Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ كيفية القسامة إعلاء السنن الرحمن بن عبيد، أنه قال: إن سهيلا والله أوهم، الحديث: ((إن رسول الله عَ ليه كتب إلى اليهود، أنه قد وجد بين أظهر كم قتيل فدوه، فكتبوا يحلفون بالله خمسين يمينا ما قتلناه، وما علمنا قاتلا، قال: فوداه رسول الله عَ ليه من عنده مأة ناقة))، وهذه رواية تدل على أنه لم يكن رسول الله عَ ليه طلب البينة أو الحلف من الأنصار، وإنما طلب الدية من اليهود، فلما حلفوا برأهم ووداه من عنده. وروى أبو داود عن أبى سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار، عن رجال من أصحاب النبى معَِّ من الأنصار: أن رسول الله عَ لّه قال لليهود وبدأ بهم: ((يحلف منكم خمسون رجلا، فأبوا، فقال للأنصار: استحلفوا، فقالوا: نحلف على الغيب يا رسول الله؟ فجعله رسول الله عَ ليه دية على اليهود؛ لأنه وجد بين أظهرهم)). وهكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن سعيد بن المسيب مرسلا، ورواه أيضا الطبرانى فى "معجمه": عن ابن عباس نحو رواية أبى سلمة، وسعيد ابن المسيب، كما فى "الزيلعى". ورواه البخارى ومسلم عن أبى قلابة، وفيه: دخل عليه نفر من الأنصار فتحدثوا عنده، فخرج رجل منهم بين أيديهم فقتل، فخرجوا بعده فإذا هم بصاحبهم يتشخط فى الدم، فرجعوا إلى رسول الله عَّ ◌ُّه، فقالوا: يا رسول الله! صاحبنا الذى كان يحدث معنا فخرج بين أيدينا فإذا نحن به يتشخط فى الدم، فخرج رسول الله عَ لّه، فقال: بمن تظنون أو بمن ترون قتله؟ فقالوا: نرى أن اليهود قتله، فأرسل إلى اليهود فدعاهم، فقال: أنتم قتلتم هذا؟ قالوا: لا، قال: أترضون نفل خمسين من اليهود ما قتلوه، فقالوا: ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم ينفلون، قال: أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم؟ قالوا: ما كنا لنحلفه، فوداه من عنده. وهذه الرواية تدل على أن النبى عدّ له كان إذ وقع القتل بين أظهر اليهود، والروايات السابقة تدل على أنه كان بالمدينة، وهى تدل أيضا على أنه بدأ بأيمان اليهود، فلما لم يقبلها الأنصار طلب منهم الحلف لاستحقاق الدية، فهى تعارض رواية سهل ومن وافقه فى البداءة بأيمان المدعين، ومن قال: إنه طلب منهم الحلف لاستحقاق القود. ثم هى تدل على أنه لم يوجب الدية على اليهود، فهى تعارض رواية من قال: إنه أوجبها عليهم فإذا رأيت هذه الاختلافات لم تشك فى أن القصة لم يحفظها الرواة على وجهها؛ فسقط الاحتجاج بها، ووجب الرجوع إلى قضاء عمر، كما فعل أصحابنا. العاشر: أنه قال أبو حنيفة: إذا وقع القتل فى ملك أحد والساكن غيره، فالقسامة على المالك، وقال أبو يوسف: القسامة على السكان، واحتج أبو يوسف بأن يهود خيبر لم تكن ملاكا ٢٨٢ كيفية القسامة ج - ١٨ بل سكانا، والقسامة كانت على اليهود دون الملاك وهم المسلمون. ويجاب عنه بأن المسلمين إنما کانوا ملا کا بعد فتح خيبر، والقصة كانت قبل الفتح؛ لأن سلیمان بن بلال روی عن یحیی بن سعيد، عن بشير، عن سهل هذه القصة، وقال فيه: إن عبد بن سهل بن زيد ومحيصة بن مسعود بن زيد خرجا إلى خيبر فى زمن رسول الله مَّه، وهى يومئذ صلح وأهلها يهود، ثم ذكر القصة، ويؤيده ما رواه مالك عن أبى ليلى، عن سهل، أنه قال معَّ: ((إما أن يدوا وإما أن يؤذنوا بحرب)). ولا يقال ذلك إلا للمعاهد دون الذمی، وعندی أنه لا حجة له فیه؛ لأن يهود خيبر لم يصيروا أهل الذمة بعد فتح خيبر أيضا، وإنما كانوا مستأمنين ومعاهدين، ولو سلم أن القصة كانت قبل الفتح، لكن فى الدليل على أن القسامة كانت عليهم لكونهم ملاكا لا سكانا. قال الطحاوى: قال أبو يوسف: والنظر يدل على ما قلنا أيضا، وذلك أن رأينا الدار المستأجرة والمستعارة فى يد المستأجر والمستعير لا فى يد ربها، ألا ترى أنهما وربها لو اختلفا فى ثوب وجد فيها كان القول فيه قولهما لا قول رب الدار، فكذا إذ وجد القتيل كان الدية والقسامة عليهما دون رب الدار. ومن حجة محمد بن الحسن عليه: أن رجلا وامرأة لو كانت فى أيديهما دار يسكنانها وهى للزوج، فوجد فيها قتيل، كانت القسامة والدية على عاقلة الزوج دون عاقلة المرأة، وقد علمنا أن أيديهما عليها سواء، وأن ما وجد فيها من ثياب فليس أحدهما أولى به من الآخر إلا لمعنى ليس من قبل الملك واليد فى شىء، فلو كانت القسامة يحكم بها على من الدار فى يده يحكم بها على الرجل والمرأة جميعا؛ لأن الدار فى أيديهما ولأنهما سكناها اهـ. قلت لأبي يوسف أن يقول: إن كون الدية والقسامة على عاقلة الرجل دون المرأة ليست لأن الدار ملكه، بل لأنه أصل فى السكنى والمرأة تابعة له، وعهدة حفظ الدار على الزوج دون المرأة؛ لأنه أصل فى السكنى، والمرأة تابعة له كالعبيد والإماء والخدام، وليس المستأجر والمستعير كالمرأة فى كونهما تابعين؛ فلا يقاس أحدهما على الآخر، ثم مبنى القسامة على ترك التقصير فى الحفظ، وعهدة الحفظ على الزوج دون المرأة، ومبنى القضاء فى الثوب ليس على الحفظ، بل على السكنى فقط؛ فلا يقاس القسامة على الاختلاف فى الثوب. فالصواب فى توجيه قول أبى حنيفة أن المالك بعد الإجارة أو الإعارة لا يكون منقطعا عن ملكه، والمستأجر والمستعير لا تعلق لهما بالدار بغير الاستمتاع، فيكون الدار بعد الإجارة والإعارة ٢٨٣ إعلاء السنن باب رد الأيمان فى القسامة ·إذا لم یفوا خمسین يمينا ٥٩٥٨- قال ابن أبى شيبة: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن يزيد الهذلى، عن أبى مليح: أن عمر بن الخطاب رد عليهم الأيمان حتى وفوا. ٥٩٥٩- وقال عبد الرزاق: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله، عن أبى الزناد، عن سعيد ابن المسيب: أن عمر بن الخطاب استحلف امرأة خمسين يمينا على مولى لها أصيب، ثم جعل عليها دية. ٥٩٦٠- وقال ابن أبى شيبة: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن أشعث عن ابن سيرين عن شريح قال: جاءت قسامة فلم يوافوا خمسين، فرد عليهم القسامة حتى وفوا. ٥٩٦١- وحدثنا وكيع، ثنا سفيان عن هشام عن ابن سيرين عن شريح قال: إذا كانوا أقل من خمسين ردت عليهم الأيمان. أيضا فى حفظ المالك، فإذا وجد فيها قتيل يكون ذلك من تقصير المالك فى الحفظ، وهذا من دقة نظره رضی الله عنه. ويظهر منه أن مبنى الاختلاف بين أبى حنيفة وأبى يوسف ليس هو الملك وعدمه كما ظنوا، بل هو العهدة فى الحفظ، فقال أبو حنيفة: العهدة فيه على المالك، وقال أبو يوسف: العهدة فيه على الساكن، وكلام أبى يوسف مبنى على الظاهر، وكلام أبى حنيفة مبنى على الدقة، فاعرف ذلك. قال العبد الضعيف: وظنى أن الخلاف خلاف العصر والزمان، فلعل الدار كانت تعرف بربها وتنسب إليه فى عصر الإمام، لتعهده لها واختلافه إليها لحفظها، وكانت تعرف بالساكن فى عصرهما؛ الغفلة الملاك عن أموالهم، وانهماكهم فى الراحة والدعة، والله أعلم. ثم رأيت صاحب "الهداية" قد نبه على ذلك بقوله: وقيل: أبو حنيفة بنى ذلك على ما شاهده بالكوفة اهـ، أى شاهد من عادة أهل الكوفة فى زمانه، وهو أن أصحاب الخطة فى كل محلة هم الذين يقومون بتدبير المحلة، ولا يشاركهم المشترون فى ذلك، فنهى الجواب على ما شاهد اهـ (٦٢٣:٤)، ولله الحمد على الموافقة. فهذه عشرة مباحث لم آل جهدا فى تحقيقها وتنقيحها، والله أعلم بالصواب. باب رد الأيمان فى القسامة إلخ قوله: "قال ابن أبى شيبة" إلخ: قلت: وهو قول أبى حنيفة. ٢٨٤ ج - ١٨ ٥٩٦٢- وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثورى، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: إذا لم تبلغ القسامة خمسين كرروا حتى يحلفوا خمسين يمينا، ورواه ابن أبى شيبة عن أبى معاوية عن الشیبانی عن حماد عن إبراهيم نحوه سواء (زيلعى). باب فى تعيين مصداق العاقلة ٥٩٦٣- روى جابر قال: كتب رسول الله عَّ له: ((على كل بطن عقوله))، ثم كتب: ((أنه لا يحل أن يتوالى مولى لرجل مسلم بغير إذنه))، رواه أحمد، ومسلم، والنسائى، كذا قال فى "المنتقى". باب فى تعيين مصداق العاقلة قوله: "روى جابر" إلخ: قلت: وبه قال أبو حنيفة وغيره، إلا أنهم اختلفوا فى أن هذا الحكم -أعنى كون الديات على العصبات- حكم عام لكل زمان وحال، أو هو مخصوص ببعض الأزمان والأحوال؟ فقال أبو حنيفة: بأنه خاص ببعض الأحوال والأزمان، وقال غيره: لا بل هو عام لكل زمان وحال. وحجة أبى حنيفة أن عمر بن الخطاب جعل العقل على أهل الديوان فى أعطيتهم، فلو كان الحكم عاما لم يغيره عمر؛ فدل ذلك على أنه خاص ببعض الأحوال، وهو أن يكون التناصر بالعصبات؛ لعدم كون الديوان مدونا، كما كان فى عهده مرّ له. وأما بعد تدوين الديوان وانتقال التناصر من العصبات إلى أهل الديوان فينتقل الحكم من العصبات إلى أهل الديوان، ولا حجة عند غيره على عموم الحكم لكل زمان وحال، فيكون ما ذهب إليه أبو حنيفة هو الصواب. فإن قلت: أين الرواية عن عمر فى هذا الباب؟ قلنا: قال ابن أبى شيبة: حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن حسن، عن الحكم، قال: عمر أول من جعل الدية عشرة عشرة فى أعطية المقاتلة دون الناس. وقال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن أشعث، عن الشعبى، عن الحكم، عن إبراهيم قالا: أول من فرض العطاء وفرض فيه الدية. وأخرج عبد الرزاق عن الثورى، عن أشعث، عن الشعبى: أن عمر بن الخطاب جعل الدية فى الأعطية. وروى عبد الرزاق عن الثورى، عن أيوب بن موسى، عن مكحول: أن عمر بن الخطاب قضى بالدية فى ثلاث سنين، فى كل سنة ثلث على أهل الديوان فى أعطياتهم، الحديث مختصرا (زيلعى ٣٣٧:٢)، وهذه مراسيل عدة يشد بعضها بعضا (زيلعى)، ولله در أبى حنيفة أنه لم يترك ما روى عن النبى عّ لّه، ولا ما روى عن عمر، بل عمل ٢٨٥ تعيين مصداق العاقلة إعلاء السنن ٥٩٦٤- وقد صح عن النبى عد له: أنه قضى بدية المرأة المقتولة على عصبة القاتلة. كذا فى "المنتقى" أيضا. قلت: هو حديث متفق عليه من حديث أبى هريرة، وأخرجه أيضا أحمد ومسلم وأبو داود والنسائى والترمذى من حديث المغيرة بن شعبة. بهما جميعا، بخلاف غيره فإنهم تركوا ما روى عن النبى عّ لّه، أما ترك ما عن عمر فظاهر، وأما ترك ما روى عن النبى عّ لّ فلأنهم جعلوا ما روى عنه فى خصوص الحال غير مخصوص به، وهذا من فهمه وغور اجتهاده رحمه الله، فاعرف ذلك، والله أعلم. قال العبد الضعيف: أما تركهم ما روى عن عمر فمسلم، وكم من قول للصحابة تركناه لقول رسول الله عَ ◌ّهِ، فلا يرد بذلك على الخصم شىء، وأما الإيراد عليهم بأنهم تركوا ما روى عن النبى عّ لِّ لكونهم لم يخصوه بقول عمر، فعجيب؛ فإن الحنفية لا يتركون العام من قول النبى عَ ◌ّهِ بالخاص من قوله، فكيف يسوغ لهم إلزام الخصم إذا لم يترك العام المرفوع بقول الصحابى؟ . وبالجملة فإن إجراء العام على عمومه وتأويل الخاص ليس من الترك فى شىء، وإلا لزم كون الحنفية تاركين لكثير من النصوص الخاصة المعارضة للعام. فالحق فى الجواب أن الظاهر من النصوص كون العقل على عصبة القاتل، وكان الأمر على ذلك فى عهد النبى عّ لّه، وعهد أبى بكر، حتى كان عمر رضى الله عنه ودون الديوان، وجعل الدية على أهل الديوان، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، وهم متوافرون لم ينكره عليه أحد منهم ولم يخالف، فكان إجماعا منهم على أن مبنى العقل على التناصر دون القرابة، وبيانا منهم أن كون العقل على العصبات فى عهد النبى عّ لّهِ وأبى بكر لم يكن لكون العقل محصورا فى العصبات مختصا بهم، بل لكون التناصر مختصا بالعصبات إذ ذاك، فلما انتقل إلى أهل الديوان انتقل حكم العقل إليهم. روى أبو يوسف فى "الآثار" له عن أبى حنيفة، عمن حدثه، (هو الهيثم بن أبى الهيثم، صرح به محمد فى "الحجج" له و "الآثار"): عن عامر، عن عمر بن الخطاب: أنه فرض الدية على أهل الورق عشرة آلاف، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وكل ذلك على أهل الديوان (٢٢١) مختصر، فلا إيراد على الخصم بتركه قول عمر إذا كان آخذ بقول النبى معَّ ◌ُله، بل نلزمه بترك الإجماع لخبر الواحد، ولا يجوز ذلك عنده ولا عندنا. وأما نحن فلم نترك شيئا منهما؛ لقولنا بوجوب العقل على أهل الديوان إذا كان القاتل منهم، وعلى العصبات إذا لم يكن منهم، أو لم يكن للمسلمين ديوان، وذلك لأنا جعلنا الإجماع ٢٨٦ تعيين مصداق العاقلة ج - ١٨ بيانا للنص لا معارضا له، كما تقدم. قال فى "البدائع": عاقلته أهل ديوانه إن كان من أهل الديوان -وهم المقاتلة من الرجال الأحرار البالغين- تؤخذ من عطاياهم، وهذا عندنا، وعند الشافعى رحمه الله: عاقلته قبيلته من النسب، والصحيح قولنا؛ لإجماع الصحابة رضى الله عنهم على ذلك؛ فإنه روى عن إبراهيم النخعى أنه قال: كانت الديات على القبائل، فلما وضع سيدنا عمر رضى الله عنه الدواوين جعلها على أهل الدواوين. فإن قيل: قضى عليه الصلاة والسلام بالدية على العاقلة من النسب إذ لم يكن هناك ديوان، فكيف يقبل قول سيدنا عمر رضى الله عنه على مخالفته فعل رسول الله عَ لآه؟ فالجواب لو كان سيدنا عمر فعل ذلك وحده لكان يجب حمل فعله على وجه لا يخالف فعل رسول الله عَّه، كيف؟ وكان فعله بمحضر من الصحابة رضى الله عنهم، ولا يظن(١) من عموم الصحابة - رضى الله عنهم- مخالفة فعله عليه الصلاة والسلام، فدل أنهم فهموا أنه كان معلولا بالنصرة، وإذا صارت النصرة فى زمانهم الديوان نقلوا العقل إليه، فلا تتحقق المخالفة؛ لأن التحمل من العاقلة للتناصر، وكان بالقبيلة قبل وضع الديوان، وبعد الوضع صار التناصر بالديوان، فصار عاقلة الرجل أهل ديوانه ملخصا (٢٥٦:٧)، ولله الحمد على الموافقة. وبهذا اندحض قول ابن حزم: قال الحنفيون والمالكيون: العقل على أهل الديوان، وادعوا أن عمر قضی بذلك، وذلك لا یصح، ولو صح لما كانت فيه حجة؛ لأنه لا حجة فى أحد دون رسول الله ◌َ ◌ّ، ويعيد الله تعالى عمر من أن يكون یحیل حكم رسول الله ێے، ويحدث حكما آخر بغير وحى من الله تعالى، وهذا عظيم جدا (٣٥٩:١٠). قلنا: نعم! قد أعاذ الله عمر من ذلك، فمن أخبرك أنه أحال حكم رسول الله عَ ليه، وأحدث حكما آخر من عند نفسه؟ وإنما فسر قول رسول الله عّ لّه وبين لنا معناه، ولم ينفرد بذلك بل وافقه عليه الصحابة، وأجمعوا على ما فعله، وذلك مشهور من فعله، لا ينكره أحد ممن له مسكة وإلمام بالعلم، ولا نزاع فى كون الإجماع حجة، وتفسير أقوال النبى معَّه وأفعاله بأقوال الصحابة وأفعالهم ليس بعظيم، بل هو الأمر الذى لا خير فيما سواه؛ لكون الصحابة أعرف الناس برسول الله عّ لّهِ، وأعلمهم بمقاصد شرعه، ومعانى كلامه، فتفسيرهم أولى من تفسير غيرهم قول رسول (١) بل ولا يظن بذلك من واحد منهم، ولكن يمكن أن يخفى على الواحد قضاء رسول الله عَّه، ولا يمكن عادة خفاءه على کلهم عن آخرهم، ظ. ٢٨٧ تعيين مصداق العاقلة إعلاء السنن الله م ◌ُّ بآراءهم، كما لا يخفى. وقال ابن التركمانى فى "الجوهر النقى": ذكر البيهقى حديث ((على كل بطن عقوله))، والشافعى رحمه الله يعتبر فى العاقلة الأقرب فالأقرب، وظاهر الحديث الوجوب على البطن من غير اعتبار الأقرب، وكذلك حديث ((قضى بالدية على العاقلة))، وكذا ما ذكره البيهقى: أن عمر جنى جناية فقال لعلى: عزمت عليك لما قسمت الدية على بنى أبيك، قال: فقسمها على قريش. وذكر الطحاوى: أن سلمة بن نعيم قتل يوم اليمامة مسلما خطأ، فقال له عمر: عليك وعلى قومك الدية (١٠٨:١٠)، فإن قيل: فى هذه الآثار ما يدل على أن عمر كان يقول بوجوب الدية على العصبات لا على أهل الديوان. قلنا: يوم اليمامة كان فى عهد أبى بكر رضى الله عنه قبل أن يضع عمر الديوان، ولعل قصة جناية عمر كانت قبل ذلك أيضا. ثم لا يخفى على من له معرفة بالأيام أن عمر رضى الله عنه كان قد وضع لكل قبيلة ديوانا على حدة، فجعل ديوانا لقريش، بدأها بأهل بيت النبى معَّ. وقرابته الأقرب فالأقرب، حتى وضع نفسه حيث وضعه الله تعالى من قريش، وجعل ديوانا لخزاعة، وديوانا للأنصار، وديوانا لحمير، فلم يكن أهل ديوان الرجل إلا عشيرته وقبيلته، ومن أراد البسط فى ذلك، فليراجع "الأموال" لأبى عبيد و"الفتوح" للبلاذرى، والله تعالى أعلم، ظ. فائدة: فى قول عمر لسلمة بن نعيم: ((عليك وعلى قومك الدية)) دليل على أن القاتل يدخل مع العاقلة، ويكون فيما يؤدى كأحدهم؛ لأن العاقلة تتحمل جناية وجدت منه، وضمانا وجب عليه، فكان هو أولى بالتحمل، والأثر رواه ابن حزم من طريق سعد بن طارق، عن نعيم بن أبى هند، عن سلمة بن نعيم أنه قال: قتلت يوم اليمامة رجلا ظننته كافرا، فقال: اللهم إنى مسلم برئ مما جاء به مسيلمة، قال: فأخبرت بذلك عمر بن الخطاب، فقال: الدية عليك وعلى قومك. قالوا: وروى هذا غن عمر بن عبد العزيز، ولا يعرف لهما من السلف مخالف اهـ (٥٥:١١). قلت: لم يعله ابن حزم بشىء، غير أنه قال: لا حجة فى أحد دون رسول الله مێ، ونص حكم رسول الله عَّ أن الدية على العصبة وهو ليس عصبة لنفسه، لا فى شريعة ولا فى لغة، فصح يقينا أنه لا يغرم الجانى خطأ من دية النفس، ولا من الغرة شيئا اهـ. قلت: إنك تقول: إن عجزت العاقلة فالدية والغرة على جميع المسلمين، فهل المسلمون ٢٨٨ تعيين مصداق العاقلة ج - ١٨ عصبات له؟ فإن قلت: لا، فمن أين أوجبتها عليهم؟ ورسول الله عّ لّه إنما أوجبها على عصبته. فإن قلت: أوجبتها عليهم لأن الرجل يتناصر بإخوانه المسلمين. قلنا: وهو ينصر نفسه بنفسه أولا، فكان وجوبها عليه مع العصبة أولى، ظ. فائدة: إن لم يكن للقاتل خطأ ديوان فعاقلته قبيلته من النسب كما مر؛ لأن استنصاره بهم، وإذا لم يكن له عاقلة كاللقيط، والحربى، أو الذمى الذى أسلم، فعاقلته بيت المال فى ظاهر الرواية، وروى محمد عن أبى حنيفة أنه تجب الدية عليه من ماله لا على بيت المال، وجه هذه الرواية أن الأصل هو الوجوب فى مال القاتل؛ لأن الجناية منه، وإنما الأخذ من العاقلة بطريق التحمل، فإذا لم يكن له عاقلة يرد الأمر فيه إلى حكم الأصل. وجه ظاهر الرواية أن الوجوب على اللعاقلة لمكان التناصر، فإذا لم يكن له عاقلة كان استنصاره بالمسلمین عامة، وبیت المال مالهم، فكان ذلك عاقتله (بدائع ٢٥٦:٧). قلت: يؤيد ظاهر الرواية ما رواه الطبرانى، والبزار، والبيهقى، من طريق أبى المليح الهذلى، عن أبيه، قال: كان فينا رجل يقال له: حمل بن مالك بن نابغة. له امرأتان، إحداهما هذلية، والأخرى عامرية، فضربت الهذلية بطن العامرية بعمود خباء أو فسطاط، فألقت جنينا ميتا، فانطلق بالضاربة إلى نبى الله مرّ ◌ُّه معها أخ لها يقال له عمران، فلما قصوا على رسول الله عّ لّه القصة، قال وده، فقال أخوها: ما لى شىء أعقل فيه، قال: يا حمل بن مالك وهو يومئذ على صدقات هذيل، اقتص من تحت يدك من صدقات هذيل عشرين ومائة شاة، ففعل، قال الهيثمى: (فيه) المنهال بن خليفة، وثقه أبو حاتم، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات (مجمع ٦: ٣٠٠)، وبهذا ظهر أن العاقلة الفقراء ليس عليهم من العقل شىء، وسیأتی. وروى ابن حزم فى "المحلى": أن أبا موسى الأشعرى كتب إلى عمر بن الخطاب: أن الرجل يموت بيننا ليس له رحم ولا عصبة ولا مولى، فكتب إليه عمر: إن ترك رحما فرحم، وإلا فالمولى، وإلا فلبيت مال المسلمين، يرثونه ويعقلون عنه، وعن ميمون بن مهران: أن رجلا من أهل الجزيرة أسلم وليس له موال، فقتل رجلا خطأ، فكتب عمر بن عبد العزيز: أن اجعلوها دية على نحوه ممن أسلم اهـ (٦٣:١١). قلت: قول عمر بن عبد العزيز محمول على ما إذا كان للذين يدخلون فى الإسلام من أهل الذمة وغيرهم جماعة فى دار الإسلام، يتناصرون فيما بينهم ويتناكحون، وصاروا قبيلة من ٢٨٩ تعيين مصداق العاقلة إعلاء السنن القبائل، كما هو مشاهد فى أرض الهند، فدية القاتل خطأ منهم على نحوه ممن أسلم؛ لأن مبنی التعاقل على التناصر وهو موجود ههنا، والله تعالى أعلم. قال فى "الدر": والكفار يتعاقلون فيما بينهم، يعنى إن تناصروا؛ لأن الكفر كله ملة واحدة، وإلا ففى ما له فى ثلاث سنين. قال ابن عابدين: هذا فى الذمى، أما المسلم ففى بيت المال اهـ. قال فى "الدر": ولا عاقلة للعجم، وبه جزم فى "الدر" (لأن العجم لم يحفظوا أنسابهم، ولا يتناصرون فيما بينهم، وليس لهم ديوان) وقيل: لهم عواقل؛ لأنهم يتناصرون كالأساكفة، والصيادين، والسراجين، فأهل محلة القاتل وصنعته عاقلته، وكذلك طلبة العلم. قلت: وبه أفتى الحلوانى وغيره (خانية) زاد فى "المجتبى": والحاصل أن التناصر أصل فى هذا الباب، ومعنى التناصر أنه إذا حزبه أمر قاموا معه فى كفايته، وتمامه فيه. وفى "تنوير البصائر": والحق أن التناصر فيهم بالحرف، فهم عاقلته إلى آخره، فليحفظ، قلت: وحيث لا قبيلة ولا تناصر فالدية فى ماله أو بيت المال اهـ ملخصا (٦٣٥:٥). روى ابن حزم فى "المحلى" من طريق ابن أبى شيبة: نا حفص بن غياث، نا عمر - وهو ابن عبيد- عن الحسن كان يقول فى المعاهد يقتل: إن كانوا يتعاقلون فعلى العواقل، وإن كان لا فدين عليه فى ذمته وماله. ومن طريقه: نا حفص بن غياث، عن أشعث، عن الشعبى فى المعاهد يقتل قال: ديته للمسلمين وعقله عليهم (٦٢:١١)، قلت: والراجح عندنا قول الحسن، ظ. فائدة: إن كان القاتل معتقا أو مولى الموالاة فعاقلته مولاه، وقبيلة مولاه، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مولى القوم منهم))، ثم عاقلة المولى الأعلى قبيلته، إذا لم يكن من أهل الديوان، فكذا. عاقلة مولاه، ولأن استنصاره بمولاه وقبيلته، فكانوا عاقلته (بدائع ٢٥٦:٧). روى ابن حزم من طريق وكيع: نا سفيان الثورى، عن حماد بن أبى سليمان، عن إبراهيم، قال: اختصم على والزبير فى أموال لصفية، فقضى عمر بن الخطاب بأن الميراث للزبير، والعقل على على. وعن إبراهيم النخعى، فى رجل أعتقه قوم، وأعتق أباه قوم آخرون، قال: يتوارثون بالأرحام، والعقل على الموالى، وعن مجاهد قال: إن رجلا أتى عمر بن الخطاب فقال: إن رجلا أسلم على يدى فمات، وترك ألف درهم، فتحرجت منها فرفعتها إليك، فقال: أرأيت لو جنى جناية على من تكون؟ قال: على، قال: فميراثه لك. وعن معمر، عن الزهرى، قال: قال عمر بن الخطاب: إذا والى الرجل رجلا ٢٩٠٠ تعيين مصداق العاقلة ج - ١٨٠ فميراثه له(١)، وعلى عاقلته عقله (هذه مراسيل يشد بعضها بعضا) ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أبى القوم أن يعقلوا عن مولاهم، (أراد مولى الموالاة) أيكون مولى من عقل عنه؟ فقال: قال معاوية: إما أن يعقلوا عنه، وإما أن نعقل عنه وهو مولانا، (قال ابن حزم: هذا صحيح عن معاوية ثابت؛ لأن عطاء أدر كه). وعن عبد الرزاق، عن سفيان الثورى، قال: إذا أبت العاقلة أن يعقلوا عن مولاهم أجبروا على ذلك (أراد مولى العتاقة)، وعن إبراهيم النخعى: إذا أسلم الرجل على يدى الرجل فله ميراثه، ويعقل عنه، وعن الحكم بن عتيبة فى رجل تولى قوما، قال: إذا عقل عنهم فهو منهم، وقال أبو حنيفة ومالك: تعقل العاقلة عن المولى والحليف، وقال أبو حنيفة: من والى غير من أعتقه -لكن من أسلم على أيديهم- فله أن ينتقل عنهم ويوالى غيرهم ما لم يعقلوا عنه، فإذا عقلوا عنه فلا يمكنه الانتقال عنهم بولايته أبدا اهـ (٥٩:١١). قلت: قد ثبت بما ذكرنا من أقوال السلف أن ولاء الموالاة کان حكما ثابتا فى الإسلام، وهو الميراث والعقل بالمعاقدة والموالاة، ثم قال قوم: إنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله﴾. وقال آخرون: ليس بمنسوخ من الأصل، ولكنه جعل ذوى الأرحام أولى من موالى المعاقدة، فنسخ ميراثهم فى حال وجود القرابات، وهو باق لهم إذا فقد الأقرباء على الأصل الذى كان عليه، وهو قولنا معشر الحنفية؛ لأن قوله تعالى: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ یوجب الميراث للذى والاه عاقدة، ثم قوله: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾، إنما جعل ذوى الأرحام أولى من المعاقدين الموالى، فمتى فقد ذوو الأرحام وجب ميراثهم بقضية الآية، فإذا لم يوجدوا فليس فى القرآن ولا فى السنة ما يوجب نسخها، فهى ثابتة الحكم مستعملة على ما تقتضيه عند فقد ذوی الأرحام. وقد ورد الأثر عن النبى مګ بثبوت هذا الحكم وبقائه عند عدم ذوی الأرحام، فقد روى قبيصة بن ذويب عن تميم الدارى، أنه قال: يا رسول الله! ما السنة فى الرجل يسلم على يدى رجل من المسلمين؟ قال: ((هو أولى الناس بمحياه ومماته))، وهو يقتضى أن يكون أولاهم بميراثه، إذ (١) أی إذا لم یکن له وارث ذو رحم، ٢٩١ تعيين مصداق العاقلة إعلاء السنن ليس بعد الموت بينهما ولاية إلا فى الميراث، وقد روى نحو قولنا فى ذلك عن عمر، وابن مسعود، والحسن، وإبراهيم. وروى أبو عاصم النبيل عن ابن جريج، عن أبى الزبير، عن جابر، قال: كتب النبى عد له: ((على كل بطن عقوله)) وقال: ((لا يتوالى مولى قوم إلا بإذنهم)). ولا يجوز أن يكون مراده عليه السلام بذلك إلا مولى الموالاة؛ لأنه لا خلاف أن ولاء العتاقة لا يصح النقل عنه؛ لقوله عّ لّه: ((الولاء لحمة كلحمة النسب)) فثبت به جواز الموالاة؛ لأنه قال: ((إلا بإذنهم)، وأن له أن يتحول بولايته إلى غيره إلا أنه كرهه إلا بإذن الأولين. وأما ما رواه أبو داود وغيره عن جبير بن مطعم مرفوعا: ((لا حلف فى الإسلام، وأيما حلف كان فى الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة))، فمعناه -والله أعلم- نفى الحلف فى الإسلام على الوجه الذى كانوا يتحالفون عليه فى الجاهلية؛ لأن حلف الجاهلية كان على أن يعاقده فيقول: هدمى هدمك، ودمى دمك، وترثنى وأرثك، وكان فيه أشياء قد حظرها الإسلام، منها أن يحامى عليه، ويبذل دمه دونه، ويهدم ما يهدمه، فينصره على الحق والباطل، وقد أبطلت الشريعة ذلك، وأوجبت القيام بالقسط، ومعاونة الظالم على المظلوم من غير أن يلتفت إلى قرابة وموالاة، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾ -إلى قوله- ﴿فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا﴾، وقال النبى عدّ له: ((انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قالوا: كيف يعينه ظالما؟ قال: أن ترده عن الظلم))، وكان فى حلف الجاهلية أن يرثه الحليف دون أقرباءه، وقد أبطلت الشريعة ذلك، قال تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض فى کتاب الله﴾. وبالجملة فقد نفى النبى معَ ◌ّه بقوله: ((لا حلف فى الإسلام)) التحالف على النصرة من غير نظر فى دين أو حكم أو أمر باتباع أحكام الشريعة، دون ما يعقده الحليف على نفسه، وأما قوله: ((وأيما حلف كان فى الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة))، فمعناه - والله أعلم- أن الإسلام لا يزيده إلا شدة فيما وافق أمر الله، ولم يخالفه، فأبطل من حلف الجاهلية ما خالف الشريعة، وأثبت منه ما وافقه، ولعل هذا أولى مما ذكره الجصاص فى معناه، والعلم عند الله عز وجل، وقد مر بسط الكلام فى ذلك فى "باب ولاء الموالاة"، فليراجع. وأما قول ابن حزم: إن قوله عرّ ◌ُله: ((مولى القوم منهم)) ليس موجبا أن يعقلوا عنه؛ لأنه معر له ٢٩٢ تعيين مصداق العاقلة ج - ١٨ قال أيضًا: ((ابن أخت القوم منهم))، ولم يكن ذلك موجبا عندهم أن يعقلوا عنه (٦٠:١١)، ففيه أن قوله ◌َّه فى مولى القوم وابن أختهم دل على أنهما يرثانهم إذا لم يكن أحد أولى منهما، وكان مقتضى ذلك أن يعقلوا عنهما، ولكن قضائه عّ لّه بالدية على العصبة نفى أن يعقلوا عن ابن أختهم؛ لكون الخال خارجا من العصبات، وأما المولى الأعلى فهو من العصبات عندنا، كما سيأتى فى كتاب الفرائض، فيعقل عن مولاه، والله تعالى أعلم، ظ. فائدة: قال الموفق فى "المغنى": لا خلاف بين أهل العلم فى أن العاقلة العصبات، وأن غيرهم من الإخوة من الأم، وسائر ذوى الأرحام، والزوج، وكل من عدا العصبات ليسوا من العاقلة، ويدخل فى العاقلة آباء القاتل، وأبناءه، وإخوته، وعمومته، وأبناءهم وهو مذهب مالك، وأبى حنيفة، ورواية عن أحمد؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قضى رسول الله عَّ أن عقل المرأة بين عصبتها من كانوا، لا يرثون منها شيئا إلا ما فضل عن ورثتها، وإن قتلت فعقلها بين ورثتيها، رواه أبو داود، ولأن العقل موضوع على التناصر وهم من أهله. وقال الشافعى رحمه الله وهو رواية عن أحمد: ليس آباءه وأبناءه من العاقلة؛ لما روى أبو هريرة فى امرأة من هذيل قتلتها الأخرى: فقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها ومن معهم، متفق عليه. وفى رواية: ثم ماتت القاتلة، فجعل النبى عَّه ميراثها لبنيها، والعقل على العصبة، رواه أبو داود والنسائى، وفى رواية عن جابر بن عبد الله قال: فجعل رسول الله عّ لّه دية المقتولة على عاقلتها، وبرأ زوجها وولدها، فقالت عاقلة المقتولة: ميراثها لنا، فقال رسول الله عَ ليه: ((ميراثها لزوجها وولدها»، رواه أبو داود اهـ (٥١٥:٩). قلت: إن ولد المرأة إذا لم يكن من عصبتها لا يعقل عنها، لأن العقل على العصبات، ولذلك لا يعقل الإخوة من الأم، ومقتضى الخبر أن من يرثها لا يعقل عنها إذا لم يكن من عصبتها، وهو متفق عليه بين العلماء، كما قاله ابن المنذر، وفى رواية أسامة بن عمير: فقال أبوها: إنما يعقلها بنوها، فقال النبى معَّ: ((الدية على العصبة))، كذا فى "فتح البارى" (٢٢٣:١٢)، فدل على أن أبناءها لم يكونوا من عصبتها، والله تعالى أعلم. قال الموفق: وسائر العصبات من العاقلة بعدوا أو قربوا، من النسب، والمولى وعصبته، ومولی المولى وعصبته، وغيرهم، وبهذا قال عمر بن عبد العزيز، والنخعى، وحماد، ومالك، والشافعى، ٢٩٣ تعيين مصداق العاقلة إعلاء السنن ولا أعلم عن غيرهم خلافهم، ولا يدخل فى العقل من ليس بعصبة، ولا يعقل المولى من أسفل، وبه قال أبو حنيفة، وأصحاب مالك. وقال الشافعى فى أحد قوليه: يعقل، ولنا أنه ليس بعصبة ولا وارث، فلم يعقل عنه كالأجنبى، ولا يحمل العقل إلا من كان يعرف نسبه من القاتل، أو يعلم أنه من قوم يدخلون كلهم فى العقل، ومن لا يعرف ذلك منه لا يحمل، وإن كان من قبيلته، فلو كان القاتل قرشيا لم يلزم قريشا كلهم؛ لأن قبائلهم تفرقت، وصار كل قوم ينتسبون إلى أب يتميزون به، فيعقل عنهم من يشاركهم فى نسبهم إلى الأب الأدنى، ألا ترى أن الناس كلهم بنو آدم، فهم راجعون إلى أب واحد؟ وإن لم يثبت نسب القاتل من أحدٌ فالدية من بيت المال، لأن المسلمين يرثونه إذا لم يكن له وارث، فكذلك يعقلونه على هذا الوجه اهـ ملخصًا (٥١٩:٩). قال: ومن مات من العاقلة أو افتقر أو جن قبل الحول لم يلزمه شىء، لا نعلم فى هذا خلافا؛ . لأنه مال يجب فى آخر الحول على سبيل المواساة، فأشبه الزكاة، وإن وجد ذلك بعد الحول لم يسقط الواجب، وبهذا قال الشافعى، وقال أبو حنيفة: يسقط بالموت اهـ (٥٢٢:٩). قال: وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المرأة والصبى الذى لم يبلغ لا يعقلان مع العاقلة، وأجمعوا على أن الفقير لا يلزمه شىء، وهذا قول مالك، والشافعى، وأصحاب الرأى. وحكى بعض أصحابنا عن مالك وأبى حنيفة: أن للفقير مدخلا فى التحمل، وذكره أبو الخطاب رواية عن أحمد؛ لأنه من أهل النصرة، والصحيح الأول؛ لأن تحمل العقل مواساة، فلا يلزم الفقير كالزكاة؛ ولأننها وجبتٍ على العاقلة تخفيفا عن القاتل، فلا يجوز التثقيل بها على من لا جناية منه، وفى إيجابها على الفقير تثقيل عليه، ولأننا أجمعنا على أنه لا يكلف أحد من العاقلة ما يثقل عليه ويحجف به، وتحميل الفقير منها شيئا يثقل عليه، وربما يحجف بماله، وأما الصبى والمرأة والمجنون فلا يحملون منها؛ لأن فيها معنى التناصر، وليسوا من أهل النصرة اهـ ملخصا (٥٢٣:٩)، فإن كان أحد من هؤلاء قاتلا هل يدخل مع العاقلة فى العقل؟ اختلفت الرواية فى ذلك، وظاهر الرواية عدم دخولهم وإن باشروا، كما فى "رد المحتار" (٦٣٣:٥)، ظ. ٢٩٤ ج - ١٨ باب فى مدة أداء الدیة ٥٩٦٥- حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن أشعث عن الشعبى وعن الحكم عن إبراهيم قالا: أول من فرض العطاء غمر بن الخطاب، وفرض فيه الدية كاملة فى ثلاث سنين، والنصف فى سنتين، والثلث فى سنة، وما دون ذلك فى عامة، رواه ابن أبى شيبة (زيلعى). باب فى مدة أداء الدية قوله: "حدثنا عبد الرحيم" إلخ: قلت: هو مذهب أئمتنا، قال العبد الضعيف: روى البيهقى فى "سننه" من طريق الربيع: أنبأ الشافعى، قال: وجدنا عاما فى أهل العلم (أى شائعا) أن رسول الله عّ بّه قضى فى جناية الحر المسلم على الحر خطأ بمائة من الإبل، وعاما فيهم أنها فى مضى ثلاث سنين، فى كل سنة ثلثها بأسنان معلومية اهـ، وذكر ابن الرفعة فى "شرح الوسيط": أن الشافعى قال فى "المختصر": لا أعلم مخالفا، أنه عليه السلام قضى بالدية على العاقلة، ولا اختلاف بين أحد علمته فى أنه علیه السلام قضی بها فی ثلاث سنين. ثم ذكر عن ابن المنذر قال: ما ذكره الشافعى لا يعرف له أصل من كتاب ولا سنة، وأن ابن حنبل سئل عنه؟ فقال: لا أعرف فيه شيئا، فقيل له: إن أبا عبد الله رواه عن النبى معَّ له، فقال: لعله سمعه من ذلك المدنى، فإنه كان حسن الظن فيه، يعنى ابن أبى يحيى، قال ابن داود والشافعى فى "شرح المختصر": كان الشافعى يروى هذا الحديث، ويقول: حدثنى من هو ثقة فى الحديث غير ثقة فى دينه اهـ من "الجوهر النقى" (١١٠:٨). قال العبد الضعيف: ولو سلمنا ضعف ما رواه الشافعى عن النبى معَّ فى ذلك، فله شواهد عديدة من طرق عن عمر وعلى رضى الله عنهما، أما الروايات عن عمر فمذكورة فى المتن، وأما عن على فأخرج البيهقى فى "سنته" من طريق ابن وهب: أخبرنى ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب: أن على بن أبى طالب رضى الله عنه قضى بالعقل فى قتل الخطأ فى ثلاث سنين. وعن يحيى ابن سعيد: إن من السنة أن تنجم الدية فى ثلاث سنين (١١٠:٨)، وفى كل ذلك تقوية لما ذكره الشافعى رحمه الله من إجماع السلف على ذلك، وقال الترمذى فى "كتابه": قد أجمع أهل العلم على أن الدية تؤخذ فى ثلاث سنين، فى كل سنة ثلث الدية (زيلعى ٣٣٧:٢). وقال الموفق فى "المغنى": ولا أعلم فى أنها تجب مؤجله خلافا بين أهل العلم، وروى ذلك ٢٩٥ مدة أداء الدية إعلاء السنن ٥٩٦٦- وأخبرنا ابن جريج، قال: أخبرت عن أبى وائل: أن عمر بن الخطاب جعل الدية الكاملة فى ثلث سنين، وجعل نصف الدية فى سنتين، وما دون النصف فى سنة، أخرجه عبد الرزاق. ٥٩٦٧- وأخرجه أيضا عن الثورى، عن أشعث، عن الشعبى: أن عمر بن الخطاب جعل الدية فى الأعطية فى ثلاث سنين، والنصف والثلثين فى سنتين، والثلث فى سنة، وما دون الثلث فهو فى عامة اهـ (زيلعى ٣٣٦:٢). عن عمر، وعلى وابن عباس رضى الله عنهم، وبه قال الشعبى، والنخعى، وقتادة، وأبو هاشم، وعبد الله بن عمر، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعى، وأبو ثور، وابن المنذر. وقد حكى عن قوم من الخوارج أنهم قالوا: الدية حالة؛ لأنها بدل متلف، ولم ينقل إلينا ذلك عمن يعد خلافه خلافا، وتخالف الدية سائر المتلفات؛ لأنها تجب على غير الجانى على سبيل المواساة، فاقتضت الحكمة عليهم، وقد روى عن عمرو على أنهما قضيا بالدية على العاقلة فى ثلاث سنين، ولا مخالف لهما فى عصرهما؛ فكان إجماعا اهـ (٤٩٢:٩). فائدة: فى قدر ما على العاقلة من الدية، قال الموفق فى "المغنى": ولا خلاف بين أهل العلم فى أن العاقلة لا تكلف من المال ما يجحف بها ويشق عليها؛ لأنه لازم لها من غير جنايتها على سبيل المواساة للقاتل، والتخفيف عنه، فلا يخفف عن الجانى بما يثقل على غيره ویجحف به كالزكاة، واختلف أهل العلم فيما يحمله كل واحد منهم، فقال أحمد: يحملون على قدر ما یطیقون، فعلى هذا لا يقدر شرعا، وإنما يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم، فیفرض على كل واحد قدرا يسهل ولا يؤذى، وهذا مذهب مالك لأن التقدير لا يثبت إلا بتوقيف، ولا يثبت بالرأى والتحكم، ولا نص فى هذه المسألة؛ فوجب الرجوع فيها إلى اجتهاد الحاكم كمقادير النفقات. وعن أحمد: أنه يفرض على الموسر نصف مثقال؛ لأنه أقل ما يقدر فى الزكاة، فكان معتبرا بها، ويجب على المتوسط ربع مثقال؛ لأن ما دون ذلك تافه؛ لكون اليد لا تقطع فيه، وهو مذهب الشافعى. وقال أبو حنيفة: أكثر ما يجعل على الواحد أربعة دراهم، وليس لأقله حد؛ لأن ذلك مال يجب على سبيل المواساة للقرابة، فلم يتقدر أقله كالنفقة، قال: ويسوى بين الغنى والمتوسط لذلك، قال الموفق: والصحيح الأول؛ لما ذكرنا من أن التقدير إنما يصار إليه بتوقيف فيه اهـ ملخصا (٥٢٠:٩). لكن نقول: الإيجاب عليهم للتخفيف عن القاتل، وإنما يجب على وجه لا يتعسر عليهم، وذلك فى إيجاب القليل دون الكثير، ثم هذه صلة يؤمرون بها على وجه التبرع، فلا يبلغ مقدارها ٢٩٦ ج - ١٨ باب أن العاقلة لا تعقل العمد والصلح والإقرار وجناية العبد ٥٩٦٨- قال محمد: أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، قال: مضت السنة أن العاقلة لا تحمل شيئا من دية العمد إلا أن تشاء. ٥٩٦٩- وقال محمد أیضا: حدثنی عبد الرحمن بن أبی الزناد عن أبيه عن عبید الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس، قال: لا تعقل العاقلة عمدا، ولا صلحا، ولا اعترافا، ولا ما جنى المملوك، وقال: به نأخذ، وهو قول أبى حنيفة والعامة من فقهاءنا (الموطأ للإمام محمد). مقدار الواجب من الزكاة (وهو خمسة دراهم من نصاب الفضة)، بل ينقص من ذلك، فإن قلت العاقلة، فكان يصيب الرجل أكثر من أربعة ضم إليهم أقرب القبائل فى النسب، حتى يصيب الرجل منهم ما وصفنا؛ لأن إيجاب الزيادة إحجاف بهم؛ فلا يجوز؛ فلذلك ضم إليهم أقرب القبائل اهـ ملخصا من "المبسوط" (١٢٩:٢٧). وحاصله أن مقدار الدية لم يقدره الشارع بمقدار معلوم على كل واحد من العاقلة، فلا بد أن ينقص من القدر الواجب فى الزكاة شرعا، فلا يزاد على أربعة دراهم؛ كيلا يلزم مساواة الصلة والتبرع للواجب بالشرع. وهذا كما ترى دليل لا يقوم على رجليه(١) وإلا لزم أن لا يجوز للإمام فى ضرب الجعل على المسلمين لجهاد العدو الزيادة على أربعة دراهم. ولا قائل به، بل للإمام أن يضرب على كل واحد ما يطيقه من المال، إذا لم يكن فى بيت المال كفاية، فكذا ههنا، وظنى أن ما قاله الإمام ليس بتقدير ولا تحديد، وإنما معناه الإشارة على الإمام أن لا يزيد على أقل قدر يجب فى الزكاة، والله تعالى أعلم، ظ. باب أن العاقلة لا تعقل العمد إلخ قوله: "قال محمد" إلخ: قلت: سنده صحيح، وروى الدار قطنى عن الشعبى أنه قال: لا تعقل العاقلة عمدا، ولا عبدا، ولا صلحا، ولا اعترافا، ورجاله ثقات. (١) قيل هذا قياس مع الفارق، فإن الإنفاق فى جهاد العدو فرض وواجب؛ لقوله تعالى: ﴿انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل الله﴾ بخلاف العقل فإنه ليس بواجب، قلنا: قوله ◌َّ: (وعلى العاقلة الدية)) يفيد وجوب العقل عليهم، ولذا يجبرهم الإمام على ذلك فاستویا، ظ. ٢٩٧ إعلاء السنن باب لا تعقل العاقلة أدنى من الموضحة ٥٩٧٠- عن إبراهيم النخعى، قال: لا تعقل العاقلة فى أدنى من الموضحة. ٥٩٧١- وفى لفظ له: تعقل العاقلة الخطأ كله إلا ما كان دون الموضحة والسن مما ليس فيه أرش معلوم رواهما محمد فى كتاب الآثار وقال: وبهذا كله نأخذ وهو قول واختلفوا فى تأويل قوله: ((لا تعقل العاقلة عبدا)) فقال ابن أبى ليلى: معناه أنه إذا قتل الحر العبد، أو جنى عليه فالأرش فى مال القاتل، وليس على العاقلة، وقال محمد بن الحسن: معناه أنه إذا جنى المملوك فجنايته فى رقبته، لا على عاقلة المولى، وقال أبو عبيد: فذاكرت الأصمعى فيه، فقال: القول عندى ما قال ابن أبى ليلى، وعليه كلام العرب، ولو كان المعنى ما قال أبو حنيفة لكان لا تعقل العاقلة عن عبد، ولم يكن ولا تعقل عبدا كذا فى الزيلعى. وقال فى القاموس: قال الأصمعى: كلمت فى ذلك أبا يوسف بحضرة الرشيد، فلم يفرق بين عقلته وعلقت عنه حتى فهمته اهـ. وأجاب عنه القارى بأن عقلته قد يجىء بمعنى عقلت عنه، كما فى قوله: "لا تعقل العاقلة عمدا واعترافا وصلحا"، فإن معناه عن عمد، وعن اعتراف، وعن صلح، فيكون معنى قوله: "لا تعقل عبدا" لا تعقل عن عبد، كما يدل عليه سياق كلام الشعبى وسباقه، كذا فى "التعليق الممجد". والصواب عندى أن يقال: تقدير قوله: "لا تعقل العاقلة عبدا" لا تعقل العاقلة جناية عبد، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ولا حاجة إلى تقدير "عن"، والقرينة على التقدير وقوع العقل على الأفعال كالعمد والصلح والإقرار، فيجب أن يقدر الفعل فى قوله: ((عبدا))؛ لئلا يلزم اشتراك الفعل فى معنيين؛ لأن العقل إذا عدى إلى الفعل كأن "عقلت قتل فلان" كان له معنى، وإذا عدى إلى الذات كأن يقال: "عقلت فلانا" كان له معنى آخر، ولم يتنبه الأصمعى ومن قلده لهذه الدقيقة، فقالوا ما قالوا. قلت: ويؤيد ما قاله محمد ما فى قول ابن عباس: "ولا ما جنى المملوك" وهو صريح فى أن العاقلة لا تحمل جناية العبد إذا كان هو الجانى، لا أنها لا تحمل جناية الحر إذا قتل العبد، والآثار يفسر بعضها بعضا، فافهم، والله أعلم. باب لا تعقل العاقلة أدنى من الموضحة قوله: "عن إبراهيم النخعى" إلخ: قلت: الأصل فيه ما روى عن النبى عّ أنه جعل دية الجنين على العاقلة، وهى نصف العشر كدية الموضحة، فظهر منه أن العاقلة تتحمل إلى نصف ٢٩٨ لا تعقل العاقلة أدنى من الموضحة ج - ١٨ العشر، والكلام مذكور عليه فى باب دية الجنين. فائدة: روى ابن حزم فى "المحلى" عن على بن أبى طالب: أنه لما رجم المرأة قبال لأولياءها: هذا ابنكم ترثونه ويرثكم، وإن جنى جناية فعليكم، وعن إبراهيم النخعى قال: إذا لاعن الرجل امرأته فرق بينهما، ولا يجتمعان أبدا، وألحق الولد بعصبته، وترثه ويعقلون عنه. وعنه أيضا فى ولد الملاعنة، قال: ميراثه كله لأمه، ويعقل عنه عصبتها، وكذلك ولد الزنا، وولد النصرانى، وأمه مسلمة اهـ (١١ : ٦٣). قال العبد الضعيف: هو مذهب أئمتنا رحمهم الله تعالى، قال فى "الهداية": وابن الملاعنة تعقله عاقلة أمه؛ لأن نسبه ثابت منها دون الأب، فإن عقلوا عنه ثم ادعاه الأب رجعت عاقلة الأم بما أدت على عاقلة الأب فى ثلاث سنين، من يوم يقضى القاضى لعاقلة الأم على عاقلة الأب اهـ (٤: ٥٨٢ مع "البناية"). قلت: أخرج الشيخان عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أن رجلا لاعن امرأته على عهد رسول الله عَِّ، ففرق عليه السلام بينهما، وألحق الولد بأمه (زيلعى ٤٢:٢). ومعنى إلحاقه بأمه ما فسره على رضى الله عنه بقوله لأولياء المرأة: هذا ابنكم ترثونه ويرتكم، وإن جنى جناية فعليكم. وأخرج ابن أبى شيبة عن على وابن مسعود أنهما قالا فى ابن الملاعنة: عصبته عصبة أمه، يرثهم ويرثونه. وبه قال النخعى والشعبى، كما فى "فتح البارى" (٢٥:١٢)، وسيأتى لذلك مزيد فى باب ميراث ابن الملاعنة من كتاب الفرائض، إن شاء الله تعالى. فائدة: قد تمت أبواب الديات والعواقل - ولله الحمد- وقد بقى بعد خبايا فى الزوايا، تركتها لمن يأتى من بعدى فيلحقها بالأبواب، ولولا مخافة التطويل لأتيت فى كل باب بتفصيل جميل، ولكن العمر قصير، والوقت قليل، والخطب جليل، فاقتصرت على ما فيه الكفاية، فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله، والمرجو من الله سبحانه أن يجعل كل ذلك خالصا لوجهه الكريم، ويتقبل منى، ويتجاوز عن سيئاتى، إنه هو البر الرحيم، ويتلو هذه الأبواب كتاب الوصايا. ٢٩٩ إعلاء السنن كتاب الوصايا کتاب الوصايا معنى الوصية وتحقيق وجوبها أو ندبها وهى جمع وصية، مثل: العطايا وعطية، والوصية بالمال هى التبرع به بعد الموت، والأصل فيها الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب فقول الله سبحانه وتعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾. وأما السنة فحديث سعد بن أبى وقاص، متفق عليه، وسيأتى، وعن على رضى الله عنه قال: إنكم تقرأون هذه الآية: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾، وأن النبى معَ ◌ّه قضى أن الدين قبل الوصية، رواه الترمذى. وأجمع العلماء فى جميع الأمصار والأعصار على جواز الوصية، ولا تجب الوصية إلا على من عليه دين، أو عنده وديعة، أو عليه واجب، يوصى بالخروج منه؛ فإن الله تعالى فرض أداء الأمانات، وطريقه فى هذا الباب الوصية، فتكون مفروضة عليه، وهو محمل ما رواه مالك عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله مآ با: ((ما حق امرئ مسلم له شىء یوصی فیه یبیت ليلتين إلا ووصیته عنده مکتوبة))، متفق عليه. فأما الوصية بجزء من ماله فليست بواجبة على أحد فى قول الجمهور، وبذلك قال الشعبى والنخعى والثورى ومالك وأبو حنيفة والشافعى وأصحابهم وغيرهم. قال ابن عبد البر: "أجمعوا على أن الوصية غير واجبة إلا على من عليه حقوق بغير بينة، وأمانة بغير إشهاد، إلا طائفة شذت فأوجبتها للأقربين الذين لا يرثون، وهو قول داود، وحكى عن مسروق وطاوس وإياس وقتادة وابن جرير، واحتجوا بالآية، وخبر ابن عمر، وقالوا: نسخت الوصية للوالدين والأقربين الوارثين، وبقيت فيمن لا يرث من الوارثين. ولنا أن أكثر أصحاب رسول الله عَّه لم ينقل عنهم وصية، ولم ينقل لذلك نكير، ولو كانت واجبة لم يخلوا بذلك، والنقل عنهم نقلا ظاهرًا، ولأنها عطية لا تجب فى الحياة، فلا تجب بعد الموت. فأما الآية فقال ابن عباس: نسخها قوله سبحانه: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾، وقال ابن عمر: نسختها آية الميراث، وبه قال عكرمة ومجاهد ومالك والشافعى، وحديث ابن عمر محمول على من عليه واجب، أو عنده وديعة، كذا فى "المغنى" (٤١٥:٦). ٣٠٠ ج - ١٨ کتاب الوصايا وأيضا: فلفظ ابن عمر: "ما حق امرأ مسلم له شىء يوصى فيه" لا يدل على الوجوب؛ لأن الحق لغة الشىء الثابت، ويطلق شرعا على ما ثبت به الحكم، والحكم الثابت أعم من أن يكون واجبا أو مندوبا، وقد يطلق على المباح أيضا، لكن بقلة قاله القرطبى، قال: فإن اقترن به "على" أو نحوها كان ظاهرا فى الوجوب وإلا فهو على الاحتمال، فلا حجة فيه لمن قال بالوجوب، بل اقترن هذا الحق بما يدل على الندب، وهو تفويض الوصية إلى إرادة الموصى، حيث قال: "له شىء يريد أن يوصى فيه" (رواه أيوب عن نافع ورواه عبيد الله بن عمر عن نافع مثله أخرجهما مسلم، فيحمل رواية مالك بغير ذلك على الاختصار)، فلو كانت واجبة لما علقها بإرادته (وقول حزم: وجبت الوصية برواية مالك، ووجب عليه أن يريدها ولا بد (٩: ٣١٣) دعوى مجردة لا دليل لها؛ فإن رواية مالك لا تدل على الوجوب ولو دلت لوجب حملها على الاختصار لوجوب قبول الزيادة من الثقة، والمعلق بالإرادة لا يكون واجبا، هذا هو الظاهر، ولا بد للقول بالوجوب من دليل). وأما الجواب عن الرواية التى بلفظ "لا يحل" فلاحتمال أن يكون راويها ذكرها بالمعنى، وأراد بنفى الحل ثبوت الجواز بالمعنى الأعم، الذى يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح (فتح البارى ٢٦٥:٥). وأما قول ابن حزم: إن ابن عباس قال فيمن ترك ثمانمائة درهم: قليل ليس فيها وصية، وأن عليا نهى من لم يترك إلا من سبعمائة إلى تسعمائة عن الوصية، وأن عائشة أم المؤمنين قالت فيمن ترك أربعمائة دينار: فى هذا فضل عن ولده؟ قال: ففيه حد القليل وهم لا يقولون بهذا (٣١٢:٩)، ففيه أن كل هؤلاء القائلين إنما تأولوا تقدير المال على وجه الاستحباب لا على وجه الإيجاب للمقادير المذكورة، وكان ذلك منهم على طريق الاجتهاد فيما تلحقه هذه الصفة (أى صفة الخبرية) من المال، ومعلوم فى العادة أن من ترك درهما لا يقال له: ترك خبرا، فلما كانت هذه التسمية موقوفة على العادة، وكان طريق التقدير فيها على الاجتهاد، وغالب الرأى مع العلم بأن القدر اليسير لا تلحقه هذه التسمية، وأن الكثير تلحقه، فكان طريق الفصل فيها الاجتهاد مع غالب الرأى، مع ما كانوا عرفوا من سنة النبى معَّ له، وقوله: ((الثلث والثلث كثير، وأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس)) (أحكام القرآن (١٦٣:١) للرازى، وعند هذا يختلف الحال باختلاف الورثة فى كثرتهم وقلتهم وعناهم وحاجتهم، فلا يتقيد بقدر من المال، وقد قال الشعبى: ما من مال أعظم أجرا من مال يتركه الرجل لولده يغنيهم به عن الناس، كما فى "المغنى".