Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ أفضلية مباشرة التضحية بنفسه وجواز الاستنابة والاستعانة إعلاء السنن قلت: ودليل الفرق بين المتنفل ومن عليه الوجوب أثر ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا: من أهدى تطوعًا، ثم ضلت فإن شاء أبدلها، وإن شاء ترك، وإن كانت فى نذر فليبدل صححه الحاكم مرفوعًا، وأقره عليه الذهبى (٤٤٧:١)، ورجح البيهقى وقفه، ولكن الرفع زيادة يجب قبولها إذا كان الرافع ثقة، وههنا كذلك، والله تعالى أعلم. فائدة: قال الموفق فى "المغنى": إن إيجاب الأضحية أن يقول: هى أضحية، وبالجملة فالذى تتعين به الأضحية هو القول دون النية، وهذا منصوص الشافعى، وقال مالك وأبو حنيفة: إذا اشترى شاة، أو غيرها بنية الأضحية صارت أضحية، لأنه مأمور بشراء أضحية، فإذا اشتراها بالنية وقعت عنها كالوكيل قال: ولنا أنه إزالة ملك على وجه القربة، فلا تؤثر فيه النية المقارنة للشراء - كالعتق والوقف -. (قلت: هذا هو عين النزاع: فليست الأضحية عندنا بمنزلة الوقف بدليل ما ذكرناه قبل)، قال: ويفارق البيع فإنه لا يمكنه جعله لموكله بعد إيقاعه، وههنا بعد الشراء يمكنه جعلها أضحية، فأما إذا قال: هذه أضحية صارت واجبة كما يعتق العبد يقول سيده: هذا حر، ولو أنه قلدها أو أشعرها ينوى به جعلها أضحية لم تصر أضحية، حتى ينطق به لما ذكرنا اهـ (١٠٦:١١). قلت: ولنا حديث عروة البارقى: أرسله النبى معَّه ليشترى له شاة للأضحية بدينار فاشترى به شاتين، والحديث مشهور فى " البخارى" وغيره (الإصابة ٢٣٦:٤)، ووقع مثله لحكيم بن حزام، " امر، وفيه أنه عرّ ضحى بالشاة، والتصدق بالدينارين، وفيه إبطال كون الأضحية كالوقف وإلا لم يجز بيع ما اشتراه أضحية، وأنها تتعين بالشراء، وإلا لم يأمر بالتصدق بالدينار إلا أنها تتعين فى حق المعسر حتى لا يجوز له إبدالها، ولو هلكت سقط عنه الوجوب، وتتعين فى حق الموسر حيث يكره له إبدالها، والانتفاع بصوفها ولبنها، ولو أبدلها بخير منها أو مثلها جاز، ولو هلكت لم يسقط عنه الوجوب، كما فى "البدائع" (٦٨:٥). وفى "الدر المختار": وفقير شراها لها لوجوبها عليه بذلك حتى يمتنع عليه بيعها اهـ، وفى "رد المحتار": فلو كانت فى ملكه أى ملك الفقير فنوى أن يضحى بها أو اشتراها ولم ينو الأضحية وقت الشراء، ثم نوى بعد ذلك لا يجب لأن النية لم تقارن الشراء، فلا تعتبر (بدائع)، وقوله: لوجوبها عليه ذلك -أى بالشراء-، وهذا ظاهر الرواية، لأن شرائه لها يجرى مجرى الإيجاب: وهو النذر بالتضحية عرفا، كما فى "البدائع" اهـ (٣١٣:٥). ٢٨٢ أفضلية مباشرة التضحية بنفسه وجواز الاستنابة والاستعانة ج - ١٧ وفى "التحرير المختار": قوله: وهذا ظاهر الرواية إلخ، وفى "خزانة الأكمل": أنه المختار، وعند الجمهور لا بد مع النية أن يقول بلسانه: وأضحى بها، ولو اشتراها الغنى بنيتها لم تتعين باتفاق الروايات كما فى "الخلاصة"، وإن قال فى الأشباه من القاعدة الأولى: إن كان فقيرًا، وقد اشتراها بنيتها تعينت فليس له بيعها، وإن كان غنيا لم تتعين، والصحيح أنها تتعين مطلقا اهـ، فإن المنقول فى الغنى عدم التعين باتفاق الروايات اهـ، من شرح البعلى (٣٠٤:٢). قلت: صرح فى "البدائع" بأن الصحيح أنها تتعين من الموسر أيضا بلا خلاف بين أصحابنا، ووجهه أن نية التعيين قارنت الفعل، وهو الشراء فأوجب تعيين المشترى الأضحية إلا أن تعيينه للأضحية لا يمنع جواز التضحية بغيرها، ولا يحل له الانتفاع بها ما دامت متعينة، ولهذا لا يحل له لحمها إذا ذبحها قبل وقتها اهـ (٧٨،٦٨:٥)، فافهم، فقد زلت فيه أقدام وتحيرت فى حله أفهام، والحمد لله العلى العلام الذى هدانا لهذا، وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله سبل السلام، ظ. ١ فائدة: قال الموفق فى "المغنى" (٩٥:١١): الأضحية أفضل من الصدقة بقيمتها نص عليه أحمد، وبهذا قال ربيعة وأبو الزناد (وأبو حنيفة وأصحابه والجمهور)، وروی عن بلال لأن آخذ ثمن الأضحية فأتصدق به على مسكين مقتر فهو أحب إلى من أن أضحى رواه ابن حزم، كما مر. ولنا أن النبى معَِّ ضحى والخلفاء بعده، ولو علموا أن الصدقة أفضل لعدلوا إليها، قال ابن عمر: ضحى رسول الله عَّ والمسلمون من بعده، وجرت به السنة رواه ابن ماجه (ص٢٣٢)، وسنده حسن، وصح عنه عَّه، أنه قال: ((من كان له سعة، ولم يضح فلا يقربن مصلانا))، وقال تعالى: ﴿ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾، وفى كل ذلك إشعار بكون الأضحية من شعائر الله والإسلام، وروت عائشة رضى الله عنها أن النبى معَّ له قال: ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من إراقة دم، وإنه ليؤتى يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفسًا))، رواه ابن ماجة والحاکم، وصححه، وقال الذهبى: فیه سلیمان، واه وبعضهم تركه (٢٢٢:٤). قلت: قال الترمذى: إن هذا الحديث حسن غريب لا يعرف من حديث هشام بن عروة إلا من هذا الوجه، (نيل ٣٣٩:٤)، وأبو المثنى سليمان بن يزيد هذا ذكره ابن حبان فى "الثقات"، كما فى "التهذيب": وفيه دلالة على كون الأضحية فى أياما أفضل من كل عمل صالح، فقول رسول الله عَّةٍ حجة على كل قائل، ولا حجة فى قول بلال: لأن إيثار الصدقة على الأضحية يفضى إلى ٢٨٣ أفضلية مباشرة التضحية بنفسه وجواز الاستنابة والاستعانة إعلاء السنن ترك سنة سنها الله ورسوله عَ ليه، فافهم. ولا يبعد أن يكون بلال أراد النكير على من يضحى ليباهى بها الناس كما تقدم عن أبى أيوب، أنه قال: حتى تباهى الناس بها، ولا ريب أن التصدق على يتيم ترب فوه أو على مسكين مقتر أفضل من أضحية يراد بها المباهاة، فإنها من الرياء، والرياء من الشرك، والله أغنى الشركاء من الشرك، وأما من ضحى تقربا إلى الله عز وجل لم يرد بها إلا وجه الله ورضوانه، فهى أفضل من الصدقة بقيمتها فى أيام النحر بنص الحديث، فافهم، فإنه من المواهب، ظ. فائدة: يجوز أن يطعم من الأضحية كافرًا، قال الموفق فى "المغنى": وبهذا قال الحسن وأبو ثور وأصحاب الرأى، وقال مالك: غيرهم أحب إلينا (قلت: جواز إطعام الكافر منها عندنا لا يقتضى أن لا يكون المسلم أحب إلينا). قال: ذكره مالك والليث إعطاء النصرانى جلد الأضحية، ولنا: أنه إطعام له أكله فجاز إطعامه للذمى كسائر طعامه، ولأنها صدقة تطوع فجاز إطعامها للذمى والأسير كسائر صدقة التطوع، فأما الصدقة الواجبة منها (كالأضحية المنذورة مثلا)، فلا يجزئ دفعها إلى كافر لأنها صدقة واجبة، فأشبهت الزكاة وكفارة اليمين اهـ (١١: ١١٠)، وهل للمعسر إذا ضحى تطوعا أن يأكل منها؟ فإن لم يوجد منه النذر بها، ولا الشراء للأضحية فنعم لانعدام سبب الوجوب، وشرطه كما فى "البدائع"، ثم ظاهر كلامه أن الواجبة على الفقير بالشراء له الأكل منها، وذكر أبو السعود أن شرائه لها بمنزلة النذر، فعليه التصدق بها اهـ، قال ابن عابدين: التعليل بأنها بمنزلة النذر مصرح به فى كلامهم، ومفاده ما ذكر، وفى "التاترخانية": سئل القاضى بديع الدين: عن الفقير إذا اشترى شاة لها هل يحل له الأكل قال: نعم وقال القاضى: لا يحل اهـ فتأمل (٣٢٠:٥). قلت: والأوفق بإطلاق الروايات ما قاله القاضى بديع الدين لأن رسول الله عَ لّه قال: إذا ضحى أحدكم فليأكل من أضحيته، رواه أحمد عن أبى هريرة ورجاله رجال الصحيح، وروى الطبرانى عن ابن عباس قال: قال رسول الله عَّ خليه: ليأكل كل رجل من الأضحية، وسنده حسن، كما مر، وفيه الأمر بالأكل من الأضحية من غير فصل بين الموسر والمعسر، وكان ظاهر حال الصحابة فى زمنه عَِّ الإعسار والفقر، فلو لم يجز للمعسر الأكل من الأضحية لبينه النبى معَّ ◌ُّه، وكون شراء الفقير بمنزلة النذر، إنما هو فى حق إيجاب المعين لا فى سائر أحكامه، والله تعالى أعلم، ظ. ج - ١٧ أفضلية مباشرة التضحية بنفسه وجواز الاستنابة والاستعانة ٢٨٤ فائدة قال فى "شرح المهذب": مذهبنا أن أفضل التضحية بالبدنة، ثم البقرة، ثم الضأن، ثم المعز، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وداود، وقال مالك: أفضلها الغنم، ثم البقر، ثم الإبل، قال: والضأن أفضل من المعز، وإناثها أفضل من فحول المعز، وفحول الضأن خير من إناث المعز، وإناث المعز خير من الإبل والبقر، واحتج بحديث أنس أن النبى عّ لّ ضحى بكبشين، وهو صحيح، قالوا: وهو لا يدع الأفضل. وقال بعض أصحاب مالك: الإبل أفضل من البقر، واحتج أصحابنا بحديث أبى هريرة رضى الله عنه فى المهجر يوم الجمعة أن رسول الله عَّه قال: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح فى الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح فى الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشا "أقرن"، متفق عليه، ولأن مالكا وافقنا فى الهدى أن البدنة فيه أفضل من البقرة، فقس عليه، والجواب عن حديث أنس أنه لبيان الجواز، أو لأنه لم يتيسر حينئذ بدنة، ولا بقرة، والله أعلم اهـ، ملخصا (٣٩٨:٨). قلت: ولو كان فى شىء منها من إغاظة المشركين ما ليس فى غيرها يكون ما فيه إغاظة المشركين أفضل لما فيه من إعلاء كلمة الله، وهو ظاهر، ظ. فائدة قال بعض الشافعية: من ضحى بعدد من الماشية استحب أن يفرقه على أيام الذبح، فإن كان شاتين ذبح شاة فى اليوم الأول، وأخرى فى آخر الأيام، وهذا الذى قاله، وإن كان أرفق بالمساكين فهو ضعيف مخالف للسنة الصحيحة، بأن النبى ملل نحر مائة بدنة أهداها فى يوم واحد، وهو يوم النحر، فالسنة التعجيل والمسارعة إلى الخيرات، والمبادرة بالصالحات إلا ما ثبت خلافه اهـ من "شرح المهذب" (٤٢٤:٨)، والله تعالى أعلم، ومن عجائب الاتفاق تكميل الأبواب الأضاحى فى شهر ذى الحجة الحرام، وبتمامها تمت السنة السادسة والخمسون بعد ثلاثمائة وألف من هجرة سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام، وعلى آله وأصحابه البررة الكرام إلى يوم القيام، والحمد لله رب العالمين. ٢٨٥ إعلاء السنن كتاب الحظر والإباحة باب حرمة الذهب على الرجال وحله للنساء ٥٦٠٨- عن أبي موسى الأشعرى أن رسول الله عَ لّم قال: ((حرم لباس الحرير ر "ذهب على ذكور أمتى وأحل لإناثهم))، أخرجه الترمذى، وقال: هذا حديث حسن صحيح (ترمذی ١: ٢٠٥). باب حرمة الذهب علی الرجال وحله للنساء قوله: عن أبى موسى إلخ، قلت: وأخرجه النسائى أيضًا فى "سننه" من غير كلام، ولكن قال فى "نصب الراية" (٢٨١:٢): قال ابن حبان فى "صحيحه": خبر سعيد ابن أبى هند عن أبى موسی فی هذا الباب معلول لا یصح اهـ. قلت: علته التى أشار إليها ابن حبان أنه اختلف على رواة هذا الخبر؛ لأنه رواه عنه ابنه عبد الله، واختلف عليه، ورواه أيضًا عنه أسامة بن زيد الليثى، واختلف عليه أيضًا، ورواه أيضًا عنه نافع مولى ابن عمر: واختلف عليه أيضًا. أما الاختلاف فى خبر عبد الله بن سعید؛ فلأنه روی الطحاوی عن محمد بن جعفر عن عبد الله بن سعيد عن أبيه عن أبى موسى، ولم يذكر واسطة بن سعيد وأبى موسى، ورواه الحاكم فى "المستدرك" عن عبد الرزاق عن عبد الله بن سعيد عن أبيه عن رجل عن أبى موسى، فأثبت بينهما واسطة الرجل المبهم، فحصل الاختلاف فى خبره من هذه الجهة. وأما الاختلاف فى خبر أسامة بن زيد الليثى؛ فلأنه روى الدار قطنى فى "العلل" عن عبد الله ابن المبارك عن أسامة بن زيد عن أبى مرة -مولى أم هانئ- عن أبى موسى، فأثبت واسطة أبى مرة بينهما، وقال الحافظ فى "التهذيب": رواه ابن وهب عن أسامة بن زيد عن سعيد عن أبى موسى، ولم يذكر أبا مرة، فحصل الاختلاف فى خبره أيضًا. وأما الاختلاف فى خبر نافع؛ فلأنه رواه عنه أيوب وعبيد الله العمرى: واختلف على كل منهما، أما أيوب فلأنه رواه عنه معمر فقال: عن نافع عن سعيد عن رجل عن أبى موسى، رواه عنه عبد الرزاق هكذا، كما فى "مسند أحمد"، وأخطأ ابن حجر فقال: زيادة عن رجل من حديث نافع، ليس فى كتاب عبد الرزاق ولا غيره (تهذيب)؛ لأنه رواه أحمد فى سنده عن عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع بهذه الزيادة - ورواه عنه سعید فقال: عن نافع عن سعید ابن أبى هند عن أبى موسى من غير واسطة، أخرجه النسائى فى سننه، فحصل الاختلاف فيه على أيوب. ج - ١٧ حرمة الذهب على الرجال وحله للنساء ٢٨٦ أما عبيد الله بن عمر العمرى، فرواه عنه سريج فقال: عن نافع عن سعيد عن رجل من أهل البصرة عن أبى موسى، وأثبت واسطة ورواه عنه محمد بن عبيد، ويحيى بن سعيد عند أحمد، وعبد الله بن نمير عند الترمذى، فقال: عن نافع عن سعيد عن أبى موسى، ولم يذكروا واسطة، فحصل الاختلاف فى خبر عبيد الله العمرى أيضًا - ولهذا الاختلاف قال ابن حبان: إنه معلول لا يصح، وقال الدار قطنى: الأشبه بالصواب هو رواية ابن المبارك عن أسامة بن زيد الليثى عن سعيد ابن أبى هند عن أبى مرة عن أبى موسى؛ لأنه مثبت لزيادة لا ينفيها غيره - ويرد عليه أنه ينفيها رواة سريج عن عبيد الله العمرى عن نافع عن سعيد عن رجل من أهل البصرة عن أبى موسى، لأن أبا مرة حجازى، وليس ببصرى، فيكون المراد من رجل من أهل البصرة غير أبى مرة الحجازى. وأسامة بن زيد فيه مقال: فلا يكون روايته أرجح من رواية سريج، فكيف يكون روايته أشبه بالصواب؟ وإن رواية سريج، وصححه الترمذى لأن الاختلاف، إنما يكون موجبا لضعف الرواية إذا لم يمكن بترجيح بعض طرقها، وفيما نحن فيه ليس كذلك؛ لأن رواية نافع أرجح من رواية عبد الله بن سعيد، وأسامة بن زيد؛ لأن نافعا ثقة حجة، وعبد الله وأسامة فيهما مقال، فيترجح رواية نافع علی روايتهما - والراجح من روايته هو روایة من روی عن سعید عن أبى موسى، لأنهم أكثر عدداً ممن أو ثق، رواه عن سعيد عن رجل عن أبى موسى، ويرد عليه أن هذا الكلام لا يدل على صحة الرواية؛ لأن غاية أن يكون رواية سعيد عن أبى موسى مرسلة؛ لأن أبا زرعة وغيره صرحوا بعدم سماع سعيد عن أبى موسى، كما صرح به فى "التهذيب". ويجاب عنه بأن الذين صرحوا بعدم السماع لعلهم اغتروا برواية من روى عن سعيد عن رجل عن أبى موسى، وقد عرفت أنه مرجوح، فلا يصح التمسك به. هذا هو الكلام على طريق المحدثين، وأما على طريقنا: فنقول: حاصل الاختلاف أنه رواه بعضهم عن سعيد عن أبى موسى بلا واسطة، وبعضهم عن سعيد عن رجل، وبضعهم عن سعيد عن أبى مرة، وبعضهم عن سعيد عن رجل من أهل البصرة، فإن كان سعيد رواه عن أبى موسى بلا واسطة فلا كلام، وإن كان رواه عن أبى مرة فلا كلام أيضًا، لأن أبا مرة ثقة، وإن كان رواه عن رجل فإن كان هو أبا مرة فلا كلام أيضًا، وإن كان هو رجلا من أهل البصرة فغايته أنه مبهم، ورواية المبهم عندنا مقبولة، إذا كان من خير القرون وهو كذلك؛ لأنه من التابعين، فالرواية مقبولة على التقادير كلها، هذا هو غاية التحقيق فى هذا المقام. ٢٨٧ حرمة الذهب على الرجال وحله للنساء إعلاء السنن وعن محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبى حبيب عن عبد العزيز بن أبى الصعبة عن أبى أفلح الهمدانى عن عبد الله بن زرير الغافقى قال: سمعت عليا يقول: أخذ رسول الله ◌َّه ذهبًا بيمينه، وحريرًا بشماله فقال: هذان حرام على ذكور أمتى، أخرجه النسائي (٢٨٤:٢)، وقال ابن القطان: أبو أفلح وابن زرير مجهولان، كما فى "نصب الراية" (٢٨١:٢). قلت: أبو أفلح وثقه العجلى وابن حبان: وابن زرير وثقه ابن سعد والعجلى وابن حبان، كما فى "التهذيب"، وذكر عبد الحق فى "أحكامه"، أنه قال ابن المدينى فى هذا الحديث: حديث حسن، ورجاله معروفون، كما فى "نصب الراية"، فلا يضرنا إن لم يعرفهما ابن القطان، ورواه الليث أيضًا عن يزيد بن أبى حبيب، ولكنه اضطرب فى شيخ عبد العزيز، فيقول تارة: رجل من همدان يقال له: أفلح، أخرجه النسائى من طريق ابن المبارك عنه، والطحاوى من طريق شعيب بن الليث عنه، ويقول أخرى: رجل من همدان يقال له: أبو صالح أخرجه النسائى أيضًا من طريق عيسى بن حماد عنه - ويقول مرة: عن أبى على الهمدانى أخرجه الطحاوى عن أبى لهيعة عنه، ولكن لما كان هذا الاختلاف فى الاسم لا المسمى لا يضر، وشذ قتيبة، فرواه عن الليث عن يزيد عن أبى أفلح أو أبى صالح الهمدانى، أخرجه النسائى. والصواب هو ما رواه الجماعة عن يزيد عن ابن أبى الصعبة عن أبى أفلح، والله أعلم، وروى نحوه عن غير أبى موسى وعلى، ولكن فى أسانيدها ضعفًا إن شئت الاطلاع عليها، فارجع إلى "نصب الراية". وما روى عن عقبة بن عامر أن رسول الله عّ لّه كان يمنع أهله الحلية والحرير، ويقول: إن كنتم تحبون حلية الجنة، وحريرها فلا تلبسوها فى الدنيا، أخرجه النسائي فمحمول على التورع دون التحريم، ويدل عليه أن عائشة كانت تلبس خواتيم الذهب، وألبس رسول الله عَ ليه أمامة بنت زينب خاتم الذهب، وأخرجنا هذين الحديثين فى موضع آخر من هذا الكتاب، وروى عن عائشة أنها كانت تحلى أخواتها بالذهب. وما روى عن أسماء بنت يزيد أن رسول الله عّ لّه قال: أيما امرأة تحلت - يعنى بقلادة من ذهب- جعل الله فى عنقها مثلها فى النار، وأيما امرأة جعلت فى أذنها خرصا من هذه جعل الله فى أذنها مثله خرصًا فى النار يوم القيامة، أخرجه النسائى أيضًا، فقد جاءت تفسيره عن أخت حذيفة أنها قالت: خطبنا النبى معَّه فقال: يا معشر النساء! أما لكن فى الفضة ما تحلين. ج - ١٧ حرمة الذهب على الرجال وحله للنساء ٢٨٨ أما إنه ليس عنكن امرأة تحلت ذهبا تظهره إلا عذبت به، أخرجه النسائي أيضاً، فدل ذلك على أن الوعيد إنما هى على إظهار حلية الذهب على سبيل التفاخر لا على نفس التحلى بالذهب فلا إشكال، وما قيل: إن الذهب والفضة فى هذا سواء ففيه أن التفاخر بالذهب أكثر وقوعا، كما لا يخفى مع أن الذهب أبعد من الحاجة؛ لأن الحاجة تندفع بحلية الفضة مع تسفيرها بالزعفران وغيره، كما ورد فى النسائى أيضًا عن أبى هريرة قال: كنت قاعدًا عند النبى معَّه فأتت امرأة فقالت: يا رسول الله! سوارين من ذهب؟ قال: سواران من نار، فقالت: يا رسول الله! طوق من ذهب؟ قال: طوق من نار، قالت: قرطين من ذهب؟ قال: قرطين من نار، قال: وكان عليها سواران من ذهب، فرمت بهما قالت: يا رسول الله! إن المرأة إذا لم تزين لزوجها صلفت عنده، قال: ما يمنع إحداكن أن تصنع قرطين من فضة، ثم تصفره بزعفران أو بعير اهـ، وتنبه النسائى لهذه الدقيقة تعقد بابًا بعنوان الكراهة للنساء فى إظهار الحلى والذهب، وأورد فيه ما فيه قيد الإظهار، وما ليس منه ذلك إشارة إلى أن بعضها، وإن كانت مطلقة صورة، لكنها مقيدة معنى، ثم أشار بقوله فى العنوان فى إظهار الحلى: إن هذا الإظهار ممنوع فى مطلق الحلى وغير مخصوص بالذهب بوجود علة النهى، ومن لم يتنبه لهذه الدقيقة قال ما قال، وقال محمد فى "كتاب الآثار": أخبرنا أبو حنيفة عن عمرو بن دينار عن عائشة رضى الله عنها حلت أخواتها بالذهب، وقال ابن عمر: حلى بناته بالذهب (كتاب الآثار ص١٢١). قلت: عمرو بن دينار عن عائشة أنها مرسل، ولكنه لا ضير؛ لأن المرسل عندنا حجة، وعن ابن عمر محمول علی الاتصال، لأنه أدر كه وروى عنه. قال العبد الضعيف: لقد أجاد بعض الأحباب الكلام فى هذا الباب، وهكذا، فليكن البحث عن الحديث وفقهه، وفى "شرح المهذب" حديث على رضى الله عنه أن النبى عّم قال فى الذهب والحرير: إن هذين حرام على ذكور أمتى حل لإناثها، حديث حسن رواه أبو داود إلا قوله: حل الإناثها رواه البيهقى وغيره من رواية عقبة بن عامر بلفظ فى "المهذب"، وهو حديث حسن يحتج به (٤ : ٤٤٠). وفيه دليل لما قلنا: إن حديث عقبة بن عامر كان رسول الله عّ لّه يمنع أهله الحلية والحرير الحديث محمول على الورع لاختصاص النهى بأهله، وعموم الحل للإناث جميعًا فارتفع التضاد، واتضح سبيل الرشاد، وفيه أيضًا: يجوز للنساء لبس الحرير والتحلى بالفضة، وبالذهب بالإجماع ٢٠٨٩ حرمة الذهب على الرجال وحله للنساء إعلاء السنن الأحاديث الصحيحة، وهل يجوز لهن الجلوس على الحرير فيه طريقان: أحدهما: يجوز وجهًا واحدًا. والثانى: فيه وجهان حكاهما الخراسانيون، أحدهما: هذا، وأصحهما عندهم التحريم؛ لأنه أبيح لهن لبسه للتزين للزوج وهو منتف ههنا، والأصح المختار للحديث، ولا نسلم أن جوازه لمجرد التزين للزوج، إذ لو كان كذلك لاختص بذات الزوج، وأجمعوا أنه لا يختص بها (٤: ٤٤٢). وفيه أيضًا: يجوز للنساء لبس أنواع الحلى كلها من الذهب، والفضة، والخاتم، والحلقة، والسوار، والخلخال، والطوق، والعقد، والتعاويذ، والقلائد وغيرها، وفى جواز لبسهن نعال الذهب والفضة وجهان: أحدهما: الجواز كسائر الملبوسات، والثانى: التحريم للإسراف. وأما التاج، فقال الرافعى: قال أصحابنا: إن جرت عادة النساء بلبسه جاز وإلا حرم، لأنه شعار عظماء الروم، وكان معنى هذا أنه يختلف بعادة أهل النواحى. اعتبار عادة أهل النواحى فى باب التشبه: فحيث جرت عادة النساء جاز، وحيث لم يجز حرم حذرًا من التشبه بالرجال، والمختار بل الصواب الجواز من غير ترديد لعموم الحديث، ولدخوله فى اسم الحلى، وفى الدراهم والدنانير التى تثقب وتجعل فى القلادة وجهان: أصحهما: الجواز لدخولهما فى اسم الحلى، وفى لبسهن الثياب المنسوجة بالذهب والفضة وجهان، والصواب القطع بالجواز، قال: ثم كل حلى أبيح للنساء فذلك إذا لم يكن فيه سرف ظاهر، فإن كان كخلخال وزنه مائتا دينار، ففيه وجهان، ووجه التحريم أنه ليس بزينة، وإنما هو قيد، وإنما تباح الزينة، ووجه الجواز أنه من جنس المباح، فأشبه اتخاذ عدد من الخلاخيل اهـ، ملخصًا (٤٤٣:٤). وفى "المغنى" لابن قدامة: يباح للنساء من حلى الذهب والفضة والجواهر كل ما جرت عادتهن بلبسه كالسوار والخلخال والقرط والخاتم، وما يلبسه على وجوههن، وفى أعناقهن وأيديهن وأرجلهن وآذانهن وغيره، فأما ما لم تجر عادتهن بلبسه - كالمنطقة وشبهها- من حلى الرجال فهو محرم، كما لو اتخذ الرجل لنفسه حلى المرأة، وقليل الحلى وكثيره سواء فى الإباحة، وقال ابن حامد: يباح ما لم يبلغ ألف مثقال، فإن بلغها حرم لما روى أبو عبيد والأثرم عن عمرو بن دينار، قال: سئل جابر عن الحلى هل فيه زكاة؟ قال: لا. ج -١٧٠ حرمة الذهب على الرجال وحله للنساء ٢٩٠ فقيل: ألف دينار؟ قال: إن ذلك الكثير، ولأنه يخرج إلى السرف والخيلاء، ولا يحتاج إليه فى الاستعمال، والأول أصح؛ لأن الشرع أباح التحلى مطلقا من غير تقييد، فلا يجوز تقييده بالرأى والتحكم، و حديث جابر لیس بصریح فی نفی الوجوب، بل يدل على التوقف، وقد روى عنه خلافه، فروى الجوزجاني بإسناده عن أبى الزبير، قال: سألت جابر بن عبد الله عن الحلى فيه زكاة؟ قال: لا. قلت: إن الحلى يكون فيه ألف دينار؟ قال: وإن كان فيه يعار ويلبس، ثم قول جابر قول صحابى، وقد خالفه غيره من الصحابة ممن يرى التحلى مطلقًا، فلا يبقى قوله حجة، والتقييد بمجرد الرأى، والتحكم غير جائز، والله أعلم اهـ (١: ٦٢١). قلت: أما مسألة الزكاة فى الحلى، فقد تقدم بسط الكلام فيه فى موضعها من الكتاب، والحق جواز التحلى بالذهب والفضة للنساء مطلقا، سوى ما لم تجر عادتهن بلبسه من حلى الرجال، هذا هو مذهب أصحابنا - معشر الحنفية-، والله تعالى أعلم. وروى الطبرانى عن زينب بنت نبيط بن جابر -امرأة أنس بن مالك- قالت: أوصى أبو أمامة بأمى وخالتى إلى النبى مرّ له فأتاه حلى من ذهب ولؤلؤ يقال له: الرعاث، (وهو من حلى الأذن)، فحلاهن من الرعاث، قال الهيثمى فى "المجمع": رواه الطبرانى بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح، خلا محمد بن عمارة الحزمی، وهو ثقة، إن كانت زینب صحابية اهـ. قلت: رواه الطبرانى أيضًا عن زينب بنت نبيط بن جابر قالت: حدثتنى أمى وخالتى أن النبى عرّ لهم حلاهن رعاثا من ذهب، وفيه محمد بن عمرو بن علقمة، وأقل مراتب حديثه الحسن، وبقية إسناده ثقات اهـ (١٥٠:٥). وفى "الإصابة": زينب بنت نبيط بن جابر الأنصارية تقدم ذكر من خلطها بزينب بنت جابر الأحمسية، وإنه وهم، وإن ابن حبان ذكرها فى ثقات التابعين وهو الصواب، ولها رواية عن أمها بنت أسعد بن زرارة، وعن زوجها أنس بن مالك، وعن جابر بن عبد الله وضباعة بنت الزبير، وغيرهم روى عنها حميد الطويل، وكثير بن زيد الأسلمى ومحمد بن عمارة بن عمرو بن حزم وغيرهم (١٠٢:٨). قال: وقد ساق ذلك ابن السکن من طریق أبی کریب عن عبد الله بن إدريس عن محمد بن عمارة زينب بنت نبيط بن جابر -امرأة أنس بن مالك - قالت: أوصى أبو أمامة أسعد بن زرارة ٢٠ ٢٩١ إعلاء السنن باب اتخاذ الأنف والسن من الذهب وشد الأسنان وتضبيبها به ٥٦٠٩- عن مسلم بن زرير قال: ثنا عبد الرحمن بن طرفةً عن جده عرفجة پن أسعد أنه أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفًا من ورق فأنتن عليه، فأمره النبى عّ لّ أن بأمى وخالتى إلى رسول الله عَّه الحديث، وزاد فيه: قالت زينب: فأدركت بعض ذلك الحلى عند أهلى (١٠١:٨). قلت: فهذا مرسل صحیح و حديثها عن أمها وخالتها موصول حسن، وفيه دلالة على جواز تحلى النساء بالذهب، وأما ما ورد فى الروايات من قوله عّ لّه: من أحب أن يحلق حبيبة حلقة من نار فليحلقها سوارًا من ذهب، ومن أحب أن يسور حبيبة سوارًا من نار فليسورها سواراً من ذهب، ولكن الفضة العبوا بها كيف شئتم، رواه أحمد بسند حسن، كما فى "المجمع"، وذكر فى معناه أحاديث كثيرة، فمحمول على أول الأمر حين كان الحرير والذهب حرامًا على الرجال(١) والنساء جميعًا، ثم نسخ ذلك وأبيحا للنساء. وفى قوله مَّ: أفلا تربطونه بالفضة، ثم تلطخونه بزعفران، فيكون مثل الذهب، رواه أحمد عن عائشة وأم سلمة ورجالها الصحيح كما فى "المجمع" (١٤٨:٥)، دلالة على جواز تمويه حلى الفضة بالذهب خلاف ما ظنه بعض المتقشفين أنه من باب المذاع والتشبع بما لا يملك، وفى الحديث المتشبع بما لا يملك كلابس ثوبى زور، فإن التشبع إنما هو الرياء، والسمعة، والمباهاة، وإما إذا فعلت المرأة ذلك لتزين لزوجها، فليس ذلك من التشبع، بل باب التزين، والله تعالى أعلم، ظ. باب اتخاذ الأنف والسن من الذهب، وشد الأسنان وتضبيبها به أقول: الروايات المذكورة حجة فى الباب، وإن کان فى بعضها شىء من الكلام، فهو غير مضر؛ لأن الروايات يشد بعضها بعضا، واختلف الروايات من أبى حنيفة فى شد الأسنان بالذهب، فروى محمد بن الحسن عن أبى يوسف عنه الكراهة، وروى بشر بن الوليد وغيره من أصحاب الإملاء عن أبى يوسف عنه: لا بأس به، كذا فى "معانى الآثار" (٣٤٩:٢)، والله أعلم. قال العبد الضعيف: وفى "البدائع": وأما شد السن المتحرك بالذهب، فقد ذكر (١) ذكر الحافظ فى "الفتح" فى (باب لبس الحرير للرجال)، قال: ليسه فى كل الأحوال حتى على النساء نقل ذلك عن على وابن عمر وحذيفة وأبى موسى وابن الزبير، ثم ذكر حديث ابن الزبير الذى أخرجه مسلم: ألا لا تلبسوا نساءكم الحرير فإنى سمعت عمر، فذكر الحديث اهـ ملخصًا (٢٣٩:١٠)، فلعلهم سمعوا النهى، ولم يبلغهم الرخصة فيه للنساء، فافهم، ظ. ٢٩٢ ج- ١٧ اتخاذ الأنف والسن من الذهب وشد الأسنان وتضبيهها به يتخذ أنفًا من ذهب، رواه النسائي، واستشهد له بما رواه يزيد بن زريع عن أبى الأشهب (جعفر بن حبان) عن عبد الرحمن عن جده عرفجة، وقال فيه: قال (أبو الأشهب): حدثنى (عبد الرحمن) أنه رأى جده (عرفجة)، والسرفى الاحتجاج برواية مسلم بن زرير والاستشهاد برواية أبى الأشهب مع أن أبا الأشهب أوثق من مسلم. أنه اختلف فى رواية أبى الأشهب عليه، فقال الأكثرون: عن الأشهب عن عبد الرحمن عن جده، وقال إسماعيل بن عليه وحسين بن الوليد عن أبى الأشهب عن عبد الرحمن عن أبيه طرفة عن جده عرفجة، كما فى "البيهقى" (٤٢٥:٢)، وقال ثابت بن زيد عن أبى الأشهب عن عبد الرحمن عن أبيه طرفة وجعل القصة له، ولم يختلف فى رواية مسلم فجعله أصلا، ورواية أبى الأشهب شاهدا. ثم انتخب من جملة روايات أبى الأشهب رواية يزيد بن زريع لأنه قال فيه عن أبى الأشهب: حدثنى عبد الرحمن أنه رأى جده، وهذا يدل على الوصل، لأن رواية من عنعن عمن لقيه محمولة على السماع. فاندفع طعن الانقطاع إلا أن يقال: هذا إذا لم يدل على خلافه دليل وههنا ليس كذلك، لأن ابن علية رواه عن أبى الأشهب عن عبد الرحمن عن أبيه عن جده وابن علية ثقة وتابعه عليه حسين بن الوليد، وهو أيضًا ثقة، وليس فى رواية الأكثرین ما بينا فيه لأنهم لم يقولوا: إنه سمع جده، غاية ما فى الباب أن يزيد بن زريع قال: إنه رأى جده، والرؤية لا يستلزم السماع، كما لا يخفى، فيقبل زيادته، فيكون رواية الأكثرين منقطعة، والمتصل هو رواية ابن علية وحسين بن الوليد. الكرخى رحمه الله أنه يجوز، لم يذكر خلافا، وذكر فى الجامع الصغير أنه يكره عند أبى حنيفة، عند محمد لا يكره، ولو شدها بالفضة لا يكره بالإجماع، وكذا لو جدع أنفه، فاتخذ أنفا من ذهب لا يكره بالاتفاق؛ لأن الأنف ينتن بالفضة، فلا بد من اتخاذه من ذهب، فكان فيه ضرورة، فسقط اعتبار حرمته، ثم ذكر حديث عرفجة ، وقال: وبهذا الحدیث یحتج محمد على جواز تضبيب السن بالذهب، ولأنه يباح له أن يشده بالفضة، فكذا بالذهب، لأنهما فى حرمة الاستعمال سواء، ولأنه تبع للسن والتبع حكمه حكم الأصل، وهذا يوافق أصل أبى حينفة رحمه الله، وحجة ما ذكر عن أبى حنيفة فى الجامع إطلاق التحريم من غير فصل، ولا يرخص مباشرة المحرم إلا ٢٩٣ اتخاذ الأنف والسن من الذهب وشد الأسنان وتضبيبها به إعلاء السنن فظهر من هذا التفصيل أن ما قال ابن القطان: إنه لا يعرف من روى عن عبد الرحمن غير أبى الأشهب ساقط، لأنه روى عن عبد الرحمن مسلم بن زرير أيضًا، كما رواه عند النسائی. فظهر منه أيضًا أن ما قال ابن حجر فى "التهذيب": رواه جماعة عن أبى الأشهب عن عبد الرحمن بن طرفة بن عرفجة عن أبيه عن جده، وهذه الرواية هى الموصولة أخرجها أبو داود وابن قانع اهـ، ففيه صواب وخطأ، أما الصواب فقوله: هذه الرواية هى الموصولة، والخطأ هو قوله: رواه الجماعة، لأنه لم يروه عن أبى الأشهب عن عبد الرحمن عن أبيه عن جده إلا إسماعيل بن علية عند أبى داود وحسين بن الوليد عند البيهقى، وأما ابن قانع فرواه عن ثابت بن زيد عن أبى الأشهب عن عبد الرحمن عن أبيه من قصته ولم يروه عن جده، كما صرح به ابن حجر نفسه فى "الإصابة" فى ترجمة طرفة إلا أن يقال: إن الاثنين فما فوقهما جماعة، والله أعلم. ولما ثبت أن المتصل هو رواية ابن علية ورواية الأكثرين منقطعة، ورواية ثابت بن زيد وهم بقى النظر فى رجال الإسناد فمن دون عبد الرحمن ثقات أثبات، وأما عبد الرحمن فهو معروف العين والحال، لأنه روى عنه أبو الأشهب ومسلم بن زرير ووثقه العجلى، وذكره ابن حبان فى "الثقات"، وأما أبوه طرفة فقال فيه فى "التقريب" : مجهول، ولم يذكر فيه فى "التهذيب" جرحًا ولا تعديلا، فيكون هذه الرواية المتصلة أيضا شبيهة بالمنقطع إلا أن المنقطع مقبول عندنا إذا كان الانقطاع فى خير القرون، فکیف بشبهه؟ فالرواية حجة عندنا. قلت: طرفة بن عرفجة ذكره الحافظ فى "الإصابة" فى القسم الأول من الصحابة، وجهالة الصحابى لا يضر صحة الحديث، كما مر فى "المقدمة"، فالحديث موصول صحيح، وطرفة وأبوه صحابيان كلاهما، وقصة اتخاذ الأنف لعرفجة دون طرفة على الصحیح، ظ. لضرورة، وهى تدفع (فى السن) بالأدنى وهو الفضة، فبقى الذهب على أصل التحريم، (وفى الأنف لاتندفع بها فلا يصح قياس السن على الأنف). ج - ١٧ اتخاذ الأنف والسن من الذهب وشد الاسنان وتضبيبها به ٢٩٤ ٥٦١٠- عن عاصم بن عمارة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عبد الله ابن أبى ابن سلول قال: "اندقّت ثنيتى يوم أحد فأمرنى النبى ◌ّه أن أتخذ ثنية من ذهب"، رواه ابن قانع فى "معجمه"، كذا فى "نصب الراية" (٢٨٧:٢)، وقال ابن حجر فى "اللسان": قال أبو على بن السكن: عاصم بن عمارة مجهول، وعروة لم يلق عبد الله ثم قال: لم ينفرد به عاصم بل رواه أيضا نصر بن طريقة عن هشام عن أبيه، وزاد فیه عن عائشة، كما تقدم. ورواه البغوى فى "معجمه" من طريق غياث بن عبد الرحمن عن هشام عن أبيه أن عبد الله بن عبد الله فذكره مرسلا، ولم يذكر عائشة، ولا قال عن عبد الله اهـ. قلت: لم اطلع على ترجمة نصر بن طريقة وغياث بن عبد الرحمن، ولكن يظهر من مجموع هذه الط ق أن له أصلا، والله أعلم. ٥٦١١- وعن محمد بن سعدان عن أبيه قال: رأيت أنس بن مالك يطوف به بنوه حول الكعبة على سواعدهم وقد شدد أسنانه بذهب، أخرجه الطبرانى، كذا فى "نصب الراية" (٢٨٧:٢). قلت: أخرجه البيهقى أيضا، وسكت عنه، وكذا سكت عنه صاحب "الجوهر النقى" أيضًا، فالظاهر أن رجاله ثقات إلا أنى لم أقف على ترجمة محمد بن سعدان وأبيه سعدان. ٥٦١٢- وعن واقد بن عبد الله التميمى عن من رأى عثمان بن عفان أنه ضبب أسنانه بالذهب، أخرجه عبد الله بن أحمد فى "مسند أبيه" (٧٣:١). قلت: واقد بن عبد الله التميمى قال أبو حاتم: محله الصدق (تعجيل المنفعة)، ومن رأى عثمان مبهم إلا أنه من خير القرون، فيقبل روايته. والاستدلال بالفضة غير سديد للتفاوت بين الحرمتين اهـ (١٣٢:٥)، ودليل التفاوت جواز اتخاذ خاتم الفضة للرجال دون خاتم الذهب، كما سيأتى، وروى البزار عن عبد الله بن عبد الله بن . أبى: أن ثنيته أصيبت مع رسول الله عَّه، فأمره أن يتخذ ثنية من ذهب، قال الهيثمى: ورجاله رجال الصحيح خلا بشر بن معاذ، وهو فعة ولكن عروة بن الزبير لم يدرك عبد الله بن عبد الله بن أبی (٥+٥٠ ٢٩٥ اتخاذ الأنف والسن من الذهب وشد الأسنان وتضبيبها به إعلاء السنن ٥٦١٣- عن إبراهيم بن عبد الرحمن أبو سهيل مولى موسى بن طلحة قال: رأيت موسى بن طلحة بن عبيد الله قد شد أسنانه بذهب، رواه النسائى فى "الكنى" (٢٨٧:٢) وأخرجه الطحاوى بسند آخر (معانى الآثار٢: ٣٥٠). قلت: رجال الطحاوى ثقات وكذا رجال النسائى إلا إبراهيم بن عبد الرحمن، فإنى لم أطلع على ترجمته. قال العبد الضعيف: ذكره الدولابى فى "الكنى" (١٩٧:١-١٩٨): فيمن كنيته أبو سهل، وروى له هذا الأثر، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعدیلا. ٥٦١٤- وعن ابن جريج أن ابن شهاب الزهرى سئل عن شد الأسنان بالذهب فقال: لا بأس به قد شد عبد الملك بن مروان أسنانه بالذهب، أخرجه ابن سعد فى "الطبقات" (زيلعى ٢٨٧:٢). ٥٦١٥- أخبرنا عمرو بن الهيثم أبو قطن قال: رأيت بعض أسنان عبد الله بن عون مشدودة بالذهب، رواه ابن سعد، وقال: كان عبد الله بن عون ثقة ودعا عابدا (زيلعى ٢٨٧:٣). ٥٦١٦- عن حميد الطويل قال: رأيت الحسن شد أسنانه بالذهب، أخرجه الطحاوى فى "معانى الآثار" (٣٥٠:٢)، قلت: رجاله ثقات. ٥٦١٧- عن حماد قال: رأيت المغيرة بن عبد الله - أمير الكوفة- قد ضبب أسنانه بالذهب، فذكرت ذلك لإبراهيم فقال: لا بأس به، أخرجه الطحاوى فى "معانى الآثار" (٣٥٠:٢)، قلت: رجاله ثقات. ٥٦١٨- وعن شعبة قال: رأيت أبا النياح وأبا حمزة وأبا نوفل، قد ضيبوا أسنانهم بالذهب، أخرجه الطحاوى فى "معانى الآثار" (٣٥٠:٢)، قلت: رجاله ثقات. ٥٦١٩- وعن الخصيب قال: رأيت عبيد الله بن الحسن (أو عبد الله بن الحسين) قد شد أسنانه بالذهب أخرجه الطحاوى فى معانى الآثار (٢: ٣٥٠) قلت: رجاله ثقات. قلت: هو تابعى جليل لا يروى إلا عن ثقة جل روايته عن الصحابة، فمرسله مقبول، وفى الباب عن عبد الله بن عمر والمغيرة بن شعبة وعثمان بن عفان وعبد الله بن المغيرة وغيرهم، ذكر أحاديثهم الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (ص مذكور). ٢٩٦ ج - ١٧ باب الأكل والشرب فى أوانى الذهب والفضة ٥٦٢٠- حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سيف بن أبى سليمان قال: سمعت مجاهدًا يقول: حدثنى عبد الرحمن بن أبى ليلى أنهم كانوا عند حذيفة فاستسقى فسقاه مجوسى، فلما وضع القدح فى يده رمى به وقال: لولا أنى نهيته غير مرة ولا مرتين كأنه يقول: لم أفعل هذا ولكنى سمعت النبى عّ: ((لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا فى آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا فى صحافها فإنها لهم فى الدنيا وهى لكم فى الآخرة))، رواه البخارى (٨١٦:٢). فالحق جواز اتخاذ السن من ذهب كاتخاذ الأنف منها، وهو قول أبى حنيفة، كما ذكره الكرخى، وأصحاب الإملاء عن أبي يوسف عنه، ولعل أبا حنيفة كان يكرهه أولا، ولم ير قياسه على الأنف، ثم بلغه ما يدل على جواز اتخاذ السن من ذهب، فقال به، والله تعالى أعلم. قال الطحاوى فى "مشكله": واختلف فى شد الأسنان بالذهب، إذا تحركت، فعن أبى حنيفة الكراهة والإباحة، وفى إباحته بالفضة قول واحد، وعن جماعة من السلف، أنهم ضببوا أسنانهم بالذهب، منهم المغيرة أمير الكوفة والحسن وموسى بن طلحة وعبد الله بن الحسن -قاضى البصرة- وأبو حمزة، وأبو نوفل ويزيد الرشك وغيرهم، ولا نعلم فيه خلافًا إلا ما ذكرناه عن أبى حنيفة، وقوله فى الإباحة أولى لما روينا فى قصة عرفجة اهـ (٤٠٤:١ من "المعتصر")، وهذا هو الذى تميل إليه، والظن بأبى حنيفة رحمه الله أنه رجع إليه، فافهم. باب الأكل والشرب فى أوانى الذهب والفضة أقول: الحديث نص فى الباب، ويلتحق به الاكتحال بميل الذهب أو الفضة أو بمكحلتها والأكل بملعقهما، وقال أبو حنيفة: لا بأس بمرآة حلقته من ذهب، أو فضة إذا كانت المرآة جديداً، أو غيره، لأنه لا دخل للذهب والفضة فما هو الغرض منها، بل هما من التوابع فقط، وبناء على هذا قال لجواز الشرب من الإناء المفضض والمذهب، والركوب على السرج المفضض والذهب، والجلوس على الكرسى المفضض والمذهب، والسرير المفضض والمذهب إذا لم يكن مستعملا للفضة والمذهب فيما هو الغرض من هذه الأشياء كالشرب والجلوس والركوب. وقال مولانا عبد الحليم الفرنجى محلى فى "حاشية الهداية": وغراه للعينى روى أن هذه المسألة (أى مسألة الإناء المفضض) وقعت فى مجلس الدوانيقى وأبو حنيفة وأئمة عصره حاضرون، ٢٩٧ سنن باب الشرب من الإناء المفضض أو المضبب ٥٦٢١- عن أبى حمزة عن عاصم عن ابن سيرين عن أنس بن مالك أن قدح النبى معَِّ لّهِ انكسر، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة، قال عاصم: رأيت القدح وشربت فيه، أخرجه البخارى (٤٣٨:١). فقالت الأئمة: يكره وأبو حنيفة ساكت فقيل له: ما تقول؟ فقال: إن وضع فاه فى موضع الفضة يكره وإلا فلا، فقيل له: من أين ذلك؟ فقال: أرأيت لو كان فى إصبعه خاتم فضة فشرب من كفه أيكره ذلك؟ فوقف الكل، وتعجب أبو جعفر من جوابه، انتهى، والله أعلم لصحة هذا النقل. والظاهر أنه قياس مع الفارق، لأن الخاتم فى اليد ليس كمثل الفضة فى الإناء المفضض، فإن الفضة صارت من أجزاء الإناء بخلاف الخاتم، ولذا يقال: إناء مفضض ولا يقال: يد مفضضة، فافهم. قال العبد الضعيف: ومن المقرر أن التوابع لا اعتبار لها مع الأصل، فإذا صارت الفضة كالمستهلك لكونها تبعا للإناء سقط اعتبارها، بخلاف ما إذا لم تكن تبعا كالخاتم فى اليد، فلما أجمعوا على جواز الشرب من كف فيه خاتم فضة مع لزوم استعمال الفضة فى الجملة فجواز الشرب من الإناء المفضض أولى، وسيأتى بسط الكلام فى الباب الآتى، إن شاء الله تعالى، ولا يبعد أن يكون هؤلاء الأئمة الذين حضروا مجلس الدوانيقى أهل الظاهر من أهل الحديث القائلين بأن من حمل فى الصلاة شيئا مسروقا أو مغصوبا أو إناء ذهب أو فضة بطلت صلاته، کما قاله ابن حزم فى "المحلى" (٧١:٤)، فألزمهم أبو حنيفة بما ألزمهم فيهتوا واندهشوا وتوقفوا وتعجبوا، والفقيه قد یلزم خصمه بما يلزمه هو إن لم يكن الفقیه يلتزمه، فتنبه لذلك. ثم هذا النص دليل على حرمة التحلى بالذهب والفضة أيضا بالطريق الأولى، إلا أنه خص منهما خاتم الفضة، وحلية السيف والمنطقة، وحمائل السيف منها للرجال، والتحلى والفضة بالذهب مطلقا للنساء بدلائل تعرف فى أبوابها. باب الشرب من الإناء المفضض والمذهب والمضبب بالذهب أو الفضة أقول: احتج بحديث أنس المذكور لأبى حنيفة فى قوله بجواز الشرب من الإناء المفضض والمذهب والمضبب بالفضة أو الذهب، وجه الاستدلال أنه ثبت من الحديث أن قدح النبى عليه. كان مضبيا بالفضة وكان يشرب منه، فإن كان هذا التضبيب من رسول الله عَ لّه، فلا كلام، وإن كان من أنس، فهو سلفنا فى هذه المسألة. ج - ١٧ الشرب من الإناء المفضض أو المضبب ٢٩٨ ٥٦٢٢- وعن أبى عوانة عن عاصم الأحول قال: رأيت قدح النبى عّ لّه عند أنس ابن مالك، وكان قد انصدع فسلسله بفضة قال: وهو قدح جيد عريض من نضار، قال: قال أنس: لقد سقيت رسول الله عّ لّ فى هذا القدح أكثر من كذا وكذا، قال: وقال ابن سيرين: إنه كان فيه حلقة من حديد فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة، فقال له أبو طلحة: لا تغيرن شيئًا صنعه رسول الله عّ لّه فتركه، أخرجه البخارى أيضًا (٨٤٢:٢)، ولأحمد عن عاصم الأحول قال: رأيت عند أنس قدح النبى معَّه فيه ضبة فضة، كذا فى "المنتقى" (نيل ٦٨:١). وفى رواية للبيهقى بلفظ: انصدع فجعلت مكان الشعب سلسلة من فضة، قال: -يعنى أنسا- هو الذى فعل ذلك قال البيهقى كذا فى سياق الحديث، فما أدرى من قاله من رواته هل هو موسى بن هارون أو غيره؟، كذا فى "الفتح" (٨٧:١٠). فإن قلت: قدروى عن ابن عمر أن النبى معَّه قال: من شرب فى إناء من ذهب، أو فضة، أو إناء فيه شىء من ذلك فإنما يجرجر فى بطنه نار جهنم. رواه الدار قطنى والبيهقى والحاكم من طريق زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع عن أبيه عن ابن عمر، وهو يدل على عدم الجواز، قلنا: الحديث روى عن أم سلمة والبراء وغيرهما، وليس فيه زيادة قوله: أو "إناء فيه شىء من ذلك" وإنما تفرد به ز کریا بن إبراهيم بن عبد الله عن أبيه، وهو وأبوه مجهولان، کما صرح به ابن حجر فى "الفتح" (٨٧:١٠). وقد أنكره أيضا الذهبى فى "الميزان"، وقال البيهقى: الصواب: ما رواه عبيد الله العمرى عن نافع عن ابن عمر موقوفا أنه كان لا يشرب فى قدح فيه ضبة فضة، كذا فى "الفتح" (٨٧:١٠)، فلا حجة فيه، قال ابن القطان: هذا الحديث لا يصح عن زكريا وأبوه لا يعرف لهما حال، كذا فى "الجوهر النقى" (٢٩:١). وفيه أيضا: ثم ذكر البيهقى عن ابن عمر أنه أتى بقدح مفضض، فأبى أن يشرب، وفیه خصيف الجزرى، قال البيهقى: هو غير محتج به اهـ، فإن قلت: أليس الموقوف الصحيح مؤيدا للمرفوع؟ قلنا: لا نسلم صحته، ولو سلمنا فغايته أن يكون المرفوع من قبيل الرواية بالمعنى الذى فهمه ابن عمر بأن أول إناء الفضة بإناء اتخذ من الفضة أو فيه شىء منها، فيرجع الاستدلال إلى الاحتجاج باجتهاد ابن عمر، فلا يكون احتجاجا بالمرفوع وحينئذ يسوغ للمجتهد أن يعمل ٢٩٩ الشرب من الإناء المفضض أو المضبب إعلاء السنن باجتهاد أنس، أو باجتهاد ابن عمر. فإن قلت: فلأى وجه رجح أبو حنيفة اجتهاد أنس على اجتهاد ابن عمر، قلنا: لأن الثابت عن النبى عَّ هو النهى عن الأكل والشرب من إناء الفضة، ولا يقال إناء الفضة إلا لما اتخذ من الفضة لا لما هو مفضض أو المضبب بها، وجعل الإناء المفضض أو المضبب بالفضة إناء الفضة، كما جعله ابن عمر مبنى على التورع والاحتياط، كما جعل رضى الله عنه ثوبا فيه شىء من الحرير ثوب الحرير، فيكون مبنى الفتوى هو المعنى المعروف الذى فهمه أنس لا المعنى المبنى على التورع والاحتياط، ثم لما علمنا أن الصواب فى مسألة الحرير كان مع أسماء التى خالفته فيها احتجاجا بجبة رسول الله عَ ◌ّ المكفوفة بالحرير كما أخرجه مسلم وغيرها من الصحابة الذين لبسوا الخز الذى فيه حرير وصوف علمنا أن الصواب فى مسألة إناء الفضة مع أنس، ثم ما روى عن أم عطية أنها قالت: إن النبى معَِّ نهى عن لبس الذهب وتفضيض الأقداح ثم رخص فى تفضيض الأقداح، أخرجه الطبرانى فى "الأوسط"، كما فى "الفتح" (٨٧:١٠): يدل على أن ما روى عن ابن عمر منسوخ. فإن قلت: فى رواية أم عطية مجهول كما قال ابن حجر فى "الفتح"، قلنا: إن كان فيه مجهول ففى ما روى عن ابن عمر مجهولان، كما قال ابن حجر أيضا، فيكون هو معارضة بالمثل بل بالأقوى، فتبين من ذلك قوة مذهب أبى حنيفة وظهر أن الكلام فى حديث أنس بأن المتخذ نصبة القدح هو أنس أو رسول الله عَّ ◌ُلِّ غير مفيد، والجهالة فى راوى حديث أم عطية غير مضر فاعرف ذلك، والله أعلم، بقى ههنا شىء وهو أنه قال الشوكانى فى "النيل" (٦٧:١)، ثم روى -أى البيهقى - النهى فى ذلك (النصيب) عن عائشة وأنس اهـ. والجواب عنه أن حديث عائشة رواه البيهقى من طريق يحيى بن أبى طالب عن عبد الوهاب ابن عطاء عن سعيد عن ابن سيرين عن عمرة أنها قالت: كنا مع عائشة فما زلنا بها حتى رخصت لنا فى الحلى، ولم ترخص لنا فى الإناء المفضض اهـ (بيهقى ٢٩:١)، ويحيى بن أبى طالب وعبد الوهاب بن عطاء متكلم فيهما، ولو سلم صحة الرواية فالجواب عنه أن عائشة لعلها تأولت حديث النهى عن الأكل والشرب فى إناء الذهب والفضة بما تأول به ابن عمر، وقد ظهر فيما قبل أن التأويل الصحيح هو ما تأول به أنس إن كان ما روى عنه موقوفا عليه، وأما حديث أنس فأخرجه البيهقى من طريق عمران عن قتادة أن أنسا كره الشرب فى المفضض (منتقى ٢٩:١). وفى سنده ج - ١٧ الشرب من الإناء المفضض أو المضبب ٣٠٠ عمران بن داود، وهو مختلف فيه، قال الدار قطنى: كان كثير المخالفة والوهم، وضعفه ابن معين والنسائى وثقه آخرون، ومع ذلك فقد صح عنه تفضيض قدح رسول الله معد ◌ّة مرفوعا أو موقوفا، فيجب أن يترك رواية عمران، أو يؤول بأن المراد من الإناء المفضض ما كان عليه غلاف فضة بحيث لا يمكن للشارب التحرز من موضع الفضة، ويمكن هذا التأويل فى حديث عائشة أيضا فلا يخالف شىء منهما مذهب أبى حنيفة، والله أعلم. قال العبد الضيف: لقد أجاد بعض الأحباب الكلام فى هذا الباب أيضا، وفى "شرح المهذب": فى مذاهب العلماء فى المضبب بالفضة نقل القاضى عياض أن جمهور العلماء من السلف والخلف على كراهة الضبة والحلقة من الفضة، قال: وجوزهما أبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق إذا لم يكن فمه على الفضة فى الشرب، هذا كلام القاضى، والمعروف عن أحمد كراهة المضبب اهـ (٢٦١:١)، وفيه دلالة على أن الاختلاف إنما هو فى المضبب بالفضة دون المضبب بالذهب، وإليه يشير كلام الطحاوى فى "مشكله"، كما فى "المعتصر"، ولفظه: وإنما نهى النبى معَِّ عن الشرب فى آنية الفضة والذهب ولم ينه عن الآنية المفضضة، كما نهى عن لباس الحرير ولم ينه عما كان فيه شىء من الحرير (٤٠٤:١)، فلم يستثن إلا المفضضة، واحتج لجوازها بحديث أنس فى قدح النبى معَّ ولم يذكر المذهب أصلا. ثم قال: وقد أباح الشرب من الآنية المفضضة جماعة من التابعين إلا أنهم قالوا: لا يضع فاه على الفضة اهـ، وقال محمد فى "الموطأ": يكره الشرب فى آنية الفضة والذهب، ولا نرى بذلك بأسا فى الإناء المفضض، وهو قول أبى حنيفة والعامة من فقهاءنا (ص ٣٧٣)، فلم يستثن إلا المفضض، ولم يذكر المذهب أصلا، وفى "رحمة الأمة": والمضبب بالذهب حرام بالاتفاق، وبالفضة حرام عند مالك والشافعى وأحمد إذا كانت الضبة كبيرة لزينة، وقال أبو حنيفة: لا يحرم التضبيب بالفضة مطلقا (ص ٤). وفى "الدر المختار": وحل الشرب من إناء مفضض أى مزوق بالفضة (مرصع بها، ويقال لكل منقش ومزين: مزوق قاموس) زاد ابن عابدين عن القهستانى: وفى حكمه المذهب اهـ (٣٣٦:٥)، وفيه دلالة على أن المنصوص عن الإمام حكم المفضض، كما فى المتون. وأما المذهب فألحقه المشايخ بالمفضض قياسا، وفيه نظر لما مر أن الاستدلال بالفضة غير سديد للتفاوت بين الحرمتين، ولذا قال أبو حنيفة بجواز شد السن بالفضة قولا واحدا، واختلف