Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ إباحة الخليطين إعلاء السنن البسر والتمر على حدة، ولم يفرق بين قليل وكثير، فلو كان علة النهى الإسراف لما أطلق ذلك، ولا فرق بين نصف رطل من تمر ونصف رطل من بسر إذا خلطا مثلا ما بين رطل من زبيب صرف، بل هو أولى، لقلة الزبيب عندهم بالنسبة إلى التمر والرطب (فتح ٥٩:١٠). وليس هذا بشىء؛ لأن فى زمن شدة العيش كان عامة أنبذتهم من أدنى الثمار، ولم يكن اختيارهم الأعلى للنبيذ محتملا إذ ذاك، وإنما كان المحتمل هو خلط القليل من الأعلى بالكثير من الأدنى، فنهاهم عن ذلك، ولم ينههم عن انتباذ الأعلى وحده، لانتهائهم فى الغالب عنه، لشدة العيش وصفر اليد، فلا يرد ما أورده من قلة التدبر فى حقيقة الأمر، وعلى هذا لا يكون حمل النهى على خوف إشراع السكر أولى من حمله على الإسراف فى شدة العيش كما ادعاه، ولو سلم فهو غير مضر لنا؛ لأن النهى على هذا يكون من باب النهى عن الانتباذ فى الحنتم، والدباء، والمزفت، ويكون منسوخًا كالنهى عن الانتباذ فى الظروف المذكورة. وقال ابن حجر فى "الفتح" أيضا: قد نصر الطحاوى من حمل النهى عن الخليطين على منع السرف، فقال: كان ذلك لما كانوا فيه من ضيق العيش، وساق حديث ابن عمر فى النهى عن القران بين التمرتين، وتعقب بأن عمر أحد من روى النهى عن الخليطين، وكان ينبذ البسر، فإذا نظر . إلى بسرة فى بعضها ترطيب قطعه، كراهة أن يقع فى النهى، وهذا على قاعدتهم يعتمد عليه؛ لأنه لو فهم أن النهى عن الخليطين كالنهى عن القران لما خالفه، فدل على أنه عنده على غيره اهـ. والجواب عنه: أنه قد روى عنه الخلط بين التمر والزبيب مع رواية النهى، فدل ذلك على أنه عنده كالقران بين التمرتين، وأما ما روى عنه كان يقطع الترطيب فلم يعزه إلى من خرجه عنه، وإن صح عنه ذلك يحمل على التورع، ويحمل الفعل على الإباحة، والله أعلم. والعجب من الطحاوى كيف يحتج برواية القران بين التمرين، ويترك مثل هذا الحجة الصريحة التى احتج بها الأئمة؟ والعجب من ابن حجر أنه يحتج برواية قطع الترطيب، ويغمض عن هذه الرواية المروية عن أبى حنيفة، عن نافع، عن ابن عمر. الفرق بين معارضة النص بالرأى وتعيين محمل النص به: واحتج لأبى حنيفة، أنه لما أحل نبيذ كل واحد منهما لا يحرم الجمع بينهما، واعترض عليه القرطبى بأن هذا معارضة بالقياس، ثم هو منقوض بالأختين؛ فإنه يحل نكاح كل واحد منهما، ويحرم الجمع بينهما. ٤٢ ج - ١٨ باب الانتباذ فى الأوعية ٥٨٠٠- عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه، أن رسول الله عَّ ◌ُلّه قال: ((نهيتكم عن الظروف وأن الظروف أو ظرفا لا يحل شيئا ولا يحرمه وكل مسكر حرام))، أخرجه مسلم فى "صحيحه" (١٦٧:٢). والجواب عنه: أن هذا تعيين لمحمل النهى، وليس بمعارضة له، وفرق ما بين تعيين المحمل والمعارضة؛ لأن فى المعارضة رد النص، وفى تعيين المحمل تسليم له، فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا؟ ولا يرد النقض بالأختين؛ لأن الجمع بينهما مفضٍ إلى القطعية المحرمة فلا يباح، بخلاف ما نحن فيه؛ لأنه ليس بمفضٍ إلى محرم، فقياس أحدهما على الآخر قياس مع الفارق، فافهم. باب الانتباذ فی الأو عية قوله: "عن سفيان إلخ"، قلت: وأخرجه أيضا محمد فى " كتاب الآثار" عن أبى حنيفة، عن علقمة بن مرتد، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال رسول الله عَّ له: ((كنت نهيتكم عن النبيذ فى الدباء، والحنتم، والمزفت، فاشربوا فى كل ظرف؛ فإن الظرف لا يحل شيئا، ولا يحرمه، ولا تشربوا المسكر))، والرواية رواها أيضا محارب بن دثار، عن ابن بريدة، واختلف عليه، فرواه عنه ضرار بن مرة، وقال: ((نهيتكم عن النبيذ إلا فى سقاء، فاشربوا فى الأسقية كلها))، أخرجه أيضا مسلم فى "صحيحه". وقال القاضى: فيه تغيير من بعض الرواة، والصواب فى الأوعية، دون الأسقية، كذا فى النووى، ورواه عنه معروف بن واصل، فقال: ((كنت نهيتكم عن الأشربة فى ظروف الأدم، فاشربوا فى كل وعاء، غير أن لا تشربوا مسكرا))، أخرجه أيضا مسلم فى "صحيحه"، وقال القاضى: فيه أيضا تغيير من بعض الرواة، وصوابه: ((كنت نهيتكم عن الأشربة إلا فى ظروف الأدم))، فحذف لفظة إلا التى للاستثناء، ولا بد منها، كذا فى النووى. قلت: العجب من مسلم أنه احتج برواية ضرار بن مرة، عن محارب، مع أن فيه خطأ بعض الرواة، وجعل الرواية الصحيحة أعنى رواية علقمة فى التابعات، وأعجب منه إخراج رواية معروف فى "الصحيح" مع أن فيه خطأ مغير للمعنى، وهو ترك حرف الاستثناء، وفى حديث بريدة نص على انتساخ النهى عن الانتباذ فى الأوعية، وهو مذهب أئمتنا. ٤٣ إعلاء السنن باب تخليل الخمر ٥٨٠١- عن إسرائيل، عن السدى، عن يحيى بن عباد، عن أنس: "أن يتيما كان فى حجر أبى طلحة، فاشترى له خمرا، فلما حرمت سأل النبى معَّ له أيتخذ خلا؟ قال: لا" ، رواه الدارقطنى فى "سننه" (ص٥٣٧). وقوله: ((كل مسكر حرام أو لا تشربوا مسكرا))، معناه عندنا أن كل مسكر حرام، إن كان خمرا فحرام لعينه، وإن كان غيرها فحرام ما أحدث السكر منه، ولا تشربوا ما يحدث السكر إن کان نبيذا، ولا تشربوا ذات المسکر إن کان خمرا. باب تخليل الخمر قوله: "عن إسرائيل إلخ"، قلت: هكذا رواه ليث بن أبى سليم، عن يحيى بن عباد، عن أنس، عند الدارقطنى، وهو أصح مما رواه أبو داود عن و کیع، عن سفيان، عن السدی، عن یحیی ابن عباد، عن أنس: ((أن أبا طلحة سأل رسول الله عَ ليه عن أيتام ورثوا خمرا؟ قال: أهرقها، قال: أفلا أجعلها خمرا؟ قال: لا))، ومما رواه مسلم عن ابن مهدی، عن سفيان، عن السدی، عن یحیی ابن عباد، عن أنس: ((أن النبى معَِّ سئل عن الخمر أ يتخذ خلا؟ قال: لا))؛ لأن رواية إسرائيل يؤيدها رواية الليث، بخلاف رواية وكيع وابن مهدى، وفى رواية ابن مهدى اختصار مخل؛ لأنه لا يدل على أن السؤال كان فى ابتداء تحريم الخمر، بخلاف رواية غيره؛ فإن فيها بيانا لذلك. واختلفوا فى تأويل النهى عن التخليل، فقال أبو حنيفة: کان ذلك فى ابتداء التحريم حیں كان فى الأمر شدة؛ لئلا يجعل الناس التخليل حيلة لإبقاء الخمر والشرب، فانتسخ بانتساخ الشدة، وقال آخرون: هو باق بحاله، ثم اختلفوا فيما بينهم، فقال بعضهم: التخلیل منہی عنه، ولکنه لو خلله أحد يصير خلا طاهرا حلالا، وقال بعضهم: لا يصير طاهرا ولا حلالا، بل يبقى نجسا وحراما، ولا دليل لهذه الطائفة على نجاسة الخل وحرمته، لا فى الحديث؛ لأنه متعرض للتخليل فقط، ولا تعرض فيه من الخل الحاصل بعد التخليل، ولا فى المعقول؛ لأن نجاسته وحرمته كانتا للخمرية، فلما زالت الخمرية زالت النجاسة والحرمة، كما لو تخلل بنفسه، فبقى الكلام فى انتساخ النهى وبقاءه. وحجة أبى حنيفة أن تخلیل الخمر استهلاك له، واستہلا که لیس بممنوع، فلا بد أن يحمل النهى على التشديد فى الابتداء، وينتسخ بنسخ التشديد، وحجة من قال ببقائه ليس إلا أن الظاهر ٤٤ تخلیل الخمر ٠ ج - ١٨ هو البقاء؛ لعدم العلم بالناسخ، وليس هذا إلا استدلالا بالجهل، وهو غير صحيح. وقال القرطبى: كيف جاز لأبى حنيفة القول بالتخليل مع هذا الحديث، ومع سببه الذى خرج عليه؟ إذ لو كان جائزا لكان قد ضيع على الأيتام مالهم، ولوجب الضمان على من أراقها عليهم، وهو أبو طلحة اهـ (نيل ٤١٦:٨)، وهو عجيب من مثل القرطبى، لأن أبا حنيفة لا يقول: إنه كان جائزا إذ راق أبو طلحة، بل يقول: إنه جائز الآن، وإن لم يكن جائزا إذا ذاك، ثم كيف يجب الضمان على من أراقها بأمر الشارع؟ فتضمين أبى طلحة من العجائب، ومثله فى العجب ما احتج بعض أصحابنا لأبى حنيفة بقوله: ((نعم الإدام الخل))، ووجه الاستدلال، أنه عام يتناول جميع ما يطلق عليه اسم الخل؛ لأنه لم يفصل بين خل وخل، وهذا الاستدلال فاسد؛ لأن الخل النجس أو المتخذ من شىء نجس - كنبيذ التمر النجس- يطلق عليه اسم الخل، فينبغى أن يتناوله الحديث، مع أنه ليس كذلك، فكيف يتناول خل الخمر؟ والحق أن المراد من الخل هو الخل المعروف المعهود المأكول، لاكل خل كيف ما كان، ومن أى شىء كان، فلا يتم الاستدلال به، والله أعلم. قال العبد الضعيف: حاصل استدلال الأصحاب أن الخل كان يصنع من الخمر أيضا فى زمن النبى معَّه، فلو كان حراما لم يطلق قوله: ((نعم الإدام الخل))، بل قيده مما عدا خل الخمر، وحيث أطلقه دل على حل الخل كله، وأصرح منه ما رواه البيهقى من حديث المغيرة بن زياد، عن أبى الزبير، عن جابر مرفوعا: ((خير خلكم خل خمر كم))، وقال: إن المغيرة ليس بالقوى، كما فى "المقاصد الحسنة" (ص: ٩٨). قلت: قال البخاری: قال و کیع: کان ثقة، وعن یحیی بن معین: ليس به بأس، وروی الدورى وابن أبى خيثمة عنه: ثقة ليس به بأس، وقال العجلى، وابن عمار، ويعقوب: ثقّة، وقال أبعٍ حاتم: هو صالح صدوق، ليس بذلك القوى، يحول اسمه من "كتاب الضعفاء"، وقال أبو داود: صالح، وقال النسائى: ليس به بأس، وقال ابن عدى: عامة ما يرويه مستقيم، إلا أنه يقع فى حديثه كما يقع فى حديث من ليس به بأس، وهو لا بأس به، وقال المزى: لا نعلم أحدا، قال: إنه متروك)) ولعله اشتبه على الحاكم بأصرم بن حوشب، فإنه يكنى أبا هشام أيضا، وهو من المتروكين، وقال صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة اهـ،َ ملخصا من "التهذيب" (٢٦٠:٦). وبالجملة فهو من رجال الأربعة مختلف فيه، حسن الحديث على الأصل الذى مر ذكره غير مرة، وهو أصرح دليل على حل خل الخمر، كما لا يخفى. ٤٥ تخليل الخمر إعلاء السنن وروى الدار قطنى فى "سننه" من طريق فرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن أم سلمة رضى الله عنها، قالت: ((كانت لنا شاة فماتت، فقال النبى معَّه: ما فعلت شاتكم؟ قلنا: ماتت، قال: أفلا انتفعتم بإهابها؟ قلنا: إنها ميتة، قال: يحل دباغها كما يحل خل الخمر))، قال الدار قطنى: تفرد به فرج بن فضالة عن يحيى، وهو ضعيف اهـ (ص: ٥٣٧). قلت: هو مختلف فیه، وثقه ابن معین فی رواية، فقال: لا بأس به، وفى رواية: صالح، وقال أبو حاتم: صدوق یکتب حديثه، ولا يحتج به، كما فى "التهذيب" (٢٦١:٨)، وله شاهد حسن من حديث جابر قد ذكرناه، وهو مؤيد بالقياس الصحيح؛ فإن الخمر ليس بأخبث من الميتة، وقد أباح الشرع إصلاحها، فكذا إصلاح الخمر بالتخليل، والله تعالى أعلم. وروى أبو عبيد فى "الأموال": حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، عن المثنى بن سعيد، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن - وهو عامله على الكوفة- أن لا تحمل الخمر من رستاق إلى رستاق، وما وجدت منها فى السفن فصيره خلا، فكتب عبد الحميد إلى عامله بواسط محمد بن المنتشر بذلك، فأتى السفن فصب فى كل راقود(١) ماء وملحا فصيره خلا (ص:١٠٢)، وفيه دليل على جواز تخليل الخمر. وأما قول أبى عبيد: إنما فعله بخمر أهل الذمة، ولا يجوز فى خمر المسلمين من هذا شىء اهـ، دعوى مجردة لا دليل عليها؛ فإن أهل الذمة إنما صولحوا على شربها، ولم يصالحوا على حملها، والتجارة فيها علانيةً، فكان للإمام أن يأمر بهراقة كل ما يحمل منها فى السفن، كما له أن يريق خمر المسلمين، فلما أمر بتخليلها كان تخليل خمر الذمى، وخمر المسلم سواءً. قال أبو عبيد: وقد سمعت إسماعيل بن إبراهيم - هو ابن علية- يحدث عن سليمان التيمى، عن أم خداش، قالت: رأيت عليا رضى الله عنه يصطبغ بخل الخمر، حدثنى أزهر، عن ابن عون، عن ابن سيرين: أنه كان لا يسميه خل الخمر، ويسميه خل العنب، قال: وكان يأكله، وإنما لم يسمه خل الخمر كى لا يجترأ أحد على بيع الخمر، وشرائه للتخليل، وهو حرام إجماعًا، وإنما يجوز للمسلم تخليل عصير تحول خمرا عنده، أو كان قد ورث الخمر من قريب له، ولا يجوز له شراء الخمر، ولا بيعه لذلك أصلا. (١) هو دن كبير يطلى داخله بالقار، ظ. ٤٦ ج - ١٨ کتاب الصيد باب حل صید الکلب المعلم ٥٨٠٢- عن أبى ثعلبة الخشنى، قال: قلت: يا رسول الله! أصيد بقوسى، وبكلبی المعلم، وبكلبى الذى ليس بمعلم، فما يصلح لى؟ فقال: ((ما صدت بقوسك فذكرت قال: وسمعت جرير بن عبد الحميد: يحدث عن ابن شبرمة، عن الحارث العكلى -من كبار فقهاء التابعين- فى رجل ورث خمرا، قال: "يلقى فيها ملحا حتى تصير خلا، قال: وحدثنا حماد ابن خالد، عن معاوية بن صالح، عن أبى الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن أبى الدرداء، أنه قال: لا بأس بالمرى -هو خل الخمر - ذبحته الشمس، والملح، والحيتان" اهـ (ص١٠٥- ١٠٦). قال محمد فى "الحجج" له: قد بلغنا عن على بن أبى طالب رضى الله عنه أنه اصطبغ على خل خمر، وبلغنا ذلك عن ابن عباس، وبلغنا عن أبى الدرداء أنه قال: لا بأس بخل الخمر، فما فرق بين أهل الذمة، وعمل المسلمين فى ذلك. قال: أخبرنا ابن عبد الله، عن عبد الله بن أبى سليمان، عن عطاء بن أبى رباح، فى رجل ورث خمرا، قال: "يهريقها، قال: قلت: أرأيت لو صب فيها ماء فتحولت خلا؟ قال: إن تحولت فلا بأس به، إن شاء باعه ". محمد قال: أخبرنا عبد الله بن سعيد بن عبد العزيز التنوخى، عن عطية بن قيس الكلابى، عن رجل، عن الحكم، أو مولى الحكم قال: سألت أبا الدرداء عن الخل الذى يجعل من الخمر، والملح، والحيتان؟ فقال أبو الدرداء: يجب (أى يقطع) خمرها الملح، والشمس، والحيتان" اهـ (ص: ٢٥٨). وأما ما روى أبو عبيد عن عمر رضى الله عنه وغيره، أنهم قالوا: لا تأكل خلا من خمر أفسدت حتى يبدأ الله بفسادها، فمحمول على التنزه والتورع، كى لا يتعمد المسلم تحصيل الخمر للتخليل، والفقيه قد ينهى عن الأمر المباح سدا للذرائع، كما لا يخفى، والله تعالى أعلم، ظ. باب حل صيد الكلب المعلم أقول: الحديث نص فى الباب، وهو يدل على اشتراط التسمية عند الإرسال أيضا. قال العبد الضعيف: الأصل فى إباحة الصيد الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة، وحرم ٤٧ حل صيد الكلب المعلم إعلاء السنن اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل))، متفق عليه (منتقى مع النيل ٣٤٩:٨). عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾، وقال سبحانه: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾، وقال سبحانه: ﴿يسألونك ما ذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات، وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله، فكلوا مما أمسكن عليكم، واذكروا اسم الله عليه﴾. وأما السنة: فحديث أبى ثعلبة الخشنى المذكور فى المتن، وحديث عدى بن حاتم، قال: ((قلت: يا رسول الله! إنا نرسل الكلب المعلم فيمسك علينا، قال: كل، قلت: وإن قتل؟ قال: كل ما لم يشركه كلب غيره))، قال: وسئل رسول الله عَّ له عن صيد المعراض؟ فقال: ((ما خزق فكل، وما قتل بعرضه فلا تأكل))، متفق عليهما. وأجمع أهل العلم على إباحة الاصطياد والأكل من الصيد، ولا خلاف فى اشتراط كون الجارح معلما؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله﴾، وما فى المتن من حديث أبى ثعلبة، ويعتبر فى تعليمه ثلاثة شروط: إذا أرسله استرسل، وإذا زجره انزجر، وإذا أمسك لم يأكل، ويتكرر هذا منه مرة بعد أخرى حتى يصير معلما فى حكم العرف، وأقل ذلك ثلاث، قاله القاضى، وهو قول أبى يوسف، ومحمد، ولم يقدر أبو حنيفة (١)، وأصحاب الشافعى عدد المرات؛ لأن التقدير بالتوقيف، ولا توقيف فى هذا، بل قدره بما يصيره به فى العرف معلما، وهذا فى الكلب، والفهد، وما أشبههما من السباع، وأما فى الصقر، والباز، ونحوهما من جوارح الطير، فلا يشترط ترك الأكل منه، كما سيأتى. ويشترط أن يجرح الصيد، فإن خنقه، أو قتله بصدمته لم يبح، قال الشريف: وبه قال أكثرهم، وقال الشافعى فى قول له: يباح لعموم الآية والخبر، ولنا: أنه قتله بغير جرح أشبه ما قتله بالحجر والبندق، ولأن الله تعالى حرم الموقوذة، وهذا كذلك، وهذا يخص ما ذكروه، وقول النبى معَِّ: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل)) يدل على أنه لا يباح ما لم ينهر الدم، كذا فى "المغنى" لابن قدامة، ملخصا (٩٣:١١). قيل فى معنى الجوارح: إنها الكواسب للصيد على أهلها، من الجرح بمعنى الكسب، قال الله (١) صرح به الجصاص فى "الأحكام" له، ونصه: ويكون موضع الخلاف بينه وبين أبى يوسف ومحمد، أنهما يعتبران فى شرط التعليم ترك الأكل ثلاث مرات، وأبو حنيفة لا يحده، وإنما يعتبر ما يغلب فى الظن من حصول التعليم، اهـ (٣١٨:٢) ظ. ٤٨ ج - ١٨ باب حرمة الصید الذی أکل منه الكلب ٥٨٠٣- عن عدى بن حاتم، عن النبى عَّ ◌ُلّه، قال: ((إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل ما أمسكن عليك، إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل، فإنى أخاف أن يكون أمسك على نفسه))، متفق عليه، وفى رواية عنه أيضا: ((وإن أكل منه فلا تأكل؛ فإنما أمسك على نفسه))، متفق عليه أيضا (منتقى). تعالى: ﴿ما جرحتم بالنهار﴾ يعنى ما كسبتم، وقيل: إنها ما تجرح بناب أو مخلب، قال محمد فى "الزيادات": إذا صدم الكلب الصيد ولم يجرحه فمات لم يؤكل؛ لأنه لم يجرح بناب أو مخلب، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾، وإذا كان الاسم يقع عليهما، فليس يمتنع أن يكونا مرادين باللفظ، فيريد بالكواسب ما يكسب بالاصطياد، ويفيد مع ذلك فى شرط الذكاة وقوع الجراحة بالمقتول من الصيد، ويدل أيضا على أن الجراحة مرادة حديث النبى معَِّ فى المعراض: (أنه إن خزق بحده فكل، وإن أصاب بعرضه فلا تأكل))، ومتى وجدنا للنبى معَّ الّه كلما يواطئ معنى ما فى القرآن، وجب حمل مراد القرآن عليه، قاله الجصاص فى "الأحکام" (٣١٣:٢) له، ظ. باب حرمة الصید الذی أکل منه الكلب قوله: "عن عدى إلخ": قلت: اختلف فى هذا الحديث على عدى بن حاتم، فرواه عنه الشعبى هكذا، ورواه عنه سماك بن حرب خلافه، أعنى إباحة الأكل مطلقا، أكل منه الكلب أو لم يأكل، كما رواه عنه ابن كثير على ما نقله عنه فى "النيل"، وسماك فيه مقال، وهو لا يوازى الشعبى فى الحفظ، والإتقان، ولا يداينه، فروايته منكرة، ثم اختلف فيه على الشعبى، فرواه عنه الثقات الحفاظ مثل ما روينا، وخالفهم عبد الملك بن حبيب، فرواه عن أسد بن موسى -عم أبى زائدة- عن الشعبى، عن عدى نحو ما رواه سماك، عن عدى، وعبد الملك بن حبيب ضعيف الحفظ كثير الغلط، فروايته منكرة، والصحيح من روايته التى رواها عنه الثقات الحفاظ. وعن أبى ثعلبة الخشنى، أنه قال: قلت له: يا رسول الله! إن أرضنا أرض صيد، فأرسل كلبى المكلب، وكلبى الذى ليس بمكلب، قال: ((إذا أرسلت كلبك المكلب وسميت، فكل ما أمسك عليك الكلب المكلب وإن قتل، وإن أرسلت كلب الذى ليس بمكلب، فأدر كت ذکاته فكل))، رواه أحمد فى "مسنده" (١٩٤:٤): عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن أبى قلابة، عن أبى ٤٩ حرمة الصيد الذى أكل منه الكلب إعلاء السنن ثعلبة، وهذا سند من أسناد "الصحيحين"، وروى أحمد أيضا عن يزيد بن هارون، عن الحجاج بن أرطاة، عن مكحول، عن أبى ثعلبة، أنه قال: ((قلت: يا رسول الله! إنا أهل صيد، فقال: إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله، فأمسك عليك فكل، قال: قلت: وإن قتل؟ قال: وإن قتل)) (مسند أحمد ١٩٣:٤)، والحجاج وإن كان فيه مقال إلا أن روايته موافقة لرواية الثقات، فهو حجة، قلت: هذا هو الصحيح من رواية أبى ثعلبة. وما رواه أبو داود، من طريق حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ((أن أعرابيا - يقال له أبو ثعلبة- قال: يا رسول الله! إن لى كلابا مكلبة فأفتنى فى صيدها، قال: إن كان لك كلابَ مكلبة فكل مما أمسكن عليك، قال: ذكيا أو غير ذكى؟ قال: ذكيا أو غير ذكى، قال: فإن أكل منه؟ قال: وإن أكل منه)) خطأ، وحبيب المعلم مختلف فيه، قال أحمد: ما أحتج بحديثه، وقال النسائى: ليس بالقوى، وكان يحيى لا يحدث عنه، فلا يحتج بما تفرد به مخالفا للثقات. وكذا ما رواه أبو داود من طريق داود بن عمرو، عن بسر بن عبيد الله، عن أبى إدريس الخولاني، عن أبى ثعلبة، قال: قال النبى معَّم فى صيد الكلب: ((إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه)) خطأ؛ لأنه ليس فى حديث أبى إدريس الخولانى زيادة قوله: ((وإن أكل منه)، وإنما تفرد به داود بن عمرو، وقال العجلى: يكتب حديثه، وليس بالقوى، وقال أبو حاتم: شیخ لیس بالمشهور، وقال ابن حزم: ضعفه أحمد، فهو وإن قيل فيه: ليس به بأس أو صالح، لیس ممن يقبل تفرده، فالصحيح من رواية أبى ثعلبة، هو ما رواه عنه أبو إدريس الخولانى من غير طريق داود بن عمرو، وما رواه عنه أبو قلابة ومكحول، وهذه الروايات الصحيحة عن عدى وأبى ثعلية تدل على حرمة الصيد الذى أكل منه الكلب، وهو مذهب أبى حنيفة. أقول: قوله مَّ فى حديث عدى: ((إنى أخاف أن يكون أمسك على نفسه)) يدل على أن أكل الكلب من الصيد غير منافٍ للإمساك على الصائد على وجه القطع؛ لأنه يحتمل أن يكون الأخذ والإمساك والقتل من أول الأمر مقصورا على الصائد، ولا يكون له قصد فى الأكل، ثم بعد القتل الذى يتم به الإصطياد للصائد يبدو له رأى فى الأكل فيأكل، وحينئذ الأكل من الصيد مجتمعا مع الإمساك مقصورا على الصائد، کما إذا قتل ورجع عنه ثم عاد إليه فأکل منه، بل هو منافٍ له على وجه الاحتمال فقط؛ لأن لفظة "أخاف" إنما يستعمل فى المحتمل دون المقطوع به. ثم هو يدل على أن احتمال الإمساك على نفسه مانع من الأكل كالإمساك المحقق، فلو صح ٥٠ ج - ١٨ باب حل صيد البازى والفهود وغيرها إذا كانت معلمة ٥٨٠٤- عن مجالد، عن الشعبى، عن عدى بن حاتم، أن النبى عَ لّم قال: ((ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله فكل مما أمسك عليك، قلت: وإن قتل؟ قال: إذا قتله ولم يأكل منه شيئا فإنما أمسكه عليك))، رواه أبو داود، وسكت عنه (بذل المجهود ٩٠:٤)، وقال البيهقى: تفرد مجالد بذكر الباز فيه وخالف الحفاظ (نيل الأوطار ٣٥٠:٨). حديث حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، يكون معنى قوله عّ له: ((وإن أكل منه)) أى بعد تحقق الإمساك عليك، بأن يكون قتله أولا، ثم رجع عنه، ثم عاد إليه فأكل منه، هذا توضيح تأويل من تأول هذا القول على أن أكل منه بعد أن قتله، وخلاه وفارقه، ثم عاد فأكل منه، کما نقله النووی عنه علی ما فى "بذل المجهود". ويدل على صحة هذا التأويل أنه قال فى أوله: ((كل ما أمسك عليك))، ثم سأله بقوله: ((وإن أكل؟)) يكون معناه وإن أكل بعد تحقق الإمساك عليك، فيكون جوابه: ((وإن أكل)» بعد تحقق الإمساك عليك، وعليه يحمل رواية داود بن عمرو، وسماك، وعبد الملك بن حبيب، وحينئذ لا يكون فيها حجة لمن قال بإباحة الصيد بعد أكل الكلب منه مطلقا، فاعرف ذلك. قال العبد الضعيف: وفى "المغنى" لابن قدامة: ولنا قول النبى معَّم فى حديث عدى بن حاتم: ((إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل، فإنى أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه)) (متفق عليه)، وأما حديث أبى ثعلبة (بلفظ: ((قال: فإن أكل منه؟ قال: وإن أكل منه)))، فقد قال أحمد: يختلفون عن هشيم فيه، على أن حديثنا أصح؛ لأنه متفق عليه، وعدى بن حاتم أضبط، ولفظه أبين؛ لأنه ذكر الحكم والعلة. قال أحمد: حديث الشعبى عن عدى أصح ما روى عن النبى معَ لّم، الشعبى يقول: كان جارى وربيطى فحدثنى، والعمل عليه، ويحتمل أنه أكل منه بعد أن قتله، وانصرف عنه، فإن شرب دمه ولم يأكل منه لم يحرم، نص عليه أحمد، وبه قال عطاء، والشافعى، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأى، وكرهه الشعبى، والثورى؛ لأنه فى معنى الأكل، ولنا عموم الآية والأخثار، وإنما خرج منه ما أكل منه بحديث عدى، وهذا لم يأكل؛ لأن الدم لا يقصده الصائد منه، ولا ينتفع به؛ فلا يخرج بشربه عن أن يكون ممسكا على صائد اهـ (٨:١١-٩). باب حل صيد البازى، والفهود، وغيرها إذا كانت معلمة قوله: "عن مجالد إلخ": قلت: زيادة الباز فى حديث عبد الله بن نمير عن مجالد وهو عند ٥١ حل صيد البازى والفهود وغيرها إذا كانت معلمة إعلاء السنن أبى داود، وأما هيثم فلم يرو هذه الزيادة، أخرج حديثه أحمد فى "المسند" (٣٨٩:٤)، ويعلم منه تساهل ابن تيمية، حيث أخرج الحديث بزيادة الباز، وعزاه لأبى داود وأحمد، مع أنه مع هذه الزيادة ليس من رواية أحمد، وإنما هو من رواية أبى داود فقط، وأخرج ابن جرير، عن عيسى بن يونس، عن مجالد، عن الشعبى، عن عدى بن حاتم، فقال: سألت رسول الله عّ لّه عن صيد البازى؟ فقال: ((ما أمسك عليك فكل)) (ابن جرير ٥٨:٦). وظنى أن السؤال عن الباز لم يقع لعدى بن حاتم، وإنما هو من خطأ بعض الرواة، وإدراجهم فى الحديث، فليس فى الباب حديث مرفوع، نعم، روى ابن جرير عن ابن عباس فى تفسير قوله: ﴿ما علمتم من الجوارح﴾ أنه قال: يعنى بالجوارح الكلاب الضوارى، والفهود، والصقور، وأشباهها، رواه عن ابن المثنی، عن عبد الله، عن معاویة، عن على، عن ابن عباس، وهو مسند يعتمد عليه البخارى فى التعليقات، كما يظهر من شروح البخارى، وأخرج نحوه عن خيثمة بن عبد الرحمن، وعلى بن الحسين، وعبيد بن عمير، ومجاهد، والحسن، بأسانيد يحتج بها، ففى هذه الآثار حجة لأبى حنيفة، حيث يقول بحل صيد البازى، والفهود، وغيرها من الجوارح إذا كانت معلمة. قال العبد الضعيف: قال الموفق فى "المغنى": وكل ما يقبل التعليم، ويمكن الاصطياد به من سباع البهائم: كالفهد، وجوارح الطير، فحكمه حكم الكلب فى إباحة صيده، قال ابن عباس فى قوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ هى الكلاب المعلمة، وكل طير تعلم الصيد، والفهود، والصقور، وأشباهها، وبمعنى هذا قال طاوس، ويحيى بن أبى كثير، والحسن، ومالك، والثوری، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، والشافعی، وأبو ثور. وحكى عن ابن عمر ومجاهد (١) أنه لا يجوز الصيد إلا بالكلب؛ لقوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ يعنى ما كليتم من الكلاب، ولنا ما روى عن عدى، قال: سألت رسول الله عَّه عن صيد البازى؟ فقال: (إذا أمسك عليك فكل))، ولأنه جارح يصاد به عادة، ويقبل التعليم، فأشبه الكلب، فأما الآية فإن الجوارح الكواسب مكلبين من التكليف، وهو الإغراء اهـ ملخصا (١١: ١٠) ظ. (١) قد روى عنه خلافه كما مر، فيحمل على الكراهة تنزها، ظ. ٥٢ ج - ١٨ باب حل الصيد الذی أکل منه البازی ونحوه ٥٨٠٥- قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أسباط، قال: ثنا أبو إسحاق الشيبانى، عن حماد، عن إبراهيم، عن ابن عباس، أنه قال فى الطير: إذا أرسلته فقتل فكل، فإن الكلب إذا ضربته لم يعد، وأن تعليم الطير أن يرجع إلى صاحبه وليس يضرب، إذا أكل من الصيد ونتف الريش فكل (تفسير ابن جرير ٦٠:٦). باب حل الصيد الذی أکل منه الطیر کالبازى وغيره أقول: فيه إشكال، وهو أنه قال الله تعالى: ﴿ما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله. فكلوا مما أمسكن عليكم﴾، فشرط الله سبحانه فى صيد الجوارح الإمساك علينا، ومعنى الإمساك هو ترك الأكل منه، كما هو مصرحون به فى صيد الكلب، فكيف يقال بحل مأكول الطير؟ وأجاب عنه الجصاص فى "أحكام القرآن" بأن الإمساك علينا شرط فى الكلب ونحوه، دون الطير؛ لأنه غير قابل لتعليم الإمساك بضرب. ويرد عليه أن ضمير أمسكن راجع إلى الجوارح، والطير داخل فيه، فكيف يصح أن الإمساك علينا غير مشروط فيه؟ وما قال: إنه غير قابل لهذا التعليم؛ لعدم إمكان الضرب، ففيه أن الضرب غير شرط لهذا التعليم، بل يعلم الإمساك بما يعلم الرجوع عند الاسترجاع، ولو سلم فهو غير مفيد له؛ لأن الآية حينئذ تكون حجة لمن خصص الجوارح بالكلاب ونحوها؛ لأنه يقول: الجوارح وإن كانت عامة إلا أنها خصصت بالكلاب ونحوها، بقرينة قوله: ((أمسكن عليكم))؛ لأن الطير لا يتحقق منه الإمساك، فالجواب غير دافع للإشكال. واختار شيخنا فى تفسير هذه الآية إرجاع الضمير إلى الجوارح مطلقا، طير أو غير طير، وأشار إلى دفع الإشكال المذكور بأن طرق تعليم الكلاب والطير مختلفة، وكون كل واحد منهما معلما بطريقه دليل إمساكه علينا، فيقال: إن الكلب أمسك علينا إذا ترك الأكل، ويقال: إن الطير أمسك علينا إذا أجاب الدعوة اهـ بمحصله، وهو غير دافع للإشكال أيضا؛ لأن حقيقة الإمساك علينا هو الاصطياد لنا لا لنفسه، والأكل دليل ظاهر على الاصطياد لنفسه، ولا دلالة لإجابة الدعوة عليه أصلا، إذ لو كان دليلا عليه لكان دليلا فى الكلب أيضا، فكيف يكون دليلا على الإمساك علينا فى الطير مع وجود ما ينافيه أعنى الأكل منه، إلا أن يقال: إن الاصطياد لنا لما لم يكن متعذرا فى الكلب اعتبر فيه حقيقة، ولما كان متعذرا فى الطير لم يعتبر فيه حقيقة، بل أقيم فيه إجابة الدعوة مقامه، وفيه أن تعذر حقيقة الاصطياد لنا فى الطير ممنوع، ولو سلم فمقتضاه عدم حل صيده، كما ٥٣ حل الصيد الذى أكل منه الطير كالبازى وغيره إعلاء السنن قلت: رجاله ثقات إلا أنه مرسل، ولكنه لا ضير، فإنه من مراسيل إبراهيم، ومراسيله صحاح، وهو مذهب إبراهيم، وحماد، كما رواه ابن جرير عنهما بأسانيد صحیحة. وأخرجه محمد فى "الآثار" عن أبى حنيفة، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وهو سند متصل، فاندفع الانقطاع أيضا. واختلف فيه عن عطاء، فروى عنه إبراهيم وحجاج مثل قول ابن عباس، وروى عنه ابن جريج خلافه، فهؤلاء الأئمة سلف أبى حنيفة فى القول بحل الصيد الذى أكل منه الطير. ذهب إليه ابن عمر، كما رواه عنه ابن جرير بسند صحيح، لا التكلف لتحليل صيده بإقامة إجابة الدعوة مقامه. فإن قيل: لا يمكن القول بتحريمه؛ لما روى مجالد، عن الشعبى، عن عدى بن حاتم، أنه قال: سألت رسول الله عَّم عن صيد البازى؟ فقال: ((ما أمسك عليك فكل))، رواه ابن جرير، واحتج به على من قال بحرمة صيد البازى المقتول، يقال: هذا الحديث تفرد به مجالد، ولم يذكر من هو أوثق منه السؤال عن البازى، وإنما ذكر السؤال عن الكلب المعلم، فالظاهر أنه وهم من مجالد، وقد طعن فيه البيهقى أيضا بتفرد مجالد ومخالفة الحفاظ، كما مر فى الباب السابق، ولو سلم فقوله: (ما أمسك عليك فكل)) يدل على اشتراط ترك الأكل، وهذا الاشتراط مصرح فى حديث أبى داود؛ لأن لفظه: أن النبى معَّم قال: ((ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله فكل مما أمسك عليك. قلت: وإن قتل؟ قال: إذا قتله ولم يأكل منه شيئا فإنما أمسكه عليك)) (بذل المجهود ٩٠:٣)، فيكون الحديث دليلا للقائلين باشتراط الترك، ولا دلالة فيه للقائلين بكون الإجابة قائمة مقام الاصطياد لنا؛ فالإشكال غير مندفع بهذا الجواب أيضا، ولكنه لا اعتراض فيه على الإمام، لأنه لم يقل بذلك برأيه، بل تبع فيه ابن عباس، وإبراهيم، وحمادا، وعطاء فى رواية إبراهيم، وحجاج، وقد بينا فى المقدمة أن ضعف دليل المقلدين لا يدل على ضعف مذهب الإمام؛ لأنه يمكن أن يكون عنده دليل، ومأخذ لم يصل إليه أفهام المقلدين، لا سيما إذا لم يكن متفردا فيما ذهب إليه، بل يكون له فيه سلف من الأئمة الأعلام، كحبر الأمة ابن عباس، وإبراهيم، وحماد، وعطاء، فافهم. قال العبد الضعيف: قد اختلف السلف فى معنى الإمساك على الصائد، فذهب الجمهور إلى أنه فی الکلب، ونحوه بمعنی ترك الأ کل منه، فإن أُکل منہ لم یبح، یروی ذلك عن ابن عباس، وأبى هريرة، وبه قال عطاء، وطاوس، وعبيد بن عمير، والشعبى، والنخعى، وسويد بن غفلة، وأبو بردة، ج - ١٨ حل الصيد الذى أكل منه الطير كالبازى وغيره ٥٤ وسعيد بن جبير وعكرمة والضحاك، وقتادة، وإسحاق، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد، وأبو ثور، وروى عن سعد بن أبى وقاص وسلمان وأبى هريرة، وابن عمر: أن ترك الأكل ليس بشرط مطلقا، حكاه عنهم الإمام أحمد، وبه قال مالك، وللشافعى قولان كالمذهبين. واحتجوا بعموم قوله: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ أى بعض ما أمسكن عليكم ولنا ما مر من حديث عدى بن حاتم. ولا يشترط فى الصید بالبازی ترك الأكل، فیباح صیده وإن أکل منه، وبهذا قال ابن عباس، وإليه ذهب النخعى، وحماد، والثورى، وأبو حنيفة، وأصحابه، ونص الشافعى على أنه كالكلب فى تحريم ما أكل منه من صيده؛ لأن مجالدا روى عن الشعبى، عن عدى بن حاتم، عن النبى عبّ، قال: ((فإن أكل الكلب والبازى فلا تأكل))، ولنا إجماع الصحابة، روی الخلال بإسناده عن ابن عباس قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل من الصيد، وإذا أكل الصقر فكل، فإنك تستطيع أن تضرب الكلب، ولا تستطيع أن تضرب الصقر، وقد ذكرنا عن أربعة من الصحابة، إباحة ما أكل منه الكلب، وخالفهم ابن عباس فيه، ووافقهم فى الصقر، ولم ينقل عن أحد فى عصرهم خلافهم، وأما الخبر فلا يصح، يرويه مجالد، وهو ضعيف، قال أحمد: مجالد يصير القصة واحدة، كم من أعجوبة لمجالد، والروايات الصحيحة تخالفه اهـ (١١:١١). وفى "الجوهر النقى": ذكر البيهقى عن ابن عباس، قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل، وإذا أكل الصقر فكل إلى آخره، قلت: ذكر صاحب "الاستذكار" قول ابن عباس هذا، ثم قال: ولا مخالف له من الصحابة من وجه يصح، وفى "نوادر الفقهاء" لابن بنت نعيم: أجمعوا أن البازى إذا أكل منه أكل صاحبه بقيته، إلا الشافعى فإنه منع من أكله اهـ (٢١٤:٢). ولعلك قد عرفت بذلك أن ترك الأكل ليس بداخل فى حقيقة الإمساك على الصائد، وإلا لكان شرطا فى ما صاده الكلب إجماعا، ولم يختلف فيه اثنان، ولما ثبت اختلاف الصحابة فى اشتراطه فى صيد الكلب، وعدم اشتراطه، ثبت أن إمساك كل جارح بما يناسبه، فإمساك الكلب ونحوه بترك الأكل منه، بدليل حديث عدى بن حاتم المتفق عليه، وإمساك الصقر ونحوه بالانزجار إذا زجر، وبالإجابة إذا دعى، ولأن جوارح الطير فلم تعلم بالأكل، ويعتذر تعليمها بترك الأكل، فلم يقدح فى تعليمها بخلاف الكلب والفهد، وهذا هو معنى قول ابن عباس: "إنك تستطيع أن تضرب الكلب، ولا تستطيع أن تضرب الصقر"، وعنه أخذه الجصاص، فما أورده بعض الأحباب ليس بوارد لأن جوارح الطير إذا كانت تعلم بالأكل، فلا يكون أكلها دليلا على الاصطياد لنفسها، % ٥٥ إعلاء السنن باب وجوب التسمية عند الإرسال ٥٨٠٦- عن عدى بن حاتم، قال: "قلت: يا رسول الله! إنى أرسل كلبى وأسمى، قال: إن أرسلت كلبك وسميت فأخذ فقتل فكل، وإن أكل منه فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه، قلت: إنى أرسل كلبى أجد معه كلبا آخر، لا أدرى أيهما أخذه، قال: فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره"، وفى رواية أن رسول الله عَّ قال: ((إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، فإن وجدت مع كلبك غيره وقد قتل فلا تأكل، فإنك لا تدرى أيهما قتله))، متفق عليهما (منتقى مع النيل ٣٥٥:٨). بخلاف الكلب والفهد، فإنها تعلم بترك الأكل، وليس قول ابن عمر بكراهة ما صاده الصقر والبازى لكونهما يأكلان من الصيد، ولا يمسكانه على الصائد، بل لكون الجوارح مقتصرا على الكلاب عنده، بقرينة قوله: ﴿مكلبين﴾، كما مر مع الجواب عنه، وظهر بما ذكرنا أن قول أبى حنيفة مؤيد بالإجماع، والشافعى محجوج بإجماع من تقدمه على جواز ما أكل البازى من صيده، فليس ما ذكره الأصحاب فى دليل الإمام بضعيف، ولكن بعض الأحباب لا يراجع كتب القوم، وینسب إليهم ما شاء من الدلائل ويضعفها، ويرميهم بما شاء رجما بالغيب، فافهم، ظ. ٠ باب وجوب التسمية عند الإرسال أقول: دلالة الحديثين على الباب ظاهرة، قال العبد الضعيف: قد مر الكلام فى وجوب التسمية عند الذبح فی کتاب الذبائح، وإرسال الکلب ورمی السهم أقیم مقام الذبح، فلا بد من التسمية معه، فإن ترك التسمية عمدا لم يبح، وأباح متروك التسمية فى النسيان أبو حنيفة، ومالك، وأحمد فی روایة حنبل عنه. وقال الشافعى: يباح متروك التسمية عمدا أو سهوا؛ لأن البراء روى أن النبى عّ لّه قال: ((المسلم يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم)، وعن أبى هريرة رضى الله عنه: أن النبى معَ لّه سئل، فقيل: أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمى الله؟ فقال: ((اسم الله فى قلب كل مسلم)). ولنا قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾، وقال: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم. واذكروا اسم الله عليه﴾، والأمر للوجوب، ولا يجب اتفاقا عند الأكل، فالمراد ذكر اسم الله عند الإرسال، وقال النبى عّ لّهِ: ((إذا أرسلت كلبك وسميت فكل، قلت: أرسل كلبى فأجد معه كلبا آخر، قال: لا تأكل، فإنك إنما سميت على كلبك، ولم تسم على الآخر)) متفق عليه. ١ ٥٦ ج - ١٨ باب فی الرمى ٥٨٠٧- عن عدى بن حاتم، قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله))، متفق عليه (منتقى مع النيل ٣٥٠:٨). وفى لفظ: ((وإذا خالط كلابا لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل))، وفى حديث أبى ثعلبة: ((وما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل))، وهذه نصوص صريحة فلا يعرج على ما خالفها، فأما أحاديث أصحاب الشافعى فلم يذكرها أصحاب السنن المشهورة، وقد مر ما فيها من الكلام، وإن صحت فهى محمولة على النسيان دون العمد. وإذا ثبت هذا فالتسمية المعتبرة قوله: "بسم الله"؛ لأن إطلاق التسمية ينصرف إلى ذلك، وقد ثبت أن رسول الله مرّ ◌ُّه كان إذا ذبح قال: ((بسم الله والله أكبر))، وكان ابن عمر يقوله، ولا خلاف فى أن قوله: ((بسم الله) يجزيه، وإن ذكر اسم الله تعالى بغير العربية أجزاه، وإن أحسن العربية؛ لأن المقصود ذكر اسم الله، وهو يتصل بجميع اللغات، كذا فى "المغنى" لابن قدامة، قال: ويشترط أن يرسل الجارحة على الصيد، فإن استرسلت بنفسها فقتلت لم يبح، وبهذا قال ربيعة، ومالك، والشافعى، وأبو ثور، وأصحاب الرأى، وقال عطاء، والأوزاعى: يؤكل صيده إذا أخرجه للصيد، وقال إسحاق: إذا سمى عند انفلاته أبیح صيده، وروى بإسناده عن ابن عمر أنه سئل عن الكلاب تنفلت من مرابضها فتصيد الصيد؟ قال: ((اذكر اسم الله وكل))، ولنا قول النبى عَّ: ((إذا أرسلت كلبك وسميت فكل))، ولأن إرسال الجارحة جعل بمنزلة الذبح، ولهذا اعتبرت التسمية معه، وإن استرسل بنفسه فسمی صاحبه وزجره فزاد فى عدوه أبيح صيده، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعى: لا يباح، وعن عطاء كالمذهبين، ولنا أن زجره أثر فى عدوه، فصار كما لو أرسله، وذلك لأن فعل الإنسان متى انضاف إلى فعل غيره، فالاعتبار بفعل الإنسان، بدليل ما لو صال الكلب على إنسان فأغراه إنسان فالضمان على من أغراه اهـ ملخصا (٦:١١). باب فی الرمی أقول: دلت الأحاديث على أمور: أحدها: أن صيد القوس حلال، والثانى: أنه يشترط فيه أن يقتله بحده، وإن قتله بعرضه فلا، ويعلم أن لو قتل الصيد بالبندقة لا يجوز؛ لأنه يقتله بثقله دون حده، ويعلم منه أنه لو قتله الكلب خنقا لا يجوز لأنه قتل بالثقل. : ٥٧ باب فى الرمى إعلاء السنن ٥٨٠٨- وعنه قال: سألت رسول الله عَّ بله عن الصيد؟ قال: ((إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله، فإن وجدته قد قتل فكل، إلا أن تجده قد وقع فى ماء؛ فإنك لا تدرى الماء قتله أو سهمك))، متفق عليه (منتقى مع النيل ٣٥٦:٨). ٥٨٠٩- وعنه أنه قال للنبى عّ لّه: إنا نرمى الصيد، فنقتفى أثره اليومين والثلاثة، ثم نجده ميتا وفيه سهمه، قال: ((يأكل إن شاء)) رواه البخارى. ٥٨١٠- وعنه قال: سألت رسول الله عَ ليه، قلت: إن أرضنا أرض صيد، فيرمى أحدنا الصيد فيغيب عنه ليلة أو ليلتين، فيجده وفيه سهمه، قال: ((إذا وجدت سهمك ولم تجد فيه أثر غيره وعلمت أن سهمك قتله فكله))، رواه أحمد والنسائى (منتقى مع النيل). ٥٨١١- وعنه قال: قلت: يا رسول الله! أرمى الصيد فأجد فيه سهمى من الغد، قال: "إذا علمت أن سهمك قتله، ولم تر فيه أثر سبع فكل"، رواه الترمذى وصححه (منتقى مع النيل). والثالث: أنه يشترط ذكر الله عند الرمى أيضا، كما يشترط عند إرسال الكلب، وعند الذبح. والرابع: أنه لو وقع الصيد فى الماء، ومات لا يؤكل، والخامس: أنه إذا غاب الصيد، ولم يترك الصياد الطلب، فإن وجد أثر شىء آخر لا يحل، وإلا يحل، وإن ترك التعقب، ثم وجده ميتا لا یحل. قال العبد الضعيف: وفى "أحكام القرآن" للجصاص: واختلفوا فى الصيد يغيب عن صاحبه، فقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وزفر: إذا توارى عنه الصيد والكلب وهو فى طلبه فوجده قد قتله جاز أكله، وإن ترك الطلب، واشتغل بعمل غيره، ثم ذهب فى طلبه فوجده مقتولا والكلب عنده كرهنا أكله، وكذلك قالوا فى السهم: إذا رماه به فغاب عنه. وقال مالك: إذا أدركه من يومه أكله فى الكلب والسهم جميعا، وإن كان ميتا إذا كان فيه أثر جراحة، وإن بات عنه لم يأكله، وقال الثورى: إذا رماه فغاب عنه يوما أو ليلة كرهت أكله، وقال الأوزاعى: إن وجده من الغد ميتا ووجد فيه سهمه أو أثرا فليأكله. وقال الشافعى: القياس أن لا يأكله إذا غاب عنه، قال أبو بكر: روى عن ابن عباس، أنه قال: ٥٨ ج - ١٨ باب فى الرمى قلت: أحاديث غيبة الصيد محمولة على ما إذا لم يترك الطلب، كما يدل عليه قول عدى: "فنقتفى أثره اليومين والثلاثة"، أما إذا ترك الطلب ثم وجده ميتا فلا يحل؛ لأن الزكاة الاضطرارية إنما تقوم مقام الزكاة الاختيارية عند العجز عنها، ولا يعلم العجز عنها مع ترك الطلب؛ لا بد منه للحل، كذا فى "المدونة" (٤١١:١) عن ابن القاسم. "كل ما أصميت، ودع ما أنميت"، رواه محمد فى "الآثار" عن أبى حنيفة، عن حماد، عن سعيد ابن جبير عنه، وهذا سند صحيح موصول، وفى خبر آخر عنه: وما غاب عنك ليلة فلا تأکله، رواه الطبرانى فى "الكبير" بلفظ: " كان يكره إذا بات الصيد عنه صاحبه ليلة أن يأكله"، وفيه على بن عاصم وهو ضعيف، "مجمع الزوائد" (٣١:٤). والإصماء ما أدركه من ساعته، والإنماء ما غاب عنه، وروى الثورى عن موسى ابن أبى عائشة، عن عبد الله بن رزين، عن النبى معَّم فى الصيد إذا غاب عنك مصرعه كرهه، وذكر هوام الأرض، وأبو رزين، هذا ليس بأبى رزين القيلى صاحب النبى عَِّ، وإنما هو أبو رزين مولى أبى وائل. ويدل على أنه إذا تراخى عن طلبه لم يأكله، أنه لا خلاف أنه لو لم يغب عنه، وأمكنه أن يدرك ذكاته، فلم يفعل حتى مات أنه لا يؤكل، فإذا لم يترك الطلب، وأدركه ميتا، فقد علمنا أنه لم يكن يدرك ذكاته، فكان قتل الكلب أو السهم ذكاة له، وإذا تراخى عن الطلب فجائز أن يكون لو طلبه فى فوره أدرك ذكاته، ثم لم يفعل حتى مات، فإنه لا يؤكل؛ لأنه لو لم يترك الطلب، وأدرك حياته تيقن أن قتل الكلب، ليس بذكاة له، فلا يجوز أكله، ألا ترى أن النبى مێ قال لعدى بن حاتم: ((وإن شاركه كلب آخر فلا تأكله، فلعله أن يكون الثانى قتله))، فحظر الشارع عٍَّ أكله حين جوز أن يكون قتله كلب آخر، فكذلك إذا جاز أن يكون مما كان يدرك ذكاته لو طلبه، فإذا لم يفعل وجب أن لا يؤكل، لتجويز هذا المعنى فيه اهـ ملخصا (٢: ٣٢٠). وحاصله ما مر فى المتن عن "المدونة": أن الذكاة الاضطرارية، إنما تقوم مقام الذكاة الاختيارية عند تحقق العجز عنها مع ترك الطلب، فلا بد منه للحل، والعجب من بعض الأحباب أنه ينسب إلى الأصحاب حججا ضعيفة، ولا يعرج إلى ما ذكروه من الحجج القوية، والله تعالى أعلم، ظ. فائدة: قال أبو حنيفة فى الكلب إذا أكل من الصيد، وقد صاد قبل ذلك صيدا كثيرا، ولم يأكل منه، أن جميع ما تقدم حرام؛ لأنه قد تبين حين أكل أنه لم يكن معلما، وقد كان الحكم بتعليمه بديا حين ترك الأكل من طريق الاجتهاد، وغالب الظن، والحكم ينفى التعليم عند الأكل ٥٩ باب فی الرمی إعلاء السنن ٥٨١٢- واحتج بعض أصحابنا لاشتراطه بما رواه ابن أبى شيبة عن أبى رزين، وعبد الرزاق عن عائشة، كلاهما عن النبى عَ لّم فى الصيد يتوارى عن صاحبه: ((لعل هوام الأرض قتله)) (بذل المجهود: ٩٠)، فلا حجة فيه؛ لأن هذا إذا رأى فيه أثر سبع أو غيره، أما إذا لم ير فيه أثر شىء فلا، كما يدل عليه الروايات عن عدى، فلا دليل فيه على اشتراط الطلب، فالمعول عليه فى هذا الباب هو ما قلنا. من طريق اليقين، ولا حظ للاجتهاد مع اليقين، وقد يترك الأكل بديا وهو غير معلم، كما يترك سائر السباع فرائسها عند الاصطياد، ولا يأكلها ساعة الاصطياد، فإنما يحكم إذ كثر منه ترك الأكل بحكم التعليم من جهة غالب الظن، فإذا أكل منه بعد ذلك حصل اليقين بنفى التعليم، فيحرم ما قد اصطاده قبل ذلك. وقال أبو يوسف، ومحمد: إذا ترك الأكل ثلاث مرات فهو معلم، فإن أكل بعد ذلك لم يحرم ما تقدم من صيده؛ لأنه جائز أن يكون قد نسى التعليم، فلم يحرم ما قد حكم بإباحته بالاحتمال، وينبغى أن يكون مذهب أبى حنيفة محمولا على أنه أكل فى مدة لا يكاد ينسى فيها، فإن تطاولت المدة فى الاصطياد، ثم اصطاد فأكل منه، وفى مثل تلك المدة يجوز أن ينسى، فإنه ينبغى أن لا يحرم ما تقدم، ويكون موضع الخلاف بينه، وبينهما أنهما يعتبران فى شرط التعليم ترك الأكل ثلاث مرات، وأبو حنيفة لا يحده، وإنما يعتبر ما يغلب فى الظن من حصول التعليم، فإذا غلب فى الظن أنه معلم، ثم أرسل مع قرب المدة فأكل منه، فهو محكوم بأنه غير معلم فيما ترك أكله، بخلاف ما إذا تطاولت المدة بإرساله بعد ترك الأكل، حتى يظن فى مثلها نسيان التعليم لم يحرم ما تقدم، قاله الجصاص فى "أحكام القرآن" (٣١٨:٢) له، وبذلك اندحض ما أورده الموفق فى "المغنى" على أبى حنيفة فى هذا الباب. فائدة: قال الجصاص: فإن قيل: قد روى حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو، أن النبى معٍَّ قال لأبى ثعلبة الخشنى: ((فكل مما أمسك الكلب، قال: فإن أكل منه؟ قال: وإن أكل منه))، قيل له: هذا اللفظ غلط فى حديث أبى ثعلبة، وذلك لأن حديث أبى ثعلبة قد رواه عنه أبو إدريس الخولانى، وأبو أسماء، وغيرهما، فلم يذكرا فيه هذا اللغط، وعلى أنه لو ثبت ذلك فى حديث أبي ثعلبة كان حديث عدى بن حاتم أولى منه من وجهين: أحدهما: من موافقته لظاهر الآية فى قوله: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾. ٦٠ ج - ١٨ باب حرمة الصيد الذى يموت من البندقة ٥٨١٣- حدثنا أبو معاوية، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عدی ٥ ابن حاتم، قال: قال رسول الله عَّ له: ((لا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت)). رواه أحمد ورجاله ثقات أثبات إلا أنه مرسل؛ لأن إبراهيم لم يسمع من عدی، والمرسل عندنا حجة، لا سيما مرسل إبراهيم فإن مراسيله صحاح، ويؤيده قوله عّه فى حديث عدى: ((إذا أصاب السهم بعرضه فقتل فلا تأكل، فإنه وقيذ)). رواه أبو داود وغيره بسند صحيح. باب الإحماء والإنماء ٥٨١٤- قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أتاه عبد أسود، فقال: إنى أرمى الصيد فأحمى وأنمى، قال: ((كل ما أحميت، ودع ما أنميت))، قال محمد: وبه نأخذ وهو قول أبى حنيفة وإنما يعنى بقوله: "أحميت" ما لم يتوار عن بصرك، " وما أنميت" ما توارى عن بصرك، فإذا توارى عن بصرك وأنت فى طلبه حتى تصيبه ليس به جرح غير سهمك فلا بأس بأكله (كتاب الآثار). والثانى: ما فيه من حظر ما أكل منه الكلب، ومتى ورد خبران فى أحدهما حظر شىء، وفى الآخر إباحته، فخبر الحظر أولاهما بالاستعمال اهـ (٣١٦:٢)، وقد بسط الكلام فى هذا الباب فأفاد وأجاد، والله تعالى أعلم بالصواب، ظ. باب حرمة الصيد الذى يموت من البندقة أقول: الحديث نص فى الباب، قال العبد الضعيف: يعنى بالبندقة ما لا حد له، فأما المحدد كالصوان فهو كالمعراض، إن قتل بحده أبيح، وإن قتل بعرضه أو ثقله لم يبح؛ لأنه وقيذ، وهذا قول عامة الفقهاء، وقال ابن عمر فى المقتولة بالبندق: تلك الموقوذة، وكره ذلك سالم، والقاسم، ومجاهد، وعطاء، والحسن، وإبراهيم، ومالك، والثورى، والشافعى، وأبو ثور، ورخص فيما قتل بها ابن المسيب، وروى أيضا عن عمار، وعبد الرحمن ابن أبى ليلى، ولنا قول الله تعالى: ﴿والموقوذة﴾، وروى سعيد بإسناده عن إبراهيم، عن عدى مرفوعا: ((ولا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت))، كذا فى "المغنى" لابن قدمة (٣٧:١١).