Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ استحباب التسوية بين الأولاد فى العطية إعلاء السنن أولاد كم)) قال: فرجع، فرد عطيته (البخارى ٣٥٢:١). وفى بعضها قال: فأخذ بيدى وأنا غلام، وفى رواية لمسلم من طريق داود بن أبى هند عن الشعبى عن النعمان، انطلق بى أبى يحملنى إلى رسول الله عَ لّه، ذكرها الحافظ فى "الفتح" (١٥٦:٥). والجمع بينها بما قاله الحافظ لا يخلوا عن تكلف وتعسف، فالحق ما قاله ابن التركمانى أن حديث النعمان قد اضطرب متنه اضطرابا شديدا، فلا حجة فيه على الوجوب. قال العينى فى "العمدة". الجواب القاطع فى تفضيل بعض الأولاد على بعض فى الهبة: والجواب القاطع أن الإجماع قد انعقد على جواز إعطاء الرجل ماله بغير ولده، فإذا جاز له أن يخرج جميع ولده من ماله جاز له أن يخرج عن ذلك بعضهم، ذكره ابن عبد البر. قيل: فيه نظر، القائل الحافظ فى "الفتح" (١٥٩:٥)، لأنه قياس مع وجود النص، قلت: إنما يمنع ذلك ابتداء، وأما إذا عمل بالنص على وجه من الوجوه، ثم قيس ذلك الوجه إلى وجه آخر، لا يقال: إنه عمل بالقياس مع وجود النص، فافهم اهـ (٢٧٦:٦). والحاصل أن حمل الأمر بالتسوية بين الأولاد على الوجوب بخلاف القياس والإجماع فى جواز إعطاء الرجل ماله بغير ولده، فيحمل على الندب، أو يقتصر النص على مورده. (وهو تفضيل الرجل بعض أولاده بالهبة بطلب امرأة من نسائه، لكونه مؤديا إلى تفضيل بعض النساء على بعض،. وهو منهى عنه) ولا يتعداه، لا سيما وقد ثبت عن أبى بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف وابن عمر أنهم نحلوا بعض أولادهم دون بعض، والله تعالى أعلم. قال العينى: واختلف العلماء من التابعين وغيرهم فيه، فقال طاوس وعطاء بن أبى رباح ومجاهد وعروة وابن جريج والنخعى والشعبى وابن شبرمة وأحمد وإسحاق وسائر الظاهرية: إن الرجل إذا نحل بعض بنيه دون بعض فهو باطل، وقال أبو عمر: اختلفت فى ذلك عن أحمد، وأصح شىء عنه ما ذكره الخرقى فى مختصره عنه، قال: وإذا فضل بعض ولده فى العطية أمر برده، فإن مات ولم يرده فقد ثبت لمن وهب له، إذا كان ذلك فى صحته، (دون مرضه، فباطل بالاتفاق) وقال الثورى والليث بن سعد والقاسم بن عبد الرحمن ومحمد بن المنكدر وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشافعى وأحمد فى رواية: يجوز أن ينحل لبعض ولده دون بعض اهـ (٦: ٢٧٠). وفيه أيضا قال أبو يوسف: تجب التسوية إن قصد بالتفضيل الإضرار، (أى وتجوز إذا قصد الإيثار دون ١٠٢ استحباب التسوية بين الأولاد فى العطية ج . - ١٦ الإضرار) وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة فإن فضل بعضا صح، وكره، وحملوا الأمر (فى حديث النعمان) على الندب، والنهى على التنزيه اهـ (٢٧٥:٦). بيان التسوية المستحبة بين الأولاد: إذا ثبت هذا فالتسوية المستحبة عند البعض إن يقسم بينهم على حسب قسمة الله تعالى - الميراث، فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وبهذا قال عطاء وشريح وإسحاق ومحمد بن الحسن الإمام، قال شريح لرجل قسم ماله بين ولده: أرددهم إلى سهام الله تعالى وفرائضه. وقال عطاء: "ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله تعالى". وقال أبو حنيفة ومالك والشافعى وابن المبارك: تعطى الأنثى مثل ما يعطى الذكر، لأن النبى معَّه قال لبشير بن سعد: ((سور بينهم)، وعلل ذلك بقوله: ((أيسرك أن يستوا فى برك))؟ قال: نعم، قال: ((فسو بينهم)، والبنت كالابن فى استحقاق برها، وكذلك فى عطيتها، وعن ابن عباس قال: قال رسول الله مرّ له: (سووا بين أولادكم فى العطية، ولو كنت مؤثرا (وفى لفظ: مفضلا أحدا) لآثرت النساء (وفى رواية: لفضلت) على الرجال))، رواه سعيد فى "سننه" (ومن طريقه رواه البيهقى)، (١٧٧:٦). وفيه إسماعيل بن عياش عن سعيد بن يوسف الرجى، وهو شامی مختلف فيه. قال أبو حاتم: ليس بالمشهور، وحديثه ليس بالمنكر. وذكره ابن حبان فى "الثقات"، كما فى "التهذيب"، وله طريق أخرى عند الهيثمى فى "مجمع الزوائد". وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث. قال عبد الملك بن شعيب: ثقة مامون، ورفع من شانه، وضعفه أحمد وغيره (١٤٣:٤)، ولأنها عطية فى الحياة، فاستوى فيها الذكر والأنثى. الجواب عن حجة من ذهب إلى إعطاء الذكر مثل حظ الأنثيين: واحتج الأولون بأن الله تعالى قسم بينهم فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وأولى ما اقتدى بقسمة الله (قلنا: ولكنها مختصة بما بعد الموت، والكلام فى عطية الحيوة فافترقا) قالوا: ولأن العطية فى الحياة أحد حالى العطية، فيجعل للذكر منها مثل حظ الأنثيين. كحالة الموت يعنى الميراث (قلنا: ولكن التفضيل فى العطية فى الحياة يورث الوحشة، ولا كذلك بعد الموت، فافترقا) قالوا: ولأن الذكر أحوج من الأنثى، من قبل أنهما إذا تزوجا جميعا فالصداق، والنفقة، ونفقة الأولاد على الذكر، والأنثى، لها ذلك. فكان أولى بالتفضيل لزيادة حاجته (قلنا: ولكن الذكر أقدر ١٠٣ استحباب التسوية بين الأولاد فى العطية إعلاء السنن على الكسب من الأنثى، وهى عاجزة عنه. فكانت أحق بالتفضيل، وإليه أشار النبى معَّه بقوله: ((فلو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء)). وهو نص فى محل النزاع فلا يعدل عنه). قالوا وقد قسم الله تعالى الميراث، ففضل الذكر مقرونا بهذا المعنى فتعلل به، ويتعدى ذلك إلى العطية فى الحياة (قلنا: تفضيل الذكر على الأنثى فى الميراث وارد على خلاف القياس، فلا يتعداه یرشد إليه قوله تعالى: ﴿آباءكم وابناءكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله﴾ فمن أين لنا أن ندعى الدراية؟ ولم سلم أنه وارد على القياس، قلنا: إن نقول: إن مبناه على كون الذكر أنفع لأبيه من الأنثى بعده لبقاء نسبه به فإن النسب بالذكور لا بالإناث وهذا إنما يتحقق إذا مات عن ذكور وإناث جميعا، وأما فى الحياة فلا، لاحتمال أن يموت الذكور بين يديه، وتخلفه الإناث منفردات، فافهم. قالوا: وحديث بشير قضية فى عين وحكاية حال لا عموم لها (قلنا: وهذا مما يضعف احتجاجكم بمثله على وجوب التسوية بين الأولاد وإبطال الهبة بالتفضيل بينهم). قالوا: ويحتمل التسوية على كتاب الله تعالى (قلنا: حمل التسوية على التفضيل بعيد غاية البعد). قالوا: ويحتمل أنه أراد التسوية فى أصل العطاء، لا فى صفته (قلنا: يرده قوله: أكل ولدك أعطيت مثله؟ ولو احتمال. الحديث أمثال هذه الاحتمالات، فلم لا يجوز أن يحتمل ألامر الندب والاستحباب، دون الوجوب؟ وهل إنكار ذلك إلا تحكم؟) قالوا: وكذلك الحديث الآخر (أى حديث ابن عباس. قلت: كلا! لأنه قابل فيه التسوية بالتفضيل فيراد بالتسوية مالا يكون فيه تفضيل أصلا). قالوا: ودليل ذلك قول عطاء: ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله تعالى. (قلنا: محمول على القسمة فى المرض إذا أحس الرجل بموته، والكلام فى هبة الصحيح دون المريض). قالوا: على أن الصحيح من خبر ابن عباس أنه مرسل. كذا فى "المغنى" (٢٦٧:٦ و٢٦٨). قلنا: والمرسل حجة عندنا وله طريق أخرى، كما ذكرنا. والمرسل إذا تعدد مخرجه كان حجة عند الكل. قال الطُّحاوى: وفى حديث أبى الضحى: فقال النبى معَّهِ: ((ألك ولد غيره)؟ فقال: ((ألا سویت بینهم)، ولم يقل: ألك ولد غیره ذكر أو أنثى؟ وذلك لا یکون إلا وحكم الأنثی فیه كحكم الذكر. ولولا ذلك لما ذكر التسوية إلا بعد علمه أنهم ذكور كلهم. فلما أمسك عن البحث عن ذلك ثبت استواء حكمهم فى ذلك عنده. فهذا أحسن عندنا مما قال محمد بن الحسن رحمة الله عليه. (وبه اندحض قول الموفق: لعل النبى مطلّه قد علم أنه ليس له إلا ولد ذكر. وكيف يحتمل ذلك وقد سأله («ألك ولد غیرہ؟)) فلما لم یکن له علم بذلك کیف یصح القول بأنه قد علم أنه ليس ج - ١٦ ١٠٤ باب كراهة الرجوع فى الهبة ٥٢٧٨- عن طاوس أن ابن عمر وابن عباس رفعاه إلى النبى عَ ◌ّه قال: ((لا يحل للرجل أن يعطى العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطى لولده، ومثل الرجلين يعطى له إلا ولد ذکر؟ وهل هذا إلا احتمال بعید غیر ناشئ عن دليل؟) قال الطحاوى: وقد روى عن رسول الله مګّ ما يدل على ذلك أیضا: حدثنا أحمد بن داود ثنا بعقوب بن حميد بن کاسب ثنا عبد الله بن معاذ عن معمر عن الزهرى عن أنس، قال: كان مع رسول الله عَ لّه رجل فجاء ابن له، فقبله وأجلسه على فخذه، ثم جاءت بنت له فأجلسها إلى جنبه. قال: فهلا عدلت بينهما (وهذا سند حسن صحيح). قال: أفلا يرى أن رسول الله عَّه قد أراد منه التعديل بين الابنة والابن، وأن لا يفضل أحدهما على الآخر، فذلك دليل على ما ذكرنا فى العطية أيضا اهـ (٢: ٢٤٦). قلت: وقوله عَّه: ((هلا عدلت بينهما)) نظير قوله فى حديث أبى الضحى عن النعمان بن بشير عند النسائى والطحاوى ((ألا سويت بينهم؟)) ولا يجب التسوية فى التقبيل اتفاقا، فليكن كذلك فى العطية، وإنما قال عَّهِ: ((ألا سويت بينهم)) على طريق المشورة وإذا اختلف الرواة فى سياق الحديث وألفاظه كان الترجيح لما هو أشبه بالكتاب والسنة المشهورة، وأقرب إلى الأصول المتفق عليهما، وألصق بقياس الأصول، وقد عرفت أن مقتضى القياس والإجماع جواز التفضيل، ونقاذ الهبة به فيؤخذ من سياق حديث النعمان، ومختلف ألفاظه ما يوافقها لا ما يخالفها. ويحمل ما فيه من الأمر على الندب والنهى على التنزيه، والأمر بالرد على رد إرادة الهبة ونحوها كيلا تتضاد الآثار. باب كراهة الرجوع فى الهبة أقول: اختلف أهل العلم فى هذه المسألة. فقال بعضهم: لا يجوز الرجوع، وقال بعضهم: يجوز. ومنهم الجنفية، تمسك المانعون بقوله: لا يحل، وأجاب عنه المجوزون بأن عدم الحل لا يستلزم الحرمة، ولا البطلان، لأن الحل قد يكون كاملا، وهو الذى ليس فيه حرمة ولا كراهة، وقد يكون ناقصا، وهو الذى يكون فيه كراهة، والحل المنفى فى الحديث هو الحل الكامل لا كراهة فيه، لا مطلق الحل الذى يشمل الكراهة أيضا. بقرينة قوله: ((مثل الذى يرجع فى هبته)) إلخ. لأن دلیل علی صحة الرجوع مع الكراهة، کما لا يخفى على من له ذوق صحيح، وبقرينة ما روى عن ١٠٥ كراهة الرجوع فى الهبة إعلاء السنن العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب أكل، حتى إذا شبع قاء، ثم رجع فی قیئه))، رواه الخمسة، وصححه الترمذى (نيل الأوطار ٢٤٦:٥). ابن عباس وغيره: أن الواهب أحق بهبته ما لم يثب ههنا. وأجاب المانعون عنه بأنه لم يثبت من وجه صحيح عن النبى عٍَّ، وإنما ثبت عن عمر موقوفا، ولا حجة فى الموقوف فى مقابلة المرفوع. والجواب عنه: أن ما قالوا فى عدم صحة الحديث المرفوع إنما هو دعوى لا دليل عليه، كما سيأتى فى باب الآتى. وما قالوا: إنه لا حجة فى الموقوف فى مقابلة المرفوع، فهو إذا كان الموقوف معارضا للمرفوع، وفيما نحن فيه ليس كذلك، لأن المرفوع ليس بنص فى الحرمة، بل هو يحتمل للكراهة، والموقوف نص فى الجواز، فلا تعارض ولا تقديم، بل يحمل المرفوع على الكراهة، ليجتمع الأدلة، ولا يحسن حمل المرفوع على معنى يعارض الموقوف، لأنه يستلزم تجهيل الصحابة وترك فتواهم من غير ضرورة، فالأولى هو ما قلنا: إن الحديث محمول على الكراهة لا الحرمة. فإن قلت: إن الحديث يدل على أن لا حرمة ولا كراهة فى رجوع الوالد فيما وهب لولده، وأنكم تقولون إنه لا يجوز الرجوع فيما وهب رجل لذى رحم محرم. فالجواب عنه أن استثناء الوالد فى الحديث ورد على مثال قوله: ((أنت ومالك لأبيك)). والمقصود هو دفع شبهة أنه يكره للوالد أيضا الانتفاع بما وهب لولده، لأنه إن انتفع به یکون راجعا فی هبته. وتقرير الدفع: أن الوالد ليس كغيره، لأنه يباح له الانتفاع بكسب الولد عند الضرورة، أو بإذنه، فكيف لا يباح بما أعطاه هو نفسه؟ ولما كان هذا الانتفاع بطريق التملك للحاجة، لا لأنه كان وهبه، لم يكن رجوعا فى الهبة، ولكنه سماه رجوعا لكونه كالرجوع صورة. كما قال لعمر رضى الله عنه حين رأى فرسا له قد تصدق به على رجل يباع فأراده شراءه: لا تعد فى صدقتك. مع أنه لم يرد العود، وإنما أراد الشراء، ولكنه كان مظنة أن يرخص له البائع فى سعره، لكونه قد وهبه له، فسماه عودا فى الصدقة. فالاستثناء منقطع وليس بمتصل، حينئذ لا تعارض بين الحديث والمذاهب، ثم الاستثناء وإن كان مطلقا عن قيد الضرورة أو الإذن فى الصورة، إلا أنه مقيد فى المعنى بأحدهما، والسر فى هذا الإطلاق هو حمل الولد على عدم المزاحمة بإيهام أن هذا الانتفاع حق من حقوق الأبوة، وهو مستبد به. فإن قلت: جعل الاستثناء منقطعا خلاف الظاهر. قلنا: ولكنه مستعمل فى الكلام استعمال ج - ١٦ كراهة الرجوع فى الهبة ١٠٦ كثرة، وألجأنا إليه الحديث المانع من الرجوع فيما وهب لذى رحم محرم، وهو الذى رواه الحسن عن سمرة عن النبى معَّه، قال: ((إذا كانت الهبة لذى رحم محرم لم يرجع فيها)). أخرجه الحاكم "المستدرك" (٥٢:٢). ثم المقصود من الهبة لذى رحم محرم هو صلة الرحم، وقد حصل هذا المقصود، فلا يصح الرجوع، بخلاف الهبة لغير ذى رحم محرم، لأن المقصود منه العوض عرفا، فلما لم يحصل هذا المقصود صح الرجوع. وبهذا يسقط ما قال ابن القيم: إن الموهوب له حين قبض العين الموهوبة دخلت فى ملكه، وجاز له التصرف فيها، فرجوع الواهب فيها انتزاع ملكه منه بغير رضا، وهذا باطل شرعا وعقلا اهـ (إعلام الموقعين ٢٧٧:١)، لأنها وإن دخلت فى ملك الموهوب له، إلا أنه لم ينقطع حق الواهب ههنا بالكلية قبل الثواب، ولما لم ينقطع حقه منها لعدم حصول المقصود صح رجوعه، إلا أنه خلاف المروة فيكره، وقوله معَّله فى ذلك الحديث: ((ومثل الرجل یعطی العطية) إلخ. یشیر إلى صحة الرجوع مع الكراهة، کما لا یخفی علی من له ذوق سليم، ثم لما ورد النقض على ما قال ابن القيم، بأن الوالد إذا وهب هبة لولده فقد صار ملكه، فكيف ساغ للأب عندكم أن ينتزع ملك الولد من يده بغير رضاه؟ أجاب عنه بقوله: إن الولد جزء منه وهو وماله لأبيه وبينهما من البعضية ما يوجب شدة الاتصال فيجوز له ذلك بخلاف الأجنبى. وهو جواب باطل، لأن تعلق الجزئية والبعضية إن أوجب ذلك للوالد فكيف لا يجوز ذلك للولد مع ذلك التعلق أشد الاتصال؟ وإن أوجب ذلك قوله: ((أنت ومالك لأبيك)) دل ذلك على أن هذا ليس على وجه الرجوع بل على وجه الانتفاع من ملك الولد، كما قلنا. فالصحيح ما قال أبو حنيفة رحمه الله، والمانعون لم يصلوا إلى غور الكلام وكنهه، فاعرف ذلك، والله يتولى هداك. قال العبد الضعيف: ويؤيد ما قلنا فى تأويل الحديث ما روينا من طريق أبى داود نا سليمان ابن داود المهرى أنا أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب حدثه عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله عَّ له، قال: ((مثل الذى استرد ما وهب كمثل الكلب یقیء فیأ کل قیئه، فإذا استرد الواهب فليوقف، فليعرف ما استرد، ثم ليدفع إليه ما وهب)). وأعله ابن حزم بأسامة بن زيد، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده صحيفة (١٣٢:٩). قلنا: سكت عنه أبو داود والمنذرى، وقال: أخرجه النسائي وابن ماجة، كما فى "العون" (٣١٥:٣)، وأسامة بن زيد من رجال مسلم والأربعة، علق له البخارى، صدوق، ليس بضعيف وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده حجة، كما مر غير مرة. وفى قوله عَّه: ((فإذا استرد الواهب ١٠٧ إعلاء السنن باب جواز الرجوع فى الهبة ٥٢٧٩٠٠٠- قال الحاكم: حدثنا أبو أحمد إسحاق بن محمد بن خالد الهاشمى بالكوفة ثنا أحمد بن حازم بن أبى عزرة ثنا عبيد الله بن موسى ثنا حنظلة بن أبى سفيان قال: سمعت سالم بن عبد الله يحدث عن ابن عمر رضى الله عنهما، عن النبى على كي قال: ((من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها))، هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه إلا أن تجعل الحمل فيه على شيخنا (المستدرك ٥٢:٢). فليوقف، فليعرف ما استرد، ثم ليدفع إليه ما وهب)). دلالة صريحة على ما قلنا: إن للواهب حق الاسترداد، وإلا لم يؤمر الموهوب له بالدفع إليه، وأن الرجوع فى الهبة مكروه مقبوح، فافهم. وأما إنه أطلق ذلك على كل هبة، ليس فيه تخصيص ذى رحم من غيره، ولا زوج لزوجة، فمن خصها فقد كذب كما قاله ابن حزم. فيه أن الكاذب من يخص قول الرسول معدّ لآه برأيه، وأما من خص عمومه، أو قيد إطلاقه بقوله ◌َ ◌ّ الآخر فليس بكاذب أصلا، وليس هذا من المخالفة فى شىء وإلا فأنت أولى بكل ذلك حيث خصصت عموم قوله مَّ له: ((إلا الوالد يعطى ولده)) بما إذا لم تتغير الهبة عند الولد أو لم تخرج عن ملكه. وأما قوله: إن من الباطل أن يخبر النبى ◌ّ أن مسترد الهبة كالكلب فى أقبح أحواله، ثم ينفذ عليه السلام الحكم بما هذه صفته، حاشا لله من ذلك اهـ. ففيه أن القبح لا يستلزم التحريم، فإن المكروه قبيح أيضا، ومن ادعى غير ذلك، فعليه البيان. باب جواز الرجوع فى الهبة ما لم يشب منها أقول: احتج به أبو حنيفة فى تجويزه الرجوع فى الهبة ما لم يثب منها، وأجاب عنه المانعون بالطعن فى الحديث كما عرفت، ورد هذا الطعن بأن ما قالوا فى وجه الطعن غير معقول، ومع ذلك فالحديث مروى من طرق يقوى بعضها بعضا، ثم الكلام إنما هو فى صحة المرفوع، وأما صحة الموقوف فمسلم عندهم أيضا، وهو كاف لنا. لأن بقرينته يتعين معنى قوله: لا يحل، ويعلم أن المراد انہ یکرہ الرجوع، لا أنه یحرم، وحينئذ ثبت منه جواز الرجوع، ولا يحتاج إلى إثبات رواية ابن عمر المرفوعة وغيرها. فإن قلت: أخرجه الطحاوى فى "معانى الآثار" (٢٤٢:٢) عن أبى الدرداء: أن من وهب من غير أن يستوهب فهى كسبيل الصدقة، فليس له أن يرجع فى صدقته، وأبو حنيفة لا يقول به. قلنا: أثر أبى الدرداء فى سنده راشد بن سعد. وقال ابن حجر فى "التهذيب": فى روايته عن أبى الدرداء نظر، وأيضا فالاستيهاب فيه محمول على إرادة الثواب، دون شرط العوض، فكان هذا فى ج - ١٦ جواز الرجوع فى الهبة ١٠٨ وقال فى "الجوهر النقى": رواته ثقات، كذا قال عبد الحق فى "الأحكام"، وصححه ابن حزم والحاكم، وتابع ابن حازم على بن سهل بن المغيرة عنده البيهقى، كما فى "إعلام الموقعين" (٢٧٧:١). وقال البيهقى: وهم فیه عبيد الله بن موسى، لأن عبد الله بن وهب رواه عن حنظلة عن سالم عن أبيه عن عمر، وهو المحفوظ، ورواه سعد بن مسعود عن عبيد الله بن موسى عن إبراهيم بن إسماعيل عن عمرو بن دينار عن أبى هريرة، وهذا المتن لهذا السند أليق، إلا أن ابن إسماعيل ضعيف، فلا يبعد منه الغلط. والصحيح رواية سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سالم عن أبيه عن عمر من قوله (الجوهر النقى ٤٢:٢، ونصب الراية ٢٣٢:٢). وأجاب عنه فى "الجوهر النقى": بأنا لا نسلم للبيهقى أنه وهم فيه عبيد الله، بل يحمل على أن لعبيد الله فيه إسنادین. وقوله: هذا المتن بهذا السند الیق دعوی لا دليل عليه. قلت: وكذا يمكن أن يكون لحنظلة فيه إسنادان، وكذا لعمرو بن دينار، وكذا لابن عمر، والله أعلم. ٥٢٨٠- وعن ابن أبى ليلى عن عطاء عن ابن عباس، قال: قال رسول الله عَ لّه: من وهب هبة فهو أحق بهبته ما لم يثب منها، فإن رجع فى هبة فهو كالذی یقیء ثم يأكل قيئه))، أخرجه الطبرانى، وأخرجه الدار قطنى عن إبراهيم عن أبى يحيى الأسلمى عن محمد بن عبيد الله العزرمى عن عطاء عن ابن عباس مرفوعا (الزيلعى ٢٣٢:٢)، وأعل طريق الطبرانى بابن أبى ليلى، وطريق الدار قطنى بالأسلمى والعزرمى. قلت: الحديث إن لم يكن حجة بنفسه فهو يصلح شاهدا لرواية عبيد الله المذكورة، وابن أبى ليلى حسن الحديث، كما مر غير مرة. معنى حديث عمر الآتى. فإن قيل: روى ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب، أن على ابن أبى طالب قال: المواهب ثلثة، موهبة يراد بها وجه الله، وموهبة يراد بها وجه الناس، وموهبة يراد بها الثواب، فموهبة الثواب يرجع فيها صاحبها إن لم يثب منهما (المدونة ٣٣٩:٤). قلنا: فى إسناده ابن لهيعة، ويزيد لم يدرك عليا، فهو منقطع، والموهبة التى يراد بها وجه الناس محمولة على ما كان صلة للرحم، فلا يرد علينا. فإن قلت: إنه روى عن عمر أنه قال: من 1 ١٠٩ جواز الرجوع فى الهبة إعلاء السنن ٥٢٨١- وقال الطحاوى: حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: ثنا مكى بن إبراهيم قال: ثنا حنظلة عن سالم قال: سمعت ابن عمر قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: من وهب هبة فهو أحق بها حتى يثاب منها بما يرضى (معانى الآثار ٢٤١:٢)، وهذا سند صحيح. ٥٢٨٢- وعن جابر الجعفى عن القاسم بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن أبزى . عن على، قال: الواهب أحق بهبته ما لم يثب منبها، أخرجه الطحاوى فى "معانى الآثار" (٢٤٢:٢)، وفيه جابر الجعفى كذبه أبو حنيفة وغيره، وثقه الثورى وغيره، وهو مختلف فیه، حسن الحديث. ٥٢٨٣- وعن عبد الله بن عامر اليحصبى، أنه قال: كنت عند فضالة بن عبيد، إذ جاءه رجلان يختصمان إليه فى باز، فقال أحدهما: وهبت له بازيا وأنا أرجو أن يثيبنى منه، فقال الآخر: نعم! قد وهب لى بازيا ما سألته ولا تعرضت له، فقال له فضالة: أردد إليه هبته، فإنما يرجع فى الهبات النساء وشرار الأقوام، (معانى الآثار ٢٤٢:٢). ٥٢٨٤- روينا من طريق وكيع نا إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع عن عمرو بن دينار عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها))، أخرجه ابن حزم فى "المحلى" (١٣:٩). وهب هبة بصلة رحم، أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه أراد بها الثواب فهو علی هبة يرجع فيها إن لم يرض منها. (المدونة ٣٣٩:٤) وهذا يدل على أن الهبة التى يرجع فيها هى التى يراد بها الثواب، قلنا: إن مذهب أبى حنيفة أيضا مثل قول عمر، كما يظهر من الطحاوى أنه قال بعد إخراج رواية أبى الدرداء: فهذا أبو الدرداء قد جعل من الهبات مخرجا، مخرج الصدقات فى حكم الصدقات، ومنع الواهب من الرجوع فى ذلك، لما يمنع المتصدق من الرجوع فى صدقته، وجعل ما كان منها بغير هذا الوجه ما لم تشترط ثواب بما يرجع فيه ما لم يثب الواهب عليه، وجعل ما اشترط فيه العوض فى حكم البيع، فجعل العوض لواهبه واجبا على الموهوب له فى حياته وبعد وفاته فهذا حكم الهبات عندنا اهـ (معانی الآثار ٦٤٢:٢)، فلا إشكال. قوله: روينا من طريق وكيع إلخ. قال العبد الضعيف: دلالته على جواز الرجوع فى الهبة، ١١٠ جواز الرجوع فى الهبة ج - ١٦ وأعله بإبراهيم بن إسماعيل، وبأن عمرو بن دينار ليس له سماع من أبى هريرة أصلا اهـ، وإبراهیم علق له البخاری، وقال ابن عدى: مع ضعفه یکتب حديثه، وكذا قال أبو حاتم، كما فى "التهذيب"، ومراسيل عمرو بن دينار صحاح، كما مر فى "المقدمة"، فهو شاهد جید؛ لما روى ابن عمر مرفوعا. ٥٢٨٥- عن عبد الرحمن بن القمة الثقفى، قال: قدم وفد ثقيف على رسول الله عَّ ◌ُّه ومعهم هدية، فقال: أ هدية أم صدقة؟ فإن كانت هدية فإنما يبتغى بها وجه رسول الله عَ ◌ّه وقضاء الحاجة، وإن كانت صدقة، فإنما يبتغى بها وجه الله عز وجل، قالوا: لا، بل هدية، فقبلها منهم، وقعد معهم يسألهم ويسألونه حتى صلى الظهر مع وكون الواهب أحق بها ما لم يثب ظاهرة. وأما قول ابن حزم: إنه حجة عليهم، ومخالف لقولهم، لأنه لم یخص ذا رحم من غيره، ولا هبة اشتراط فيها الثواب من غيرها، ولا ثوابا قليلا من کثیر إلخ. ففيه أن لم نحتج به على جميع مسائل الباب، وإنما احتججنا به على جواز رجوع الواهب فى هبته، وهو نص فيه. وأما بقية الشروط والمسائل فلها دلائل أخر تأتى فى محلها. فإن الفقيه لا يقيد المسألة لقيود إلا بالنظر إلى الأحاديث بأسرها، لا بالنظر إلى حديث واحد فقط، والعجب من ابن · حزم أنه كيف خفى عليه ذلك، وهو أظهر من الشمس وأشهر من البدر. الفرق بين الهدية والصدقة: قوله: عن عبد الرحمن بن علقمة إلخ. فيه بيان الفرق بين الهدية والصدقة، وأن الهدية ما يقصد به التقريب إلى المهدى إليه، والصدقة ما يقصد به التقريب إلى الله تعالى. ومعنى قوله: حتى صلى الظهر مع العصر، أنه قعد معهم فى ذلك المكان حتى فرغ من الصلاتين، فصلى الظهر فى وقتها، ثم قعد يتحدث معهم حتى صلى العصر، فافهم. وفى قوله: فإن كانت هدية فإنما يبتغى بها وجه رسول الله عَ له وقضاء الحاجة، دلالة على جواز الهبة إرادة للجزاء، وإذا جازت الهبة بهذه الإرادة كان حق بها ما لم يثب، وإلا لزم إلغاء هذه الإرادة، ونص الحديث أنها ليست بملغاة بل معتبرة، ولم يتنبه ابن حزم لهذا المعنى، فقال: ثم لو صح لم يكن لهم فيه حجة أصلا، لأنه ليس فيه ذكر لهبة الثواب أصلا، ولا للرجوع فى الهبة بوجه من الوجوه. (قلنا: تقرير الهبة بإرادة قضاء الحاجة يدل على كون الواهب أحق بأحد الأمرين). قال: وأما قولهم له: ما ابتغى فجنون ناهيك به ومن له بذلك؟ وقد تقضى ولا تقضى (قلنا: فليرد الموهوب له هبة إذا لم يقض حاجته). ١١١ جواز الرجوع فى الهبة إعلاء السنن العصر، رواه النسائى فى "المجتبى" (١٣١:٢)، ولم يرو فيه إلا ما هو صحيح عنده، كما مر فى المقدمة. قال ابن حزم: ليس للمرأ ما نوى فى الدنيا إنما هذا من أحكام الآخرة: قال: وليس للمرأ ما نوى فى الدنيا، إنما هذا من أحكام الآخرة فى الجزاء فقط، (قلنا: فلم احتججت بقوله عّه: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) على أيجاب النية فى الوضوء، ورددت قول الحنفية إن معناه إنما ثواب الأعمال بالنيات، ولكل امرأً فى الآخرة ما نوى؟ فانظر أى القولين أشبه بالجنون)؟ قال: ثم نقول: إن الله تعالى قد صان نبيه عليه السلام عن أن يجيز أكل هدية لم يبتغ مهديها وجه الله تعالى، وإنما قصد قضاء حاجته فقط ووجه الرسول، وهذه هى الرشوة الملعون قابلها ومعطيبها فى الباطل اهـ. قلنا: قد صح أن رسول الله عَ ◌ّه قبل هدايا الملوك والسلاطين من الكفار، ولم يبتغوا بها وجه الله أبدا. فما أبعدهم عن ذلك، وإنما ابتغوا وجه الرسول مَ له، كيلا ينابذهم بالحرب والقتال، وليس أمثال هذه الهدايا من الرشوة فى شىء، وإنما الرشوة بذل المال فيما هو مستحق على الشخص، أو بذل المال لاستخلاص حق له على آخر، كما مر فى باب أدب القاضى. ولا يخفى أن ترك المنابذة بحرب الكفار لم يكن واجبا على النبى ◌َ ◌ّه ولم يدفعوا إليه الهدايا لاستخلاص حق لهم عليه، والذى حمل المشرك على الإهداء إليه، هو خوفه منه، وطلب الرفق به وبأهل مكة، لما نصر الله رسوله بالرعب مسيرة شهر أو شهرين، كما ورد فى الحديث، فكان بمنزلة ما أفاء الله على رسوله من غير إيجاف الخيل والركاب، ولكن الله يسلط رسله على من يشاء، كما فى "شرح السير" (٧٢:٣)، فافهم، فإن أهل الظاهر لا يفقهون. الجواب عن كلام ابن حزم فى إسناد الحديث: وأما قوله: فيه أبو بكر بن عياش وعبد الملك بن محمد بن بشير، وكلاهما ضعيف اهـ. ففيه: أن أبا بكر ابن عياش من رجال الجماعة، ثقة عابد صحيح الكتاب، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، فكان ماذا؟ وعبد الملك هذا لم يضعفه أحد من أهل هذا الشان، فمن أين لابن حزم أن يطلق عليه الضعف من غير دليل؟ قال: وفيه أيضا أبو حنيفة، فإن كان إسحاق بن بشير البخارى فهو هالك. قلت: ليس هو ذا قطعا، فإن أبا حذيفة البخارى من أصحاب الثورى وابن أسحاق، وهذا شيخ يحيى بن هانى الذى هو من مشايخ شعبة والثورى، فأين هذا من ذلك؟ شتان بينهما. قال: وإن لم يكنه، فهو مجهول فسقط جملة اهـ (٣١:٩). ١١٢ جواز الرجوع فى الهبة إعلاء السنن ٥٢٨٦- ومن طريق معمر عن قتادة عن ابن عباس فى قول الله تعالى: ﴿وما أوتيتم من ربا﴾ قال: هو هدية الرجل أو هبة الرجل يريد أن يثاب أفضل منه فذلك الذى قلت: لا يضرنا المجهول فى القرون الفاضلة، وإيداع النسائی حدیثه فى مجتماهِ دليل على صحة عنده، ومعرفته بحاله، فسقط الإيراد جملة، والله تعالى أعلم. قوله: من طريق معمر عن قتادة إلخ. فيه دلالة على جواز الهبة بإرادة ما هو أفضل منه. بقوله: لا يؤجر عليه صاحبه ولا إثم عليه. فبطل قول ابن حزم: لا تجوز هبة يشترط فيها الثواب، وهى فاسدة مردودة، لأن هذا الشرط ليس فى كتاب الله فهو باطل اهـ. قلنا: وكيف يكون باطلا وابن عباس يقول فى تفسير قول الله تعالى: ﴿وما آتيتم من ربا ليربو فى أموال الناس﴾ إن صاحبه لا يؤجر عليه ولا إثم عليه؟ وأما قولك: هذا إذا أراده بقلبه، وأما إذا اشترطه فعين الباطل والإثم. فزيادة ليست فى كتاب الله فهى باطلة. فإن قوله تعالى: ﴿وما آتيتم من ربا ليربو فى أموال الناس﴾ يعم الإرادة والاشتراط جميعاً، وأما قوله: بل فى القرآن المنع منه بعينه. تفسير قوله تعالى: ﴿ولا تمنن تستکثر﴾ قال الله عز وجل: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ وفسره قتادة وعكرمة ومجاهد وإبراهيم بما معناه لا تعط شيئا لتعطى أكثر منه اهــ ففيه أن ذلك ليس بأولى من قول الضحاك: هما ربوان، حلال وحرام، فأما الحلال فالهدايا، والحرام فالربا، ولا من قول الحسن والربيع بن أنس: لا تمنن عملك تستكثره ربك، لا يكثر عملك فى عينك، فإنه هو فيما أنعم الله عليك قليل. ولا من قول مجاهد: لا تضعف أن تستكثر من الخير. قال: تمنن فى كلام العرب تضعف. (ومنه قولهم: حبل منين إذا كان ضعيفا فهو ضد المتين)، ولا من قول ابن زيد: لا تمنن بالنبوة والقرآن تستكثرهم به، تأخذ عليه عوضا من الدنيا. ذكر الأقوال كلها الإمام الطبرى فى تفسيره بأسانيد صحاح وحسان (٩٤:٢٩). ثم قال: وأولى هذه الأقوال عندى بالصواب قول من قال: معنى ذلك، ولا تمنن على ربك من أن تستكثر عملك الصالح. قال: وذكر عن عبد الله بن مسعود أن ذلك فى قراءته: ولا تمنن أن تستکثر اه. ولو لا أنى لا أحب الخروج من أقوال السلف فى تفسير الآيات، لقلت: الأولى فى معناه: لا تعط مستكثرا ترى عطيتك كثيرا، بل يجب أن تستحقره وترى أن للأخذ حرمة عليك بقبول ذلك الإنعام. وهذا نهاية الكرم مع أن الاستكثار حامل على المنة وهى مبطلة للعمل. كما قال: ﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾. ثم رأيت المفسر النيسابورى سبقنى إلى ذلك، فلله الحمد ١١٣ ج - ١٦ جواز الرجوع فى الهبة لا يربو عند الله ولا يؤجر عليه صاحبه، ولا إثم عليه"، ذكره ابن حزم فى "المحلى" (١١٨:٩) محتجا به. والمذكور من السند صحيح. على الموافقة. وفى "روح المعانى": وقرأ الحسن وابن أبى عبلة تستكثر بسكون الراء وخرج على أنه جزم، والفعل بدل من تمنن المجزوم بلا الناهية. كأنه قيل: ولا تمنن لا تستكثر، لأن من شأن المانّ بما يعطى أن يستكثره أى يراه كثيرا ويعتد به (١٩٩:٢٩). الجواب عن حجة ابن حزم فى الباب: قال ابن حزم: وبإبطال هبة الثواب بقول الشافعى وأبو ثور وأبو سليمان وأصحابهم، وأجازها أبو حنيفة ومالك. وما نعلم لهما حجة إلا إنهما رويا عن عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب وأبى الدرداء وفضالة بن عبيد رضى الله عنهم إجازتها. (قلت: بل وعن النبى عدّ له، كما فى حديث ابن عمر الذى فتحنا به الباب). وعن عمر بن عبد العزيز وعطاء وربيعة وشريح والقاسم بن محمد وأبى الزناد ويحيى بن سعيد الأنصارى وجماعة من التابعين، واحتجوا بما روى المسلمون عند شروطهم. وأما نحن فلا حجة عندنا إلا فى قول رسول الله معدّ ل فقط. (قلت: فهل ترى هؤلاء الصحابة والتابعين قد خالفوا قول رسول الله عَ ليه ووافقته أنت ومن معك؟ وهم أعرف برسول الله مظ وأقواله، ومعناها منك وممن تبعك). قال: وقد خالف هؤلاء ابن عباس كما ذكرنا، (قلت: ليس ما قاله من المخالفة فى شىء، وإنما حملته برأيك على المخالفة، ولا حجة فى رأيك، وقد رددناه عليك) الجواب عن إبطال ابن حزم حديث ((المسلمون على شروطهم)): قال: ((وأما المسلمون عند شروطهم)) فقد تقدم إبطالنا لهذا الاحتجاج الفاسد بوجوه ثلثة، كل واحد منها كاف اهـ. قلت: وقد تقدم جوابنا عن كل واحد منها. أما قوله: "إنه كلام لم يصح قط عن رسول الله مظهر" فقد مر أن الترمذى حسنه من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو عن أبيه عن جده، ورواه أبو داود والحاكم من طريق كثير بن زيد عن الوليد بن رجاع عن أبى هريرة، وخلط ابن حزم بكثير بن عبد الله، واثنان اشتركا فى الاسم وسياق المتن، واختلفا فى النسب والسند فظنهما واحدا، وكثير بن زيد لم يوصف بشىء مما قال (التهذيب ٤١٥:٨). وأما قوله: إنهم لا يخالفوننا فى أن من شرط لآخر أن يغنى له، أو أن يزفن له أن كل ذلك لا يلزمه إلخ. فلا يرد على المحتجين بهذا الحديث، لما فيه من قوله مَّ له: ((إلا شرطا أحل حراما أو ١١٤ جواز الرجوع فى الهبة إعلاء السنن ٥٢٨٧- ومن طريق ابن وهب عن عمرو بن القیس عن عدی بن عدی الکندى، كتب إلى عمر بن عبد العزيز: من وهب هبة فهو بالخيار حتى يثاب منها ما يرضى، فإن نمت عند من وهبت له فليس لمن وهبها بعينها، ليس له من النماء شىء (المحلى ١٢٩:٦)، سنده صحيح. ٥٢٨٨- ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا منصور ويونس وابن عون كلهم عن ابن سيرين عن شريح قال: من أعطى فى صلة أو قرابة أو معروف أجزنا عطيته والجانب المستغزز يثاب على هبته أو ترد عليه (المحلى ٩: ١٣) أيضًا وسنده صحيح. حرم حلالا)) والغناء والزفن محرمان. وأما قوله: "إن المسلمين ليسوا عند شروطهم على الجملة، ليس لهم أن يشترطوا شرطا ليس فى كتاب الله عز وجل اهـ. فإن أراد به أن ليس لهم أن يشترطوا شرطا قد نهى عنه فى كتاب الله أو سنة رسوله مرّ ◌ُّه، فنعم! ولكن لا نسلم أن اشتراط الثواب فى الهبة منهى عنه، وكل ما استدل به على ذلك رددناه عليه كله، وإن أراد أن ليس لهم أن يشترطوا إلا شروطا منصوصة فى كتاب الله وسنة رسوله فلا نسلم له ذلك، بل لهم أن يشترطوا شروطا لم يرد النص بتحريمها، وإن كانت إباحتها مسكوتا عنها، لما تقرر فى الأصول أن ما سكت عنه الشارع فهو مباح، وهو المراد بقوله معَّ ◌ُلّ: ((كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل)) أى ما ليس فى كتاب الله منصوصا، أو مسكوتا عنه، على أنا قد أقمنا الحجة على كون شرط الثواب فى الهبة منصوصا إباحتها فى سنة رسول الله مَّ وأقوال الصحابة والتابعين، فالقائل ببطلان هبة الثواب محجوج بها، ولا حجة له فى إبطاله أصلا، والله تعالى أعلم. قوله: ومن طريق ابن وهب إلى آخر الباب، دلالة الآثار على جواز هبة الثواب، وأن للواهب أن يرجع فى هبته إذا لم تكن فى صلة أو قرابة أو معروف ظاهرة. حجة الجمهور على جواز هبة الثواب: ومن حجة الجمهور على جواز هبة الثواب ما رواه الترمذى من حديث محمد بن إسحاق عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى عن أبيه عن أبى هريرة قال: أهدى رجل من بنى فزارة إلى النبى عّ لّه ناقة من إبله الذى كانوا أصابوا بالغابة، فعوضه منها بعض العوض، (وفي رواية له: فعوضه منها ست بكرات) فتسخطها، فسمعت رسول الله عّ لّه على المنبر يقول: ((إن رجالا من ج - ١٦ جواز الرجوع فى الهبة ١١٥ ٥٢٨٩- ومن طريق ابن أبى شيبة نا يحيى بن يمان عن معمر عن الزهرى عن سعيد بن المسيب قال: من وهب هبة لغير ذى رحم فله أن يرجع ما لم يثبه، (المحلى ١٣:٩). وسنده حسن صحيح. ويحيى من رجال مسلم والأربعة ثقة، تغير بآخره لفلج أصابه. ٥٢٩٠- ومن طريق سعيد بن منصور أنا هشيم نا مغيرة عن إبراهيم قال: من وهب هبة لذی رحم فليس له أن يرجع، ومن وهب لغیر ذی رحم فهو أحق بهبته، فإن أثيب منها قليل أو كثير فليس له أن يرجع فى هبة، وقد رويناه عنه بزيادة، فرضى به فليس له أن يرجع فيه، وهو قول عطاء وربيعة وغيرهم (المحلى ١٣:٩)، وسنده إلى إبراهیم صحيح. العرب يهدى أحدهم الهدية فأعوضه منها بقدر ما عندى، ثم يتسخط، فيظل يتسخط فيه على، وأيم الله، لا أقبل بعد مقامى هذا من رجل من العرب هدية إلا من قرشى، أو أنصارى، أو ثقفى، أو دوسى. قال الترمذى: حديث حسن. وقال ابن حزم: هو أحسنها إسنادا، وأخرجه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن عجلان عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة، بلفظ: وهب رجل للنبى عّ لّه هبة، فأثابه، فلم يرض؛ فزاده، فلم يرض، فقال عليه السلام: ((لقد هممت أن لا أقبل هدية)) الحديث (٩: ١٣٠). فهذا كما ترى إنما كره النبى عّ لّـ تسخط المهدى من العوض لطلبه الاستكثار، وليس فيه كراهة إرادة العوض بالهبة، ولو كان كذلك لم يقبل هدية، لم يعوضه شيئا، ولم يزده فى العوض حتی یرضی. قال فى "شرح السنة": اختلفوا فى الهبة المطلقة التى لا يشترط فيها الثواب، فذهب قوم من الفقهاء أنها تقتضى الثواب لهذا الحديث، ومنهم من جعل الناس فى الهبات على ثلاث طبقات، هبة الرجل ممن هو دونه فهو إكرام وإلطاف لا يقتضى الثواب، وكذلك هبة النظير من النظير، وأما هبة الأدنى من الأعلى فتقتضى الثواب، لأن المعطى يقصد به الرفد والثواب، ثم قدر الثواب على العرف والعادة، وقيل: قدر قيمة الموهوب، وقيل: حتى يرضى الواهب اه من "العون" (٣١٥:٣). وقال الموفق فى "المغنى": الهبة المطلقة لا تقتضى ثوابا، سواء كانت لمثله، أو دونه، أو أعلى منه، وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعى فى الهبة لمثله أو دونه كقولنا، فإن كانت لأعلى منه ففيها قولان: أحدهما أنها تقتضى الثواب، وهو قول مالك، لقول عمر: ومن وهب هبة أراد بها الثواب ١١٦ إعلاء السنن باب أن من وهب لذى رحم محرم لا يرجع فى هبته ٥٢٩١- عن الحسن عن سمرة عن النبى معَّظلّه، قال: ((إذكا كانت الهبة لذى رحم محرم لم يرجع فيها))، أخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط البخارى، ولم يخرجاه (المستدرك ٥٢:٢)، وأقره الذهبى فى "التلخيص"، وكذا سكت عليه ابن حجر فى "التلخيص الحبير". فهو على هبة يرجع فيها إذا لم يرض منها. (قلت: ليس فيه أنها تقتضى الثواب، وغاية ما فيه أن الواهب أحق برجوعه فيها، وبه نقول). قال: ولنا أنها عطية على وجه التبرع فلم تقتض ثوابا، كهبة المثل والوصية فإن عوضه عنها كانت هبة مبتدأة لا عوضا اهـ (٢٩٩:٦). تناقض ابن حزم فى القول: وأما قول ابن حزم: ليس فى هذا الخبر مما أنكرنا معنى، ولا إشارة، وإنما فيه أنه عليه السلام هم أن لا يقبل هبة إلا ممن ذكر فيلزم القول بما هم به من ذلك اهـ. ففيه أنه خالف قوله بلزوم العمل بما هم به فى باب من أعطى شيئا من غير مسألة، ففرض عليه قبوله، وقال: إنما فيه أنه عليه السلام هم بذلك أى برد الهدية من غير قرشى، أو أنصارى، أو دوسى أو ثقفى لا أنه أنفذه، وحديث عمر أى قوله عّ لّهِ: ((ما أتاك من غير إشراف نفس أو مسألة فاقبله)) وارد بإبطال الحال الأول، ولا شك فى ذلك حين أمره عليه السلام لقبول ما جاءه من المال فصح أن هذا الهم قد صح نسخه بيقين لا مریة فیه اهـ (١٥٥:٩). وإذا صح نسخ هذا الهم عنده فلم يبق إلا قبول كل هدية من كل رجل، سواء أهدى بطلب الثواب، أو لطلب الاستكثار أو قطع النظر عن كل ذلك، فعاد الحديث حجة عليه وثبت جواز هبة الثواب الذى كان بصدد إبطاله، وأما وجوب الإثابة فلا نقول به، إلا إذا كان الثواب مشروطا فى الهبة، وإلا فلا ويكون الواهب أحق بهبته ما دامت عين الهبة قائمة بدليل ما ذكرنا فى المتن من الأحاديث والآثار، فافهم، والله يتولى هداك. باب أن من وهب لذی رحم محرم لا يرجع فى هبة أقول: الحديث نص فيه وهو مؤيد بأثر عمر. ثم هو يدل على أن الوالد لا يرجع فيما وهب لولده، وقال من جوز: إن الوالد مخصوص منه لحديث ابن عباس أنه قال: لا يحل للرجل أن يعطى العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطى ولده. الجواب عنه أن الحديث يؤول عندنا، وسيأتى تأويله. واعلم أنه أعل ابن الجوزى حديث سمرة بعبد الله بن جعفر، وقال: إنه ضعيف. وخطأه ج - ١٦ من وهب لذی رحم محرم لا يرجع فی هبته ١١٧ ٥٢٩٢- وعن عمر رضى الله عنه: "من وهب هبة بصلة رحم، أو على وجه صدقة، فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه أراد بها الثواب فهو على هبة يرجع فيها إن لم يرض بها" ، أخرجه مالك وعبد الرزاق ومسدد والطحاوى (كنز العمال ٣٢٦:٨)، وسنده صحيح، كما فى "المحلى" (١٣٢:٩). ٥٢٩٣- وعن ابن عمر عن عمر، قال: "من وهب هبة فلم يثب منها فهو أحق بهبته، إلا لذى رحم"، أخرجه سعيد بن منصور والبيهقى (كنز العمال ٣٢٦:٨)، وصححه ابن حزم فى "المحلى" (١٣٣:٩). صاحب التنقيح وقال: بل هو ثقة من رجال الصحيحين، والضعيف هو والد على ابن المدينى، وهو متقدم على هذا، وهو الرقی ثقة. ورواة هذا الحدیث كلهم ثقات، ولكنه حديث منكر، وهو من أنكر ما روى عن الحسن عن سمرة، انتهى (الزيلعى ٢٣٢:٢). قلت: ولكن هذا أى حكم النكارة راجع إلى ذوق المجتهد فيمكن أن يكون منكرا عند صاحب التنقيح، ولا يكون منكرا عند غيره الذى صححه على شرط البخارى، والذى أقر هذا التصحيح لا سيما وقد تأيد بموقوف عمر. ثم حديث ثمرة يقيد ذا الرحم بكونه محرما، وأثر عمر ساكت عن هذا القيد، فيرجع الساكت إلى الناطق. فإن قلت: إن المطلق عندكم يجرى على إطلاقه والمقيد على تقييده، فكيف ترجعون المطلق إلى المقيد؟ قلنا: هذا إذا ورد المطلق والمقيد فى كلام صاحب الشرع، وههنا ليس كذلك، كما لا يخفى، فيرجع كلام غير الشارع إلى كلام الشارع. قال العبد الضعيف: فاندحض بذلك قول ابن حزم: إن حديث عمر عليهم لا لهم، لأنه لم يخص رحما محرمة من غير محرمة، وهذا خلاف قول الحنفيين اهـ (١٣٢:٩). الجواب عن حجة ابن حزم على حرمة الرجوع فى الهبة: واحتج ابن حزم على حرمة الرجوع فى الهبة وإبطاله جملة بقوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود ولا تبطلوا أعمالكم﴾. قلنا: ولكن الهبة ليس بعقد عندك، لأن العقد يكون من الجانبين، وعندك لا يشترط لتمامها القبول ولا القبض. وأيضا فأين فى الآية أن الهبة لا تجوز إلا فى موجود معلوم معروف القدر والصفات والقيمة كما قلته؟ فقوله: ﴿أوفوا بالعقود﴾ يعم كل هبة فى موجود معلوم أو مجهول، فمن أين لك أن تقيده بما قيدته به؟ فالجواب الجواب، والدليل الدليل. وأيضا فهو عام لهبة الوالد ولده فمن أين قلت بجواز رجوعه الوالد فيما وهبه لولده؟ فإن قلت: بالحديث. ١١٨ إعلاء السنن باب أن العلاقة الزوجية مانعة من الرجوع فى الهبة ٥٢٩٤- عن محمد بن عبيد الله الثقفى، قال: كتب عمر بن الخطاب: "إن النساء يعطين رغبة ورهبة، فأيتما امرأة أعطت زوجها فشاءت أن ترجع رجعت"، أخرجه عبد قلنا: وكذلك نحن إنما قلنا بجواز رجوع الواهب فيما وهبه بالحديث أيضا، كما قدمنا. وأما قوله: ﴿ولا تبطلو أعمالكم﴾ فليس على عمومه الظاهر وإلا حرم إقالة البيع بالتراضى، ولم يجز الرجوع فى الطلاق ولا بيع المدبر والمكاتب، ولا رجوع الوالد فيما وهبه لولده. لما فيه من إبطال العمل، وهو البيع، والطلاق، والتدبير، والكتابة، والهبة، وأيضا فقد قلنا بكراهة الرجوع فى الهبة ديانة، فلم نخرج من العمل بمقتضى الآيتين، فافهم. ثم احتج بما روى من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرنى ابن طاوس عن أبيه أنه قال فى قضاء معاذ بن جبل باليمن بين أهلها: قضى أنه أيما رجل وهب أرضا على أنك تسمع وتطيع، فسمع له وأطاع فهى للموهوبة له، وأيما رجل وهب كذا وكذا إلى أجل ثم رجع إليه فهو للواهب إذا جاء الأجل، وأيما رجل وهب أرضا ولم يشترط فهى للموهوبة له اهـ. قلت: هذا مرسل، فإن طاوسا لم يسمع من معاذ، وإنما أرسل عنه، كما فى "التهذيب" (٩:٥). ولا حجة فى المرسل عند ابن حزم. وأيضا فقوله: أيما رجل وهب أرضا ولم يشترط فهى للموهوبة له. لا يخالف ما ذهبنا إليه، فإنا نقول كما قال هى للموهوبة له إذا قبضها، وله التصرف فيها بما شاء، وأما إن الواهب لا يستحق الرجوع فلا دلالة فيه على ذلك، والذى فيه أن هذه هبة تامة، وليست بعارية كالهبة إلى أجل، فافهم. ثم أخرج من طريق عبد الرزاق عن معمر، قال: كان الحسن البصرى يقول: لا يعاد فى الهبة، اهـ. قلنا: نعم! لا يعاد فيها، ومن عاد فقد أساء، ولكنه لو فعل، فهو أحق بها ما لم يثب، أو يتغير، ولا دلالة فى الأثر على ما يخالفه. وهذا هو الجواب عما أخرجه عن معمر عن ابن طاوس عن ابن أبيه قال: لا يعود الرجل فى الهبة. فهذا ماذ والحسن وطاوس يقولون بقولنا سواء سواء أن العود فى الهبة مكروه. ولا دلالة فى ما قالوا على شىء سوى ذلك، ومن ادعى فعليه البيان. باب أن العلاقة الزوجية مانعة من الرجوع فى الهبة أقول: وجه دلالة أثر عمر على الباب أنه علل حكم الرجوع باحتمال أن تكون وهبت لرهبة، لأنه رتبه على قوله: إن النساء يعطين رغبة ورهبة. فدل ذلك على أن مراده أن النساء ج - ١٦ العلاقة الزوجية مانعة من الرجوع فى الهبة ١١٩ الرزاق (كنز العمال ٣٢٦:٨)، وأخرجه ابن حزم فى "المحلى" (١٣٣:٩) من طريق ابن أبى شيبة نا على بن مسهر عن أبى إسحاق الشيبانى عن محمد بن عبد الله الثقفى، قال: کتب عمر إلخ، وأخرجه من طريق و کیع نا أبو جناب عن أبى عون هو محمد بن عبيد الله المذكور عن شريح عن عمر قال الحديث، والأول: مرسل صحيح. والثانى: موصول حسن، والمرسل إذا ورد من طريق أخرى موصولا كان حجةً. قد يعطين رغبة وقد يعطين رهبة. فإذا وهبت إحداهن، ثم شاءت أن ترجع، دل صنيعها ذلك على أنها لم تعط رغبة بل رهبة، فيكون لها الرجوع. فدل ذلك على أنها لا ترجع إن وهبت رغبة، إذ لو كان الحكم عاما لم يحتج إلى قوله: إن النساء يعطين رغبة ورهبة. أما دلالة أثر شريح عليه فظاهرة، لأنه طلب من الزوج البينة على أنها وهبت له برضاها. فدل ذلك على أن الهبة بالرضاء مانع من الرجوع، إذ لو لم يكن كذلك بل كان لها حق الرجوع فى الرضا أيضا كان طلب البينة على الرضا لغوا، فتدبر. الرد على ابن حزم والجواب عن احتجاجه على الحنفية: قال العبد الضعيف: والعجب من ابن حزم أنه احتج بأثر عمر وشريح على الحنفية، وقال: قد صح عن عمر أن للزوجة الرجوع فيما وهبت لزوجها. فقد خالفوا عمر وهم يحتجون به فى أنه لا يحل خلافه، يا للمسلمين! إن كان قول عمر حجة لا يحل خلافه، فكيف استحلوا خلافه؟ اهـ ملخصا (١٣٣:٩). والجواب: أنا لم نخالفه أصلا، ولكن ابن حزم لا يفقه ولا يفهم. وأما قوله: إن شريحا قضى لها بالرجوع فيما وهبت له بعد موته. روينا ذلك من طريق شيبة عن غيلان عن أبى إسحاق السبعى عنه، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى قال: ما أدركت القضاة إلا يقيلون المرأة فيما وهبت لزوجها، ولا يقيلون الزوج فيما وهب لامرأته. فكل ذلك إذا وهبت المرأة بكره وهوان، وحلفت على ذلك، ولم يكن للزوج أو ورثته بينة على أنها وهبت له برضاها، بدليل ما رواه محمد بن سيرين أن شريح القاضى وهو مفسر، فيكون قاضيا على المجمل، فبطل الإيراد جملة. وأخرج ابن حزم من طريق حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن قال: أول من رد الهبة عثمان بن عفان، وأول من سأل البينة على أن غريمه مات ودينه عليه عثمان. ثم قال: وأما أثر عثمان فبين فيه أنه رأى محدث. لأن فى نصه: إن أول من رد الهبة عثمان. وما كان هذا سبيله فلا حجة ١٢٠ العلاقة الزوجية مانعة من الرجوع فى الهبة إعلاء السنن ٥٢٩٥- وقال الطحاوى: حدثنا أبو بكرة قال: حدثنا أبو عمر قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن أيوب عن محمد: أن امرأة وهبت لزوجها هبة، ثم رجعت فيها، فاختصما إلى شريح، فقال للزوج: شاهداك أنهما رأياها وهبت لك من غير كره ولا هوان، وإلا فيمينها لقد وهبت لك عن كره وهوان (معانى الآثار ٢٤٣:٢)، وهذا سند صحيح. فيه اهـ (١٣٣:٩). قلت: يا سبحان الله! يكون رأى عثمان محدثا ولا يكون رأيك أنت محدثا؟ ولم لم تحمله على أن أول من أحبى سنة رد الهبة عثمان؟ بدليل قرينة، وهو قوله: أول من سأل البينة على أن غريمه مات ودينه عليه عثمان، فإن هذا مما لا يخالفه فيه أحد من فقهاء الأمصار. ولم لم تحمله على أن عثمان أول من فعل ذلك فى علم الحسن؟ لأنه لم يدرك من الخلفاء إلا عثمان وعليا رضى الله عنهما. يؤيد ذلك ما ذكرنا فى المتن عن عمر رضى الله عنه، وهو صحيح عنه، فالحق أن الحسن أراد كون عثمان أول من رد الهبة فى علمه لا فى نفس الأمر، فلعله لم يقف على ما روى فى ذلك عن عمر رضى الله عنه، والله تعالى أعلم. الآثار التى ذكرها البخارى فى هذا الباب: وقال البخارى فى باب هبة الرجل لامرأة والمرأة لزوجها: قال إبراهيم هو النخعى: جائزة (أى فلا رجوع فيها)، وقال عمر بن عبد العزيز: لا يرجعان. قال الحافظ فى "الفتح": وصله أى أثر إبراهيم عبد الرزاق عن الثورى عن منصور عن إبراهيم قال: إذا وهبت له أو وهب لها فلكل واحد منهما عطية. ووصله الطحاوى من طريق أبى عوانة عن منصور، قال: قال إبراهيم: إذا وهبت المرأة لزوجها أو وهب الرجل لامرأته فالهبة جائزة، وليس لواحد منهما أن يرجع فى هبة. ومن طريق أبى حنيفة عن حماد عن إبراهيم الزوج والمرأة بمنزلة ذى الرحم، إذا وهب أحدهما لصاحبه لم يكن له أن يرجع. وأثر عمر بن عبد العزيز وصله عبد الرزاق أيضا عن الثورى عن عبد الرحمن بن زياد أن عمر بن عبد العزيز قال مثل قول إبراهيم. قال البخارى: وقال الزهرى فيمن قال لامرأته: هب لى بعض صداقك أو كله. ثم لم يمكث إلا يسيرا حتى طلقها، فرجعت فيه. قال يرد إليها إن كان خلبها، وإن كانت أعطته عن طيب نفس، ليس فى شىء من أمره خديعة جاز. قال الله تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا﴾. قال الحافظ: وصله ابن وهب عن يونس بن يزيد عنه اهـ (١٦٠:٥).