Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ إعلاء السنن باب أنه لو أنكر القاتل بالمحدد التعمد للقتل ينبغى للولى العفو عن القصاص تحرزا عن وقوع القصاص فى غير محله ولكن لا يسقط القصاص بهذا الإنكار قضاء ٥٨٣٣- عن أبى هريرة، قال: قتل رجل على عهد النبى عَّه، فرفع ذلك إلى النبى معَّةٍ، فدفعه إلى ولى المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله! ما أردت قتله، قال: فقال رسول الله عَّ للولى: ((أما إنه إن كان صادقا ثم قتلته دخلت النار))، قال: فخلى سبيله، قال: و کان مکتوفا بنسعة فخرج یجر نسعته فسمی ذا نسعة، رواه أبو داود بسند رجاله ثقات أثبات من رجال "الصحيحين". فى "أحكام القرآن" (١٤٩:١) للجصاص، والله تعالى أعلم، وعلمه أتم وأكمل وأحكم. باب أنه لو أنكر القاتل بالمحدد التعمد للقتل إلخ. قوله: "عن أبى هريرة إلخ": قلت: الحديثان يدلان على أنه لو أنكر القاتل تعمد القتل فى القتل بالمحدد لا يسقط القصاص قضاء، ولكن ينبغى للولى أن لا يقتص منه، لاحتمال أن يكون صادقا فى نفس الأمر، لأن القتل بالمحدد ليس بموجب للقصاص فى نفس الأمر، بل بناء على الظاهر فقط، ولاموجب للقود فى نفس الأمر هو التعمد للقتل، فلما أنكر التعمد - والصدق محتمل- كان قاتله قاتلا لمن هو غير مستحق للقتل إقبالا، فينبغى (١) ترك القتل للتحرز عن قتل الغير المستحق للقتل على اعتبار الصدق. ويظهر من قوله عٍَّ فى رواية أبى هريرة: ((أما إنه إن كان صادقا ثم قتلته دخلت النار)). أن معنى قوله فى رواية علقمة، عن أبيه: ((إن قتله فهو مثله)) أنه إن قتله فهو مثله فى قتل الغير المستحق للقتل فى الجملة، لأنه غير مستحق للقتل على تقدير صدقه فى إنكاره لتعمد القتل، لا ما قاله النووى: إنه مثله فى أنه لا فضل ولا منة لأحدهما على الآخر، لأنه استوفى حقه منه، ولا ما قال غيره: إنه مثله فى أنه قاتل وإن اختلفا فى التحريم والإباحة، ومنشأ خطأ هؤلاء أنهم ظنوا من ظاهر ألفاظ حديث مسلم أن القاتل كان مقرا لتعمد القتل، ولم ينظروا إلى صريح إنكاره الواقع فى رواية أبى داود، ومن أجل هذا الظن لم ينظروا إلى قوله فى رواية أبى هريرة: ((أما إنه إن كان (١) قلت: قد سبقك الطحاوى إلى ذلك، كما فى "المعتصر" (ص٣٠٢)، ولكن بعض الأحباب لا يراجع كتب القوم، ظ. ٨٢ لو أنكر القاتل بالمحدد التعمد للقتل ج - ١٨ ٥٨٣٤- عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، حدثه أن أباه حدثه قال: "إنى لقاعد مع النبى عدّه، إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة، فقال: يا رسول الله! هذا قتل أخى، فقال رسول الله عّ لّهِ: أ قتلته؟ فقال: إنه لو لم يعترف أقحت عليه النسعة، قال: نعم قتلته، قال كيف قتلته؟ قال: كنت أنا وهو نختبط من شجرة، فسبنى فأغضبنى، فضربته بالفأس على قرنه فقتله"، هذا لفظ سماك عند مسلم، ولفظه عند أبى داود: قال: "ضربت رأسه بالفأس ولم أرد قتله، فقال له النبى عّ لّه: هل لك من شىء تؤديه عن نفسك؟ قال: ما لى مال إلا كسائى وفأسى، قال: فترى قومك يشترونك؟ قال: أنا أهون على قومی من ذاك، فرمى إليه بنسعته، وقال: دونك صاحبك، فانطلق به الرجل، فلما ولى قال رسول الله عَّ ◌ُله: إن قتله فهو مثله، فرجع فقال: يا رسول الله! بلغنى أنك قلت: إن قتله فهو مثله، وأخذته بأمرك، فقال رسول الله عَ ليه: أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك؟ فقال: يا نبى الله! لعله قال: بلى! قال: فإن ذاك كذلك. قال: فرمى بنسعته، وخلی سبیله"، رواه مسلم. صادقا ثم قتلته دخلت النار))؛ لأنهم ظنوا أن ذلك كان فى المنكر للتعمد، وهذا فى المقر به، والحق أن كلا القولين كان فى المنكر للتعمد، بل الظاهر أن القصة واحدة، واختلاف الألفاظ مبنى على الرواية بالمعنى. فإن قلت: كون الولى مثل القاتل فى قتل غير المستحق للقتل على تقدير صدقه فى إنكاره التعمد للقتل أمر معقول، ولكن ما تأويل قوله فى رواية أبى هريرة: ((أما إنه إن كان صادقا ثم قتلته دخلت النار))؛ لأن مجرد صدقه فى إنكاره التعمد لا يوجب دخول الولى النار، لأنه لا يجب على الولى تصديقه شرعا، حتى يكون مرتكبا للقتل العمد الموجب لدخول النار. قلنا: إن لم يكن هذا من قول النبى معَّ ◌ُلّ بل يكون رواية بالمعنى فالظاهر أنه خطأ فى التعبير من الرواة، وإن كان من قوله فمعناه أنه إن كان صادقا فى إنكار التعمد ثم قتلته فعلت فعلا موجبا لدخول النار فى نفسه، وإن لم يكن موجبا للدخول لعارض، وهو عدم وجوب تصديقه، بناء على كونه متهما فى إنكاره، وكون إنكاره خلاف الظاهر، فدخلت النار إن لم يكن هناك هذا المانع، فاندفع الإشكال. ومقتضى ما فى الحديثين أنه لو أنكر القاتل بالمحدد التعمد للقتل، وصدقه الولى باللسان ٨٣ إعلاء السنن باب قوله : لا قود إلا بالسيف ومعنى القتل الخطأ شبه العمد ٥٨٣٥- حدثنا إبراهيم بن المستمر، ثنا الحر بن مالك العنبرى، ثنا مبارك بن وبالقلب، يسقط القصاص عن القاتل بتصديقه قضاء وديانة، ولو كذبه باللسان وصدقه بالقلب، لا يسقط القصاص قضاء، ولكن يكون آثما إذا قتله، ولو كذبه باللسان وبالقلب، لا يسقط القصاص قضاء، ولا يأثم بالقتل ديانة، إلا أنه ينبغى التحرز عن الاقتصاص لاحتمال صدقه فى الواقع، ولو صدقه باللسان، وكذبه بالقلب، يسقط القصاص قضاء، ويأثم بالقتل ديانة؛ لأنه تصديقه باللسان مع التكذيب بالقلب عفو عن القصاص، والقتل بعد العفو موجب للإثم، ولكن لم أر هذا التفصيل فی کتاب، فلیحق. وقد وقع فى رواية لمسلم: ((القاتل والمقتول فى النار)) موضع قوله: ((إن قتله فهو مثله))، وتأويله أن القاتل أى المقتص فى النار، إن كان المقتص منه صادقا فى إنكار التعمد، والمقتول أى المقتص منه فى النار إن كان كاذبا فى إنكاره، وما قال النووى فى تأويله: إنه ليس المراد به ولى المقتول المقتص، والقاتل المقتص منه، بل المراد غيرهما، وهما المسلمان إذا التقيا بسيفهما فى المقاتلة المحرمة، فخطأ فاحش، بل المراد بهما الولى والقاتل، ولكن الشرط مطوى مع كل منهما، كما هو مطوی فی قوله: ((إن قتله فهو مثله))، فلا إشكال، فتدبر. ثم اعلم أنه قد وقع فى رواية أبى هريرة أنه معَّه قال: ((أما إنه إن كان صادقا ثم قتلته دخلت النار))، ووقع فى بعض روايات وائل أنه قال: ((إن قتلته فهو مثله))، وفى بعض آخر له أنه قال: ((القاتل والمقتول فى النار)). وهذه العبارات لها معنيان: معنى خفى، ومعنى ظاهر، والمراد هو المعنى الظاهر، ولما كانت بمعانيها الظاهرة ملجئة للولى إلى ترك القصاص، وكان المقصود هو الإلجاء إلى تركه للتحرز عن شبهة وقوع القصاص فى غير محله، بناء على احتمال صدقه فى إنكاره تعمد القتل، اختيرت هذه العبارات الظاهرة فى المعانى غير المقصودة تحصينا لمقصود الإلجاء مبالغة فى حقن الدم، ولما كان له عٍَّ أن يجبره على ترك القصاص، لصريح الأمر لمصلحة تقتضيه، فأن يكون له الإلجاء إلى تركه لعبارات ظاهرة فى المعانى غير المقصودة أولى، فلا إشكال فى اختيار هذه العبارات، والإلجاء إلى ترك القصاص، ولكن لما كان هذا من خصوصياته عدّ له، ليس لغيره الإلجاء فى مثل هذه الصورة، نعم له أن يندب إليه فقط. باب قوله: لا قود إلا بالسيف إلخ قوله: "حدثنا إبراهيم إلخ": قلت: أخرجه الدار قطنى من طريق مبارك، عن الحسن مرسلا، ٨٤ قوله : لا قود إلا بالسيف ومعنى القتل الخطأ شبه العمد ج - ١٨ فضالة، عن الحسن، عن أبى بكرة، قال: قال رسول الله عَ له: ((لا قود إلا بالسيف))، رواه ابن ماجة. ثم قال: قال يونس: قلت للحسن: عمن أخذت هذا؟ قال: سمعت النعمان بن بشير يذكر ذلك اهـ، وبهذا التفصيل يظهر أنه لا كلام فى ثبوت الحديث عن الحسن مرسلا، وإنما الكلام فى الرفع، فمبارك بن فضالة يقول: عن الحسن، عن أبى بكرة، ويقول يونس: عن الحسن، عن النعمان بن بشير، وهو الأصح؛ لأنه روى هذا عن النعمان بن بشير من أوجه أخر؛ لأنه رواه ابن ماجة من طريق سفيان، عن جابر، عن أبى عازب، عن النعمان بن بشير، أنه قال رسول الله عَ لّه: ((لا قودة إلا بالسيف))، وأخرجه الدارقطنى من طريق سفيان، عن جابر، عن أبى عازب، عن النعمان بن بشير، عن النبى عرِّ أنه قال: ((كل شىء خطأ إلا السيف، وفى كل خطأ أرش)). ومن طريق زهير وقيس عن جابر عن أبى عازب، عن النعمان بن بشير، عن النبى عّ لّه أنه قال: ((كل شىء سوى الحديدة فهو خطأ، وفى كل خطأ أرش))، وأخرج أيضًا من طريق قيس، عن أبى حصين، عن إبراهيم ابن بنت النعمان، عن النعمان بن بشير، عن النبى عّ لّه مثله. فهذه الروايات شاهدة لما رواه يونس، عن الحسن، أنه قال: سمعت النعمان بن بشير يذكر ذلك، فهو الأضح، ويحتمل أن يكون سمعه الحسن عن أبى بكرة أيضًا، فلا وجه لرد رواية مبارك ابن فضالة أيضا، وإعلال البيهقى له إن كان من جهة تدليس مبارك بن فضالة، فالتدليس بجرح عندنا، وإن كان من جهة ضعف مبارك، فالأكثرون على توثيقه، كما يتضح من "التهذيب"، بالجملة الحديث حجة مرسلا، كان أو مسندا من أبى بكرة، أو من النعمان بن بشير، أو من كليهما. إذا تحقق ثبوت الحديث فنقول: معنى الحديث أن القصاص لا يجب على القاتل إلا إذا قتل بالحديدة، أو ما فى معناه، وأما إذا كان قتل بالعصا الكبير ونحوه فلا، كما يدل عليه رواية جابر، وقيس، وليس معناه أن آلة القود ليس إلا السيف، ما توهمه الطحاوى، ثم الحديث يقيد بما إذا أنكر القاتل التعمد؛ لأنه إذا أقر بقصد القتل فخصوصية الآلة هذا، فافهم. · فالحديث حجة لأبى حنيفة فى قوله فى العمد وشبه العمد، وعن خالد الحذاء، عن القاسم ابن ربيعة، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبى معَّه قال: ((ألا إن دية الخطأ شبه العمد - ما كان بالسوط، والعصا- مائة من الإبل، منها أربعون فى بطونها أولادها))، رواه أبو داود، وابن ماجة، والنسائى، وابن حبان فى "صحيحه"، وصححه ابن القطان (تلخيص الحبير). ٨٥ قوله : لا قود إلا بالسيف ومعنى القتل الخطأ شبه العمد إعلاء السنن قال البزار: تفرد به الحر بن مالك، وليس كما قال، فإنه رواه الدار قطنى عن الوليد ابن صالح،، عن مبارك،، مثل ما رواه الحر عنه، وأعله البيهقى لمبارك بن فضالة، وقال البزار: أحسبه خطأ؛ لأن الناس يروونه عن الحسن مرسلا، قال الحافظ فى "التلخيص": وكذا أخرجه ابن أبى شيبة من طريق أشعث وغيره عن الحسن مرسلا اهـ. قلت: المراد من السوط والعصا هو ما يستعمل لغير القتل أيضا، سواء استعمل للقتل أيضا أم لا، فيشمل العصا الكبير، والحجر الكبير، كما يدل عليه حديث: ((لا قود إلا بالسيف))، وقال أبو يوسف، ومحمد: هو على العصا الصغير الذى لا يقتل مثله، وتأويل أبى حنيفة أشبه؛ لكونه مؤيدا بالمنقول والمعقول، أما المنقول فقوله: ((لا قودة إلا بالسيف)). وأما المعقول فهو أن العصا الكبير كما يستعمل للقتل يستعمل لغير القتل أيضا، فلما قال القاتل: ما أردت القتل، فلا يكذب له هناك، فيقبل قوله، ويجعل خطأ شبه العمد، وهو المروى عن على، وابن مسعود، قال فى "كنز العمال" (٣٢٠:٧): عن ابن جريج: حدثنا عبد الكريم -الجوزى- عن على، وابن مسعود، قالا: إن العمد السلاح، وشبه العمد الحجر والعصا، ويغلظ شبه العمد الدية، ولا يقتل به، أخرجه عبد الرزاق، وعن على، قال: شبه العمد الضرب بالخشية الضخمة، والحجر العظيم، أخرجه عبد الرزاق أيضا اهـ. قلت: لم أقف على سنده، وعبد الكريم الجزرى عن على وابن مسعود منقطع، ولكن لا ضير؛ فإن المرسل عندنا حجة، لا سيما فى مقام التأييد والتقوية، فتدبر، والله أعلم. قال العبد الضعيف: القتل على ثلاثة أوجه: عمد، وشبه العمد، وخطأ، أكثر أهل العلم يرون القتل منقسما إلى هذه الأقسام الثلاثة، روى ذلك عن عمر، وعلى رضى الله عنهما، وبه قال الشعبى، والنخعى، وقتادة، وحماد، وأهل العراق، والثورى، والشافعى، وأصحاب الرأى، وأنكر مالك شبه العمد، وقال: ليس فى كتاب الله إلا العمد، والخطأ، فأما شبه العمد فلا يعمل به عندنا، وجعله من قسم العمد، وحكى عنه مثل قول الجماعة، وهو الصواب (المغنى ٣٢٠:٩). وأخرج البيهقى من طريق الشافعى: أنبأ ابن عيينة، عن على بن زيد بن جدعان عن القاسم ابن ربيعة، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله عّ لّه قال: ((ألا إن فى قتيل العمد الخطأ بالسوط أو العصا مائة من الإبل مغلظة، منها أربعون خلفة فى بطونها أولادها))، ثم أخرج من طريق ابن خزيمة، يقول: حضرت مجلس المزنى يوما، وسأله سائل من العراقيين عن شبه العمد، فقال السائل: إن الله تبارك وتعالى وصف القتل فى كتابه صفتين: عمدا وخطأ، فلم قلتم: إنه على ثلاثة أصناف؟ ٨٦ قوله : لا قود إلا بالسيف ومعنى القتل الخطأ شبه العمد ج - ١٨ ٥٨٣٦- وقال الزيلعي: رواه أحمد فى "مسنده"، قال: ثنا هشيم، ثنا أشعث بن عبد الملك، عن الحسن مرفوعا: ((لا قود إلا بحديدة))، ورواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه"، وقال: حدثنا عيسى ابن يونس، عن أشعث وغيره، عن الحسن، مرفوعا نحوه. ولم قلتم: شبه العمد؟ یعنی فاحتج المزنى بهذا الحديث، فقال له مناظره: أتحتج بعلى بن زيد بن جدعان؟ فسكت المزنى، فقلت: (القائل ابن خزيمة) قد روى هذا الحديث غير على بن زيد، فقال: ومن رواه غیر علی؟ قلت: رواه أيوب السختيانى، وخالد الحذاء، عن القاسم بن ربيعة، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو، قال لى: فمن عقبة بن أوس؟ فقلت: رجل من أهل البصرة، وقد رواه عنه محمد ابن سيرين مع جلالته، فقال للمزنى: أنت تناظر أو هذا؟ فقال: إذا جاء الحديث فهو يناظر، لأنه أعلم بالحديث منى، ثم أتكلم أنا. ثم أخرجه البيهقى من طريق شعبة، عن أيوب، عن القاسم بن ربيعة، عن عبد الله بن عمرو، عن النبى معَّ ◌ُلّه بلفظ: ((قتل الخطأ شبه العمد بالسوط أو العصا، فيها مائة من الإبل، منها أربعون فى بطونها أولادها))، ومن طريق الشافعى أنبأ الثقفى، عن خالد الحذاء، عن القاسم، عن عقبة بن أوس، عن رجل من أصحاب النبى معَّ ◌ُلّهِ، أو رسول الله مَّ ◌ُّه قال يوم فتح مكة: ((ألا إن فى قتيل الخطأ شبه العمد قتيل السوط والعصا، الدية مغلظة)) الحديث. وكذلك رواه جماعة عن خالد الحذاء، وقد رواه حماد بن زيد، عن خالد الحذاء، فأقام إسناده، ثم أخرجه من طريق أبى داود: ثنا سليمان بن حرب، ومسدد، قالا: ثنا حماد، عن خالد، عن القاسم بن ربيعة، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو، فذكر الحديث، ثم قال: ((ألا إن فى قتيل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط أو العصا)) الحديث، ثم روى من طريق ابن جريج، عن عمرو ابن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، أن رسول الله عَّاللّه قال: ((شبه العمد مغلظة، ولا يقتل به صاحبه، وذلك أن ينزو الشيطان بين القبيلة، فيكون بينهم رميا بالحجارة فى عميا فى غير ضعيفة ولا حمل سلاح)) اهـ ملخصا (٤٥:٨). ومن طريق الشافعى: أنبأ سفيان، عن عمرو بن دينار، وابن طاوس، عن طاوس، أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: أذكر الله امرأ سمع من النبى معَ ◌ّه فى الجنين شيئا، فقام حمل بن مالك ابن النابغة فقال: كنت بين جاريتين يعنى ضربتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فألقت جنينا ميتا، فقضى فيه رسول الله مَّ ◌ُلّه بغرة، رواه مسلم من طريق إسحاق بن إبراهيم أنبأ جرير، عن ٨٧ قوله : لا قود إلا بالسيف ومعنى القتل الخطأ شبه العمد إعلاء السنن منصور، عن إبراهيم النخعى، عن عبيدة بن نضلة، عن المغيرة بن شعبة، قال: ضربت امرأة ضرتها، ضربتها بعمود فسطاط، فقتلتها وذا بطنها، فجعل رسول الله عَّ الهدية المقتولة على عصبة القاتلة، وغرة لما فى بطنها)) (١١٤:٨). وإذا كان الصواب فى هذه القضية القضاء بالدية لا القود كما هو المفهوم من كلام البيهقى -وقد قتلتها بحجر، أو عمود فسطاط، كما ثبت فى الصحيح، والأظهر أن مثل هذا القتل، إنما يكون بآلة قاتلة- دل الحديث على أن القتل بما يقتل غالبا، ولا يعاش منه شبه عمد، لا عمد، فهو حجة على البيهقى وإمامه اهـ، من "الجوهر النقى" (٤٤:٨). وأما ما فى "سنن أبى داو والنسائى": من طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، أن حمل بن مالك قال له: فقضى رسول الله عَ لّم فى جنينها بغرة، وأن تقتل بها، فقوله: ((أن تقتل بها)) شاذ، تفرد به ابن جريج عن عمرو بن دينار، والمحفوظ له: ((قضى بديتها على عاقلة القاتلة))، قاله البيهقى وأيضا: فهذه الزيادة قد أنكرها ابن جريج على عمرو بن دينار حين حدثه بها، فقال لعمرو بن دينار: أخبرنى ابن طاوس، عن أبيه، أنه قضى بديتها، وبغرة فى جنينها، فقال: لقد شككتنى. قال البيهقى: هذا حديث صحيح إلا أن فى لفظه زيادة لم أجدها فى شىء من طرق هذا الحديث، وهى قتل المرأة بالمرأة، وفى حديث عكرمة، عن ابن عباس موصولا، وحديث ابن طاوس، عن أبيه مرسلا، وحديث جابر، وأبى هريرة، والمغيرة بن شعبة موصولا ثابتا، أنه قضى بديتها على العاقلة (٤٣:٨). قلت: ولقد طار ابن حزم بهذه الزيادة كل مطار، وقال: هذا إسناد فى غاية الصحة، ولم يتنبه لما فيه من العلة، ومن قول عمرو بن دينار، "لقد شككتنى"، فكيف يصح الاحتجاج بها بعد ما أنكرها ابن جريج، وشك فيها عمرو بن دينار، فافهم. وقد قال بشبه العمد طائفة من الصحابة رضى الله عنهم، منهم عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعرى، ومثل هذا لا يقال بالرأى، وهو أيضا قول الجمهور من الفقهاء بعد الصحابة رضى الله عنهم كالنخعى، والشعبی، وعطاء، وطاوس، ومسروق، والحكم بن عتيبة، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وابن المسيب، وقتادة، والزهرى، وأبى الزناد، وحماد بن أبى سليمان، وهو أيضا قول جمهور الفقهاء، كسفيان الثورى، وابن شبرمة، وعثمان البتى، والحسن بن حيى، والأوزاعى، وأبى حنيفة، والشافعى، وأصحابهما. ٨٨ قوله : لا قود إلا بالسيف ومعنى القتل الخطأ شبه العمد ج - ١٨ قال ابن حزم: قد صح ذلك عن على بن أبى طالب، وعن زيد بن ثابت، أما الرواية عن عمر فمنقطعة؛ لأنها من طريق سفيان الثورى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد عنه. (قلنا: مجاهد صحيح الإرسال، كما ذكرناه فى "المقدمة"، فلا يضرنا، وأيضا فالانقطاع فى القرون الفاضلة ليس بعلة عندنا). وأما عن عثمان: فإنها من طريق عبد الرزاق، عن عثمان بن مطر، عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة عن سعيد بن المسيب عنه، وعثمان بن مطر ضعيف. قلت: تابعه النضر، ومحمد بن عبد الله، فروياه عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن عبد ربه، عن أبى عياض، عن عثمان بن عفان مثله، أخرجه البيهقى)، قال: وأما ابن مسعود فرويناها عنه من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج: أخبرنى عبد الكريم، عن ابن مسعود، قال: العمد السلاح، وشبه العمد الحجر والعصا، قال ابن جريج، وأخبرنى محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى، أن ابن مسعود قال: شبه العمد الحجر، والعصا، والسوط، والدفعة، كل شىء عمدته به ففيه التغليظ، واخطأ أن یرمی شیئا، فیخطئ به، ومن طریق و کیع، وسعید بن منصور، قال و کیع: نا إسماعيل بن أبى خالد، عن الشعبى، وقال سعيد: نا أبو عوانة، عن منصور بن المعتمر، عن النخعى، ثم اتفقا أن ابن مسعود قال فى دية شبه العمد أرباعا، خمس وعشرون جذعة، الحديث. قال ابن حزم: ولم يولد الشعبى، والنخعى، وابن أبى ليلى، وعبد الكريم، إلا بعد موت ابن مسعود (قلنا: فكان ماذا؟ فإن الشعبى، والنخعى لا يرسلان إلا صحيحا، لا سيما عن ابن مسعود، والمرسل إذا تعدد مخرجه صار حجة عند الكل، وقد رواه البيهقى فى "سنته" من طريق أبى داود: ثنا هناد، ثنا أبو الأحوص، عن أبى إسحاق، عن علقمة، والأسود، قالا: قال عبد الله هو ابن مسعود فى شبه العمد خمس وعشرون حقة، الحدیث. ومن طريق يزيد بن هارون: أنبأ سليمان التيمي، عن أبى مجلز، عن أبى عبيدة، عن عبد الله رضى الله عنه: فى شبه العمد أرباع الحديث (٦٩:٨) (وهذان سندان صحيحان موصولان)، وصح عن عطاء، والزهرى، مثل قول عمر، وروى عن النخعى، والشعبى مثل قول على فى دية شبه العمد، وفيه الحجاج بن أرطاة ساقط. (قلت: كلا! بل هو حسن الحديث ثقة فقيه)، وصح عن طاوس، وعطاء، والحسن البصرى، وعن الزهرى مثل قول عثمان، وصح أيضا عن أبى الزناد من طريق ابن وهب، عن يونس بن عبيد عنه، فيمن عمد بآخر لاعبا معه أو ضربه بسوط، أو عصا، أو رماه لاعبا، فهذا هو شبه العمد، فيه ٨٩ قوله : لا قود إلا بالسيف ومعنى القتل الخطأ شبه العمد إعلاء السنن الدية مغلظة أرباعا، كالذى روينا آنفا عن ابن مسعود سواء سواء. قال ابن حزم: هذا كل ما نعلمه جاء عن الصحابة والتابعين فى دية شبه العمد، وعن الصحابة فى صفة شبه العمد، (قلت: فقد أجمعوا على إثبات شبه العمد، وإن اختلفوا فى كيفية تغليظ الدية من كونها أثلاثا، أو أرباعا، أو أخماسا، ولم يقل أحد منهم، كما قالت الظاهرية: إن القتل نوعان: عمد، وخطأ). قال: وقد صح عن إبراهيم: شبه العمد كل شىء يعمد به بغير حديدة، لكن بالحجر، والخشبة، ولا يكون إلا فى النفس، (قلت: وهو قولنا معشر الحنفية) قال: وقد صح عن إبراهيم خلاف هذا على ما نذكره، إلى أن قال: وصح عن إبراهيم: إذا خنقه حتى يموت، أو ضربه بخشبة حتى يموت، أقید به، فإن تعمد ضربه بحجر ففيه القود. (قلت: قد مر عن "المجتبى": يشترط عند أبى حنيفة فى شبه العمد أن يقصد التأديب دون الإتلاف، ونقله ابن عابدين فى "رد المحتار" عن "المعراج" (٥٢٤:٥)، وعلى هذا فيحمل قول إبراهيم فى الخنق، والضرب بالخشبة، على ما إذا قصد الإتلاف دون التأديب، بأن والى الضربات على وجه لا تحتمله النفس عادة، أو أقر بأنه قصد القتل، فافهم). قال: وصح عن الحكم بن عتيبة من طريق شعبة عنه: إن أعاد عليه الضرب بالعصا، فمات فلا قود فى ذاك، وصح عن عطاء: العمد بالسلاح، كذلك بلغنا، وشبه العمد الحجر والعصا، سواء فى ذلك النفس وما دون النفس، ما علمنا غير ذلك، وصح عن طاوس: العمد السلاح، وروينا عن سعيد بن المسيب من طريق عبد الرزاق، عن أبى بكر بن عبيد الله، عن عمرو بن سليم مولاهم، عن ابن المسيب، قال: العمد الحديدة، ولو بإبرة فما فوقها من السلاح، وصح عن قتادة: شبه العمد الضرب بالخشبة الضخمة، والحجر العظيم، والخطأ أن يرمى إنسانا فيصيب غيره، أو يرمى شيئا فيخطئ به، وصح عن الحسن البصرى: لا يقاد ضارب إلا أن يضرب بحديدة (٣٨٦:١٠). قلت: وفى هذا كله تأييد لما ذهب إليه أبو حنيفة الإمام، فاندحض قول ابن حرم: إن قول أبى حنيفة من تأمله علم أنه مخالف لكل خبر روى فى ذلك، ولقول كل من ذكرنا إلا الرواية الساقطة عن ابن مسعود، وما نعلم أحدا وافقه على ذلك إلا أبا الزناد، وخالفه فى صفة شبه العمد اهـ. قلت: ولو تأمل من له حظ من الدراية لعلم أن قول أبى حنيفة مؤيد بالآثار، وأقوال الصحابة والتابعين، ولكن ابن حزم لا يعلم غير الرواية، ولم يؤت حظا من الدراية، وبالله التوفيق. ٩٠ ج - ١٨ باب أن القتل بالمثقل موجب للقود إذا كان عمدا ٥٨٣٧- عن أنس: "أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين، فقيل لها: من فعل بك هذا، فلان أو فلان؟ حتى سمى اليهودى فأومأت برأسها، فجىء به فاعترف، فأمر به النبى معَّ له، فرض رأسه بحجرين" ، رواه الجماعة (منتقى مع النيل ٢٨٩:٦). وفى رواية لأبى داود: إن جارية كان عليها أوضاح لها، فرضح رأسها يهودى بحجر، الحديث، وفى رواية له: إن يهوديا قتل جارية من الأنصارى على حلى لها، ثم ألقاها فى قليب، ورضح رأسها بالحجارة، فأخذ فأتى به النبى معَّه، فأمر به أن يرجم حتى يموت، فرجم حتى مات. وأما ما رواه من طريق ابن أبى شيبة، واحتج به لقول الظاهرية، عن شريك بن عبد الله، عن زيد بن جبير، عن جردة بن جميل، عن أبيه، قال: قال عمر بن الخطاب: يعمد أحدكم إلى أخيه فيضربه بمثل آكلة اللحم، لا أوتى برجل فعل ذلك فقتل إلا أقدته به، ففيه شريك متكلم فيه، وجردة ابن جميل وأبوه لا ندرى من هما؟ ولو صح فالضرب بمثل آكلة اللحم إذا كان بمحدد يوجب القود عندنا، قال: وروينا عنه أيضا أنه أقاد من رجل جبذ شعر آخر جبذا شديدا فورم عنقه، فمات من يومه اهـ. قلنا: يحتمل أنه أقر بأنه لم يقصد التأديب، وإنما قصد القتل، أو أقاد منه سياسة، كما لو كان خناقا قد اعتاد الخنق قتل سياسة، قال: ومن طريق معمر عن سماك بن الفضل أن عمر بن عبد العزیز أقاد من رجل خنق صبيا حتى مات اهـ. قلنا: يا سبحان الله! وأى حجة له فى قول عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز؟ وقد رد أقوال كثير من التابعين بقوله: لا حجة فى أحد دون رسول الله عَّهِ، ولو تأمل مذهب أبى حنيفة لعرف أن ما ظنه مخالفا له موافق له ومؤيد، كما لا يخفى، والله تعالى أعلم، ظ. باب أن القتل بالمثقل موجب للقود إذا كان عمدا قوله: "عن أنس إلخ": قلت: لا يخفى أن هذا القتل كان عمدا؛ لأن مقصود القاتل من رض رأسها كان إخفاء أخذ الحلى، وهو لا يحصل إلا بالقتل، فدل ذلك على أن هذا القتل كان عمدا، ولم يدع القاتل عدم تعمد القتل أيضا، فلذلك قضى رسول الله عَّه بالقود، وهو مذهب أبى حنيفة، وأخطأ من زعم أنه مخالف لمذهب أبى حنيفة؛ لأنه زعم أن مذهبه أن القتل بالمثقل غير موجب للقود مطلقا، بل مذهبه أن القتل بالمثقل غير موجب للقود، إذا لم يكن القتل مقصودا ٩١ إعلاء السنن باب فى وجوب الدية بالقتل بالمثقل إذا كان خطأ سواء كان المثقل صغيرا أو كبيرا ٥٨٣٨- عن أبى هريرة، قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما فى بطنها، فاختصموا إلى رسول الله عّ لّه، فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، متفق عليه، كذا فى "المنتقى"، وزاد مسلم: وورثها ولدها ومن معهم، فقال حمل بن النابغة: يا رسول الله! كيف أغرم من لا شرب ولا أكل؟ الحديث. قلت: حمل النابغة كان زوجا للمرأتين، وعصبة للقاتلة؛ لأنها كانت هذلية، والمقتولة عامرية، كما صرح به ابن حجر فى "الفتح" من رواية أسامة بن عمير وغيره. ٥٨٣٩- وعن المغيرة بن شعبة، قال: ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط وهى حبلى، فقتلتها، قال: وإحداهما لحيانية (واللحيان بطن من هذيل) قال: فجعل رسول الله عَِّ دية المقتولة على عصبة القاتلة، وغرة لما فى بطنها الحديث رواه مسلم (٦٢:٢). ٥٨٤٠- عن ابن طاوس، عن أبيه، عن عمر مرسلا: فقال حمل بن النابغة: قضى رسول الله عَّه بالدية فى المرأة، وفى الجنين غرة عبد، أو أمة، أو فرس، رواه عبد الرزاق (فتح). للقاتل، كما نص عليه فى "المجتبى"، نقل عنه العينى فى "البناية"، وقد ذكرناه من قبل. باب فى وجوب الدية بالقتل بالمثقل إلخ قوله: "عن أبى هريرة إلخ": قلت: يظهر من هذه الروايات أن النبى عّ لّه إنما قضى فى امرأة حمل بن مالك التى قتلتها ضرتها بالحجر، أو بعمود الفسطاط بالدية على عاقلة القاتلة دون القود، فما رواه أبو داود عن محمد بن مسعود المصيصى، عن أبى عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرنا عمرو بن دينار أنه سمع طاوسا، عن أبى عباس، عن عمر: أنه سأل عن قضية النبى معَّه فى ذلك، فقام حمل بن مالك بن النابغة، فقال: كنت بين امرأتين، فضرب إحداهما الأخرى بمسطح، فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله فى جنينها بغرة، وأن تقتل، وهم؛ لأنه خلاف ما رواه الثقات من القضاء بالدية، وليس هذا الوهم من طاوس؛ لأنه روى عنه ابنه القضاء بالدية، بل هو من عمرو بن دينار؛ لأنه قال ابن جريج: أنكرت على عمرو روايته عن طاوس، قوله: ((وأن تقتل بها)). ٩٢ ج - ١٨ باب أن القصاص لا يجب على الأب بقتل ابنه ٥٨٤١- عن محمد بن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عن عمر بن الخطاب: إنى سمعت رسول الله عَ لّم يقول: ((لا يقاد الأب من ابنه)) رواه الدار قطنى والبيهقى، وقال: هذا إسناد صحيح، كذا فى "التعليق المغنى على الدار قطنى" (ص٣٤٧). وقلت: أخبرنى ابن طاوس، عن أبيه، كذا وكذا، فقال: شككتنى، كذا فى سنن الدار قطنى (ص٣٣٨)، ثم ترك هذا اللفظ؛ لأنه روى أبو داود عن سفيان، عن عمر، بدون هذا اللفظ، وإذا ثبت أن رواية القتل وهم، ثبت أنه لا حجة فيها لمن قال: إن فى القتل بالمثقل قودا إذا كان كبيرا، نعم، فيما روى عن أبى هريرة ومغيرة بن شعبة حجة لأبى حنيفة؛ لأن النبى معَ ◌ّه لم يسأل عن الحجر، أو العمود، هل كان صغيرا أو كبيرا، بل قضى بالدية حين علم أن القاتلة لم تقصد القتل، كما هو الظاهر فى أمثال هذه الوقائع، والله أعلم. باب أن القصاص لا یجب علی الأب بقتل ابنه قوله: "عن محمد بن عجلان إلخ": قلت: هو مذهب أبى حنيفة، والشافعى، وأحمد، وغيره، وخالفهم آخرون فقالوا: القصاص واجب لظاهر آى الكتاب، والأخبار الموجبة للقصاص، ولأنهما حران مسلمان عن أهل القصاص، فوجب أن يقتل كل واحد منهما بصاحبه كالأجنبيين. والجواب عن ظاهر الآيات والأخبار أنها مخصوصة بما روينا، والجواب عن القصاص أنه قياس مع الفارق؛ لأن الابن منهى عن قتل الأب، إذا كان لله، فكيف إذا كان لنفسه، فلا يستحق القصاص على الأب، وليس كذلك الأجنبى، فالقصاص ساقط لتعذر الاستفياء، لا لأن الابن غير معصوم الدم فى حق الأب، ولذلك يسقط القصاص إذا قتل الأب عبد ابنه. قال بعض الأحباب: ومن علل سقوط القصاص بأنه معَ ◌ّم قال: ((أنت ومالك لأبيك))، وقضية هذه الإضافة تمليكه إياه، فإذا لم تثبت حقيقة المالكية بقيت الإضافة شبهة فى درء القصاص؛ لأنه يدرأ بالشبهات، فقد أخطأ خطأ فاحشا؛ لأنه لما تعين تأويل الحديث بأن الملك ليس بمراد؛ لأن الابن حر لا يحتمل الملك، فأين الشبهة؟ فالحقيقة هو ما قلنا: ومن جنس هذا الخطأ خطأهم فى تعليل سقوط الحد عن الأب، إذا زنى بجارية ابنه بشبهة الملك، بقوله عليه السلام: ((أنت ومالك لأبيك))؛ لأنه لا شبهة هناك لهذا الحديث كما عرفت، بل الموجود هناك هو حقيقة ٩٣ القصاص لا يجب على الأب بقتل ابنه إعلاء السنن ٥٨٤٢- وعن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، أن النبى معَّه قال: ((لا يقام الحدود فى المساجد، ولا يقتل الوالد بالولد))، أخرجه الترمذى من طريق إسماعيل بن مسلم، عن عمرو بن دينار، والبزار من طريق قتادة عن عمرو، والحاكم من . طريق سعيد بن بشير عن عمرو، والدارقطنى ثم البيهقى من طريق عبيد الله بن الحسن العنبری عن عمرو (زيلعی). وذكرهما ابن عبد البر وقال: هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم، يستغنى بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد فيه، حتى يكون الإسناد فى مثله مع شهرته تكلفا (مغنى ٣٥٩:٩). الملك المستند إلى ما قبل الوطئ، كما يدل عليه كونها أم ولد للأب بالزنا، ولو كان المسقط للحد مجرد شبهة الملك بصورة الإضافة سقط الحد فقط، ولم يتحقق الاستيلاء، فتنبه له. قلت: يا سبحان الله! وهل تأويل الحديث بما تعين عندك يبطل ما دل عليه ظاهره رأسا؟ كلا! وإنما يسقطه ظنا، فيبقى ظاهره شبهة، وأما قوله: بل الموجود هناك هو حقيقة الملك المستند إلى ما قبل الوطئ إلخ، ففيه أن الملك المستند إلى ما قبل الوطئ لا دليل له إذا هذا الحديث بعينه، أى قوله عَ ◌ِّ: ((أنت ومالك لأبيك))، فافهم، ولا تكن من الغافلين. قال الجصاص: وروى عن النبى مرّ له أنه قال الرجل: ((أنت ومالك لأبيك))، فأضاف نفسه إليه كإضافة ماله، وإطلاق هذه الإضافة ينفى القود، كما ينفى أن يقاد المولى بعبده، والأب وإن كان غير مالك لابنه فى الحقيقة، فإن ذلك لا يسقط استدلالنا بإطلاق الإضافة؛ لأن القود يسقطه الشبهة، وصحة هذه الإضافة شبهة فى سقوطه، ويدل عليه أيضا ما روى عن النبى عّ لّه، أنه قال: ((إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وأن ولده من كسبه))، فسمى ولده كسبا له، كما أن عبده كسبه، فصار ذلك شبهة فى سقوط القود به. ومن الفقهاء من يجعل مال الابن لأبيه فى الحقيقة، كما يجعل مال العبد لمولاه، ومتى أخذ منه لم يحكم برده عليه، فلو لم يكن فى سقوط القود به إلا اختلاف الفقهاء فى حكم ماله، لكان كافيا فى كونه شبهة فى سقوط القود به اهـ، ملخصا (١٤٥:١)، وهذا كله يرد على بعض الأحباب ما قاله، والله تعالى أعلم. ٩٤ ج - ١٨ باب الرجل يقتل رجلا كيف يقتل؟ ٥٨٤٣- عن أنس: أن يهوديا رض رأس صبى بين حجرين، فأمر النبى عليه أ يرض رأسه بين حجرين، رواه الطحاوى ورجاله ثقات. باب الرجل يقتل رجلا كيف يقتل؟ أقول: الحديث احتج به من قال: يقتل كل قاتل بما قتل به، وأجاب عنه الطحاوى بأنه منسوخ؛ لأن النبى معَّ ◌ُلّه نهى عن المثلة، وصبر البهائم، وهو ليس بشىء؛ لأن النهى عن المثلة والصبر، إنما وقع إذا لم يكن المثلة والصبر على وجه شرعى، وأما إذا كان على وجه شرعى فلا، ألا ترى أن قطع اليد مثلة، وهو واجب فى حد السرقة، ومباح فى الجهاد؟ وكذا قطع الأنف، والأذن، وقلع السن، وكسره واجب فى القصاص، مع أن الكل مثلة، وكذا الصبر منهى عنه إذا لم يكن لغرض شرعى، وأما إذا كان لغرض شرعى كالقصاص فلا. فالصواب أن يقال: إن الحديث إنما يدل على واقعة جزئية لا على أصل كلى، والواقعة الجزئية ليس بنص فى أن الرضخ بين حجرين كان على وجه القصاص؛ لأنه يحتمل أن يكون القتل على وجه القصاص، واختيار الرضخ على القتل بالسيف للسياسة؛ ليكون أبلغ فى روع الناس عن مثل هذا الفعل، ولا حجة فيه للقائلين المذكورين، وهو الجواب عن قصة العرنيين. واحتجوا أيضا بقوله تعالى: ﴿من اعتدی علیکم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدی علیکم﴾، وأجاب عنه الطحاوى بأنها نزلت فى قصة حمزة حين حلف النبى ◌ّيّةٍ أن يقتل به سبعين رجلا، ويمثل بهم، وهو أيضا ليس بشىء؛ لأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص المورد. والصواب فى الجواب أن الآية لنا لا علينا؛ لأن المماثلة إنما يمكن فى نفس القتل، لا فى خصوص طريقه؛ لأن رجلا يموت بضربة من الحجر، والآخر لا يموت بضربات منه، فلو روعى خصوص الطريق يلزم الاعتداء إذا قتله بضربات كثيرة زائدة على ما قتل به ذلك القاتل، كما إذا قتله القاتل بضربة، وقتله الولى بعشر ضربات، أو إهدار الدم إذا ضربه بمثل ضرباته، ولم يمت القاتل بتلك الضربات، ثم لا يمكن مراعات المماثلة فى كيفية الضربات، ولا فى أثرها، فإذا لم يمكن المماثلة فى خصوص الطريق اكتفى بالمماثلة فى نفس القتل، وإذا وجب نفس القتل دون خصوص طريقه يختار له ما هو موضوع له عادة، وهو القتل بالسيف، ولا يعدل عنه إلى غيره؛ لأن فيه زيادة على الحق الواجب، وهو داخل فى الاعتداء، هذا هو وجه المسألة، فاعرف ذلك. ٩٥ الرجل يقتل رجلا كيف يقتل؟ إعلاء السنن ومن احتج للمسألة بقوله عليه السلام: ((لا قود إلا بالسيف))، فقد أخطأ؛ لأن معناه أن القصاص لا يثبت إلا إذا قتله بالسيف ونحوه، وليس معناه أنه لا يقتص من القاتل إلا بالسيف، وقد بينا ذلك فى باب مستقل، كذا أخطأ من احتج للمسألة بقوله عليه السلام: ((إذا قتلتم فأحسنوا القتلة))؛ لأنه يجاب عنه بأن ذلك إذا كان القتل ابتداء لا على وجه القصاص، وتبين من هذا التفصيل أنه لا نص فى الباب صريح عند أحد من الفريقين، وإنما هو الاجتهاد فقط، فاعرف ذلك. وما روى عن ابن عمر مرفوعا: ((يقتل القاتل، ويصبر الصابر))، فليس من هذا الباب؛ لأن معناه أنه إن قتل رجلا رجل، وحبسه آخر، فالقصاص على القاتل دون الحابس، کما صرح به ابن عمر فى رواية الدارقطنى؛ لأن لفظه عن ابن عمر عن النبى عّ لّه: ((إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر يقتل الذى قتل ويحبس الذى أمسك)) (دار قطنى ص ٣٤٠) فلا حجة فيه للقائلين المذكورين. قال العبد الضعيف: حديث ((لا قود إلا بالسيف))، قال العلقمى: بجانبه علامة الصحة، كما فى "العزيزى" (٤٤٠:٣)، ولا يخفى أن المتبادر منه ما ذهب إليه الطحاوى وغيره من أصحابنا أن لا يقتص من القاتل إلا بالسيف، وبه أخذ أبو حنيفة مطلقا، فلا يقاد من قاتل عنده إلا بالسيف، وذهب إليه الجمهور إذا لم تجز المساواة فى القصاص، فإذا قتل بالسحر قتل بالسيف بالاتفاق؛ لأن عمل السحر حرام، ولا ينضبط، وتختلف تأثيراته، وكذا قتله بالخمر واللواطة على الأصح؛ لأن المماثلة ممتنعة للفاحشة، وكذا لو سقاه بولا، أو ماء نجسا، فإنه كالخمر فى الأصح، وكذا لو شهدوا على رجل بالزنا فرجم، ثم رجعوا فعليهم القصاص، والأصح أنه بالسیف، فإن قيل: روى البيهقى وغيره من حديث البراء أن النبى معَّه قال: ((من حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه)). فالجواب: أن فى إسناده بعض من يجهل، وقال ابن الجوزى: لم يثبت عن رسول الله عَ لّه، وإنما قاله زياد فى خطبته اهـ، من "العزيزى" ملخصا (٣: ٤٤٠). وما ذكره بعض الأحباب من المعنى فمحتمل، ولكن الحديث ليس نصا فيه، فإن قال: يؤيد ما قلنا: ما رواه الدارقطنى من طريق سفيان، عن جابر، عن أبى عازب، عن النعمان بن بشير مرفوعا: ((كل شىء خطأ إلا السيف، وفى كل خطأ أرش))، وهكذا رواه من طريق زهير، وقيس، عن جابر، عن أبى عازب، عن النعمان بلفظ: ((كل شىء سوى الحديدة فهو خطأ)، كما مر، والآثار يفسر بعضها بعضا، قلنا: نعم، ولكن قد اختلف على النعمان بن بشير فى لفظ الحديث، ولم يختلف على أبى بكرة، فلم يروه إلا بلفظ: ((لا قود إلا بالسيف)). ٩٦ الرجل يقتل رجلا كيف يقتل؟ ج - ١٨ فالظاهر أنهما حديثان: أحدهما: فى إيجاب القود، أنه لا يجب إلا بالسيف، والثانى: فى استيفاءه، أنه لا يستوفى إلا بالسيف، والمراد به السلاح، فيدخل فيه السهم، والخنجر، والسكين، ونحوها، ولا يبعد أن لفظ الحديث، إنما هو: ((لا قود إلا بالسيف))، تصرف الرواة فيه، فرواه بعضهم بالمعنى الذى فهمه منه، وليس فهمه حجة على غيره من المجتهدين، والدليل على أن لفظ الحديث هذا أن أبا بكرة لم يختلف عليه فى هذا اللفظ، وهكذا رواه الجماعة عن الحسن مرسلا مرة، ومرفوعا وموصولا أخرى، وهكذا رواه ابن ماجة من طريق سفيان، عن جابر، عن أبى عازب، عن النعمان بن بشير، رواه غيره عن جابر، بغير هذا اللفظ، فافهم، والله تعالى أعلم. وقال الموفق فى "المغنى": إن الرجل إذا جرح رجلا، ثم ضرب عنقه قبل اندمال الجرح، واختار الولى القصاص، فاختلفت الرواية عن أحمد فى كيفية الاستيفاء، فروى عنه لا يستوفى إلا بالسيف، وبه قال عطاء، والثورى، وأبو يوسف، ومحمد؛ لما روى عن النبى معَّ له، أنه قال: ((لا قود إلا بالسيف))، رواه ابن ماجة، والرواية الثانية عن أحمد، قال: إنه يفعل به كما فعل، يعنى أن للمستوفى أن يقطع أطرافه ثم يقتله، وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز، ومالك، والشافعى، وأبى حنيفة، وأبى ثور؛ لقول الله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾، وقوله سبحانه: ﴿من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾، ولأن النبى معَ ◌ّه رض رأس يهودى لرضه رأس جارية من الأنصار بين حجرين، فأما حديث: ((لا قود إلا بالسيف))، فقال أحمد: ليس إسناده بجيد اه ملخصا (٣٨٦:١٠). وهذا كما ترى خلاف ما فى كتب أصحابنا، فإنهم لم يذكروا خلافا بين أبى حنيفة وأصحابه فى أن القصاص لا يستوفى إلا بالسيف فى العنق، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. ويرد على ما ذكره بعض الأحباب من أن المماثلة، إنما يمكن فى نفس القتل، لا فى خصوص طريقه؛ لأن رجلا يموت بضربة من الحجر، والآخر لا يموت بضربات منه إلخ، أن القتل بالسيف كذلك، فلو أنا ضربنا القاتل بالسيف فى عنقه، فلم يقطع أو قطع قليلا، كما هو يقع كثيرا جدا، فلو أعيد عليه الضرب مرارا حتى يموت، فهذا أكثر مما فعل، وهو لا يجوز، أو نتركه بعد ضربة بالسيف. ولو لم يمت فيلزم إهدار الدم. فإن قيل : بل يضرب بالسيف ضربة تطيح رأسه من غير فتور ولا توان. قلنا: فكذلك يضرب بالحجر فى الموضع الذى صادف فيه حجره بقوة اليد من غير فتور ولا توان فيه حتى يموت ٩٧ إعلاء السنن باب أن عفو بعض الأولياء عن القصاص مسقط له عن القاتل وغير موجب للدية للعافى بدون الشرط ٥٨٤٤- عن معمر، عن الأعمش عن زيد بن وهب: "أن رجلا قتل آخر فى عهد عمر، فطلب أولياءه بالقود، ثم قالت أخت القتيل وكانت زوجة القاتل: قد عفوت عن حقى، فقال عمر: عتق الرجل"، أخرجه عبد الرزاق، ورواه البيهقى من حديث زيد بن وهب، فزاد فأمر عمر لسائرهم بالدية، وساقه من وجه آخر نحوه (التلخيص الحبير). به، ولا بد، فالصواب الاحتجاج فى ذلك بقوله عدّ له: ((لا قود إلا بالسيف))، لا بالقياس الذى ذكره بعض الأحباب، والله تعالى أعلم. وأغرب ابن حزم حيث قال: يقتل قاتل العمد بأى شىء قتل به، قالوا: أرأيتم إن استدبره بالأوتاد؟ فقلنا: يستدبره بمثلها، قالوا: فإن نكحه حتى يموت؟ قلنا: يستدبره بوتد حتى يموت؟ لأن المثل محرم عليه اهـ (٣٧٨:١٠). قلنا: ومن أين علمت أن الاستدبار بالوتد حلال؟ فحاش لله أن یأتی شرع یإباحته، ولکن ابن حزم لا يدرى ما يخرج من رأسه. وفى "الهداية": وإن كان قطع يده عمدا ثم قتله قبل أن تبرأ يده، فإن شاء الإمام قال: اقطعوه ثم اقتلوه، وإن شاء قال: اقتلوه، وهذا عند أبى حنيفة، وقالا: يقتل ولا تقطع يده؛ لأن الجمع ممكن لتجانس الفعلين، وعدم تخلل البرأ، وله أن الجمع متعذر للاختلاف بين الفعلين هذين؛ لأن الموجب القود، وهو يعتمد المساواة فى الفعل، وذلك بأن يكون القتل بالقتل، والقطع بالقطع اهـ (٥٥٩:٤)، وهذا يدل على صحة ما عزاه الموفق إلى أبى حنيفة رحمه الله، ولكنه لا يقول بالرض فيما إذا رض القاتل رأس المقتول بالحجر، بل يقول بالقود بالسيف، إذا أقر القاتل أنه قصد القتل؛ لكون الفعل واحدا، بخلاف ما نحن فيه؛ فإن الفعل فيه متعدد، وموجب كل منهما القود، وإنما خير أولياء المقتول لأن الحق لهم، ولهم أن ينقصوا من حقهم ما شاءوا، فافهم، ظ. باب أن عفو بعض الأولياء عن القصاص إلخ قوله: "عن معمر إلخ": قلت: دل الأثر على أن عفو بعض الأولياء عن القصاص مسقط له، وغير موجب للدية للعافى بدون الشرط، وإنما أوجب عمر الدية لسائر الأولياء دون المرأة، لأنها عفت عن القصاص من غير شرط، والدية لا تجب عند العفو إلا بالشرط. قال العبد الضعيف: لفظ البيهقى فى "سننه" من طريق عبد الله بن وهب: ثنى جرير بن حازم، عن سليمان الأعمش، عن زيد بن وهب الجهنى: إن رجلا قتل امرأته، استعدى ثلاثة إخوة ٩٨٠ ج - ١٨ باب قتل المسلم بالكافر ٥٨٤٥ - قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم: أن رجلا من بكر بن وائل قتل رجلا من أهل الحيرة، فكتب فيه عمر بن الخطاب أن يدفع إلى أولياء لها عليه عمر بن الخطاب، فعفا أحدهم، فقال عمر رضى الله عنه للباقيين: "خذا ثلثى الدية، فإنه لا سبیل إلی قتله". حديث مسلسل بالفقهاء: ثم رواه من طريق الشافعى: أنبأ محمد هو ابن الحسن، أنبأ أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم النخعى: أن عمر بن الخطاب أتى برجل قد قتل عمدا، فأمر بقتله، فعفا بعض الأولياء فأمر بقتله، فقال ابن مسعود: كانت النفس لهم جميعا، فلما عفا هذا أحيا النفس، فلا يستطيع أن يأخذ حقه حتى يأخذ غيره، قال: فما ترى؟ قال: أرى أن تجعل الدية عليه فى ماله، وترفع حصة الذى عفا، فقال عمر رضى الله عنه: وأنا أرى ذلك، قال البيهقى: هذا منقطع، والموصول قبله يؤكده اهـ (٨: ٦٠). قلت: مراسيل النخعى كمراسيل ابن المسيب سواء؛ فإنه لا يرسل إلا صحيحا، لا سيما عن ابن مسعود كما مر غير مرة، والأثر مسلسل بالفقهاء كما ترى، فناهيك به حجة، وهو صريح فى أن العفو يسقط حق العافى من الدية إذا أطلق العفو ولم يشترط، وحكى الطحاوى فى "أحكام القرآن" عن الشافعى، قال: بالعفو يستحق أخذ الدية اشترط ذلك فى عفوه أم لا، وفى أثر عمر ما يرده، ويرده أيضا ما رواه البيهقى عن جماعة فى قوله تعالى: ﴿ذلك تخفيف من ربكم﴾، أنه رخص لأمة محمد عَّه إن شاء قتل، وإن شاء أخذ الدية، وإن شاء عفا، ثم ذكر حديث أبى شريح، فهو بالخيار بين أن يقتص، أو يعفو، ويأخذ العقل، ثم ذكر قوله عليه السلام لولى المقتول: ((أ تعفو؟ قال: لا، قال: فتأخذ الدية؟ قال: لا))، وفى هذا كله أن العفو قسيم لأخذ الدية، فدل على أنهم إذا عفوا لا يأخذون الدية إلا بالاشتراط، كذا فى "الجوهر النقى" (٥٣:٨). باب قتل المسلم بالكافر والذمى قوله: "قال محمد إلخ": قلت: ورواه البيهقى فى "سننه" من طريق الشافعى، عن محمد ابن الحسن نحوه، وقد روى عن النزال بن سبرة، أن رجلا مسلما قتل رجلا من أهل الجزية، فكتب عمر بأن يقاد به، ثم كتب كتابا بعده أنا لا تقتلوه، ولكن اعقلوه، ذكره ابن أبى شيبة، وصححه ٩٩ قتل المسلم بالكافر إعلاء السنن القتيل، فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا عفوا، فدفع الرجل إلى ولى المقتول إلى رجل يقال له حنين من أهل الحيرة، فقتله، فكتب فيه عمر بعد ذلك: إن كان الرجل لم يقتل فلا ابن حزم (الجوهر النقى). قال العبد الضعيف: إرضاءهم بالدية لا ينافى وجوب القتل، إذ مع وجوبه للولى أن يعفو، أو يأخذ الدية، وإذا فهموا من قول عمر: "لا تقتلوه" لعلهم يرضون بالدية، لم يكن ذلك رجوعا منه عن وجوب القتل، وكيف يظن بعمر أنه يخيرهم فى قتله أو العفو ثم لا يريد القتل، بل التخويف؟ وكيف يحل له إرادة التخويف فيتلفظ بلفظ يفهم منه القتل لا التخويف؟ هذا لا يظن به، وللأثر طرق عديدة ذكرها البيهقى فى "سننه"، والمنقطع إذا روى من وجه آخر منقطعا كان حجة عند الشافعى، قاله صاحب "الجوهر النقي" (٣٣:٨). قال بعض الأحباب: وقال الشافعى فى "مسنده" : أخبرنا محمد بن الحسن، أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن عبد الرحمن بن البيلمانى: إن رجلا من المسلمين قتل رجلا من أهل الذمة، فرفع ذلك إلى رسول الله عَّه، فقال: ((أنا أحق من أو فى بذمته))، ثم أمر به فقتل (مسند الشافعى على حاشية كتاب الأم ٢٥٩:٦). قلت: هذا تفسير لما أجمله محمد فى "الآثار" بقوله: بلغنا عن النبى عَ ◌ّ أنه قتل مسلما بمعاهد، وقال: ((أنا أحق من أو فى بذمته))، ورواه الطحاوى عن سليمان بن شعيب، عن يحيى بن سلام، عن محمد بن أبى حميد، عن محمد بن المنكدر، عن النبى معَّه. وقد عرفت من رواية ابن أبی یحیی أن محمد بن المنكدر أخذه عن ابن البیلمانی، فهو راجع إلی حدیث ابن البیلمانی، ولیس برواية مستقلة، كما توهمه بعض أصحابنا، ورواه أيضا الطحاوى من طريق سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن البيلمانى، عن النبى عّ لّه، وقال البيهقى: قال أبو عبيد: بلغنى عن ابن أبى يحبى أنه قال: أنا حدثت ربيعة به، وأجاب عنه ابن التر كمانى: بأنه لا یدری من بلغ أبا عبيد هذا، وقد أخرجه أبو داود فى "المراسيل" بسند رجاله ثقات عن ربيعة، عن عبد الرحمن بن البيلمانى، حدثه أنه عليه السلام الحديث، فقد صرح فى هذه الرواية بأن ابن البيلمانى حدث ربيعة، وخرج ابن أبى يحيى من الوسط، ولم يدر الحديث عليه. قلت: ولو سلم أن ابن أبى يحيى حدث ربيعة به لا يدور الحديث عليه؛ لأنه على هذا التقدير يكون السند هكذا: ربيعة، عن ابن أبى يحيى، عن محمد بن المنكدر، عن عبد الرحمن بن البيلمانى، ولم يتفرد ابن أبى يحيى عن ابن المنكدر، بل تابعه عليه محمد بن أبى حميد، عن ابن ١٠٠ ج - ١٨ قتل المسلم بالكافر يقتلوه، فرأوا أن عمر أراد أن يرضيهم بالدية، قال محمد: وبه نأخذ إذا قتل المسلم المعاهد عمدا قتل به، وهو قول أبى حنيفة. المنكدر، فلم يدر الحديث على ابن أبى يحيى، كما زعمه البيهقى، ورواه الدار قطنى من طريق عمار بن مطر، عن ابن أبى يحيى، عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن البيلمانی، عن ابن عمر، عن النبى معَّ ◌ُلّه، وأعله البيهقى بعمار بن مطر، وقال: عمار بن مطر كان يقلب الأسانيد، ويسرق الأحاديث، وحديثه خطأ من وجهين: أحدهما: أنه قال: إبراهيم، عن ربيعة، وهو خطأ، وإنما هو إبراهيم، عن المنكدر. والثانى: أنه قال: عن ابن عمر والصواب أنه مرسل، ثم المرسل أعله الدارقطنى بابن البيلمانى، وقال: ابن البيلمانى ضعيف لا يقوم به حجة، إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله؟. قلت: ذكره ابن حبان فى "الثقات"، وقال: لا يجب أن يعتبر بشىء من حديثه إذا كان من روایة ابنه محمد، لأن ابنه یضع علی ابیه عجائب، وقد أخرج له الأربعة، ومع ذلك لم یتفرد به، بل تابعه على ذلك عبد الله بن عبد العزيز بن صالح الحضرمى. قال الزيلعى: أخرجه أبو داود فى "المراسيل" أيضا: من طريق ابن وهب، عن عبد الله بن يعقوب، عن عبد الله بن عبد العزيز بن صالح الحضرمى، قال: قتل رسول الله مَّه يوم حنين مسلما بكافر قتله غيلة، وقال: ((أنا أولى أو أحق من أوفى بذمته)) اهـ، وعبد الله بن يعقوب وعبد الله بن عبد العزيز إن كانا مجهولين، كما قال ابن القطان فغايته أن جهالتهما يورث الضعيف فى الجملة، والضعيف يصلح شاهدا لضعيف آخر، فحديث ابن البيلمانى لا يكون ساقطا بالمرة، بل هو مرسل حسن لعينه أو لغيره. وقال الشافعى فى "مسنده": حدثنا محمد بن الحسن، ثنا قيس بن الربيع الأسدى، عن أبان بن تغلب، عن الحسين بن ميمون، عن عبد الله بن عبد الله مولی بنی هاشم، عن أبى الجنوب الأسدى، قال: أتى على بن أبى طالب برجل من المسلمين قتل رجلا من أهل الذمة، قال: فقامت عليه البينة، فأمر بقتله، فجاء أخوه، فقال: قد عفوت، فقال: لعلهم فزعوك، أو هددوك؟ قال: لا! ولكن قتله لا يرد على أخى، وعوضولى، قال: أنت أعرف من كان له ذمتنا، قدمه کدمنا، و دیته کدیتنا (مسند الشافعی علی حاشیة کتاب الأم ٢٥٩:٦). وقال الدار قطنى: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، نا محمد بن أحمد بن الحسن، نا محمد بن عديس، نا يونس بن أرقم، عن شعبة، عن الحكم، عن حسين بن ميمون، قال شعبة: فلقيت حسين بن ميمون فحدثنى عن أبى الجنوب، قال: قال على رضى الله عنه: من كانت له ذمتنا