم أخذوا الفاضل عن ميراثه كله، وأولاهم بالميراث أقربهم، ويسقط به من بعد؛ لقول النبى عد له: ((ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقى فهو لأولى رجل ذكر))، وأقربهم البنون، ثم بنو الأب - وهم الإخوة للأبوين أو للأب- ثم بنوهم وإن سفلوا، الأقرب منهم فالأقرب، ويسقط البعيد بالقريب، فإن اجتمعوا فى درجة واحدة فولد الأبوين أولى؛ لقوة قرابته بالأم، فإذا انقرض الإخوة وبنوهم فالميزاث للأعمام، ثم بينهم على هذا النسق إن استوت درجتهم، قدم من هو لأبوين، فإذا انقرضوا، ٣٨٨ ج - ١٨ باب ميراث الجدات الصحيحة ٦٠١٥- عن قبيصة بن ذويب، قال: جاءت الجدة إلى أبى بكر، فسألته ميراثها، فقال: ما لك فى كتاب الله شىء، وما علمت لك فى سنة رسول الله عَ ◌ّه شيئا، فارجعى حتى أسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله عَّ الله أعطاها السدس، فقال: هل معك غيرك؟ فقال: محمد بن مسلمة الأنصارى، فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذ لها أبو بكر، ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر، فسألته ميراثها، فقال: ما لك فى كتاب شىء، ولكن هو ذاك السدس، فإن اجتمعتما فهو بينكما، وأيكما خلت به فهو لها، رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذى. فالميراث الأعمام الأب على هذا النسق، ثم لأعمام الجد، ثم بينهم، وعلى هذا أبدا لا يرث بنو أب أعلى مع بنى أب أقرب منه وإن نزلت درجتهم، لما مر فى الحديث، وهذا كله مجمع عليه بحمد الله ومنه اهـ من "المغنى" (٢٠:٧) ملخصا. باب ميراث الجدات الصحيحة قوله: "عن قبيصة" إلخ: قلت: الثنتان اللتان هما من قبل الأب أم أبيه وأم أمه، والواحدة التى هى من قبل الأم هى أم أم الأم، كما رواه إبراهيم النخعى، عن النبى معَّ له مرسلا، رواه سعيد ابن منصور عنه، كما فى "كنز العمال". والظاهر أن الضمير راجع إلى الأب؛ فيكون معناه أنه ورث أم أب الأب وأم أم الأب، بقى أنه ورثن السدس مجتمعات أو منفردات؟ فالكل محتمل. ويظهر منه أن أم أب الأم من ذوى الأرحام دون ذوى الفروض. وعن القاسم بن محمد، قال: جاءت الجدتان إلى أبى بكر الصديق، فأراد أن يجعل السدس للتى هى من قبل الأم، فقال رجل من الأنصار: أما إنك تترك التى لو ماتت وهو حى كان يرثها، فجعل السدس بينهما، رواه مالك في الموطأ" (منتقى). قال العبد الضعيف: روى البيهقى من طريق شعبة، وسفيان، وشريك، عن منصور، عن إبراهيم، قال: أطعم رسول الله عَّه ثلاث جدات سدسا، قلت لإبراهيم: من هن؟ قال: جدتاك من قبل أبيك، وجدة أمك. ومن طريق وكيع، عن الفضل بن دلهم، عن الحسن: أن رسول الله ورث ثلاث جدات. ومن طريق هشيم، عن ابن أبى ليلى، عن الشعبى: أن زيد بن ثابت وعليا رضى الله عنهما كان يورثان ثلاث جدات، ثنتين من قبل الأب، وواحدة من قبل الأم ومن قبل ابن أبى ٣٨٩ ميراث الجدات الصحيحة إعلاء السنن ٦٠١٦- وعن عبادة بن الصامت: أن النبى علّ قضى للجدتين من الميراث بالسدس بينهما، رواه عبد الله بن أحمد فى "المسند". ٦٠١٧- وعن بريدة: أن النبى عَّه جعل للجدة السدس إذا لم يكن دونها أم، رواه أبو داود. الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد، عن أبيه، أن معانى هذه الفرائض وأصولها عن زيد، وأما التفسير فتفسير أبى الزناد، قال: فإن ترك المتوفى ثلاث جدات بمنزلة واحدة، ليس دونهن أم ولا أب، فالسدس بينهن ثلاثتهن، وهن أم أم الأم، وأم أم الأب، وأم أبى الأب. ومن طريق وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله، قال: ترث ثلاث جدات، جدتين من قبل الأب، وواحدة من قبل الأم. ومن طريق يزيد بن هارون: أنا أشعث بن سوار، عن الشعبى، قال: جئن أربع جدات يتساوقن إلى مسروق، فألقى أم أبى الأم، وورث ثلاث جدات. ومن طريق حماد بن سلمة، عن داود بن أبى هند، عن الشعبى، وحميد عن الحسن، قالا فى أم أبى الأم: لا ترث. وقال داود عن الشعبى: إنما الذى تدلى به لا يرث فكيف ترث هى؟ ومن طريق هشيم، عن ابن أبى ليلى، عن الشعبى: أن عليا وزيدا رضى الله عنهما كانا يورثان القربى من الجدات. وفى لفظ عنه قال: كان على وزيد يورثان الجدات الأقرب فالأقرب. ومن طريق يزيد بن هارون: أنا محمد بن سالم، عن الشعبى، قال: كان على وزيد رضى الله عنهما يطعمان الجدة أو الثنتين أو الثلاث السدس، لا ينقصن منه، ولا يزدن عليه إذا كانت قرابتهن إلى الميت سواء، وإذا كانت إحداهن أقرب فالسدس لها دونهن، وكان عبد الله يشرك بين أقربهن وأبعدهن فى السدس إن كن بمكان شتى، ولا يحجب الجدات من السدس إلا الأم، أى كان عبد الله يقول: لا يحجب الجدات إلا الأم، ويورثهن وإن كان بعضهن أقرب من بعض، إلا أن تكون .. إحداهن أم الأخرى فتورث الابنة اهـ (٢٣٦:٦). قلت: بقول على وزيد أخذ أصحابنا كما فى "السراجية" وغيرها وقال ابن حزم فى المحلى: وقالت طائفة: ترث كل جدة إلا جدة بينها وبين الميت أبو أم، وهو قول سفيان الثورى، وأبى حنيفة، وأصحابهما (٢٧٥:٩)، أى ويحجب القربى منهن البعدى عندهما. وذهب ابن حزم إلى أن الجدة ترث الثلث إذا لم يكن للميت أم حيث ترث الأم الثلث، وترث السدس حيث ترث الأم السدس، واحتج بقوله تعالى: ﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾، وقال تعالى: ﴿كما أخرج أبويكم من الجنة﴾، فجعل آدم وامرأته عليهما السلام أبوينا، فهذا نص القرآن اهـ (٢٧٢:٩). ج - ١٨ ميراث الجدات الصحيحة ٣٩٠ ٦٠١٨- وعن عبد الرحمن بن يزيد، قال: أعطى رسول الله عَّ له ثلاث جدات السدس، ثنتين من قبل الأب، وواحدة من قبل الأم، رواه الدارقطنى مرسلا (منتقى). قلنا: لا شك أن الأبوين حقيقة فى الأب والأم بلا واسطة، وإطلاقهما على الجد والجدة مجاز، وقد قامت القرينة على إرادة المجاز فى قوله: ﴿كما أخرج أبويكم من الجنة﴾، ولم تقم فى قوله: ﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾، فلذا لم نقل بكون فرض الجد منصوصا، بل قلنا بكونه مجتهدا فيه، ولو كان منصوصا لكان مقطوعا به، ولم يختلف الصحابة فيه كما لم يختلفوا فى فريضة الأب والأم، وإذا كان كذلك فلا يصح القول بكون فرض الجدة منصوصا كالأم، بل هو مجتهد فيه كما هو ظاهر قول أبى بكر: مالك فى كتاب الله شىء، وما علمت لك فى سنة رسول الله عَ ليه شيئا. ثم اطلع أبو بكر على أن رسول الله عَ ليه أطعمها السدس، لم يثبت عنه عَّه غير ذلك ولا عن أحد من أصحابه، فلا يصح إعطاءها الثلث قياسا على الأم، فإن القياس كله باطل عند ابن حزم، ولو صح لكان ذلك منه عين الباطل؛ لما فيه من قياس البعيد على القريب. وأما ما رواه ابن حزم من طريق أبى نعيم، عن شريك، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: الجدة بمنزلة الأم إذ لم تكن أم اهـ. فلا ندرى متى يصير ليث بن أبى سليم حجة عنده، ومتى هو ليس بحجة؟ ولو صح فأين فيه أنه كان يعطيها الثلث؟ فيحتمل أن يكون جعلها بمنزلة الأم فى الميراث وقدره، وأن يكون جعلها بمنزلتها فى مطلق الميراث دون قدره، فلا حجة فيه على أنها تستحق الثلث، وقد أجمع الصحابة والتابعون على أن ليس للجدة إلا السدس. وأما قول ابن حزم: ما وجدنا إيجاب السدس للجدة إلا مرسلا عن أبى بكر وعمر وابن مسعود وعلى وزيد خمسة فقط فأين الإجماع؟ ففيه أن هؤلاء لا يعرف لهم من الصحابة مخالف؛ فكان إجماعا. وما رواه عن ابن عباس ليس بمخالف؛ لما فيه من الاحتمال، والله تعالى أعلم. وقد روى البيهقى من طرق عن زيد بن ثابت، أنه كان يقول: إذا كانت الجدة من قبل الأم أقعد من الجدة من قبل الأب، فهى أحق بالسدس، وإذا كانت الجدة من قبل الأب أقعد أشركت بينها وبين جدة الأم، قيل: وكيف صارت الجدة من قبل الأم بهذه المنزلة؟ قال: لأن الجدات إنما أطعمن السدس من قبل سدس الأم. ومن طريق يحيى بن آدم عن ليث عن طاوس عن ابن عباس: ((أن رسول الله عَّه ورث جدة سدسا)) اهـ (٢٣٤:٦)، فقد تظاهرت الآثار عن رسول الله عَ ليه وعن الصحابة بعده بأنهم ورثوا الجدة السدس لا غير، فمن أين لأحد أن يورثها الثلث بالرأى؟ فافهم، والله تعالى أعلم، ظ. ٣٩١ إعلاء السنن باب سقوط أم الأب بالأب ٦٠١٩- أخبرنا إبراهيم، ثنا حسن عن أشعث عن الشعبى عن على وزيد: أنهما کانا لا يورثان الجدة أم الأب مع الأب. فائدة: قال الموفق فى "المغنى": وروى عن ابن عباس أنه ورث الجدات وإن كثرن إذا كن فى درجة واحدة، إلا من أدلت بأب غير وارث كأم أب الأم. قال ابن سراقة: وبهذا قال عامة الصحابة إلا شاذا، وإليه ذهب الحسن، وابن سيرين، والثورى، وأبو حنيفة، وأصحابه، وهو رواية المزنى عن الشافعى رحمه الله، وهو ظاهر كلام الخرقى. وأجمع أهل العلم على أن الجدة المدلية بأب غير وارث لا ترث، وهى كل جدة أدلت بأب بين أمين، كأم أبى الأم، إلا ما حكى عن ابن عباس، وجابر ابن زيد، ومجاهد، وابن سيرين، أنهم قالوا: ترث، وهو قول شاذ لا نعلم اليوم به قائلا، وليس بصحيح؛ فإنها تدلى بغير وارث، فلم ترث كالأجانب. ولا خلاف بين أهل العلم فى توريث جدتين أم الأب وأم الأم، وكذلك إن علتا وكانتا فى القرب سواء، كأم أم أم، وأم أم أب، إلا ما حكى عن داود أنه لا يورث أم أم الأب شيئا؛ لأنه لا يرثها فلا ترثه، ولأنها غير مذكورة فى الخبر. ولنا أن النبى معَِّ أعطى ثلاث جدات، ومن ضرورته أن يكون فيهن أم أم الأب، أو من هى أعلى منها، وما ذكره داود فهو قياس، وهو لا يقول بالقياس، ثم هو باطل بأم الأم، فإنها ترثه ولا يرثها، وقوله ليست مذكورة فى الخبر، قلنا: وكذلك أم أم الأم اهـ ملخصا (٥٤:٧). باب سقوط أم الأب بالأب قوله: "أخبرنا إبراهيم" إلخ: قلت: هو مذهب أئمتنا، وروى الترمذى عن عبد الله بن مسعود فى الجدة مع ابنها: أنها أول جدة أطعمها رسول الله مُّ سدسا مع ابنها وابنها حى، وقال: هذا حديث لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، وقد ورث بعض أصحاب النبى عنَ ◌ّ ا مع ابنها، ولم يورثها بعضهم. وأجاب عنه فى "شرح السراجية" بأنه يحتمل أن يكون أبو ذلك الميت. رقيقا أو كافرا، وقالوا فى وجه هذا التأويل: إن المدلى به إن كان يستحق جميع المال -بأن يكون عصبة- فالمدلى لهذا المدلى به يكون محجوبا عند وجوده، سواء كان المدلى والمدلى به متحدين فى سبب الإرث، كالأب والجد والابن وابن الابن، أو لا كالأب والإخوة والأخوات، وإن كان لا يستحق جميع ٣٩٢ ج - ١٨ سقوط أم الأب بالأب ٦٠٢٠- وحدثنا سعيد بن المغيرة عن ابن المبارك عن معمر عن الزهرى: أن عثمان كان لا يورث الجدة وابنها، رواهما الدارمى. المال بأن كان صاحب فرض فإن اتحدا فى السبب فالأمر كذلك، كالأم وأم الأم، وإلا فلا، كالأم وأولاد الأم. قال العبد الضعيف: والأولى أن يقال: إن الجدة كانت أم الأم، فورثها رسول الله عَ ليه مع ابنها الذى هو خال الميت، وبه نقول؛ لأن الخال لا يرث مع ذوى أسهام، وإنما هو من ذوى الأرحام، قاله الشيخ مولانا رشيد أحمد المحدث الكنكوهى فى درسه للترمذى، وقد أطال بعض الأحباب الكلام فى هذا الباب، فلم يأت بشىء، ولعل الذى قلنا أقرب إلى الصواب. وقد روى ابن حزم فى "المحلى": من طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثورى، عن محمد بن سالم، عن الشعبى، قال: كان على بن أبى طالب، وزيد بن ثابت لا يورثان الجدة مع ابنها، وبه إلى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهرى: أن عثمان بن عفان لم يورث الجدة إن كان ابنها حيا،. قال الزهرى: والناس عليه، ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: أن زيد ابن ثابت كان لا يورث الجدة أم الأب وابنها حى (هذا هو ترجمة الباب، وهو المراد بسقوط الجدة بابنها، أى سقوط أم الأب بالأب، فلا يعارض ما رواه ابن مسعود: أن أول جدة أطعمها رسول الله عَِّ السدس مع ابنها، وفى لفظ: وابنها حى، فإن المراد بها أم الأم، كما مر، ظ). ومن طريق سعيد بن منصور: نا حماد بن زيد، عن كثير بن شنظير، عن عطاء: أن زيد ابن ثابت قال: يحجب الرجل أمه، كما تحجب الأم أمها من السدس، قال ابن حزم: كثير لا شىء. معنی قول ابن معین: لیس بشىء (قلت: كلا! فإنه من رجال الشيخين والأربعة إلا النسائى، وقال الحاكم: قول ابن معين فيه: ليس بشىء، هذا يقوله ابن معين إذا ذكر له الشيخ من الرواة يقل حديثه، ربما قال فيه: ليس بشىء، يعنى لم يسند من الحديث ما يشتغل به (تهذيب ٤١٩:٨)، وثقه أحمد، فقال: صالح، قد روى عنه الناس واحتملوه، وقال مرة: صالح الحديث، وقال ابن معين فى رواية: صالح، وقال ابن عدى: ليس فى حديث شىء من المنكر، أرجو أن تكون أحاديث مستقيمة، وقال ابن سعد: ثقة إن شاء الله تعالى اهـ، ولما رواه شاهد من حديث قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن زيد بن ثابت، كما مر). ومن طريق ابن وهب، عمن يثق به، عن سعيد بن المسيب، قال: قال ابن مسعود فى الجدة وابنها حى: منعها الذى به تمت اهـ (٢٧٩:٩). ٣٩٣ إعلاء السنن باب ميراث الأبناء والآباء ٦٠٢١- عن جرير، عن مغيرة، عن أصحابه فى قول زيد بن ثابت، وعلى بن أبى طالب، وعبد الله بن مسعود -رضى الله عنهم- إذا ترك المتوفى ابنا فالمال له، فإن ترك ابنين فالمال بينهما، فإن ترك ثلاثة بنين فالمال بينهم بالسوية، فإن ترك بنين وبنات فالمال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن لم يترك ولد الصلب، وترك بنى ابن وبنات ابن نسبهم إلى الميت واحد، فالمال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وهم بمنزلة الولد إذا لم يكن ولد، وإذا ترك ابنا وابن ابن فليس لابن الابن شىء، وكذلك إذا ترك ابن ابن وأسفل منه ابن ابن وبنات ابن أسفل، فليس للذى أسفل من ابن الابن مع الأعلى شىء، كما أنه ليس لابن الابن مع الابن شىء، وإن ترك أباه ولم يترك أحدا غيره فله المال، وإن ترك أباه وترك ابنا فللأب السدس وما بقى فللابن، وإن ترك ابن ابن ولم يترك ابنا فابن الابن بمنزلة الابن، رواه البيهقى (كنز العمال). فإن قيل: قد روى عبد الرزاق، عن سفيان الثورى، عن الأشعث -هو ابن عبد الملك الحمرانى- عن ابن سيرين، قال: أول جدة أطعمها رسول الله عَ ليه أم أب مع ابنها، كما فى "المحلى" (٢٨١:٩). قلنا: المحفوظ فى هذا الحديث: أول جدة أطعمت السدس على عهد رسول الله عَ لآل وابنها حى. فرواه الراوى مرة بالمعنى، وفسر الجدة بأم الأب، وقد طعن حفص ابن غياث فى الأشعث بن عبد الملك أنه يقيس على قول الحسن فيحدث به، كما فى "التهذيب" (٣٥٧:١)، فلعل هذا أيضا من روايته بالمعنى، وقياسه بالرأى، والله تعالى أعلم. وقد روى سقوط الجدة أم الأب بابنها عن سعد بن أبى وقاص، والزبير بن العوام، وهو قول سعيد بن المسيب، وطاوس، والشعبى، وبه يقول سفيان، والأوزاعى، ومالك، وأبو حنيفة، والشافعى. وروى عن داود كما فى "المحلى" أيضا، ولو سلمنا أن المراد بأول جدة أطعمت السدس مع ابنها أم الأب، فلا نسلم أن ابنها الحى كان أبا الميت، فيحتمل أن يكون عمه، ولا خلاف فى توريثها مع ابنها إذا كان عما أو عم أب؛ لأنها لا تدلى به، كذا فى "المغنى" (٥٩:٧). باب ميراث الأبناء والآباء قوله: "عن جرير" إلخ: قال العبد الضعيف: رواه البيهقى فى "سننه" (٢٣٨:٦): من طريق ٣٩٤ ج - ١٨ باب المسألة الحمارية وتسمى المشركة أيضا ٦٠٢٢- عن عمر وعثمان وعبد الله وزيد وشريح فى زوج وأم وإخوة لأب وأم إسماعيل القطان: ثنا الحسن بن عيسى، أنا جرير، عن المغيرة، عن أصحابه، فذكره وقال الموفق فى "المغنى": ويرث من الرجال الابن ثم ابن الابن وإن سفل، والأب، ثم الجد وإن علا، والأخ، ثم ابن الأخ، والعم، ثم ابن العم، والزوج، ومولى النعمة، ومن النساء البنات، وبنات الابن والأم والجدة والأخت والزوجة ومولاة النعمة. فهؤلاء مجمع على توريثهم، وأكثرهم ثبت توريثه بالكتاب والسنة، وأما المولى المعتق والمولاة فثبت إرثهما بقوله عليه السلام: ((الولاء لمن أعتق))، والجدة أطعمها النبى عرّ له السدس، وجميعهم ضربان: ذو فرض، وعصبة، فالذكور كلهم عصبات إلا الزوج والأخ من الأم، وإلا الأب والجد مع الابن، والإناث كلهن إذا انفردن عن أخواتهن ذوات فرض إلا المولاة المعتقة، وإلا الأخوات مع البنات، ومن لا يسقط بحال خمسة: للزوجان، والأبوان، وولد الصلب؛ لأنهم يميتون بأنفسهم من غير واسطة بينهم وبين الميت يحجبهم، ومن سواهم من الوارث إنما يمت بواسطة سواه؛ فيسقط بمن هو أولى منه بالميت اهـ ملخصا (٦٣:٧). باب المسألة الحمارية إلخ قوله: "عن عمر وعثمان" إلخ: قلت: اختار أبو حنيفة مذهب على؛ لدقته وموافقته للسنة؟ لأن حجة من خالفه أنهم مشتركون فى الأم والأب لا يزيدهم إلا خيرا - والجواب أنهم عصبة، والإخوة للأم أهل الفرائض، ولا يستحق العصبة إلا ما فضل عن ذوى الفروض، وقد تكاملت السهام دونهم؛ فلا يستحقون شيئا، قال النبى معَّه: ((ألحقوا الفرائض بأهلها فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر))، وإنما سميت المسألة حمارية لأن الإخوة لأب وأم قالوا: هب إن أبانا كان حمارا فأمنا واحدة. ثم اعلم أن الحاكم روى فى "المستدرك" عن عمر، وعلى، وعبد الله، وزيد، أنهم كانوا يشركون، ولكن فى سنده محمد بن أبى ليلى وهو سىء الحفظ، فيحتمل أن يكون قد زاد اسم على تزهما، ويحتمل أن يكون عنه روايتان فى المسألة، والله أعلم. قال العبد الضعيف: ابن أبى ليلى كان فقيها عالما بالفرائض، وهو أجل من أن ينسب إلى على ما هو خلاف المشهور عنه، فالظاهر أن الوهم من آخر غيره، وتسمى هذه المسألة مشتركة ٣٩٥ المسألة الحمارية إعلاء السنن وإخوة لأم: أنهم يشركون الإخوة للأب والأم مع الإخوة للأب فى الثلث، وعن على: أيضًا، وقد اختلف قضاء عمر فيها، فروى البيهقى وغيره من طريق وهب بن منبه، عن الحكم بن مسعود الثقفى، قال: شهدت عمر بن الخطاب رضى الله عنه أشرك الإخوة من الأب والأم مع الإخوة من الأم فى الثلث، فقال له رجل: قضيت فى هذا عام أول بغير هذا، قال: كيف قضيت؟ قال جعلته للإخوة من الأم، ولم تجعل للإخوة من الأب والأم شيئا، قال: تلك على ما قضينا، وهذا علی ما قضينا. ومن طريق يزيد بن هارون: أنا سليمان التيمى عن أبى مجلز: أن عثمان بن عفان رضى الله عنه شرك بين الإخوة من الأم والإخوة من الأب والأم فى الثلث، وأن عليا رضى الله عنه لم يشرك بينهم. ومن طريق أبى أمية بن يعلى الثقفى عن أبى الزناد عن عمرو بن وهب عن أبيه عن زيد ابن ثابت فى المشركة قال: هبوا أن أباهم كان حمارا ما زادهم الأب إلا قربا، والشرك بينهم فى الثلث. ومن طريق يزيد: أنا سفيان الثورى، عن منصور، والأعمش، عن إبراهيم، عن عمر، وعبد الله، وزيد -رضى الله عنهم- أنهم قالوا: للزوج النصف، وللأم السدس، وأشركوا بين الإخوة من الأب والأم، والإخوة من الأم فى الثلث، قالوا: ما زادهم الأب إلا قربا، ومن طريقه عن محمد ابن سالم، عن الشعبى، قال: قال عمر وعبد الله نحوه، ومن طريق هشيم، عن ابن أبى ليلى عن الشعبى، عن عمر وعبد الله نحوه. وقال البيهقى: وروى عن عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت بخلاف هذا، ثم أخرج من طريق يزيد بن هارون: أنا شعبة، عن أبى قيس، عن هزيل بن شرحبيل، قال: أتينا عبد الله فى زوج وأخوين لأم، وأخ لأب وأم، فقال: قد تكاملت السهام، ولم يعط الاخ من الأب والأم شيئا. ومن طريق النضر بن شميل، عن شعبة، عن أبى قيس، عن هزيل بن شرحبيل نحوه، ومن طريق يحيى بن آدم: ثنا شريك، عن أبى إسحاق، عن الأرقم بن شرحبيل، عن عبد الله، أنه قال فى الشركة: يا ابن أخى! تكاملت السهام دونك (وهذه أسانيد كلها صحاح موصولة). ومن طريق يزيد بن هارون: أنا محمد بن سالم، عن الشعبى، قال: قال علی وزید -رضى الله عنهما- للزوج النصف، وللأم السدس، وللإخوة من الأم الثلث، ولم يشركا بين الإخوة من الأب والأم معهم. وقالا: هم عصبة، إن فضل شىء كان لهم، وإن لم يفضل لم يكن لهم شىء. ومن طريق هشيم، عن محمد بن سالم، عن الشعبى: أن زيدا رضى الله عنه كان يجعل الثلث للإخوة للأم دون الإخوة من الأب والأم، قال هشيم: فرددت عليه. ٣٩٦ المسألة الحمارية ج - ١٨ أنه لا يشركهم معهم، كذا فى "الدارمى". وقلت: إن زيدا كان يشرك. قال: فإن الشعبى حدثنا هكذا عن زيد أنه كان يقول مثل قول على رضى الله عنه، فرددت عليه أيضا، فقال: بينى وبينك ابن أبى ليلى (فيه دليل على أن ابن أبى لیلی لم یکن یروی عن علی التشریك). ومن طريق يزيد بن هارون: أنا سفيان الثورى، عن أبى إسحاق عن الحارث عن على: أنه جعل للإخوة من الأم الثلث، ولم يشرك الإخوة من الأب والأم معهم، وقال: هم عصبة، ولم يفضل لهم شىء، وبإسناده: أنا سفيان، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال: سئل على -رضى الله عنه عن الإخوة من الأم؟ فقال: أرأيت لو كانوا مائة أكنتم تزيدون على الثلث شيئا؟ قالوا: لا، قال: فإنى لا أنقصهم منه شيئا. ومن طريق محمد بن نصر: ثنا عمرو بن زرارة، أنا يحيى بن زكريا، أخبرنى إسرائيل عن جابر عن عامر: أن عليا وأبا موسى كانا لا يشركان، ورواه أيضا أبو مجلز عن على مرسلا وحكيم ابن جابر عن على رضى الله عنه موصولا، فهو عن على رضى الله عنه مشهور اهـ (٢٥٧:٦). وقال الموفق فى "المغنى": لنا قول الله تعالى: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ، أو أخت فلكل واحد منهما السدس، فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء فى الثلث﴾، ولا خلاف فى أن المراد بهذه الآية ولد الأم على الخصوص، فمن شرك بينهم فلم يعط كل واحد منهما السدس، فهو مخالفة لظاهر القرآن، ويلزم منه مخالفة لظاهر الآية الأخرى، وهى قوله: ﴿وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين﴾، يراد بهذه الآية سائر الإخوة والأخوات، وهم يسوون بين ذكرهم وأنثاهم، وقال النبى معَّ ◌ُله: ((ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقى فلأولى رجل ذكر))، ومن شرك فلم يلحق الفرائض بأهلها. ومن جهة المعنى أن ولد الأبوين عصبة لا فرض لهم، وقد تم المال بالفروض؛ فوجب أن يسقطوا، كما لو كان مكان ولد الأم ابنتان، وقد انعقد الإجماع على أنه لو كان فى هذه المسألة واحد من ولد الأم، ومائة من ولد الأبوين، لكان للواحد السدس، وللمائة السدس الباقى، لكل واحد عشر عشره، وإذا جاز أن يفضلهم الواحد هذا الفضل كله لم لا يجوز لإثنين إسقاطهم؟ وقولهم: تساووا فى قرابة الأم. قلنا: فلم لم يساووهم فى الميراث فى هذه المسألة؟ على أنا نقول: إن ساووهم فى قرابة الأم فقد فارقوهم فى كونهم عصبة من غير ذوى الفروض، وهذا الذى افترقوا فيه، هو المقتضى لتقديم ٣٩٧ إعلاء السنن باب الحجب ٦٠٢٣- حدثنا محمد بن عيينة، عن على بن مسهر، عن أشعث، عن الشعبى: أن عليا وزيدا كانا لا يحجبان بالكفار ولا بالمملوكين، ولا يورثانهم شيئا، وكان عبد الله یحجب بالكفار وبالمملو کین، ولا يورثهم. ولد الأم وتأخير ولد الأبوين، فإن الشرع ورد بتقديم ذوى الفروض وتأخير العصبة، ويلزمهم أن يقولوا فى زوج وأخت من أبوين وأخت من أب أخوها معها: إن الأخ يسقط وحده، فترث أخته السبع، لأن قرابتها مع وجوده كقرابتها مع عدمه، وهو لم يحجبها، فهلا عدوه حمارا وورثوها مع وجوده كميراثها مع عدمه؟ وما ذكروه من القياس طردى لا معنى تحته. اهـ ملخصا (٣٣:٨). قلت: ذهب مالك والشافعى إلى التشريك وأبو حنيفة وأحمد وأصحابهما ويحيى بن آدم ونعيم بن حماد وأبو ثور وابن المنذر إلى عدمه، ويروى هذا عن على وابن مسعود وأبى بن كعب وابن عباس وأبى موسى رضى الله عنهم وبه قال الشعبى والعنبرى وشريك وغيرهم، والله تعالى أعلم. باب الحجب قوله: "حدثنا محمد بن عيينة" إلخ: قلت: اختار أبو حنيفة مذهب على وزيد لدقة مبناه، وهو الفرق بين المحروم والمحجوب، بأن المحجوب وارث من وجه لأهليته للميراث، وغير وارث من وجه لكونه محجوبا، بخلاف المحروم فإنه ليس لوارث أصلا؛ لعدم الأهلية، فيجعل كالمعدوم. وعن الحارث عن على، عن النبى معَّ له، قال: ((الإخوة من الأم يتوارثون دون بنى العلات، يرث الرجل أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه)). رواه الدارمى. قلت: هذا يدل على أن بعد الاشتراك فى جهة الوراثة ونوعيتها يحجب الأقوى الأضعف إذا كان الأضعف مزاحما للأقوى، وأما إذا لم يكن مزاحما فلا، كالأخت للأب ترت مع الأخت للأب والأم السدس؛ لعدم المزاحمة فى نصيبها وهو النصف، ولا ترث مع الأختين للمزاحمة، ولا يحجب الأخ للأب والأم الأخت للأب؛ لعدم المزاحمة، واختلاف نوع الوراثة؛ لأن الأخت للأب ترث النصف بالفرض، والأخ للأب والأم يرث ما بقى بالعصوبة. وعن الضحاك بن قيس: أن عمر قضى فى أهل طاعون عمواس أو طاعون فى الإسلام: أنهم كانوا إذا كانوا من قبل الأب سواء فبنو الأم أحق، وإذا كان بعضهم أقرب من بعض فهم أحق، رواه الدارمى. ٣٩٨ باب الحجب ج - ١٨ ٦٠٢٤- وحدثنا سليمان بن حرب، ثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم: أن عليا قلت: أفاد رضى الله عنه أن بعد اتحاد جهة الوراثة ونوعيتها يترجح الأقوى على الأضعف عند المزاحمة وكذا يترجح الأقرب على الأبعد عند اتحاد الجهة، كالأم يترجح على أم الأم وأم الأب، والأخ يترجح على ابن الأخ، والأب يترجح على أب الأب، والأخ يترجح على العم؛ لأن كل واحدة يرث بالإخوة، أحدها يإخوة الميت، والآخر بإخوة أبيه، والأخ للميت أقرب من أخی أبيه. وأما إذا كانت الجهة مختلفة فلا، كالأب لا يحجب أم الأم، و لا أم الأب، واختاره أبو حنيفة. إلا أنه قال: إن الأب يحجب أم الأب؛ لأن المدلى لا يرث مع المدلى به إلا أولاد الأم؛ فإنهم يرثون مع الأم. والله أعلم. وعن بريدة: أن النبى معَّ جعل للجدة السدس إذا لم يكن دونها أم، رواه أبو داود وقال فى نيل الأوطار": صححه ابن السكن، وابن خزيمة. وابن الجارود، وقواه ابن عدى. قلت: دل الحديث على أن الأم حاجبة للجدة. قال العبد الضعيف: روى البيهقى فى "سننه" من طريق يزيد بن هارون: أنا حماد بن زيد، ثنا أنس بن سيرين: أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: لا يتوارث أهل ملتين شتى، ولا يحجب من لا يرث. ومن طريقه: أنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، قال: قال على -رضى الله عنه- وزید: المشرك لا يحجب ولا يرث. وقال عبد الله - رضى الله عنه- يحجب ولا يرث. ومن طريق عبدان: أخبرنى أبى، عن شعبة، عن المغيرة، عن الشعبى، عن على، وزيد بن ثابت، قالا: المملوكون وأهل الكتاب بمنزلة الأموات، قال: وقال عبد الله: يحجبون ولا يرثون اهـ (٢٢٣:٦). وروى أبو يوسف فى "الآثار" له: عن أبى حنيفة، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن عمر ابن الخطاب - رضى الله عنه - أنه قال: الكفر ملة واحدة، لا نرثهم ولا يرثوننا اهـ (١٧١). وقال الموفق فى "المغنى": من لم يرث لمعنى فيه - كالمخالف فى الدين والرقيق والقاتل- فهذا لا يحجب غيره فى قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين، إلا ابن مسعود ومن وافقه، فإنهم يحجبون الأم والزوجين بالولد الكافر، والقاتل، والرقيق، ويحجبون الأم بالإخوة الذين هم كذلك، وبه قال أبو ثور، وداود، وتابعه الحسن فى القاتل دون غيره، قياسا على الإخوة مع الأبوين يحجبون الأم (عن الثلث إلى السدس ولا يرثون ولعلهم تمسكوا بعموم قوله تعالى: ﴿فإن كان لهن ولد فلكم الربع﴾ ﴿وإن كان لكم ولد فلهن الثمن﴾ ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك ٣٩٩ باب الحجب إعلاء السنن وزيدا قالا: المملوكون وأهل الكتاب لا يحجبون ولا يرثون، وقال عبد الله: يحجبون إن كان له ولد﴾، وقوله: ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾، وهؤلاء أولاد وإخوة، وعدم إرثهم لا يمنع حجبهم كالإخوة مع الأبوين. ولنا أن المراد بالولد والإخوة فى الآية أهل الميراث، بدليل أنه لما قال: ﴿يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ أراد به الوارث إجماعا، ولم يدخل هؤلاء فيهم، ولما قال: ﴿إِن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت﴾ الآية، لم يدخلوا فيهم. وأما الإخوة مع الأبوين فهم من أهل الميراث؛ بدليل أنه لولا الأب لورثوا، وإنما قدم عليهم لأن غيرهم أولى منهم، فامتناع إرثهم لمانع لا لانتفاء المقتضى، فأما من لا يرث لحجب غيره له فإنه يحجب وإن لم يرث، كالإخوة يحجبون الأم وهم محجوبون بالأب؛ لأن عدم إرثهم لم يكن لمعنى فيهم، ولا لانتفاء أهليتهم بل لتقديم غيرهم عليهم، والمعنى الذى حجبوا به فى حال إرثهم موجود مع حجبهم عن الميراث بخلاف مسألتنا اهـ ملخصا (١٩٣:٦)، قال: ولا يرث أخ ولا أخت لأب وأم أو لأب مع ابن، ولا مع ابن ابن وإن سفل، ولا مع أب، أجمع أهل العلم على هذا بحمد الله، وذكر ذلك ابن المنذر وغيره، والأصل فى هذا قول الله تعالى: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد﴾ الآية. والمراد بذلك الإخوة والأخوات من الأبوين أو من الأب بلا خلاف بين أهل العلم، ولأنه قال: ﴿وهو يرثها إن لم يكن لها ولد﴾، وهذا حكم العصبة، واقتضت الآية أنهم لا يرثون مع الولد والوالد؛ لأن الكلالة من لا ولد له ولا والد، خرج من ذلك البنات والأم؛ لقيام الدليل على ميراثهم معهما، بقى ما عداهما على ظاهره؛ فيسقط ولد الأبوين ذكرهم وأنثاهم بثلاثة: بالابن، وابن الابن وإن سفل، وبالأب، ويسقط ولد الأب بهؤلاء الثلاثة، وبالأخ من الأبوين؛ لما روى عن على رضى الله عنه أن رسول الله عَّه قضى بالدين قبل الوصية، وأن أعيان بنى الأم يتوارثون دون بنى العلات، يرث الرجل أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه، أخرجه الترمذى (من حديث الحارث عنه، وقال: إنه لا يعرف إلا من حديثه لكن العمل عليه، وكان عالما بالفرائض، وقد قال النسائى: لا بأس به، كذا فى "التلخيص" (٢٦٥). ويسقط ولد الأم بأربعة: بالولد ذكرا كان أو أنثى وولد الابن والأب والجد، أجمع أهل العلم على هذا، فلا نعلم أحدا خالف فيه إلا رواية واحدة شذت عن ابن عباس فى أبوين وأخوين لأم، للأم الثلث، وللأخوين الثلث، وقيل عنه: لهما ثلث الباقى، وهذا بعيد جدا؛ فإنه يسقط ٤٠٠ باب الحجب ج - ١٨ ولا يرثون، رواهما الدارمى فى "سننه". الإخوة كلهم بالجد، فكيف يورثهم مع الأب؟ ولا خلاف بين أهل العلم فى أن ولد الأم يسقطون بالجد، فکیف یورثون مع الأب؟ قال: ويسقط الجد بالأب، و کل جد بمن هو أقرب منه. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم من أصحاب رسول الله عَّ على أن الجد -أبا الأب- لا يحجبه عن الميراث غير الأب، وكذلك كل جد يسقط بمن هو أقرب منه؛ لأنه يدلى به، فهو كإسقاط الجد بالأب، وتسقط الجدات بالأم، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن للجدة السدس إذا لم يكن للميت أم، ولأنهن أمهات؛ فسقطن بالأم كما يسقط الأب بالجد، ويسقط ولد الابن بالابن؛ لأنه إن كان أباه فهو يدلى به، وإن كان عمه فهو أقرب منه، فسقط به كما يسقط الجد بالأب، وإن كان عمه فهو أقرب منه؛ بقوله عليه الصلاة والسلام: ((ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقی فلأولی رجل ذكر)) اهـ (٧: ٥٤). فائدة: أربعة من الذكور يعصبون أخواتهم، فيمنعونهن الفرض ويقتسمون ما ورثوا للذكر مثل حظ الأنثيين، وهم الابن، وابن الابن وإن نزل، والأخ من الأبوين، والأخ من الأب، وسائر العصبات ينفرد الذكور بالميراث دون الإناث، وهم بنو الأخ، والأعمام وبنوهم، وذلك لقول الله تعالى: ﴿يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ فهذه الآية تناولت الأولاد وأولاد الابن، وقال تعالى: ﴿فإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين﴾، فتناولت ولد الأبوين وولد الأب، وإنما اشتركوا لأن الرجال والنساء كلهم وراث، فلو فرض للنساء فرض أفضى إلى تفضيل الأنثى على الذكر، أو مساواتهما إياه، أو إسقاطه بالكلية، فكانت المقاسمة أعدل وأولى، وسائر العصبات ليس أخواتهم من أهل الميراث، فإنهن لسن بذوات فرض، ولا يرثن منفردات؛ فلا يرثن مع إخوتهن شيئا، وهذا لا خلاف فيه بحمد الله ومنته، كذا فى "المغنى (١٥:٧) لابن قدامة. فائدة: بنات الابن بمنزلة البنات عند عدمهن فى إرثهن وحجبهن لمن يحجبه البنات، وفى جعل الأخوات معهن عصبات، وفى أنهن إذا استكملن الثلثين سقط من أسفل منهن من بنات الابن وغير ذلك، وهذا مما أجمع عليه أهل العلم، وأجمعوا أيضا على أن فرض الابنتين الثلثان، إلا رواية شاذة عن ابن عباس: أن فرضهما النصف؛ لقول الله تعالى: ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك﴾، فمفهومه أن ما دون الثلاث ليس لهما الثلثان، والصحيح قول الجماعة؛ فإن النبى عّ لّه قال لأخى سعد بن الربيع: ((أعط ابنتى سعد الثلثين)) (رواه أحمد والأربعة إلا النسائى، وهو حديث