Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
أفضلية ذبح الشاة فى العقيقة
إعلاء السنن
(قلت: نص فى محل النزاع) قال مهنأ: ذكرت هذا الحديث لأحد فقال: ما أظرفه ولأن هذا
تنجيس له فلا يشرع كلطخه بغيره من النجاسات. وقال بريدة: كنا فى الجاهلية إذا ولد لأحدنا
غلام ذبح شاة تحلق رأسه ونلطخه بزعفران. رواه أبو داود، فأما رواية من روى: ويدمى. فقال أبو
داود: ويسمى أصح. هكذا قال سلام بن أبى مطيع عن قتادة وأياس بن دغفل عن الحسن ووهم
همام. فقال: ويدمى قال أحمد: قال فيه ابن أبى عروبة: يسمى، وقال همام: يدمى. وما أراه إلا
أخطأ وقد قيل: هو تصحيف من الراوى اهـ (١٢٣:١١). ورده ابن حزم فى "المحلى"، فقال: بل،
وهم أبو داود لأن هماما ثبت، وبين أنهم سألوا قتادة عن صفة التدمية المذكورة، فوصفها لهم.
(٥٢٥:٧)، فالحق أن ذلك كان فى أول الإسلام ثم نهى رسول الله عّ لّه عنه، كما فى حديث يزيد
ابن عبد المزنى وبريدة الأسلمى وهو حجة على ابن حزم واندحض به قوله: لا بأس بأن يمس بشىء
من دم العقيقة اهـ.
فائدة: روى ابن أبى شيبة عن حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبى معَّ اله
بعث من عقيقة الحسن والحسين إلى القابلة برجلها وقال: لا تكسروا منها عظما (المحلى ٥٢٩:٧)،
وهذا مرسل صحيح، وفى حديث عائشة الذى فتحنا به الباب تقطع جدولا ولا يكسر لها عظم.
والجدول بضمتين جمع جدل وهو العضو، كما فى "شرح المهذب" (٤٢٩:٩). وفيه أيضا:
يستحب أن تفصل أعضاءه ولا يكسر شىء من عظامها، فإن كسر فهو خلاف الأولى اهـ،
وبالجملة فلا تقطع إلا من المفاصل، وعن عطاء كانوا يستحبون أن لا يكسر لها عظم فإن أخطأ هم
أن يعقوا عنه يوم السابع فأحب إلى أن يؤخره إلى السابع الآخر ومن طريق ابن أبى شيبة قال:
تکسر عظامها ورأسها، ولا يمس الصبى بشىء من دمها.
ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء فى العقيقة تطبخ بماء وملح آرايا (١) وتهدى
فى الجيران والصديق ولا يتصدق منها (٢) بشىء اهـ. وروينا عن ابن سيرين أنه كان لا يبالى أن
يذبح العقيقة قبل السابع، أو بعده، ومن طريق وكيع عن الربيع بن صييح عن الحسن البصرى إذا
لم يعق عنك فعق عن نفسك وإن كنت رجلا. وقد روى عن عمرو بن شعيب أن النبى عّ لّه أمر
(١) أى أعضاء من غير كسر، ظ.
(٢) يعارضه قول عائشة فى الحديث الذى فتحنا به الباب قالت: فيأكل ويطعم ويتصدق، وبه قال الجمهور، كما سيأتى.

١٢٢
أفضلية ذبح الشاة فى العقيقة
ج - ١٧
بالعقيقة يوم السابع المولود وتسميته. قال ابن حزم: هذا مرسل.
قلت: رواه الترمذى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أمرنى رسول الله عَ ليه بتسمية
المولود لسابعه، وهذا موصول، قال الحافظ فى "الفتح" (٥٠٨:٩) وفى الطبرانى عن ابن عمر
رفعه: إذا كان يوم السابع للمولود فأهريقوا عنه دما وأمیطوا عنه الأذى وسموه. وسنده حسن اهـ.
قلت: والمراد والله أعلم أن لا تؤخر التسمية عن السابع فقد عرفت أنه عرّ ه سمى ابنه
إبراهيم ليلة ولد وهو متفق عليه.
فائدة: روينا من طريق ابن وهب عن مالك عن يحيى بن سعيد الأنصارى عن محمد بن
إبراهيم التيمى قال: سمعت أن يستحب العقيقة ولو بعصفور (المحلى ٥٢٧:٧) وهذا سند صحيح
ومحمد بن أبراهيم التيمى تابعى جليل. فقوله: سمعت محمول على السماع من الصحابة رضى
الله عنهم. وفيه دليل لأبى حنيفة على أن العقيقة ليست إراقة دم بالشرع تعبدا كالأضحية للإجماع
على عدم جواز الإراقة بالعصفور فيها، بل العقيقة شرعت عند سرور حادث وتجدد نعمة،
فأشبهت الذبيحة فى الوليمة، ولا نزاع فى جوازها ولا استحبابها وإنما النزاع فى كونها إراقة دم
بالشرع تعبدا، ولم يثبت ذلك، ومن ادعى فعليه البيان، وأما قوله عّ لّه: ((عن الغلام شاتان وعن
الجارية شاة))، فهو حجة له لا عليه لأن السرور بالغلام أكثر، فكان الذبح عنه أكثر، وإن ذبح عن
كل واحد منها شاة جاز، كما تقدم بدليله.
وعن أبى هريرة قال قال رسول الله عَ ليه: (إن اليهود تعق عن الغلام كبشا ولا تعق عن
الجارية أو تذبح فعقوا أو اذبحوا عن الغلام كبشين وعن الجارية كبشا)). رواه البزار من رواية أبى
حفص الشاعر عن أبيه ولم أجد من ترجمهما (مجمع ٥٨:٤)، وهذا لا حجة فيه كما ترى، ولو
صح أو حسن، كما يشعر به سكوت الحافظ عنه فى "الفتح" (٥١١:٩) فليس فيه شرح ذبح
الكبشين أو الكبش تعبدا بالإراقة وغاية ما فيه أن اليهود يظهرون السرور بالغلام دون الجارية،
فأظهروا أنتم السرور بهما جميعا، واجعلوا للذكر مثل حظ الأنثيين فافهم وظهر بذلك أن عدد
الاثنين ليس بمقصود، وإنما المراد مخالفة اليهود كانوا يعقون عن الغلام كبشا، فأمرنا بكبشين،
وكانوا لا يعقون عن الجارية فأمرنا بالعق عنها، فلو عق أحد عن الغلام بثلاثة، وعن الجارية بكبشين
لم يكن مبتدعا بل متبعا.
٠٠

١٢٣
أفضلية ذبح الشاة فى العقيقة
إعلاء السنن
فائدة: قال النووى فى "شرح المهذب": السنة أن يؤذن فى أذن المولود عند ولادته ذكرا
كان، أو أنثى، ويكون الأذان بلفظ أذان الصلاة لحديث أبي رافع أن النبى معَّ أذن فى أذن
الحسن رضى الله عنه حين ولدته فاطمة بالصلاة. (رواه أحمد وأبو داود والترمذى، وقال: حسن
صحيح، والحاكم والبيهقى). ورواه أبو نعيم والطبرانى من حديثه بلفظ أذن فى أذن الحسن
والحسين، ومداره على عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف (التلخيص ٣٨٨:٢). قال: وقال جماعة
من أصحابنا: يستحب أن يؤذن فى أذنه اليمنى ويقيم الصلاة فى أذنه اليسرى وقد روينا فى كتاب
ابن السنى عن الحسين بن على رضى الله عنهما مرفوعا: من ولد له مولود فأذن(١) فى أذنه اليمنى
وأقام فى أذنه اليسرى. لم تضره أم الصبيان وأم الصبيان التابعة من الجن. (سكت عنه الحافظ فى
"التلخيص" ورواه أبو يعلى، وفى سنده مروان بن سالم الغفارى متروك، كما فى "مجمع الزوائد"
٥٩:٤) قال: ونقل أصحابنا مثل هذا الحديث من فعل عمر بن عبد العزيز (قال: الحافظ: لم أره عنه
مسندا، وقد ذكره ابن المنذر عنه اهـ. أى معلقا) قال: والسنة أن يحنك المولود عند ولادته بتمر بأن
يمضغه إنسان، ويدلك به حنك المولود، ويفتح فاه حتى ينزل إلى جوفه شىء منه، قال: قال
أصحابنا: فإن لم یکن تمر فبشىء آخر حلو.
ودليل التحنيك وكونه بتمر الحديث الصحيح الذى رواه الشيخان عن أنس قال: ولد لأبى
طلحة غلام فأتيت به النبى معَّ. فقال: هل معك تمر؟ قلت: نعم، فناولته تمرات، فلاكهن ثم فغرفاه
ثم مجه فيه، فجعل يتلمظ فقال رسول الله عَ ليه: حب الأنصار التمر وسماه عبد الله. وفى "سنن
أبى داود" بإسناد صحيح عن عائشة قالت: كان رسول الله عّ لّ يؤتى بالصبيان فيدعو لهم
ويحنكهم. وفى رواية: فيدعوا لهم بالبركة. وفى "الصحيحين" عن أسماء بنت الصديق قصة
تحنيكه عرّ عبد الله بن الزبير بالتمر ثم دعا له وبرك عليه. قال: وينبغى أن يكون المحنك من أهل
الخير، فإن لم يكن رجل فامرأة صالحة، قال: ويستحب أن يهنأ الوالد بالولد. قال: وقال أصحابنا:
ويستحب أن يهنأ بما جاء عن الحسين رضى الله عنه أنه علم إنسانا التهنئة (حين جاءه(٢) يهنئه
بابن له، فقال: ليهنك الفارس. فقال: وما يدريك أنه فارس هو أو حمار؟ فقال: كيف نقول؟)،
(١) وما ذكره بعض الفقهاء من تحويل الوجه فى هذا الأذن يمينا وشمالا لم أجد له أصلا، ولا يصح قياسه على التحويل فى الأذن
للصلاة لأنه للإعلام، ولا حاجة إلى مثل هذا الإعلام ههنا، کما لا يخفى، ظ.
(٢) كذا فى "المغنى" (١٢٥:١١)، ظ.

١٢٤
أفضلية ذبح الشاة فى العقيقة
ج - ١٧
فقال: قل: بارك الله لك فى الموهوب، وشكرت الواهب وبلغ أشده ورزقت بره، ويستحب أن يرد
المهنأ على المهنئ، فيقول: بارك الله لك، وبارك عليك، أو جزاك الله خيرا، أو رزقك الله مثله،
أو أحسن الله ثوابك، ونحو هذا اهـ، ملخصا (شرح المهذب ٤٤٣:٨).
فائدة: قال الموفق فى "المغنى": لا تسن الفرعة ولا العتيرة، وهو قول علماء الأمصار سوى
ابن سيرين، فإنه كان يذبح العتيرة فى رجب ويروى فيها شيئا: والفرع أو ل ولد الناقة كانوا
يذبحونه لآلهتهم فى الجاهلية فنهوا عنه. قال ذلك أبو عمرو الشيبانى. (أى نهوا عن الذبح للألهة
ولم ينهوا عن الذبح لله فقد روى أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة عن بريشة رضى الله عنه قال:
نادى رجل رسول الله عَّ. فقال: إنا كنا نعتر عتيرة فى الجاهلية فى رجب فما تأمرنا؟ قال: ((اذبحوا
الله فى أى شهر كان وبروا لله وأطعموا لله))، قال: إنا كنا نفرع فرعا فى الجاهلية فما تأمرنا؟ قال: فى
كل سائمة فرع تغذوه ما شيتك، حتى إذا استحمل ذبيحته فتصدقت بلحمه، كذا فى " شرح
المهذب" (٤٤٤:٨)، وذكر فيه أحاديث كثيرة فى الفرع والعتيرة، فليراجع).
قال الموفق: ولنا ما روى أبو هريرة أن النبى معَّه قال: ((لا فرع ولا عتيرة)) متفق عليه، وهذا
الحديث متأخر عن الأمر بها فيكون ناسخا لأن الفرع والعتيرة كان فعلهما أمرا متقدما على
الإسلام، فالظاهر بقاءهم عليه إلى حين نسخه، واستمرار النسخ من غير رفع له، إذا ثبت هذا فإن
المراد بالخبر نفى كونهما سنة لا تحريم فعلها، ولا كراهة اهـ ملخصا (١٢٦:١١).
وفى "شرح المهذب": وادعى القاضى عياض أن الأمر بالفرع والعتيرة منسوخ عند جماهير
العلماء، والله أعلم (٤٤٦:٨).
وقال الطحاوى فى "مشكله" بعد ما سرد الآثار: فكشف هذا الآثار أن الوجوب قد انتسخ
وأنه بر، من أخذ به فقد أحسن، ومن تركه لم يحرج اهـ من "المعتصر" (١٧٤:١).
وقال ابن المنذر: كانت العرب تفعلهما وفعلهما بعض أهل الإسلام بالإذن ثم نهى عنهما،
والنهى لا يكون إلا عن شىء كان يفعل وما قال أحد إنه نهى عنهما ثم أذن فى فعلهما ثم نقل عن
العلماء تركهما إلا ابن سيرين، وكذا ذكر عياض أن الجمهور على النسخ وبه جزم الحازمى، وما
تقدم نقله عن الشافعى يرد عليهم اهـ من الفتح البارى (٥١٧:٩). قلت: لعله قول للشافعى قديم.
والظاهر من قوله معَِّ: ((لا فرغ ولا عتيرة)) نفى مشروعيتهما رأسا لما تقرر فى الأصول
أن النكرة الواقعة فى سياق النفى تعم، فيشعر ذلك بنفى كل فرع وكل عتيرة، والخبر محذوف

١٢٥
أفضلية ذبح الشاة فى العقيقة
إعلاء السنن
أى لا فرع ثابت فى الإسلام، ولا عتيرة، وتأويله بأن لا فرع واجب ولا عتيرة واجبة، يرده ما فى
رواية لأحمد بلفظ: ((لا فرع ولا عتيرة فى الإسلام)) وما فى رواية النسائى والإسماعيلى بلفظ:
(نهى رسول الله عَّ ◌ُلّه عن الفرع والعتيرة))، ذكره الحافظ فى "الفتح" (٥١٥:٩).
وما فى حديث ابن عباس قال: استأذنت قريش رسول الله عَّه فى العتيرة، فقالوا: يا رسول
الله! نعتر فى رجب؟ فقال لهم رسول الله عَّه: ((اعتر كعتر الجاهلية، ولكن من أحب منكم أن
يذبح لله وبتصدق فليفعل))، رواه الطبرانى فى "الكبير"، وفيه إسماعيل بن إبراهيم بن أبى حبيبة،
وثقه ابن معين وضعفه الناس (مجمع ٢٨:٤)، فنهى عن عتر الجاهلية وأذن فى الذبح لله بقصد
التصدق على المساكين لا بنية التعبد بالإراقة فى رجب ونحوه، ويؤيده ما مر فى نبيشة من
قوله عَّه: ((اذبحوا لله فى أى شهر كان)) إلخ أخرجه أبو داود والنسائى وابن ماجة وصححه
الحاكم وابن المنذر (فتح البارى ٥١٦:٩)، وفيه إبطال ما فى العتيرة من خصوص الذبح فى شهر
رجب، وإذا ذبح فى غيره من الشهور لم يبق عتيرة وإبطال ما فى الفرع من كونه يذبح أول ما
يولد، وإذا ذبح بعد ما يصير زخربا قد غلظ جسمه واشتد لحمه لم يبق فرعا.
ولا يبعد أن يكون رسول الله عَّ له نهاهم أولا عن تخصيص العتيرة برجب وعن تخصيص
الفرع بكونه يذبح أول ما يولد، فلما تعودوا ذلك نهاهم عنهما مطلقا وقال: لا فرع ولا عتيرة فى
الإسلام، كما فعل الله مثل ذلك فى تحريم الخمر حيث درج فى النهى كيلا يتوحشوا، وبالجملة
فمذهبنا ومذهب الجمهور نسخ العتيرة والفرع رأسا لا يباح فعلهما أصلا.
يدل على ذلك قول محمد فى "الموطأ": أما العقيقة فبلغنا أنها كانت فى الجاهلية وقد فعلت
فى أول الإسلام ثم نسخ الأضحى كل ذبح كان قبله اهـ (ص ٢٨٦). وقال فى "الجامع الصغير":
لا يعق عن الغلام ولا عن الجارية اهـ (ص١٧٧).
فلما كان الأضحى ناسخا لكل ذبح عندهم ولأجل ذلك كرهوا العقيقة فكراهة الفرع
والعتيرة عندهم أولى لورود النهى عنهما صريحا بخلاف العقيقة، والذى ذكره الطحاوى فى
"مشكله" من إباحتهما فكأنه أخذه عن المزنى عن الشافعى لا عن أصحابنا، فافهم.
فائدة: روى الطبرانى فى "الكبير" و"الأوسط" عن يزيد بن عبد الله المزنى عن أبيه أن
رسول الله عَّ له قال: ((فى الإبل فرع وفى الغنم فرع ويعق عن الغلام ولا يمس رأسه بدم))، رجاله
ثقات (مجمع ٥٨:٤)، وفيه دلالة على كون العقيقة مشروعة حين كان الفرع مشروعا، ولا دليل

١٢٦
أفضلية ذبح الشاة فى العقيقة
ج - ١٧
على بقاء مشروعيتهما بعد النهى عنه وعن العتيرة، من ادعى ذلك فعليه البيان.
فائدة: قال فى "شرح المهذب": فعل العقيقة أفضل من التصدق بثمنها عندنا، وبه قال
أحمد وابن المنذر اهـ (٤٣٣:٨). قلت: وفيه أن التصدق بثمن الشاة يجزئ عن العقيقة عندهم،
قال: ومذهبنا أنه لا يعق عن اليتيم من ماله، وقال مالك: يعق عنه منه اهـ، قال: ولو مات المولود قبل
السابع استحبت العقيقة عندنا، وقال الحسن البصرى ومالك: لا تستحب اهـ (٤٤٨:٨).
فائدة: قال الحافظ فى "الفتح" فى حديث الحسن عن سمرة: الغلام مرتهن بعقيقة تذبح عنه
يوم السابع يحلق رأسه ويسمى ما نصه. واستدل بقوله: يذبح ويحلق يسمى بالواو على أنه لا
يشترط الترتيب فى ذلك، وقد وقع فى رواية لأبى الشيخ فى حديث سمرة: يذبح يوم سابعه ثم
يحلق، وأخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج: يبدأ بالذبح قبل الحلق. وحكى عن عطاء عكسه، وقال
البغوى فى التهذيب: يستحب الذبح قبل الحلق صححه النووى فى شرح المهذب اهـ (٥١٥:٩).
قلت: وفى الحديث إشارة إليه، وهو ما أخرجه ابن حبان فى صحيحه عن عائشة قالت:
كانوا فى الجاهلية إذا عقوا عن الصبى خضبوا قطنة بدم العقيقة، فإذا حلقوا رأس الصبى وضعوها
على رأسه فقال النبى مّ له: ((اجعلوا مكان الدم خلوقا))، ولأبى داود والحاكم من حديث بريدة:
كنا فى الجاهلية فذكر نحو حديث عائشة وقال: فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه
ونلطخه بزعفران وهذا شاهد لحديث عائشة اهـ من "فتح البارى" أيضا (٥١٣:٩).
فائدة: قال الحافظ فى "الفتح": وعند عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: من لم يعق عنه
أجزأته أضحيته، وعند ابن أبى شيبة عن محمد بن سيرين والحسن يجزئ عن الغلام الأضحية عن
العقيقة اهـ (٥١٤:٩).
فائدة: قال الحافظ فى "الفتح": لو ولد اثنان فى بطن استحب عن كل واحد عقيقة. ذكره
ابن عبد البر عن الليث وقال: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافه اهـ (٥١١:٩).
فائدة: روى ابن حزم فى "المحلى" من طريق الحسن البصرى: يصنع بالعقيقة ما يصنع
بالأضحية. وعن عطاء قال: يأكل أهل العقيقة ويهدونها. أمر رسول الله عَ ◌ّه بذلك زعموا، وإن
شاء تصدق اهـ (٥٢٥:٧). قلت: وقد تقدم عن عطاء أنه قال: لا يتصدق منها بشىء فلعله كان
يقول بذلك من رأيه ثم بلغه عن الصحابة أنهم قالوا: وإن شاء تصدق. وفى قوله: يأكل أهل العقيقة
ويبهدونها دليل على بطلان ما اشتهر على الألسن أن أصول المولود لا يأكلون منها، فإن أهل

١٢٧
إعلاء السنن
باب ما يقول الذابح عند الذبح
٥٥١٥- عن أنس قال: ضحى رسول الله عّ لّه بكبشين أملحين أقرنين قال:
ورأيته يذبحهما بيده قال: ورأيته واضعًا قدمه على صفاحهما، قال: وسمى وكبر وفى
لفظ يقول: بسم الله والله أكبر، أخرجه مسلم (١٥٦:٢).
العقيقة هم الأبوان أولا ثم سائر أهل البيت. وقال الموفق فى "المغنى": وسبيلها فى الأكل والهدية
والصدقة سبيل الأضحية إلا أنها تطبخ أجدالا أى عضوا عضوا لا يكسر لها عظم اهـ (١٢٤:١١).
فائدة: قال أحمد: يباع الجلد أى جلد العقيقة والرأس والسقط ويتصدق به، وقد نص فى
الأضحية على خلاف هذا وهو أقيس فى مذهبه، لأنها ذبيحة لله، فلا يباع منها شىء كالهدى.
قال أبو الخطاب: ويحتمل أن يفرق بينهما من حيث إن الأضحية ذبيحة شرعت يوم النحر،
فأشبهت الهدى. والعقيقة شرعت عند سرور حادث، وتجدد نعمة فأشبهت الذبيحة فى الوليمة اهـ
من "المغنى" ملخصا (١١٤:١١). وفيه كما ترى رجوع إلى قول أبى حنيفة أن العقيقة ليست
إراقة دم بالشرع تعبدا وإنما هى ذبيحة للسرور بالأكل والإطعام كذبيحة الوليمة ظ، وإنما ذكرت
هذه الفوائد وغالبها عن غير الحنفية لكون باب العقيقة مفقودا عندهم فإذا احتاج أحد إلى فروعه
لم يجد فى كتب المذهب إلا القليل النادر، فأودعتها ههنا تذكرة للناظر وتبصرة للماهر، ولقد
صدق القائل:
كم ترك الأول للآخر والحمد لله العلى القادر
والصلاة والسلام على سيدنا محمد الطيب الطاهر، وعلى آله وأصحابه ما غر وساجع وترنم
طائر، ظ.
باب ما يقول الذابح عند الذبح
أقول: دل الأحاديث على أنه مرِّ كان يقول: بسم الله والله أكبر وهو المعروف بين الناس
وعليه التوارث، وقوله: اللهم تقبل منى. اختلف فيه أبو حنيفة والشافعي، فقال الشافعى: إنه
مستحب لما روى مسلم عن عائشة والحاكم عن جابر، وقال أبو حنيفة: إنه مكروه، لأن من أصله
أن ما لا يجوز الذبح بانفراده يحرم وصله بالتسمية بالعطف، لأن العطف للشركة، فيكون الذبح
بما يجوز به الذبح وما لا يجوز ويترجح الحرمة. ويكره وصله من غير عطف، لأنه متصل صورة
ومنفصل معنى.

ج - ١٧
ما يقول الذابح عند الذبح
١٢٨
٥٥١٦- وعن عائشة أن رسول الله عَ ◌ّه أمر بكبش أقرن يطأ فى سواد ويبرك فى
سواد وينظر فى سواد فأتى به ليضحى به قال لها: عائشة! هلمى المدية ثم قال: اشحذيها
بحجر ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه، ثم ذبحه، ثم قال: ((باسم الله اللهم
تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد))، ثم ضحى به، أخرجه مسلم (٢: ١٥٦).
٥٥١٧- وعن عائشة وأبى هريرة أن رسول الله عّ لّه ضحى بكبشين سمينين
عظيمين أملحين أقرنين موجوءتين فذبح أحدهما فقال: ((اللهم عن محمد وأمته، ومن
شهد لك بالتوحيد وشهد لى بالبلاغ))، أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (٢٢٨:٤)،
وسكت عنه، وأقره الذهبى عليه.
٥٥١٨- وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه أن رسول الله عَّ بيّم ذبح كبشا
أقرن بالمصلى ثم قال: ((اللهم هذا عنى وعمن لم يضح من أمتى))، أخرجه الحاكم فى
"المستدرك" (٢٢٨:٤)، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأقره الذهبى عليه.
إذا عرفت هذا فاعلم أن قوله: اللهم تقبل منى لا يجوز الذبح له بانفراده، لأنه ليس بذكر الله
الخالص، بل فيه طلب وسؤال، فلما لم يجز الذبح به بانفراده يكره وصله بالتسمية ولا يحرم، لأن
الكلام مفصول معنى وإن كان موصولا صورة. وأما ما روى مسلم عن عائشة والحاكم عن جابر
فليس فيه ما يدل على أنه قوله: اللهم تقبل، كان موصولا بالتسمية، وما روى الحاكم عن عائشة
وأبى هريرة يدل على أن هذا القول كان بعد الذبح لأن لفظه: فذبح أحدهما فقال: اللهم عن
محمد. وهذا الكلام صريح فى أن هذا القول كان بعد الذبح، وأصرح منه ما رواه الحاكم عن أبى
أمامة، لأنه قال: ذبح رسول الله عَّ أضحية ثم قال: اللهم هذا عنى، وهذا نص فى تأخر هذا
القول عن الذبح، فلا حجة للشافعى فيما رواه مسلم عن عائشة، فافهم، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: وفى "المغنى" لابن قدامة: ويقول عند الذبح: بسم الله والله أكبر ثبت
أن النبى معَّ كان إذا ذبح قال: بسم الله والله أكبر. وفى حديث أنس: وسمى وكبر. وكذلك
كان يقول ابن عمر، وبه يقول أصحاب الرأى، ولا نعلم فى استحباب هذا خلافا، ولا فى أن
التسمية مجزئة، وإن نسى التسمية أجزأه على ما ذكرنا فى الذبائح، وإن زاد فقال: اللهم هذا منك
ولك اللهم تقبل منى، أو من فلان فحسن. وبه قال أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة: يكره أن يذكر
اسم غير الله لقول الله تعالى: ﴿وما أهل لغير الله به﴾.

١٢٩
إعلاء السنن
٥٥١٩- وعن جابر أن رسول الله عَ ل ضحى بكبش فذبحه هو بنفسه وقال:
((بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عنى وعمن لم يضح من أمتى))، أخرجه الحاكم فى
"المستدرك" (٢٢٩:٤)، وسكت عنه، وأقره الذهبى عليه.
٥٥٢٠- وعن أبى رافع قال: ذبح رسول الله عّ لّه أضحيته ثم قال: ((اللّهم هذا
عنى وعن أمتى)) أخرجه الحاكم فى المستدرك (٢٢٩:٤) وسكت عنه وأقره الذهبى عليه.
٥٥٢١- وقال محمد فى "كتاب الآثار" (ص١١٥): أخبرنا أبو حنيفة عن حماد
عن إبراهيم أنه كان يكره أن يذكر اسم إنسان مع اسم الله على ذبيحته، وأن يقول: بسم
الله تقبل من فلان.
باب ما یکره من الحیوان المذکی
: ٥٥٢٢- أخبرنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعى عن واصل بن أبى جميل عن
مجاهد قال: كره رسول الله عَّم من الشاة سبعًا: المرارة والمثانة والغدة والحياء
والذكر والأنثيين والدم، وكان رسول الله عّ لّه يحب من الشاة مقدمها، أخرجه محمد
فى "كتاب الآثار" (ص ١١٦)، وفى سنده واصل بن أبى جميل، قال يحيى بن سعيد:
ما أدرى ما واصل هذا ولا أروى عنه شيئا.
(قلنا: إنما كره الوصل ولم يكره ذلك بالفصل، سواء قاله قبل الذبح ثم قال: بسم الله والله.
أكبر، أو ذبح أولا، ثم قال ذلك)، قال: ولنا أن النبى معَّ أتى بكبش له ليذبحه فأضجعه ثم قال:
اللهم تقبل من محمد وآل محمد وأمة محمد (قلنا: قال ذلك عند الإضجاع لا عند الذبح بدليل
تقوله): ثم ضحى. رواه مسلم، (فقوله: ثم ضحى يدل على تأخر الذبح عن قوله: اللهم تقبل إلخ)
قال: وفى حديث جابر أن النبى معَّ ◌ُلّه قال: اللهم منك ولك عن محمد وأمته، بسم الله والله أكبر
ثم ذبح (وفيه مثل ما تقدم) قال: وهذا نص لا يعرج على خلافه اهـ (١١٧:١١). قلت: قد عرفت
أن أبا حنيفة لم يخالف النصوص، وإنما حملها على الفصل عن الذبح مقدما، أو مؤخرا جمعا
بينها، وبين قوله تعالى: ﴿وما أهل لغير الله به﴾، فافهم، ظ.
باب ما یکره من الحیوان المذکی
أقول: الحديث نص فى كراهة هذه الأشياء السبع، وهو مذهب الحنفية. فإن قلت: لا يجوز
أن تكون الكراهة طبعية لا شرعية.

ج - ١٧
كراهة النخع
١٣٠
وقال أحمد بن حنبل: واصل مجهول ما روى عنه غير الأوزاعى، وقال ابن معين
فى رواية: لا شىء. وفى رواية: مستقيم الحديث، وذكره ابن حبان فى
"الثقات" (التهذيب). قلت: فالرجل مختلف فيه، والاختلاف غير مضر، فهو مرسل
صحیح، أو حسن، وهو حجة عندنا.
باب كراهة النخع
٥٥٢٣- عن شهر بن حوشب عن ابن عباس أن النبى عرّ نهى عن الذبيحة أن
تفرس، أخرجه الطبرانى وابن عدى وأعله بشهر وقال: إنه لا يحتج بحديثه ولا يتدين
به، وقال إبراهيم الحربى فى غريب الحديث: الفرس أن تذبح الشاة فتنخع (زيلعى:
٢٦٤:٢). قلت: شهر مختلف فيه، وثقه بعض، وضعقه آخرون والاختلاف غير مضر.
٥٥٢٤- وروى محمد بن الحسن فى الأصل عن سعيد بن المسيب قال: نهى
رسول الله عَ لّ أن تنخع الشاة إذا ذبحت وهو مرسل، كذا فى "البناية" (١٤٢:٤)،
والمرسل إذا ورد موصولا، ولو بطريق ضعيف كان حجة عند الكل.
٥٥٢٥- وعن عمر أنه نهى عن الفرس فى الذبيحة، أخرجه البيهقى فى
"السنن"، وأبو عبيد فى "غريبه" (كنز العمال ٢٤٣:٣).
قلنا: لو كان كذلك لكانت الإمعاء أولى بالكراهة. فدل ذلك على أنها ليست بطبعية بل
شرعية، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: والحديث أخرجه الطبرانى فى "الأوسط" عن ابن عمر والبيهقى عن
سجاهد مرسلا، وعنه عن ابن عباس موصولا كما فى "العزيزى" (١٧١:٣). وقد عرفت أن المرسل
إذا تعدد مخرجه فهو حجة عند الكل، والدليل على كراهة هذه الأشياء تحريما أنه ذكر فيها الدم،
والمراد به المفسوح وهو حرام إجماعا، وتفسير العزيزى وغيره: الدم بغير المسفوح لا دليل عليه،
فقد أخرج البخارى عن أنس فى قصة إسلام عبد الله بن سلام أنه سأل النبى عّ لّله عن أول طعام
أهل الجنة. فقال: ((زيادة كبد حوت)) (الخصائص ١٩١:١)، والكبد من الدم غير المسفوح، فلو
كان مما يعافه الطبع السليم لم يكن أول طعام الجنة كبد الحوت، فافهم، ظ.
باب كراهة النخع
أقول، يحتج بحديث ابن عباس وأثر عمر على كراهته. ولكن فيه نظر، لأن الفرس هو دق

١٣١
إعلاء السنن
باب كراهة قطع العنق عند الذبح
٥٥٢٦- عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله عَ لاله قال: ((من قتل
عصفورًا (إلا بحقه) سأله الله عنه يوم القيامة))، قيل: يا رسول الله! وما حقه؟ قال:
(يذبحه ذبحًا ولا يأخذ بعنقه فيقطعه))، أخرج أحمد فى "مسنده" (١٦٦:٢).
العنق، كما فى "القاموس"، فلا يكون الحديث والأثر مما نحن فيه، والأوجه أن يقال: إن فى النخع
تعذيبا للحيوان من غير ضرورة وهو منهى عنه فيكون مكروها.
قوله: وعن عمر إلخ. قال العبد الضعيف: لقد حجر بعض الأحباب على نفسه، فقد ذكر
البخارى فى "صحيحه" عن ابن عمر أنه نهى عن النخع يقول: يقطع ما دون العظم قال الحافظ
فى "الفتح": وأخرج أبو عبيد فى "الغريب" عن عمر أنه نهى عن الفرس فى الذبيحة ثم حكى عن
أبى عبيدة أن الفرس هو النخع يقال: فرست الشاة ونخعتها وذلك أن ينتهى بالذبح إلى النخاع
وهو عظم فى الرقبة. قال أبو عبيد: أما النخع فهو على ما قال، وأما الفرس فيقال: هو الكسر، وإنما
نهى أن تكسر رقبة الذبيحة قبل أن تبرد اهـ.
قلت :: قال الشافعى: النخع أن تذبح الشاة، ثم يكسر قفاها من موضع المذبح، كما فى
"فتح البارى" أيضا (٥٥٢:٩) فبان بذلك إطلاق الفرس على النخع وإطلاق النخع على الفرس،
وقد روى عن عمر رضى الله عنه أنه نهى عن النخع، وهو أثر صحيح صححه ابن المنذر وعلقه
البخارى عن ابن عمر، كذا فى "شرح المهذب" (٨٤:٩)، فالنخع والفرس كلاهما مكروهان،
ولأن فيه زيادة تعذيب، فإن فعل ذلك لم يحرم، لأن ذلك يوجد بعد حصول الذكاة، وفى " شرح
المهذب": ومذهبنا أن هذا الفعل -أى النخع- مكروه، والذبيحة حلال.
قال ابن المنذر: وقال ابن عمر: لا تؤكل، وبه قال نافع، وكرهه إسحاق، وقال مالك:
لا أحب إن تعمد ذلك، قال: وكرهت طائفة الفعل وأباحت الأكل، وبه قال النخعى والزهرى
والشافعى وأبو حنيفة وأحمد وأبو ثور. قال ابن المنذر بقول هؤلاء، أقول: قال: ولا حجة لمن منع
أكله بعد الذكاة اهـ (٩١:٩).
باب كراهة قطع العنق عند الذبح
أقول: الحديث نص فى الباب، والسر فيه أن فيه إيلاما للحيوان زائدا على قدر الضرورة.
ولكنه لا يحرم به الذبيحة لأنه وجد الشرط وهو الذبح.

١٣٢
كراهة قطع العنق عند الذبح
ج - ١٧
قال العبد الضعيف: علق البخارى عن ابن عمر وابن عباس وأنس: إذا قطع الرأس فلا بأس.
قال الحافظ فى "الفتح": أما أثر ابن عمر فوصله أبو موسى الزمن من رواية أبى مجلز سألت ابن
عمر عن ذبيحة قطع رأسها فأمر ابن عمر بأكلها. وأما أثر ابن عباس فوصله ابن أبى شيبة بسند
صحيح أن ابن عباس سئل عمن ذبح دجاجة فطير رأسها، فقال: ذكاة وحيه أى سريعته منسوبة إلى
الوحاء وهو العجلة، وأما أثر أنس فوصله ابن أبى شيبة من طريق عبيد الله بن أبى بكر بن أنس أن
جزار الأنس ذبح دجاجة، فاضطربت فذبحها من قفاها فأطار رأسها، فأرادوا طرحها، فأمرهم أنس
بأكلها اهـ (٥٥٣:٩).
وفى "شرح المهذب": مذهبنا أنها إذا ذكيت الذكاة المعتبرة وقطع رأسها فى تمام الذبح
حلت. وحكاه ابن المنذر عن على بن أبى طالب وابن عمر وعمران بن الحصين وعطاء والحسن
والشعبى والنخعى والزهرى وأبى حنيفة وأبى ثور وإسحاق ومحمد، وكرهها ابن سيرين نافع،
وقال مالك: إن تعمد ذلك لم يأكلها. وهى رواية عن عطاء اهـ (٩١:٩).
وذكر ابن حزم: حل ما قطع رأسه فى الذبح عن على بن أبى طالب وعمران وأنس وابن
مسعود وابن عمر من طريق عبد الرزاق ووكيع وهشيم وابن أبى شيبة وغيرهم بأسانيدهم، وهى
صحيحة أو حسنة، ثم قال: ولا يصح عن أحد من الصحابة خلافهم، ثم أسنده عن التابعين وقال:
فهؤلاء عطاء وطاوس ومجاهد والحسن والنخعى والشعبى والزهرى والضحاك يجيزون أكل ما
قطع رأسه فى الذكاة وما ذبح من قفاه وما ضربت عنقه اهـ (٧: ٤٤٥). رورى من طريق سعيد بن
منصور عن إسماعيل بن عياش حدثنى عبد العزيز بن عبيد الله عن الشعبى أنه قال: فى الذبح لا
يقطع الرأس فإن قطع الرأس فليأكل. ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى أنه سئل عن
رجل ذبح بسيفه، فقطع الرأس فقال الزهرى: بئس ما فعل، فقال له رجل: أفنأكلها؟ قال: نعم اهـ
(٤٤٤:٧). وهذا صريح فى كراهة الفعل وإباحة الأكل، وعن ابن عباس إبلاغ الذبح أن تبلغ
العظم اهـ. فلا ینبغی الزيادة فى أمه بعد إبلاغ الذبح، ظ.
فائدة: قال ابن حزم فى المحلى: وأجاز أبو حنيفة والشافعى أكل ما ذبح من القفا (٤٣٩:٧).
قلت: فيه تفصيل عندهم ذكره فى "الهداية وشرح المهذب" ونصه: إذا ذبح الشاة ونحوها
من قفاها فقد ذكرنا أن مذهبنا أنه إن وصل السكين إلى الحلقوم والمرئ وفيه حياة مستقرة حل وإلا
فلا. قال العبدرى: وقال مالك وداود (الظاهرى): لا تحل بحال. وعن أحمد فيه روايتان: إحداهما:

١٣٣
كراهة قطع العنق عند الذبح
إعلاء السنن
تحل، والثانى: لا تحل إن تعمد. وقال الرازى الحنفى: قال أصحابنا: إن مات بعد قطع الأوداج
الأربعة (أو أكثرها) حل وإلا فلا. وحكى ابن المنذر عن الشعبى والثورى والشافعى وأبى حنيفة
وإسحاق وأبى ثور ومحمد: حل المذبوح من قفاه، وعن ابن المسيب وأحمد منعها اهـ (٩١:٩).
قلت: قد مر عن أنس فى دجاجة ذبحها الجزار من قفاها أنه أمر بأكلها. وفى "المغنى" لابن
قدامة: قال أبو بكر لأبى عبد الله (أحمد): فيها قولان والصحيح أنها مباحة. لأنه اجتمع قطع ما
تبقى الحياة معه مع الذبح، فأبيح كما ذكرنا مع قول من ذكرنا قوله من الصحابة من غير مخالف،
فإن ذبحها من قفاها فلم يعلم هل كانت فيها حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم والمرئ أولا؟ نظرت،
فإن كان الغالب بقاء ذلك لحدة الآلة وسرعة القتل فالأولى إباحته، لأنه بمنزلة ما لو قطعت عنقه
بضربة السيف، وإن كانت الآلة كآلة وأبطأ قطعة وطال تعذيبه لم يبح، لأنه مشكوك فى وجود ما
يحله فيحرم، كما لو أرسل كلبه على الصيد، فوجد معه كلب آخر لا يعرفه اهـ (٥١:١١).
روى ابن حزم فى "المحلى" من طريق محمد بن المثنى نا يحيى بن سعيد -القطان- عن
سفيان الثورى عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعى عن علقمة بن قيس أن حمار وحش
- ضرب رجل عنقه فى دار عبد الله بن مسعود فسألوا ابن مسعود فقال: صيد فكلوه، قال ابن حزم:
هذا حمار وحش متمكن منه فى الدار ولا يخالفنا خصومنا فى أن المقدور عليه من الصيد ذكاته
كذكاة الإبل والبقر والغنم ولا فرق. ومن طريق وكيع نا حماد بن سلمة عن يوسف بن سعد قال:
ضرب رجل بسيفه عنق بطة، فأبان رأسها، فسأل عمران بن الحصين، فأمره بأكلها.
ورويناه أيضا من طريق هشيم عن يونس بن عبيد ومنصور بن المعتمر كلاهما عن يوسف
ابن سعد عن عمران بن الحصين وقد أدرك يوسف عمران، ومن طريق ابن أبى شيبة نا المعتمر بن
سليمان التيمى عن عوف -هو ابن أبى جميلة- عن عبد الله بن عمرو بن هند الجملى أن على بن
أبى طالب سئل عن رجل ضرب عنق بعير بالسيف وذكر اسم الله فقطعه فقال على ذكاة وحية (ما
هو بفتح الجيم والميم ١٢)، أى سريعة، اهـ (٤٤٢:٧). وضرب العنق يكون من القفا، كما لا
يخفى، وفيه دلالة على جواز ذبح ما ينحر كجواز نحر ما يذبح، وهو أيضا مما اختلف فيه، كما
سنذكره، وفى "الهداية": وإن ذبح الشاة من قفاها فبقيت حية حتى قطع العروق حل لتحقق
الموت بما هو ذكاة ويكره لما فيه من زيادة الألم من غير حاجة، وإن ماتت قبل قطع العروق لم
تؤكل لوجود الموت لما ليس بذكاة فيها اهـ وفى "البناية" عن "شرح الكافى": قال الفقيه أبو بكر

١٣٤
كراهة قطع العنق عند الذبح
ج - ١٧
الأعمش: إنما يستقيم لو كانت تعيش قبل قطع العروق أكثر مما يعيش المذبوح حتى يحل بقطع
العروق فيكون الموت مضافا إليه، وأما إذا كانت لا تعيش إلا كما يعيش المذبوح فإنه لا يحل، لأنه
يحصل الموت مضافا إلى الفعل السابق اهـ (١٤٤:٤).
فائدة: قال ابن حزم فى "المحلى": كل ما جاز ذبحه جاز نحره وكل ما جاز نحره جاز
ذبحه: الإبل والبقر والغنم والدجاج والعصافير والحمام وسائر كل ما يؤكل لحمه، فإن شئت فاذبح
وإن شئت فانحر وهو قول أبى حنيفة والشافعى وسفيان الثورى والليث بن سعد وأبى ثور وأحمد
ابن حنبل إسحاق بن راهويه وبعض أصحابنا. وقال مالك: الغنم والطير تذبح ولا تنحر فإن نحر
شىء منها لم يؤكل، وأما الإبل فتنحر، فإن ذبح منها شىء لم يؤكل، وأما البقر فتذبح تنحر،
ولا نعلم له فى هذا القول سلفا من العلماء أصلا إلا رواية عن عطاء فى البعير خاصة قد روى عنه
خلافها، واحتج بعضهم فى ذلك بأن ذبح الجمل تعذيب له لطول عنقه وغلظ جلده، وهذه مكابرة
للعیان، وما تعذيبه بالذبح إلا کتعذيبه بالنحر ولا فرق.
قلت: ولكن اختيار الشارع النحر فى الإبل والذبح فى البقر دليل على كون النحر أليق
بالإبل كالذبح بالبقر ولكن ذلك لا يقتضى تحريم عكسه، وإلا لم يجز النحر فى البقر، ومالك يقول
بجوازه). قال: وأطرف شىء احتجاجهم فى ذلك بقول الله تعالى: ﴿إن الله يأمر كم أن تذبحوا
بقرة﴾ وهم أول مخالف له فيجيزون النحر فيها، قال: وقد ذكرنا عن عمر بن الخطاب وابن عباس
الذكاة فى الحلق واللبة، لم يخصا بأحدهما حيوانا من حيوان، بل هتف عمر بذلك مجملا، ولا
يعرف لهما مخالف من الصحابة أصلا، بل قد ذكرنا عن على إباحة أكل بعير ضرب عنقه بالسيف
ورأى ذلك ذكاة وحية، ومن طريق عبد الرزاق نا وهب بن نافع أنه سمع عكرمة يحدث أن ابن
عباس أمره أن يذبح جزورا وهو محرم والجزور البعير بلاخلاف، ومن طريق عبد الرزاق عن ابن
جريج عن عطاء قال: ذكر الله تعالى الذبح فى القرآن، فإن ذبحت شيئا ينحر أجزأ عنك، ومن
طريق محمد بن المثنى نا مؤمل بن إسماعيل نا سفيان الثورى عن ابن جريج عن عطاء قال: الذبح
من النحر والنحر من الذبح. ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى وقتادة قالا جميعا: الإبل
والبقر إن شئت ذبحت وإن شئت نحرت، ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثورى عن عبيد عن
مجاهد قال: كان الذبح فيهم والنحر فيكم، ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ ﴿فصل لربك
وانحر﴾ اهـ (٤٤٦:٧).

١٣٥
كراهة قطع العنق عند الذبح
إعلاء السنن
قلت: لم أر جواز النحر فى الدجاج والعصافير والحمام ونحوها من الطيور فى كتب
المذهب، والمصرح به فيها جواز النحر فى البقر والغنم مع كون الذبح فيها أفضل. قالّ فى
"الهداية": والمستحب فى الإبل النحر، فإن ذبحها جاز ويكره، والمستحب فى البقر والغنم الذبح،
فإن نحرهما جاز ويكره، أما الاستحباب فلموافقة السنة المتوارثة ولاجتماع العروق فيها فى
المنحر، وفيهما فى المذبح، والكراهة لمخالفة السنة وهى لمعنى فى غيرها فلا تمنع الجواز والحل خلافا
لما يقوله مالك: إنه لا يحل اهـ، قال العينى فى "البناية": وهذا بخلاف ما قاله أبو القاسم بن
الحلاب رحمه الله فى "كتاب التفريع والاختيار": ذبح البقر والغنم ونحر الإبل، فإن ذبح البعير من
ضرورة فلا بأس بأكله، وإن كان من غير ضرورة كره أكلها، ومن نحر شاة ضرورة أكلت، وإن
كانت من غير ضرورة كره أكلها، ومن نحر البقر من غير ضرورة أو من ضرورة فلا بأس بأكلها.
وفى "شرح الأقطع": وعن مالك: إذا ذبح البدن لم يؤكل اهـ (١٤٦:٤)، فهذا مما اختلفت الرواية
فيه عن مالك، وقال ابن المنذر: إنما كرهه ولم يحرمه، كما فى "المغنى" (٤٧:١١).
قلت: والكراهة متفق عليها إلا أنها فى الفعل عندنا دون الأكل فافهم،ظ. وفى "شرح
المهذب" قال ابن المنذر: وأجمع الناس على أن من نحر الإبل وذبح البقر والغنم فهو مصيب قال:
ولا أعلم أحدا حرم أكل بعير مذبوح أو بقرة وشاة منحورين. وإنما كره مالك ذلك كراهة تنزيه
وقد يكره الإنسان الشىء ولا يحرمه، وذكر القاضى عياض عن مالك رواية بالكراهة ورواية
بالتحريم رواية بإباحة ذبح المنحور دون نحر المذبوح. ونقل العبدرى عن داود (الظاهرى) أنه قال:
إذا ذبح الإبل ونحر البقر لم يؤكل، وهو محجوج بإجماع من قبله اهـ (٩: ٩٠) وفيه أيضا: أجمعوا
أن الأفضل ذبح البقر والغنم مضجعة.
السنة نحر الإبل قائمة معقولة اليسرى:
وأما الإبل فمذهبنا أنه ليس نحرها قائمة معقولة اليد اليسرى. وبه قال العلماء كافة إلا
الثورى وأبا حنيفة فقالا: سواء نحرها قائمة وباركة ولا فضيلة، وحكى القاضى عياض عن
عطاء: أن نحرها باركة معقولة أفضل من قائمة، وهذان المذهبان مردودان بالأحاديث الصحيحة
السابقة (٩٢:٩) منها ما رواه الشيخان عن ابن عمر أنه رأى رجلا أضجع بدنة فقال: ابعثها
قياما مقيدة سنة أبى القاسم عد ◌ّه.

ج - ١٧
١٣٦
باب الأمور التى يستحب مراعاتها عند الذبح وإراحة الذبيحة
٥٥٢٧- عن ابن عباس أن رجلا أضجع شاة يريد أن يذبحها وهو يحد شفرته
فقال النبى عَّ ◌ُله: أتريد أن تميتها موتات؟ هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها؟ أخرجه
الحاكم فى "المستدرك" (٢٣١:٤)، وقال: صحيح على شرط البخارى، وأقره الذهبي
عليه، وأخرجه عبد الرزاق عن عكرمة مرسلا (زيلعى ٢٦٤:٢).
٥٥٢٨- وعن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب أن رجلا أحد
شفرة وقد أخذ شاة ليذبحها، فضربه عمر بن الخطاب بالدرة وقال: "أتعذب الروح؟
هلا فعلت هذا قبل أن تأخذها؟"، أخرجه مالك فى "الموطأ" (زيلعى ٢٦٤:٢). قلت:
عاصم ضعيف ضعفه الأئمة لسوء حفظه، ولكن المتن ليس بمستنكر؛ لأنه مؤيد برواية
عكرمة وابن عباس.
الجواب عما روى عن أبى حنيفة فى نحر البدن باركة:
وصرح صاحب "الهداية" من الحنفية أن الأفضل أن ينحرها قياما لما ورد أنه عّ لّه نحر
الهدايا قياما، وأصحابه رضى الله عنهم كانوا ينحرونها قياما معقولة اليد اليسرى. (عملا بظاهر
قوله تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ والوجوب السقوط وتحققه فى حال القيام أظهر) وأما ما روى
عن أبى حنيفة فأصله ما ذكره فى "فتح القدير" عنه قال: نحرت بدنة قائمة فكدت أهلك فئاماً من
الناس، لأنها نفرت فاعتقدت أن لا أنحر الإبل بعد ذلك إلا باركة معقولة واستعين بمن هو أقوى
عليه منى اهـ (٨٢:٣). وهذا كما ترى إنما هو فى حق من لا يحسن النحر، وإما من كان يحسنه،
فالأفضل له أن ينحرها قياما مقيدة، كما فعله رسول الله عَ ليه بأبى هو وأمى، ولم يكن أبو حنيفة
ليقول فيما فعله رسول الله عَّل أنه وخلافه سواء حاشاه من ذلك، فإنه أتبع الناس للأثر، وإذا جاء
الأثر ولو بطريق ضعيف بطل عنده الرأى والنظر، ظ.
باب إراحة الذبيحة
أقول: كل ما ذكر فى الباب من باب الإراحة والاجتناب عن تعذيبها وإيذاءها من غير
ضرورة، والله أعلم. قال العبد الضعيف: وقد تقدم عن عمرو: أقرو الأنفس حتى تزهق، وعن ابن
عمر أنه كره أن يأكل ذبيحة لغير القبلة.
قال الموفق فى "المغنى": ويستحب الذبح بسكين حاد، ويكره أن يسن السكين والحيوان

١٣٧
الأمور التى يستحب مراعاتها عند الذبح وإراحة الذبيحة
إعلاء السنن
٥٥٢٩- وعن ابن عمر أن النبى عرّ اللّه أمر أن تحد الشفار وأن توارى عن البهائم،
وقال: إذا ذبح أحدكم فليجهز، رواه أحمد وابن ماجة، وفى سنده ابن لهيعة، وهو
متكلم فيه (نيل ٣٦٣:٨).
٥٥٣٠- وعن شداد بن أوس عن رسول الله عَ ◌ّه قال: ((إن الله كتب الإحسان
على كل شىء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم
شفرته وليرح ذبيحته))، رواه أحمد ومسلم والنسائى وابن ماجة (نيل ٣٦٣:٨).
٥٥٣١- وعن صفوان بن سليم قال: كان عمر بن الخطاب ينهى أن تذبح الشاة
عند الشاة، أخرجه عبد الرزاق (كنز العمال ٢٤٣:٣).
٥٥٣٢- وعن أبى قلابة قال: رأى عمر بن الخطاب يهوديا يجر برجل شاة
فقال: سقها إلى الموت سوقًا جميلا لا أم لك، أخرجه ابن أبى الدنيا فى الأضاحى (كنز
العمال ٢٤٣:٣).
٥٥٣٣- وعن محمد ابن سيرين أن عمر بن الخطاب رأى رجلا يجر شاة
ليذبحها، فضربه بالدرة وقال: سقها إلى الموت لا أم لك سوقًا جميلا، أخرجه البيهقى
فى "السنن" (كنز العمال ٢٤٣:٣).
يبصره، ويكره أن يذبح شاة والأخرى تنظر إليه، ويستحب أن يستقبل بها القبلة، استحب ذلك
ابن عمر وابن سيرين وعطاء والثورى والشافعى وأصحاب الرأى، وكره ابن عمر وابن سيرين أكل
ما ذبح لغير القبلة، وقال سائرهم: ليس ذلك مكروها. (إنما الكراهة فى الفعل دون الأكل) لأن أهل
الكتاب يذبحون لغير القبلة، وقد أحل الله ذبيحتهم اهـ (٤٦:١١).
وفى "المهذب" و"شرحه": ولا يسلخ جلدها قبل أن تبرد لما روى أن الفرافضة قال لعمر:
إنكم تأكلون طعاما لا نأكله. فقال: وما ذاك يا أبا حسان؟ فقال: تعجلون الأنفس قبل أن تزهق.
فأمر عمر رضى الله عنه مناديا ينادى: إن الذكاة فى الحلق واللبة لمن قدر، ولا تعجلوا الأنفس حتى
تزهق. وهو أثر صحیح صحه ابن المنذر (٨٤:٩).
قلت: وفى قوله: لمن قدر رد على من جعله شرطا فى ذكاة ماند من البعير وغيرها
استدلالا بإطلاق ما ورد فى بعض الروايات بلفظ إن الذكاة فى الحلق واللبة، من غير تقييدها
بالقدرة، فافهم، ظ.

١٣٨
ج - ١٧
باب النهى عن لحوم الحمر الأهلية
٥٥٣٤- عن سلمة بن الأكوع قال: أتينا خيبر فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة
شديدة، ثم إن الله تعالى فتحها عليهم، فلما أمسى الناس مساء اليوم الذى فتحت عليهم
أوقدوا نيرانا كثيرة، فقال النبى عّ لّه: ((ما هذه النيران؟ على أى شىء يوقدون؟))، قالوا:
على لحم، قال: ((على أى لحم؟)) قالوا: لحم الحمر الإنسية، قال النبى معَّ له: ((أهريقوها))،
الحديث رواه البخارى.
٥٥٣٥- وعن أنس بن مالك أن رسول الله عَ ليه جاءه جاء فقال: أكلت الحمر،
فسكت، ثم أتاه الثانية فقال: أكلت الحمر، فسكت، ثم أتاه الثالثة، فقال: أفنيت الحمر
فأمر مناديا فنادى فى الناس: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فأكفئت
القدور، وإنها لتفور باللحم، أخرجه البخارى.
وفى لفظ له: فنادى مناد النبى معَّ: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر
فإنها رجس، وفى رواية لمسلم: أمر رسول الله عَّ أبا طلحة أن الله ورسوله ينهيانكم
عن لحوم الحمر فإنها رجس أو نجس، قال: فأكفئت القدور بما فيها.
باب فى حرمة لحوم الحمر الأهلية
أقول: ذهب الجمهور إلى حرمة لحومها - وحجتهم أحاديث الباب، وروى عن بعضهم
الإباحة، وتأولوا أحاديث النهى بأنه يحتمل أن يكون ذلك لقلة الحمولة، أو لأنها لم تخمس،
أو لأنها كالجلالة لأكلها العذرة- والراجح هو ما ذهب إليه جمهور لما روى أنس أنها رجس.
وقول براء: ثم لم يأمرنا بأكلها. ولو كانت حلالا لأمرهم بأكلها بعد ذلك، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: أكثر أهل العلم يرون تحريم الحمر الأهلية. قال أحمد: خمسة عشر من
أصحاب النبى عّ لّم كرهوها. قال ابن عبد البر: لا خلاف بين عامة المسلمين اليوم فى تحريمها،
وحكى عن ابن عباس وعائشة رضى الله عنهما أنهما كانا يقولان بظاهر قوله سبحانه: ﴿قل
لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير﴾
الآية، وتلاها ابن عباس وقال: ما خلا هذا، فهو حلال، وسئلت عائشة رضى الله عنها عن الفأرة
فقالت: ما هى بحرام وتلت هذه الآية، ولم ير عكرمة وأبو وائل بأكل الحمر بأسا. وقد روى غالب
ابن أبجر قال: أصابتنا سنة، فقلت: يا رسول الله! عَّه أصابتنا سنة ولم يكن فى مالى ما أطعم أهلى

١٣٩
حرمة لحوم الحمر الأهلية
إعلاء السنن
٥٥٣٦- وعن الشيبانى قال: سألت عبد الله بن أبى أوفى عن لحوم الحمر الأهلية
فقال: أصابتنا مجاعة خيبر ونحن مع رسول الله عَ لّه وقد أصبنا للقوم حمراً خارجة من
المدينة، فنحرناها، فإن قدورنا لتغلى إذ نادى منادى رسول الله عَ لّه أن أكفئوا القدور
ولا تطعموا من لحوم الحمر شيئًا، فقلت: حرمها تحريم ماذا؟ قال: تحدثنا بيننا فقلنا:
حرمها البتة أو حرمها من أجل أنها لم تخمس، أخرجه مسلم.
وفى البخارى قال ابن أبى أوفى: فتحدثنا أنه إنما نهى عنها لأنها لم تخمس، وقال
بعضهم: نهى عنها البتة؛ لأنها كانت تأكل العذرة.
٥٥٣٧ - وعن أبي ثعلبة الخشنى أنهم غزوا مع رسول الله عّ لّه إلى خيبر والناس
جياع، فوجدوا فيها حمرًا من حمر الإنس، فذبح الناس منها فحدث بذلك النبى عل سليم
فأمر عبد الرحمن بن عوف فأذن فى الناس: ألا إن لحم حمر الإنس لا تحل لمن يشهد أنى
رسول الله عَّه، أخرجه النسائي، وأخرجه البخارى ومسلم أيضًا مختصرًا.
إلا سمان الحمر، وإنك حرمت لحوم الحمر الأهلية، فقال: ((أطعم أهلك من سمين حمرك، فإنما
حرمتها من أجل جوال القرية).
ولنا: ما روينا (فى المتن من الأحاديث الصريحة فى كونها رجسا محرما).
قال ابن عبد البر: وروى عن النبى مرّ ◌ُلّه تحريم الحمر الأهلية على وعبد الله بن عمر وعبد الله
ابن عمرو وجابر والبراء وعبد الله بن أبى أوفى وأنس وزاهر الأسلمى بأسانيد صحاح حسان.
وحديث غالب بن أبجر لا يعرج على مثله مع ما عارضه. ويحتمل أن رسول الله مرّ- رخص لهم
فى مجاعتهم وبين علة تحريمها المطلق لكونها تأكل العذرات، قال عبد الله بن أبى أوفى: حرمها
رسول الله عَّ من أجل أنها تأكل العذرة. متفق عليه، قاله الموفق فى "المغنى" (٦٦:١١).
وفى "شرح المهذب": أما الحديث المذكور فى "سنن أبى داود" عن غالب بن أبجر فهو
حديث مضطرب مختلف الإسناد كثير الاختلاف والاضطراب باتفاق الحفاظ. وممن أوضح
اضطرابه الحافظ أبو القاسم ابن عساكر فى "الأطراف" فهو حديث ضعيف، ولو صح لحمل على
الأكل منها حال الاضطرار. ولأنها قصة عين لا عموم لها، فلا حجة فيها، والله سبحانه وتعالى
أعلم اهـ (٨:٩).
وفى "المحلى": فإن ذكروا ما روى من قوله عليه السلام فى لحوم الحمر: أطعم أهلك من

١٤٠
ج - ١٧
حرمة لحوم الحمر الأهلية
٥٥٣٨- وعن ابن عباس قال: لا أدرى أنهى عنه رسول الله عَّ له من أجل أنه
كان حمولة الناس فكره أن نذهب حمولتهم، أو حرمه فى يوم خيبر لحوم الحمر
الأهلية، رواه البخارى.
٥٥٣٩- وعن البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله عَ ◌ّه فى غزوة خيبر أن تلقى
لحوم الحمر الأهلية نيئة ونضيجة، ثم لم يأمرنا بأكله بعد، رواه البخارى.
٥٥٤٠- وعن ابن عمر قال: ((نهى رسول الله عَّه يوم خيبر عن لحوم الحمر
الأهلية))، رواه البخارى.
سمين مالك، فإنما كرهت لكم جوال القرية، أليس تأكل الشجر وترعى الفلاة؟ فأصد منها. فهذا
كله باطل، لأنها من طريق عبد الرحمن بن بشر، وهو مجهول والآخر من طريق عبد الله بن عمرو
ابن لويم وهو مجهول، أو من طريق شريك، وهو ضعيف. ثم عن أبى الحسن ولا يدرى من هو عن
غالب بن ويح ولا يدرى(١) من هو ومن طريق سلمى بنت الخضرية ولا يدرى من هى (٤٠٨:٧).
وأما ابن عباس فقد أخبر بأنه متوقف فيها، فقال: لا أدرى أنهى عنه رسول الله عَّه من
أجل أنه كانت حمولة الناس فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرمه فى يوم خيبر؟ وهذا ظن منه، ولو
لم يحرمها عليه السلام جملة لبين وجه نهيه عنها، ولم يدع الناس إلى الحيرة، فكيف، وقوله عليه
السلام: فإنها رجس. وفى رواية المسلم: رجس من عمل الشيطان، وفى رواية: رجس أو نجس
بطل كل ظن، والأحاديث فى ذلك كثيرة.
قال الحافظ فى "الفتح": وقد أزال هذه الاحتمالات من كونها لم تخمس أو كانت جلالة
أو كانت انتهبت حديث أنس المذكور. قيل: حيث جاء فيه: فإنها رجس، وكذا الأمر بغسل الإناء
فى حديث سلمة (ابن الأكوع، أخرجه البخارى فى المغازى).
قال القرطبى: قوله: فإنها رجس ظاهر فى عود الضمير على الحمر، لأنها المتحدث عنها
المأمور بإكفاءها من القدور، وغسلها، وهذا حكم المتنجس، فيستفاد منه تحريم أكلها، وهو دال
على تحريمها لعينها لا لمعنى خارج.
وقال ابن دقيق العيد: وقد ورد علل أخرى إن صح رفع شىء منها، وجب المصير إليه، لكن
لا مانع أن يعلل لحكم بأكثر من علة، وحديث أبي ثعلبة صريح فى التحريم، فلا معدل عنه.
(١) وفى "التهذيب": غالب بن أبجر ويقال: ابن ديج، ويقال: ابن ذريح المزنى عداده فى أهل الكوفة، ظ.