Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
إعلاء السنن
باب وضع بعض الدين قبل حلول الأجل بالنقد منه
٥٢٠٧- قال ابن وهب: قال مالك: عن أبى الزناد عن بشر بن سعيد عن أبى
صالح عبيد مولى السفاح، أنه أخبره أنه باع بزا من أصحاب دار بحلة إلى أجل، ثم أراد
البيع، ولا يصح البيع على مجهول، ولنا ما روى عن النبى ◌ّ لآه، فذكر حديث المتن، وفيه: ((ليحلل
أحدكما صاحبه))، وهذا صلح على المجهول، ولأنه اسقاط حق، فصح فى المجهول، كالعتاق
والطلاق، ولأنه إذا صح المصلح مع العلم وإمكان أداء الحق بعينه، فلأن يصح مع الجهل أولى، لأنه
إذا كان معلوما فلهما طريق إلى التخلص، وبراءة أحدهما من صاحبه بدون الصلح، ومع الجهل لا
يمكن ذلك، فلو لم يجز الصلح أفضى إلى ضياع المال على تقدير أن يكون بينهما مال لا يعرف
كل واحد منهما قدر حقه منه، ولا نسلم كونه بيعا ولا فرع بيع، وإنما هو إبراء، وإن سلمنا كونه
بيعا، فإنه يصح فى المجهول عند الحاجة، بدليل بيع أساسات الحيطان وطى الآبار، ولو أتلف رجل
صبرة طعام لا يعلم قدرها فقال صاحب الطعام لمتلفه: بعتك الطعام الذى فى ذمتك بهذه الدراهم
أو بهذا الثوب، صح اهـ. ملخصا (٢٦:٥).
تفسد الصلح جهالة البدل لا جهالة المصالح عنه:
وفى "الكنز": وتفسده أى الصلح جهالة البدل لا جهالة المصالح عنه اهـ. وفى "البحر":
والجهالة فيه إن كانت تفضى إلى المنازعة كوقوعها فيما يحتاج إلى التسلیم، منعت صحته، وإلا لا،
فبطل إن كان المصالح علیه، أو عنه مجهولا یحتاج إلى التسلیم کصلحه بعد دعواه مجهولا على
أن يدفع له مالا، ولم يسمه اهـ (٢٥٦:٦).
وقال الموفق فى "المغنى": فإن كان العوض فى الصلح مما لا يحتاج إلى تسليمه، ولا سبيل
إلى معرفته، كالمختصمين فى مواريث دارسة وحقوق سالفة، أو فى عين من المال لا يعلم كل واحد
منهما قدر حقه منها، صح الصلح مع الجهالة من الجانبين، لما ذكرناه من الخبر والمعنى، وإن كان مما
يحتاج إلى تسليمه، لم يجز مع الجهالة، ولا بد من كونه معلوما لأن تسليمه واجب، والجهالة تمنع
التسليم وتفضى إلى التنازع فلا يحصل مقصود الصلح اهـ (٢٦:٥).
باب وضع بعض الدين قبل حلول الأجل بالنقد منه
قوله: لا آمرك إلخ. أقول: دل هذا الأثر على عدم جواز ذلك. كما هو مذهب أبى حنيفة.
وقال فى "المدونة": إن ابن عمر وأبا سعيد الخدرى وابن عباس والمقداد، من عمر، ومن أصحاب
رسول الله عٍَّ، وسليمان بن يسار وقبيضة بن ذويب كلهم ينهى عنه. وقال ابن عمر: أتبيع

٢٢
ج - ١٦
وضع بعض الدين قبل حلول الأجل بالنقد منه
الخروج، فسألهم أن ينقدوه ويضع عنهم، فسأل زيد بن ثابت عن ذلك، فقال: لا آمرك
أن تأكل ذلك ولا توكله (مدونة مالك ١٩١:٣).
ستمائة بخمس مائة، وقال مقداد لرجلين صنعا ذلك: كلاهما قد آذن بحرب من الله ورسوله. وإن
عمر بن الخطاب كره ذلك. وقال سليمان بن يسار: "إذا حل الأجل فليضع له إن شاء". قال
يحيى: ربيعة يكرهه. وقال ابن وهب عن الليث بن سعد: وكان عبيد الله بن أبى جعفر يكره ذلك.
ولا يعارضه ما روى عن النبى عّ لِّ أنه قال لبنى النضير حين أراد إجلائهم: ((ضعوا وتعجلوا)) كما
مر فى البيوع أن محمدا وشمس الأئمة السرخسى استدلا به على جواز الربا فى دار الحرب. وأما
قول بعض الأحباب: إنه لا يصح هذا الاستدلال، لأن الرواية لم تصح. وبعد تسليم الصحة، فإنه
لا يدل على جواز الربا فى دار الحرب، بل يدل على جوازه فى دار الإسلام. لأنه لما أمرهم
بالخروج عن بقعتهم، وجد الاستيلاء عليها من رسول الله عَ ليه، فصارت دار الإسلام ولم يبق دار
الحرب، وصار بنو النضير فى حكم المستأمنين فى دار الإسلام إلى الخروج، ففيه أن الرواية صحيحة
كما بيناه فى باب الربا فى دار الحرب. وبالأمر بالخروج لم يوجد الاستيلاء على البقعة ما لم
يخرجوا، وبنو النضير لم يكونوا مستأمنين، بل موادعين إلى وقت معلوم، وبالموادعة لا
تصير البقعة دار الإسلام. كما قدمناه، ولكن بعض الأحباب مجهول على عدم مراجعة كلام
الفقهاء، يفسر الحديث برأيه، كما شاء فيجعل ما يؤيد المذهب مخالفا له، بسوء فهمه وخطأ رأيه.
فإلى الله المشتكى.
تنبيه:
قد ذكر رواية المتن فى "موطأ" الإمام محمد هكذا: أخبرنا مالك أخبرنا أبو الزناد عن بسر
ابن سعيد عن أبى صالح بن عبيد مولى السفاح، إلخ. وما فى "المدونة" أصح لأنه رواه يحيى عن
مالك موافقا لما فى "المدونة"، عن عبيد أبى صالح. وقال ابن بطال: اتفق العلماء على أنه صالح
غريمه عن دراهم بدراهم أقل منها جاز إذا حل الأجل. فإذا لم يحل الأجل لم يجز أن يحط عنه
شيئا، قبل أن يقبضه مكانه، وإن صالحه بعد حلول الأجل عن دراهم بدنانير، أو عن دنانير بدراهم
جاز، واشترط القبض اهـ من "فتح البارى" (٢٢٨:٥). وقد تقدم حكم الوضع عن الدين بشرط
التعجيل، وبسط الكلام فيه، فى باب الربا من البيوع، فليراجع.

٢٣
إعلاء السنن
باب التو کیل بالصلح
٥٢٠٨- حدثنا: عبد الله بن محمد ثنا سفيان عن أبى موسى، قال: سمعت
الحسن يقول: استقبل والله الحسن بن على معاوية بكتائب أمثال الجبال. فقال عمرو بن
العاص: "إنى لأرى كتائب لا تولى حتى تقتل أقرانها". فقال له معاوية، وكان والله خير
الرجلين: "أى عمرو! إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء، من لى بأمور الناس؟ من لى
بنسائهم؟ من لى بضيعتهم؟ " فبعث إليه رجلین من قريش من بنى عبد الشمس، عبد
الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل، فأعرضا عليه، وقولا
له، واطلبا إليه فأتياه، فدخلا عليه فتكلما وقالا له، وطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن على:
إنا بنو عبد المطلب، قد أصبنا من هذا المال، وأن هذه الأمة قد عانت فى دمائها. قالا:
فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك، ويسألك. قال: فمن لى لهذا؟ قالا: نحن
لك (١) به، فما سألهما شيئا إلا قالا: نحن لك به، فصالحه (البخارى ٣٧٢:١).
باب التوكيل بالصلح
أقول: الحديث يدل على جواز التوكيل بالصلح. ويدل أيضا على أن الوكيل لا يلزمه ما
صولح عليه إلا بالضمان إذ لو كان يلزم بدون الضمان أيضا، لم يقل الحسن: من لى بهذا؟ فتدبر،
والله أعلم.
دليل الاعتياض عن الوظائف:
قال العبد الضعيف: وفيه نزول الحاكم أو الوالى عن وظيفة الحكومة لأخر، بعوض مال
يؤديه إليه. ثم رأيت ابن التين قد وافقنى على ذلك حيث قال: وفيه جواز خلع الخليفة نفسه إذا رأى
فى ذلك صلاحا للمسلمين، والنزول عن الوظائف الدينية والدنيوية بالمال، وجواز أخذ المال على
ذلك، وأعطائه بعد استيفاء شرائطه، بأن يكون المنزول له أولى من النازل (بحسب المصلحة، لا من
حيث الفضيلة). وأن يكون المبذول من مال الباذل، فإن كان فى ولاية عامة، وكان المبذول من
بيت المال اشترط أن تكون المصلحة فى ذلك عامة، أشار إلى ذلك ابن بطال اهـ من "فتح البارى"
(١) قال الحافظ فى الفتح عن الطبرى: إنهما صالحاه على أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف فى أشياء اشترطها، وفى
رواية له: وكان الحسن صالح معاوية على أن يجعل له ما فى بيت مال الكوفة، وأن يكون له خراج دارا بجرد اهـ (٥٥:١٣).

٢٤
التوكيل بالصلح
ج - ١٦
(٥٧:١٣). وفى النزول عن الوظائف بعوض خلاف عنذنا كما ذكره ابن عابدين فى حاشية الدر
(٢٠:٤ و٢١ و٢٢) بأبسط وجه وأكمله، ولم يذكر لمن ذهب إلى الجواز وجها وجيبها، ولعل هذا
الأثر أقوى حجة على ذلك. كما ذكره ابن بطال، ووافقه عليه ابن التين، والله تعالى أعلم.
قال فى "الكنز": ومن و کل رجلا بالصلح عنه، فصالح، لم يلزم الو کیل ما صالح عليه ما
لم يضمنه بل يلزم المؤكل، وإن صالح عنه بلا أمر صح إن ضمن المال أو أضاف إلى ماله أو قال:
على ألف، وسلم، وإلا توقف، فإن أجازه المدعى عليه جاز وإلا بطل اهـ (٢٥٩:٦). مع "البحر".
وقال الموفق فى "المغنى": وإن صالح عن المنكر أجنبى صح سواء اعترف للمدعى بصحة دعواه أو
لم يعترف، وسواء كان بإذنه أو غير إذنه. وقال أصحاب الشافعى: إنما يصح إذا اعترف للمدعى
بصدقه، وهذا مبنى على صلح المنكر وقد ذكرناه.
ثم لا يخلوا الصلح إما أن يكون عن دين أو عین، فإن کان عن دین صح سواء كان بإذن
المنكر، أو بغير إذنه لأن قضاء الدين عن غيره جائز بإذنه وبغير إذنه. فإن عليا وأبا قتادة رضى الله
عنهما قضيا عن الميت، فأجازه النبى ، وإن كان الصلح عن عين بإذن المنكر، فهو كالصلح منه لأن
الوكيل يقوم مقام المؤكل، وإن كان بغير إذنه، فهو افتداء للمنكر من الخصومة، وإبراء له من
الدعوى، وذلك جائز. وفی الموضعین إذا صالخ عنه بغير إذنه لم يرجع علیه بشىء، لأنه أدی عنه ما
لا يلزمه أداءه، ولأنه أدى عنه ما لا يجب عليه، فكان متبرعا كما لو تصدق عنه، (وبهذا كله
اندحض ما أورده ابن حزم على الصلح عن الغير مع إنكاره، فإن غايته التبرع والتصدق عنه، ولم
يرد نص بتحريمه قط، فافهم).
وأما إذا صالح عنه بإذنه، فهو و کیله، والتو کیل فی ذلك جائز، ثم إن أدی عنه بإذنه رجع
عليه، وهذا قول الشافعى (قولنا معشر الحنفية)، وإن أدى عنه بغير إذنه متبرعا لم يرجع بشىء، وإن
قضاه محتسبا بالرجوع خرج على الروايتين فيمن قضى دين غيره بغير إذنه، لأنه قد وجب عليه
أداءه بعقد الصلح بخلاف ما إذا صالح، وقضى بغير إذنه، فإنه قضى ما لا يجب على المنكر
قضاءه اهـ (١٣:٥).
قلت: وعندنا لا يرجع عليه بشىء سواء نوى التبرع أو قضاءه محتسبا بالرجوع إلا أنه لو
رد عليه ما أداه يجوز له أخذه فى الثانى دون الأول، والله تعالى أعلم.

٢٥
إعلاء السنن
باب النهى عن منع الجار جاره
أن يغرز خشبه فى جداره ديانة لا قضاء
٥٢٠٩- عن أبى هريرة، أن النبى معَّ لّه قال: ((لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه فى
باب النهى عن منع الجار جاره
أن یغرز خشبه فى جداره دیانة لا قضاء
أقول: قال الشوكانى: الأحاديث تدل على أنه لا يحل للجار أن يمنع جاره من غرز الخشب
فى جداره، ويجبره الحاكم إذا امتنع. وبه قال أحمد وإسحاق وابن حبيب من المالكية، والشافعى
فى القديم، وأهل الحديث، وقالت الحنفية والهادوية ومالك والشافعى فى أحد قوليه، والجمهور: إنه
يشترط إذن المالك وإلا يجبر صاحب الجدار إذا امتنع، وحملوا النهى على التنزيه جمعا بينه وبين
الأدلة القاضية بأنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه، وتعقب بأن هذا الحديث أخص من .
تلك الأدلة مطلقا فيبنى العام على الخاص. قال البيهقى: لم نجد فى السنن الصحيحة ما يعارض هذا
الحكم إلا عمومات لا يستنكر أن يخصها، وحمل بعضهم الحديث على ما إذا تقدم استئذان الجار.
كما وقع فى رواية لأبى داود، بلفظ: ((إذا استأذن أحدكم أخاه)). وفى رواية لأحمد: ((من سأله
جاره)) وكذا فى رواية لابن حبان. فإذا تقدم الاستئذان لم يكن للجار المنع، لا إذا لم يتقدم اهـ.
وقال أيضا: قيل: وهذا الحكم مشروط عند القائلين بأنه يجب ذلك على الجار لحاجة من يريد الغرز
إليه، وعدم تضرر المالك، فإن تضرر لم يقدم جاره على حاجته، ولكنه لا يخفى أن إطلاق
الأحاديث قاض بعدم اعتبار تضرر المالك، ولكنه يجب على من يريد الغرز أن يتوقى الضرر بما
أمكن، فإن لم يكن إلا بإضرار، وجب على الغارز إصلاحه وذلك كما يقع عند فتح الجدار لغرز
الجذوع، وأما اعتبار حاجة الغارز إلى الغرز فأمر لا بد منه اهـ (النيل ١٣٢:٥).
أقول: لا دلالة فى الحديث على أن المذكور فيه هو حكم القضاء والحاكم يجبره عليه إذا
امتنع، ولا على أن الحكم عام لكن صورة، سواء يتضرر به المالك أو لم يتضرر. فادعاء هذه الأمور
ادعاء مجرد، لا دليل عليه فى الحديث. ثم ادعاء أن اعتبار حاجة الغارز إلى الغرز أمر لا بد منه، مع
عدم اعتبار تضرر المالك، بادعاء إطلاق الحدیث، تحکم ظاهر، لأنه کما ليس فى الحدیث ما يدل
على اعتبار عدم التضرر، كذلك ليس فيه ما يدل على اعتبار الحاجة. فإن كان الحديث مطلقا فى
التضرر وعدمه يكون مطلقا أيضا فى الحاجة وعدمه، وإن لم يكن مطلقا فى الحاجة، وعدمه
لا يكون مطلقا فى التضرر وعدمه، كما لا يخفى. فاعتبار الإطلاق فى الأول، وعدم اعتباره فى

٢٦
النهى عن منع الجار جاره أن یغرز خشبه فى جداره ديانة لا قضاء
ج - ١٦
جداره))، ثم يقول أبو هريرة: "مالى أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين
الثانى، لا بد أن يكون تحكما، وكذا ليس فى الحديث ما يدل على اشتراط إصلاح ما أفسده بالغرز
فاشتراط الإصلاح ينبغى أن يكون مخالفا لإطلاق الحديث. فكيف يجوز للشوكانى تقييده؟ فظهر
أن ما قاله الشوكانى فى هذا البحث فاسد، وفساده ظاهر بأدنى تأمل، والحق أن النهى محمول على
حكم الديانة لا القضاء، ومشروط بحاجة الغارز وعدم ضرر المالك. جميعا بين الادلة، وفى
الحديث ما يدل عليه أيضا، لأنه لو كان الغرز حقا له لم يحتج إلى الاستيذان والسؤال. فلما احتج
إلى الاستيذان والسؤال دل على أنه ليس بحق له فى القضاء، وإنما نهى رسول الله عبد المالك عن
المنع، لأن من حق المسلم على المسلم قضاء حاجته وإيصال النفع إليه لقوله تعالى: ﴿ولا تنسوا
الفضل بينكم﴾ إلى غير ذلك من النصوص. فظهر أن الحديث ليس بمخالف لمذهب الحنفية، بل هو
موافق له.
قال العبد الضعيف: وفى "المغنى" لابن قدامة: لا يجوز أن يفتح فى الحائط المشترك طاقا،
ولا بابا، إلا بإذن شريكه. لأن ذلك انتفاع بملك غيره وتصرف فيه بما يضر به، ولا يجوز أن يغرز
فیه وتدا، ولا یحدث علیه حائطا، ولا یستره، ولایتصرف فیه نوع تصرف، ولا يجوز له فعل شىء
من ذلك فى حائط جاره بطريق الأولى. لأنه إذا لم يجز فیما له فیه حق ففیما لا حق له فيه أولى،
وإن صالحه عن ذلك بعوض جاز، (ولأجل ذلك ذكرناه فى كتاب الصلح)، وأما الاستناد إليه،
وإسناد شىءٍ لا يضره إليه، فلا بأس به. لأنه لا مضرة فيه، ولا يمكن التحرز منه فأشبه الاستظلال
به. فأما وضع خشبة عليه، فإن كان يضر بالحائط لضعفه عن حمله، لم يجز بغير خلاف(١) نعلمه
لما ذكرنا، ولقول رسول الله عرّ ◌ُله: ((لا ضرر ولا ضرار)) (فى الإسلام) وإن كان لا يضر به إلا أن به
غنية عن وضع خشبة عليه لإمكان وضعه على غيره، فقال أكثر أصحابنا: لا يجوز أيضا، وهو قول
الشافعى وأبى ثور. لأنه انتفاع بملك غيره بغير إذنه من غير حاجة، فلم يجز كبناء حائط عليه،
أشار ابن عقيل إلى جوازه، لما روى أبو هريرة، أن رسول الله عّ لّه قال: ((لا يمنع أحدكم جاره أن
يضع خشبة على جداره)) متفق عليه اهـ.
قلنا: لا حجة لكم فيه فإن فى بعض ألفاظه: ((لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة فى جداره))
كما فى المتن. وقد أنكرتم جواز الغرز ولو كان وتدا فقد خالفتم الحديث، وهو بلفظ الوضع
(١) قلت: فالشوكانى ومن وفقه محجوجون بإجماع من تقدمهم فى القول بعدم اعتبار تضرر المالك، فافهم.

٢٧
النهى عن منع الجار جاره أن يغرز خشبه فى جداره دیانة لا قضاء
.
إعلاء السنن
أكتافكم"، رواه الجماعة إلا النسائى، أخرجه فى "المنتقى" (النيل ١٣١:٥).
يحتمل الوضع من غير بناء أو تسقيف. فمن أين لكم أن تحتجوا به على جواز وضع الجذوع على
جدار الجار لأجل البناء عليها والتسقيف بها؟ يؤيد ما قلنا ما رواه الطحاوى عن جماعة من المشايخ
أنهم رووه، أى لفظ خشبة فى الحديث بالإفراد، أى ((لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة على
جداره). وأنكر ذلك عبد الغنى بن سعيد، فقال: الناس كلهم يقولونه بالجمع إلا الطحاوى. ورده
العينى فى "العمدة" والحافظ فى "الفتح"، لأن الطحاوى(١) ما انفرد به، وإنما رواه عن المشايخ.
وقال ابن عبد البر: قد روى اللفظان، يعنى الإفراد والجمع فى "الموطأ"، والإفراد أحسن. لأن أمره
أخف فى مسامحة الجار، بخلاف الجمع لأنه أشق عليه، اهـ (١٢٨:٦). وإذا اختلفت الروايات فى
لفظ الحديث، فلنا أن نرجع الواحد على الجمع، ولفظ الوضع على الغرز، ونحمله على النهى عن
منع الجار، من أين يضع جداره خشبة لتجفيف الثياب ونحوه مما لا يضرر فيه للجدار ولا لصاحبه،
وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.
وأيضا فقد استدل المهلب من المالكية بقول أبى هريرة: "مالى أراكم عنها معرضين" بأن
العمل. كان فى ذلك العصر على خلاف ما ذهب إليه أبو هريرة، قال: لأنه لو كان على الوجوب
لما جهل الصحابة تأويله، ولا أعرضوا عن أبى هريرة حين حدثهم به، فلو لا أن الحكم قد تقرر
عندهم بخلافه لما جاز عليهم جهل هذه الفريضة. فدل على أنهم حملوا الأمر فى ذلك على
الاستحباب، ذكره الحافظ فى "الفتح" (٨٠:٥). وإيراد الحافظ عليه: بأنه من أين له أن المعرضين
كانوا صحابة، وأنهم كانوا عددا لا يجهل مثلهم الحكم؟ ولم لا يجوز أن يكون الذين خاطبهم
بذلك كانوا غير فقهاء؟ بل ذلك هو المتعين وإلا فلو كانوا صحابة أو فقهاء ما واجههم بذلك اهـ.
مدفوع، بأن ذلك هو الظاهر، فلم یکن للأصاغر ان يعرضوا عن الصحابی حین یحدثهم عن
رسول الله عێ، وإنما ذلك للأقران، لعلمهم بما حدثهم، ومعرفتهم بأنه وضعه فى غير موضعه،
وأما قوله: فلو كانوا صحابة أو فقهاء ما واجههم بذلك اهـ. فقد واجه أبو ذر معاوية، وعثمان
بأشد من ذلك، وقد كان أبو هريرة جریئا قوی اجاش، کان یواجه الأمراء بما لا يواجه به أحد من
(١) وفى التلخيص الحبير: لم يقله الطحاوى إلا ناقلا عن غيره، قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: سألت ابن وهب عنه
فقال: سمعت من جماعة خشبة على لفظ الواحد قال: وسمعت روح بن الفرج يقول: سألت أبا يزيد والحرث بن مسكين
ويونس بن عبد الأعلى عنه، فقالوا: "خشبة" بالنصب والتنوين واحدة اهـ (٢٥:٢).

٢٨
النهى عن منع الجار جاره أن يغرز خشبه فى جداره ديانة لا قضاء
ج - ١٦
عرض الناس كما لا يخفى على من طالع ترجمته من الإصابة وغيرها، وسيأتى الجواب عن دلائله
التى قوى بها قول الشافعى فى القديم. وقد روى الطبرانى فى "الكبير" عن أبى شريح الكعبى،
قال: قال رسول الله عَ ليه: ((ما يرجو الجار من جاره إذا لم يرفع له خشبا فى جداره؟)) وفيه عبد الله
ابن سعيد المقبرى، وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٤: ١٦٠). ومثله يصلح لتفسير الحديث الصحيح،
فهو أولى من تفسيره بالرأى عندنا. وهذا نص فى ما ذهبنا إليه من حمل الأمر على الندب
والاستحباب، وأن المراد مجرد وضع الخشبة على الجدار، لا غرزها فیه، قال محمد فى
"الموطأ": هذا عندنا على وجه التوسع من الناس بعضهم على بعض، وحسن الخلق، فأما فى الحكم
فلا يجبرون على ذلك، بلغنا أن شريحا اختصم إليه فى ذلك فقال للذى وضع الخشبة: ارفع رجلك
عن مطية أخيك، فهذا الحكم فى ذلك والتوسع أفضل اهـ (ص٣٤٦).
قال الموفق فى "المغنى": فأما إن دعت الحاجة إلى وضعه على حائط جاره، أو الحائط
المشترك، بحيث لا يمكنه التسقيف بدونه، فإنه يجوز له وضعه بغير إذن الشريك، وبهذا قال
الشافعى فى القديم، وقال فى الجديد: ليس له وضعه، وهو قول أبى حنيفة ومالك، لأنه انتفاع
بملك غيره من غير ضرورة فلم يجز، كزراعته، قال: ولنا الخبر ولأنه انتفاع بحائط جاره على
وجه لا يضر به، أشبه الاستناد إليه، والاستظلال به، ويفارق الزرع فأنه يضر، ولم تدع إليه
حاجة اهـ (٣٧:٥).
قلت: لا نسلم أنه انتفاع بحائطه على وجه لا يضر به، وأى ضرر أشد من أن الناس يجعلون
ذلك دعوى الملك فى الجدار؟ ولذا قلنا له أن يمنع إذا خاف مفسدة على نفسه أو ملكه، قال
الخطابى: عامة الفقهاء يذهبون فى تأويل الحديث إلى أنه ليس بإيجاب يحمل عليه الناس من جهة
الحكم، وإنما هو من باب المعروف وحسن الجوار، كذا فى "بذل المجهود". وقال النووى: ومن قال
بالندب قال: ظاهر الحديث أنهم توقفوا عن العمل به، فلهذا قال: ما لى أراكم عنها معرضين.
وهذا يدل على أنهم فهموا منه الندب، دون الإيجاب ولو كان واجبا لما أطبقوا على الإعراض
عنه، حاشية "ابن ماجة" (ص١٧٠).
ولا نسلم أن الزرع بضر بالأرض مطلقا، فإنه بالإكراب والسقى والسرقنة ينفعها جدا كما
يعرفه الزراع وأهل الحرث، فهل تجيزه كذلك فى أرض الغير بدون إذنه؟ وكذا لا نسلم أن الحاجة
لم تدع إليه. فإنها داعية إليه فى القرى والبوادى، وإن لم تدع إليه فى الأمصار، فهل تجيز لأهل

٢٩
:
النهى عن منع الجار جاره أن يغرز خشبه فى جداره ديانة لا قضاء
: إعلاء السنن
القرى والبوادى أن يزرعوا أرض الغير بدون إذنه إذا كان فى غنى عنها، والزارع محتاج إلى
زرعها؟ وأيضا فإن قوله عّ لّه: ((لا ضرر ولاضرار فى الإسلام)» دليل على تحريم الضرار على أى
وجه كان من غير فرق بين الجار وغيره، فلا يجوز فى صورة من الصور، إلا بدليل يخص به هذا
العموم، فنطالب من جوز المضارة فى بعض الصور بالدليل، فإن جاء به قبلناه، وإلا ضربنا بهذا
الحديث وجهه، فإنه قاعدة من قواعد الدين، تشهد له كليات وجزئيات، قاله الشوكانى فى
"النيل" (١٣٣:٥). ولا يخفى أن حدیث وضع الخشبة على جدار الجار، لا يصلح مخصصا له لما
فيه من الاحتمالات التى ذكرناها، أقواها احتمال حمله على الندب والتوسع بالدليل الذى قدمناه.
وضع الجذوع على جدار المسجد:
قال الموفق: فأما وضعه فى جدار المسجد إذا وجد الشرطان (من عدم تضرر الجدار به،
ودعاء الحاجة إلى وضعه عليه) فعن أحمد فيه روايتان إحداهما الجواز، لأنه إذا جاز فى ملك الجار
مع أن حقه مبنى على الشح والضيق، ففى حقوق الله تعالى المبنية على المسامحة والمساهلة أولى.
والثانية لا يجوز، نقلها أبو طالب، لأن القياس يقتضى المنع فى حق الكل ترك فى حق الجار للخبر
الوارد فيه، فوجب البقاء فى غيره على مقتضى القياس، وهذا اختيار أبى بكر، وخرج أبو الخطاب
من هذه الرواية وجها للمنع من وضع الخشب فى ملك الجار. لأنه إذا منع من وضع الخشب فى
الجدار المشترك بين المسلمين، وللواضع فيه حق، فلأن يمنع من الملك المختص بغيره أولى (قياس
صحيح وتخريج قوى)، ولأنه إذا منع فى حق الله تعالى مع أن حقه على المسامحة والمساهلة، لغنى
الله تعالى وكرمه، فلأن يمنع فى حق آدمى، مع شحه وضيقه أولى، والمذهب الأول اهـ (٣٧:٥).
وهذا يدل على اختلاف الحنابلة فى هذا الباب، لاختلاف الروايات فيه عن أحمد، وإن كان
الموفق قد رجح الجواز، وجعله المذهب، وإليه ذهب الشافعی فی القديم، ثم رجع عنه فى الجدید إلى
المنع، وظنى أن أحمد أيضا قد رجع عن قوله المشهور إلى ما رجع إليه الشافعى رحمه الله، كما يدل
عليه كلام أبى الخطاب.
حكم إجراء الماء فى أرض الغير بدون إذنه:
قال الحافظ فى "الفتح": وقد قوى الشافعى فى القديم القول بالوجوب بأن عمر قضى به،
ولم يخالفه أحد من أهل عصره، فكان اتفاقا منهم على ذلك إنتهى، وأشار الشافعى إلى ما أخرجه

ج - ١٦
النهى عن منع الجار جاره أن يغرز خشبه فى جداره ديانة لا قضاء
٣٠
مالك ورواه هو عنه بسند صحيح، أن الضحاك بن خليفة سأل محمد بن مسلمة أن يسوق خليجا
له فيمر به فى أرض محمد بن مسلمة، فامتنع فكلمه عمر فى ذلك، فأبى فقال عمر: "لم تمنع أخاك
ما ينفعه، وهو لك نافع، تشرب به أولا وآخرا ولا يضرك؟" قال محمد: لا والله، فقال عمر: والله
ليمون به ولو على بطنك. فحمل عمر الأمر على ظاهره، وعداه إلى كل ما يحتاج الجار إلى
الانتفاع به، من دار جاره وأرضه اهـ (٨٠:٥).
قلت: رد الموفق فى "المغنى" بأن قول عمر يخالفه قول محمد بن مسلمة، وهو موافق
للأصول فكان أولى (٣٠:٥). فأين الاتفاق الذى ادعاه الشافعى رحمه الله؟ وإعراض الناس عن أبى
هريرة حين حدثهم بالحديث يدل على أن محمد بن مسلمة لم ينفرد بالإنكار، بل وافقه العامة فى
حملهم الحديث على الندب دون الوجوب، والظاهر من قول عمر: والله، ليمرن به. أنه لم يكن
قضاء منه. لأن القاضى لا يحلف على ما يقضى به، وإنما قال ذلك حملا له على الأفضل، وخلف
على ذلك ثقه بأنه لا يحنثه ولا يخلفه.
وقال مالك: كان يقال: تحدث للناس أقضية بقدر ما يحدثون من الفجور فلو كان الشان
معتدلا فى زماننا، كاعتداله فى زمن عمر، رأيت أن يقضى له بإجراء مائه فى أرضك. لأنك تشرب
به أولا وآخرا ولا يضرك. ولكن فسد الناس، فأخاف أن يطول، وينسى ما كان عليه جرى الماء،
فيدعى به جارك فى أرضك. كذا فى "شرح الموطأ" للباجى (التعليق الممجد ص: ٣٥٦). وأيضا
فقد اتفق القائلون بظاهر حديث أبى هريرة أنه وارد على خلاف القياس. فكيف يصح القول بأن
عمر حمله على الوجوب وعداه إلى كل ما يحتاج الجار إلى الانتفاع به من دار جاره وأرضه؟ فلو
صح تعديته لجاز زرع أرض الجار، والبناء فيها، والغرس بغير إذنه أيضا عند الحاجة، إذا كان ذلك
لا يضره، ولم يقل به أحد من فقهاء الأمصار، لا أحمد ولا الشافعى، فالحق فى تأويل حديث عمر
ما ذكرناه، إن شاء الله تعالى.
الجواب عن دليل الحافظ فى تأييد القول القديم للشافعى:
وأما قول الحافظ: وفى دعوى العمل على خلافه أى خلاف حديث أبى هريرة، نظر.
فقد روى ابن ماجة، والبيهقى من طريق عكرمة بن سلمة أن أخوين من بنى المغيرة أعتق أحدهما
(أى حلف بالعتق) إن غرز أحد فى جداره خشبا. فأقبل مجمع بن جارية ورجال كثير من
الأنصار، فقالوا: نشهد أن رسول الله عَّ قال الحديث، فقال الآخر: يا أخى! قد علمت أنك

٣١
إعلاء السنن
باب إذا تنازع رجلان فی جدار أو خص
هل يقضى للذى إليه الدواخل ومعاقد القمط؟
٥٢١٠- عن حذيفة، قال: اختصم قوم فى خطائر بينهم، فبعثنى رسول الله عَ لآه)
فقضيت للذى وجدت معاقد القمط تليه. فأتيت النبي مرّ كلّه، فأخبرته فقال: ((أصبت))،
رواه البيهقى فى السنن (٦٧:٦)، وقال: تفرد به وهثم بن قران اليمامى، وهو ضعيف.
مقضی لك على، وقد حلفت فاجعل أسطوانا دون جدارى فاجعل عليه خشبك (قلنا: إنما ذلك مثل
قوله مَ له: ((من المتالى على الله لا يفعل المعروف))؟ ولم يكن على الإيجاب، فكذا هذا. وحاصله
الإرشاد إلى الاجتناب من جعل الله عرضة ليمينه أن يبر، ويتقى، ويصلح بين الناس).
قال: وروى إسحاق(١) فى "مسنده"، والبيهقى من طريقه، عن يحيى بن جعدة أحد
التابعين، قال: أراد رجل أن يضع خشبة على جدار صاحبه بغير إذنه فمنعه. فإذا من شئت من
الأنصار يحدثون عن رسول الله عَّاللّه أنه نهاه أن يمنعه فجبر على ذلك اهـ (٨٠:٥). قلنا: معناه
جبروه على حسن الجوار، والتوسع، والكرام. كما قال عمر لمحمد بن مسلمة: والله، ليمرن به ولو
علی بطنك، ثقة بأنه لا يخلفهم. ألا ترى أنه أراد الوضع بغير إذنه، وهو خلاف ما ورد فى بعض
طرق الحديث من التقليد باستئذان الجار، وهو فى رواية ابن عيينة عند أبى داود، وعقيل أيضا.
ولأحمد عن عبد الرحمن بن مهدى عن مالك من سأله جاره، وكذا لابن حبان من طريق عكرمة
عن أبى هريرة "فتح البارى" (٨٠:٥). وعن أنس بن مالك، عند الطبرانى فى "الأوسط"، عن
رسول الله عَّ قال: ((من سأله جاره أن يغرز خشبة فى جداره فلا يمنعه)). رجاله رجال الصحيح
خلا شعيب بن يحيى وهو ثقة (مجمع الزوائد ٤: ١٦٠). وهذه زيادة من الثقات صحيحة،
فلا بد من قبولها، فمن أين لأحد أن يضع، أو يغرز خشبة فى جدار جاره بغير إذنه؟ فافهم.
باب إذا تنازع رجلان فی جدار أو خص
هل يقضى للذى إليه الدواخل ومعاقد القمط؟
قوله: عن حذيفة إلخ. قال العبد الضعيف: قد عرفت ما فى سند الحديث من الكلام، وأنه
لا يصلح حجة، ولذا لم يذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله. وقال: لو كان وجه الحائط إلى أحدهما
(١) فى الأصل: ابن إسحاق، وهو من تصحيف الكاتب. فليس لابن إسحاق مسند، ولم ير والبيهقى هذا الحديث إلا من طريق
إسحاق بن إبراهيم الحنظلی.

٣٢
ج - ١٦
کیف یقضی إذا تنازع رجلان فى جدار أو خص
واختلفوا عليه فى إسناده: فروى هكذا عن عبد الله بن أبى سعيد الأنصارى عن
حذيفة، وروى مروان بن معاوية عنه ثنا عقيل بن دينار مولى جارية ابن ظفر، عن جارية
ابن ظفر، ورواه سلمة بن الحسن الكوفى عنه عن نمران بن جارية بن ظفر عن أبيه اهـ.
وظهره إلى الآخر، أو كان أنصاف اللبن أو الطاقات إلى أحدهما، فلا حكم لشىء من ذلك،
والحائط بينهما إلا أن يقيم أحدهما بينة، وكذاً إذا ادعيا بابا مغلقا على حائط بين دارين، والغلق إلى
أحدهما، فالباب لهما عنده وعندهما لمن إليه الغلق، ولو كان للباب غلقان من الجانبين فهو لهما
إجماعا. وعلى هذا الخلاف، خص بين دارين، أو بين كرمين، والقمط إلى أحدهما فالخص بينهما
عند أبى حنيفة رحمه الله. ولا ينظر إلى القمط، وعندهما الخص لمن عليه القمط. وجه قولهما فى
هذه المسائل اعتبار العرف والعادة فإن الناس فى العادات يجعلون وجه البناء وأنصاف اللبن
والطاقات، والغلق، والقمط إلى صاحب الدار. فيدل على أنه بناءه، فكان فى يده كذا فى
"البدائع" (٢٥٨:٦). أى فكان ذلك من تعارض الدعويين فيما هو فى يد أحدهما، وحكمه أن
البينة على المدعى واليمين على صاحب اليد، فإن لم يكن بينة، فالقول قول صاحب القمط،
*والغلق، والطاقات، وأنصاف اللبن، ونحوها. وعند أبى حنيفة ليس هذا دليل اليد، وإن كان فهو
دليلها فى الماضی لا وقت الدعوة، والید فى الماضی لا تدل على اليد وقت دعوة. فكان من باب
التنازع فى شىء هو فى أيديهما جميعاً، أو ليس فى يد واحد منهما، وحكمه أن يقضى به بينهما
نصفين إذا لم يكن بينة، أو أقام كل واحد منهما بينة كما تقدم فى باب الدعوى.
قال الموفق فى "المغنى": ولا ترجح الدعوى يكون الدواخل إلى أحدهما، والخوارج ووجوه
الأجر والحجارة إلى الآخر، ولا كون الآجرة الصحيحة مما يلى ملك أحدهما وأقطاع الآجر إلى
ملك الآخر، ولا بمعاقد القمط فى الخص، يعنى عقد الخيوط التى يشد بها الخص، وبهذا قال أبو
حنيفة والشافعى، وقال أبو يوسف ومحمد: يحكم به لمن إليه وجه الحائط ومعاقد القمط. لما روى
نمر بن جارية عن أبيه، فذكر حديث المتن. وعزاه إلى ابن ماجة. قال: وروى نحوه عن على
(أخرجه البيهقى فى "السنن" من طريق أسباط عن سماك عن رجل من أهل البصرة "أن قوما
اختصموا فى خصالهم إلى على فقضى بينهم أن ينظر أيهم كان أقرب إلى القماط فهو أحق به"
وهذا منقطع أى فيه راو مجهول، وقد رواه الوليد بن أبى ثور عن سماك عن حنش عن على رضی
الله عنه، ولیس بقوى (٦٨:٦).
قلت: ز كاه شريك، وجاء إلی هشیم فأکرمه وقال أبو حاتم: یکتب حديثه ولا يحتج به،

٣٣
کیف یقضی إذا تنازع رجلان فى جدار أو خص
إعلاء السنن
٥٢١١- قلت: رواه ابن ماجه (ص ١٧٠) من طريق أبى بكر بن عياش عن
وهثم عن نمران ابن جارية عن أبيه: "أن قوما اختصموا إلى النبى عّ لّه فى خص كان
بينهم، فبعث حذيفة يقضى بينهم" الحديث.
كما فى "التهذيب" (٦٨:٦) فالرجل مختلف فيه، ولأن العرف جار بأن من بنى حائطا جعل وجه
الحائط إليه. ولنا عموم قوله عليه السلام: ((البينة على المدعى واليمين على من أنكر)). (قلت: وبه
احتج أبو يوسف ومحمد أيضا، فقالا: صاحب الوجه وصاحب القمط منكر، لكونه ذا اليد.
فالقول قوله مع يمينه. وعلى الآخر البيئة، فهو المدعى)، ولأن وجه الحائط ومعاقد القمط إذا كان
شريكين فيه، لا بد من أن يكون إلى أحدهما إذ لا يمكن كونه إليهما جميعا. فبطلت دلالته
كالتزويق. (قلت: نعم! لا بدل من ذلك إذا كانا شريكين، ولكن الكلام فى ثبوت الشركة، إذا
کان كل واحد منهما يدعى الجدار، أو الخص لنفسه وحده).
قال: وحديثهم لا يثبته أهل النقل، وإسناده مجهول، قاله ابن المنذر. (قلت: كلا، بل فيه
دهثم بن قرآن ضعيف، وبقية رجاله ثقات، ودهثم ليس بمجهول، فقد روى عنه أبو بكر بن عياش
ومروان بن معاوية وعبد الرحمن بن سليمان بن أبى الجون وسلمة بن الحسن الكوفى وغيرهم،
وذكره ابن حبان فى الثقات، وفى الضعفاء أيضا، وقال أحمد مرة: كان شيخا ليس به بأس
تهذیب) قال الشالنجی: ذكرت هذا الحدیث لأحمد فلم يقنعه، (لا دليل فیه على سقوطه عن
الاعتبار بالمرأة، غايته أنه لم يصححه، وذلك لا ينافى الحسن) وذكرته لإسحاق فقال: ليس هذا
حديثا، لم يصححه. قلت: نعم! ولكن ذلك لا ينافى الحسن) قال: وحديث على فيه مقال. (قلت:
نعم! وليس كل ما فيه مقال ساقطا).
قال: وما ذكروه من العرف، وليس بصحيح، فإن العادة وجه الحائط إلى خارج ليراه الناس،
كما يلبس الرجل أحسن أثوابه أعلاها الظاهر للناس، لیروه، فیتزین به، فلا دليل فيه اهـ (٤٣:٥،
(٤٤). قلت: هذا نادر فى الجدار والغالب فيه ما ذكره أبو يوسف ومحمد، وهو العرف القديم،
كما يدل عليه حديث حذيفة هذا، وأيده قضاء على بنحوه، وبالجملة فقول أبى حنيفة والشافعى
وأحمد، أقيس وأحوط، وقولهما أقوى وأحسن وأضبط لتأيده بالأثر، والله تعالى أعلم.
إذا تنازعا فى جدار، ولأحدهما خشب موضوع عليه:
فإن تنازعا فى جدار ولأحدهما خشب موضوع عليه، ترجح به الدعوى، وهو قول مالك،

٣٤
کیف یقضی إذا تنازع رجلان فى جدار أو خص
ج - ١٦
لأنه منتفع به بوضع ماله عليه، وورود الشرع بالنهى عن المنع منه. لا يمنع كونه دليلا على
الاستحقاق، وأما السماح به، فإن أكثر الناس لا يتسامحون به، ولهذا لما روى أبو هريرة الحديث
عن النبى عرّ ◌ُلِّ، طأطأوا رؤوسهم، كراهة لذلك. فقال: ما لى أراكم عنها معرضين، والله،
لأرمينكم بها بين أكتافكم، رواه ابن ماجة. وأكثر الفقهاء لا يوجبون التمكين من هذا، ويحملون
الحديث على كراهة المنع، لا على تحريمه، ولأن الحائط يبنى لذلك، فيرجح به.
ولو كان لكل واحد منهما جذوع فإن كانت ثلاثة أو أكثر، فهى بينهما نصفان سواء
استوت جذوع كل واحد منهما أو كانت لأحدهما أكثر، بعد أن كانت لكل واحد منهما ثلاثة
جذوع، لأنهما استويا فى استعمال الحائط، فاستويا فى ثبوت اليد عليه، ولو كان لأحدهما ثلاثة
جذوع، للآخر جذع، أو جذعان، فالقياس أن يكون الحائط بينهما نصفين وفى الاستحسان لا
يكون، بل القول قول صاحب الثلثة. وجه القياس أن زيادة الاستعمال بكثرة الجذوع، زيادة من
جنس الحجة، ولا يقع بها الترجيح، ألا ترى أنه لو كان لأحدهما ثلثة وللآخر أربعة كان الحائط
بينهما نصفين، دل أن المعتبر أصل الاستعمال، لا قدره، وقد استويا فيه وجه الاستحسان أن أصل
الاستعمال لا يحصل بما دون الثلاثة (١) لأن الجدار لا يبنى له عادة، وإنما يبنى لأكثر من ذلك إلا أن
الأكثر مما لا نهاية له. والثلاثة أقل الجمع الصحیح، فقيد به، فكان ما وراء موضع الجذوع لصاحب
الكثير، وأما موضع الجذع الواحد، فكذلك على رواية كتاب الإقرار، وإنما لصاحب القليل حق
وضع الحذع. لا أصل الملك، وعلى رواية كتاب الدعوى له موضع الجذع من الحائط، وما وراءه
لصاحب الكثير (البدائع ٢٥٧:٦).
وقال أصحاب أحمد: لا ترجح الدعوى بوضع الجذوع، وهو قول الشافعى رحمه الله لأن
هذا مما يسمح به الجار، وقد ورد الخبر بالنهى عن المنع منه، وعند الحنابلة هو حق يجب التمكين
منه. فلم ترجح به الدعوى، كإسناد متاعه إليه وتجصيصه وتزويقه، كذا فى "المغنى" (٤٢:٥).
وقد تقدم الجواب عما احتجوا به، فتذکر.
وإذا تداعى رجلان جدارا معقودا ببناء كل واحد منهما، وهو أن يكون متصلا بهما اتصالا
(١) وحكى الموفق فى "المغنى" عن أصحاب أبى حنيفة أن الحائط لا يبنى لواحدٍ ويبنى لاثنين فيرجح الدعوى بالجذعين ولا ترجح
بالجذع الواحد (٤٣:٥).

٣٥
کیف یقضی إذا تنازع رجلان فى جدار أو خص
إعلاء السنن
لا يمكن إحداثه بعد بناء الحائط تحالفا، وكان بيتهما. وكذلك إذا تساويا فى كونه محلولا من
بناءهما، أى غير متصل ببناءهما الاتصال المذكور، بل بينهما شق مستطيل، كما يكون بين
الحائطين اللذين ألصق أحدهما بالآخر، فهما سواء فى الدعوى، فإن لم يكن لواحد منهما بينة
تحالفا، ويجعل بينهما نصفين. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعى وأحمد وأبو ثور وابن المنذر، ولا
أعلم فيه مخالفا، لأن المختلفين فى العين إذا لم يكن لواحد منهما بينة فالقول قول من هى فى يده مع
يمينه. فإذا كانت فى أيديهما كانت يد كل واحد منهما على نصفهما، فيكون القول قوله فى
نصفها مع يمينه. وإن كان لأحدهما بينة حكم له بها، وإن كان لكل واحد منهما بينة قضى بها
بينهما نصفين، فإن لم يكن لهما بينة ونكلا عن اليمين كان الحائط فى أيديهما على ما كان، وإن
حلف أحدهما ونكل الآخر، قضى على الناكل، فكان الكل للآخر، وإن كان الحائط متصلا ببناء
أحدهما دون الآخر، فهو له مع يمينه، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد.
وقال أبو ثور: لا يرجح بالعقد ولا ينظر إليه. ولنا: أن الظاهر أن هذا البناء بنى كله بناء
واحد. فإذا كان بعضه لرجل، كان بقيته له، والبناء الآخر المحلول، الظاهر أنه بنى وحده، فإنه لو
بنى مع هذا كان متصلا به، فالظاهر أنه لصاحب الاتصال فوجب أن يرجح بهذا كاليد والأزج.
فإن كان لأحدهما عليه بناء كحائط مبنى عليه، أو عقد معتمد عليه، أو قبة ونحوها فهو له. وبهذا
قال الشافعى وأحمد. لأن وضع بناءه عليه بمنزلة اليد الثابتة عليه، لكونه منتفعا به مستعملا له، ولأن
الظاهر أن الإنسان لا يترك غيره يبنى على حائطه، وكذلك إن كان له عليه سترة كذا فى "المغنى"
(٤٢:٥)، ومثله فى "البدائع" (٢٥٧:٦).
وإن كان لأحدهما اتصال تربيع، وللآخر جذوع عليه فالحائط لصاحب التربيع، ولصاحب
الجذوع حق وضع الجذوع، وهذا على قول الطحاوى، وعلى قول الكرخى: صاحب الجذوع
أولى، ومنشأه اختلاف فى معنى التربيع، والبسط فى "البدائع"، فليراجع.
وهذه المسائل محل ذكرها كتاب الدعوى، وإنما ذكرناها ههنا استطرادا لما ذكره بعض
الأحباب من مسألة وضع الجذوع على جدار الجار بغير إذنه، ولذكر الموفق فى "المغنى" فى كتاب
الصلح، ولا يخفى على المتأمل المتفطن دلالة آثار الباب على تلك المسائل مع دلائل ذكرناها فى
كتاب الدعوى.

٣٦
ج - ١٦
باب يجوز إخراج الميازيب إلى الطريق الأعظم
أو إلى السكة النافذة ما لم يتقدم إليه أحد بالرفع والنقض
٥٢١٢- عن عبيد الله بن عباس، قال: كان للعباس ميزاب على طريق عمر، فلبس
ثيابه يوم الجمعة، فأصابه منه ماء بدم. فأمر بقلعه، فأتاه العباس، فقال: والله إنه للموضع
الذى وضعه رسول الله عَّ ◌ُله. فقال: أعزم عليك لما صعدت على ظهرى حتى تضعه فى
الموضع الذى وضعه رسول الله مَّ ◌ُّه، رواه أحمد، وذكر ابن أبى حاتم أنه سأل أباه عنه،
فقال: هو خطأ، ورواه البيهقى من أوجه أخر ضعيفة أو منقطعة، وأورده الحاكم فى
"المستدرك".
باب يجوز إخراج الميازيب إلى الطريق الأعظم
أو إلى السكة النافذة، مالم يتقدم إليه أحد بالرفع والنقض
قوله: "عن عبيد الله بن عباس إلخ"، قال العبد الضعيف: كلام الحافظ فى "التلخيص"
يوهم بظاهره أن أبا حاتم خطأ إسناد أحمد، وليس كذلك لأنه قال: سألت أبى عن حديث رواه
السقطى عن أسباط بن محمد عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم، وعن عبدالله بن عبيد الله بن
عباس عن أبيه، قال: كان للعباس ميزاب على ظهر الطريق فمر عمر، فذكر الحديث، قال أبى: هذا
خطأ، الناس لا يقولون هكذا (٤٦٥:١).
وهذا کمل تری فیه تخطئة ذ کر عبد الله بن عبيد الله عن أبيه فى الإسناد، و جعله موصولا،
والناس يقولون: عن هشام بن سعد عن عبيد الله بن عباس. منقطعا لا يذكرون عبد الله بينهما.
وهكذا رواه أحمد كما صرح به الهيثمى فى "مجمع الزوائد" فإسناد أحمد ليس من الخطأ فى
شىء. وقد عرفت أن الإرسال والانقطاع فى القرون الفاضلة ليس بعلة عندنا، لا سيما إذا تعدد
مخرجه، فهو حجة عند الكل وههنا كذلك، فإن للأثر طرقا عديدة عند البيهقى وغيره، كما يظهر
ذلك من مراجعة "وفاء الوفاء" للسمهودى.
قال الموفق فى "المغنى": ولا يجوز إخراج الميازيب إلى الطريق الأعظم ولا يجوز إخراجها
إلى درب نافذ إلا بإذن أهله. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعى: يجوز إخراجه إلى الطريق الأعظم،
لأن عمر رضى الله عنه اجتاز على دار العباس، وقد نصب ميزايا إلى الطريق، فذكر حديث المتن،
قالوا: وما فعله رسول الله عَّه فلغيره فعله، ما لم يقم دليل على اختصاصه به، ولأن الحاجة تدعو
إلى ذلك، ولا يمكنه رد مائه إلى الدار. ولأن الناس يعملون ذلك فى جميع بلاد الإسلام من غير

٣٧
جواز إخراج الميازيب إلى السكة النافذة وشرطه
إعلاء السنن
وفى إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف (التلخيص الحبير
٢٤٩:٢)، وفى "وفاء الوفاء" (٣٤٧:١): روى يحيى بسند جيد عن سفيان بن عيينة
عن موسى بن أبى عيسى، فذكره وأخرج له طرقا عديدة يقوى بعضها بعضا، وفى
"مجمع الزوائد" (٢٠٦:٤) بعد ما ذكر الأثر مفصلا: رواه أحمد، ورجاله ثقات إلا أن
هشام بن سعد لم يسمع من عبيد الله اهـ.
نكير. قال الموفق: ولنا أن هذا تصرف فى هواء مشترك بينه وبين غيره بغير إذنه، فلم يجز كما لو
كان الطريق غير نافذ. ولأنه يضر بالطريق وأهلها، فلم يجز كبناء دكة فيها، أو جناح يضر بأهلها،
ولا يخفى ما فيه من الضرر. فإن ماءه يقع على المارة وربما جرى فيه البول أو ماء نجس فينجسهم،
ويزيق الطريق ويجعل فيها الطين، والحديث قضية فى عين، فيحتمل أنه كان فى درب غير نافذ، أو
تجددت الطريق بعد نصبه، قال: ويحتمل أن يجوز ذلك، لأن الحاجة داعية إليه، والعادة جارية به
مع ما فيه من الخبر المذكور اهـ (٣٦:٥).
قلت: سلمنا أن فيه ضررا بأهل الطريق، ولكنه حل له الانتفاع بذلك قبل أن يتقدم إليه أحد
بالرفع والنقض، بوجود الإذن منهم دلالة، وهى ترك التقدم، والتصرف فى حق الغير بإذنه مباح
فإذا وقعت المطالبة بصريح النقض بطلت الدلالة، فبقى تصرفا فى حق مشترك بين الكل من غير
إذنهم ورضاهم، فلا يحل "البدائع" (٢٦٥:٦). قلت: وفيه الجمع بين ما فعله التبی مێے، وبین ما
فعله عمر رضى الله عنه، فإن فعله مَّ دل على إخراج الميازيب إلى طريق العامة وفعل عمر دل
على أن لكل واحد من المسلمين أن يتقدم إليه بالرفع والنقض، ولو كان ذلك حقا لصاحب الدار لم
يأمر بقلعه فلما أخبره العباس أنه عليه السلام نصبه، رده لأن الإمام له أن يأذن فى ذلك ويقوم إذنه
مقام إذن جميع المسلمين. كذا فى "التجريد" للقدورى "الجوهر النقى" (٦٦:٦ مع البيهقى).
وقال أبو يوسف ومحمد: لو أراد رجل أن يشرع إلى الطريق جناحاً(١) أو ميزابا، فإن كانت
السكة نافذة ينظر إن كان ذلك يضر بالمارة فلا يحل له أن يفعل ذلك فى دينه. لقوله عليه السلام:
((لا ضرر ولا ضرار فى الإسلام)). ولو فعل فلكل واحد(٢) أن يقلع عليه ذلك، وإن كان ذلك مما لا
يضر بالمارين، حل له الانتفاع، سواء تقدم إليه أحد بالرفع والنقض أو لم يتقدم وكذلك الحكم فى
(١) بالهندية: چهجه. (المؤلف).
(٢) وهذا هو محمل أثر عمر عندهما، (المؤلف).

ج - ١٦
جواز إخراج الميازيب إلى السكة النافذة وشرطه
٣٨
غرس الأشجار، وبناء الدكاكين، والجلوس للبيع والشراء على قارعة الطريق لأن حرمة التصرف
فى حق الغير ليس لعينه، بل للتحرز عن الضرر والإضرار بالمارة. فاستوى فيه حال ما قبل التقدم
وبعده هذا إذا كانت السكة نافذة. فأما إذا كانت غیر نافذة، فإن كان له حق فى التقديم، فليس
لأهل السكة حق المنع لتصرفه فى حق نفسه، وإن لم يكن له حق فى التقديم فلهم منعه سواء كان
لهم فى ذلك مضرة أولا، كذا فى "البدائع" ولم يذكر فى الأخيرة خلافا (٢٦٥:٦).
وقال الموفق فى "المغنى": لا يجوز أن يشرع إلى طريق نافذ جناحا، وهو الروشن(١) يكون
على أطراف خشبة مدفونة فى الحائط وأطرافها، خارجة فى الطريق سواء كان ذلك يضر بالمارة، أو
لا يضر، ولا يجوز أن يجعل عليها ساباطا بطريق الأولى، وهو المستوفى لهواء الطريق كله، على
حائطين سواء كان الحائطان ملكه أو لم يكونا، وسواء أذن الإمام فى ذلك أو لم يأذن. وقال ابن
عقيل: إن لم يكن فيه ضرر جاز بإذن الإمام. لأنه نائبهم فجری إذنه مجرى إذن المشتركين فى
الدرب الذى ليس بنافذ. وقال أبو حنيفة: يجوز من ذلك ما لا ضرر فيه، وإن عارضه رجل من
المسلمين وجب قلعه. وقال مالك والشافعى والأوزاعى وإسحاق وأبو يوسف ومحمد: يجوز ذلك
إذا لم يضر بالمارة، ولا يملك أحد منعه. لأنه ارتفق بما لم يتعين فيه ملك أحد من غير مضرة، فكان
جائزا كالمشى فى الطريق والجلوس فيها بدليل قوله مَّ له: ((منى مناخ سبق)).
قال: ولنا أنه بناء فى ملك غيره بغير إذنه فلم يجز كبناء الدكة أو بناء ذلك فى درب غير
نافذ بغير إذن أهله، قلنا: فرق بين النافذ وغير النافذ، فإن الأول لم یتعین فیه ملك لأحد بخلاف
الثانى. وما لم يتعين فيه ملك لأحد، يجوز التصرف فيه بحيث لا يضر بغيره، ولا يجعل جزوا منه
مختصا بنفسه ففارق الدكة. فإنها تجعل محلها مختصا بالبانى. ولا كذلك الروشن ونحوها، فإن
الرجل ينصبها فى جدار نفسه. ولا يشغل شيئا من الطريق غير الهواء.
قال: ولا نسلم أنه لا مضرة فيه، لأنه يظلم الطريق ويسد الضوء إلخ (٣٣:٥). قلنا: هذا
خروج عن المبحث، فإن الكلام فيما إذا لم يكن فيه مضرة بأن يكون الطريق واسعا لا يظلمه
الروشن، ولا يسد ضوءه، فافهم. قال: ولا يجوز أن يبنى فى الطريق دكانا بغير خلاف نعلمه،
سواء كان الطريق واسعا، أو غير واسع، سواء أذن الإمام فيه، أو لم يأذن. ولا يجوز أن يبنى
(١) اللفظ الصحيح فى الهندية: "روشندان" معناه نافذة للضوء (محمد إبراهيم خليل).

٣٩
إعلاء السنن
باب جواز قطع النزاع بين الخصمين بالإصلاح بينهما
٥٢١٣- عن کعب بن مالك، أنه تقاضی ابن أبی حدرد دینا کان له عليه فى
المسجد. فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله عّ لّه وهو فى بيته فخرج إليهما
حتى كشف بسحف حجرته، فنادى: يا كعب! فقال: لبيك. فقال: ((ضع من دينك
هذا)) وأومأ إليه أى الشطر، قال: قد فعلت يا رسول الله! قال: ((قم فاقضه)). رواه الجماعة
إلا الترمذى.
دكانا، أو يخرج روشنا، أو ساباطا على درب غير نافذ إلا بإذن أهله. وبهذا قال الشافعى (٣٤:٥).
قلت: وهو قولنا معشر الحنفية، كما فى "البدائع".
باب جواز قطع النزاع بين الخصمين بالإصلاح بينهما
أقول: دل الحديث على أن للحاكم أن يقطع النزاع بالإصلاح، لأن حكم القضاء فى الباب
كان إلجاء ابن أبى حدرد إلى قضاء دينه كاملا. ولكن لم يفعل ذلك رسول الله عَ ليه بل أشار على
كعب أن يضع شطر دينه فلما فعل ذلك، قال لأبى حدرد (قم فاقضه)).
وقال ابن تيمية فى "المنتقى" بعد إخراج هذا الحديث: وفيه من الفقه جواز الحكم فى
المسجد، وأن من قيل له بع، أو هب، أو أبرأ، فقال: قد فعلت صح ذلك منه، وأن الإيماء المفهوم
يقوم مقام النطق اهـ. وفيه نظر، أما أولا، فلأنه ليس فى الحديث ما يدل على جواز الحكم فى
المسجد، لأن رسول الله پێ إنما قضى فى بيته لا فى المسجد إلا أن يقال: إنه يدل على جواز
التخاصم فى المسجد، وهو يدل على جواز القضاء منه، لأن القضاء هو قطع النزاع، فلا معنى
لجواز الخصومة فى المسجد وعدم جواز قطعها فيه.
وأما ثانيا، فلأنه لا يصح قياس البيع والهبة على الإبراء، لأنه الإبراء يتم بفعل الواحد بخلاف
البيع والهبة، فإنهما لا يتمان إلا بالإيجاب والقبول. فلما قال البائع: بعت، فى جواب قوله: بع، لا
يخفى لصحة البيع بل يجب على المشترى أن يقول: قبلت، وكذا الهبة.
وأما ثالثا، فلأن كون الإيماء فى حكم النطق غير مسلم على الإطلاق، لأن فى الإيماء شبهة،
فلا يكفى فيما يندرئ بالشبهات. فانظر أيها الناظر! لما كان حال أئمة أهل الحديث فى فهم
الحديث والعمل به ما قد رأيت، فما ظنك بالذين هم من مقلديهم فى الحقيقة والكتم يدعون
الاجتهاد لأنفسهم ومع ذلك هم يطعنون إمام الأئمة أبا حنيفة بمخالفة الحديث، والعمل بالرأى،

٤٠
ج - ١١
باب التخارج
٥٢١٤- قال البخارى: وقال ابن عباس: "يتخارج الشريكان وأهل الميراث،
فيأخذ هذا عينا، وهذا دينا، فإن توى لأحدهما لم يرجع على صاحبه"، قال الحافظ فى
"الفتح" (٤: ٣٨١): وصله ابن أبى شيبة بمعناه.
فإلى الله المشتكى من ضلالهم وإضلالهم.
وفى الحديث دليل على أن أقضية رسول الله عّ لّه لم يكن كلها على وجه القضاء والإجبار،
بل بعضها كانت كذلك، وبعضها على وجه الإصلاح والمشورة، وله نظائر كما لا يخفى فتعيين
قضية أنها على وجه القضاء أو على وجه الإصلاح مفوض إلى اجتهاد المجتهد. فاحفظ هذا
التحقيق، فإنه ينفعك فى كثير من مواقع الخلاف، والله أعلم. قال العبد الضعيف: وقد تقدم
الجواب عن إيراد ابن حزم على الجمهور فى مسألة الباب أول الصلح، فليراجع.
باب التخارج
قوله: قال البخارى إلى آخر الباب. قال العبد الضعيف: دلالة الآثار على جواز التخارج،
وهو أن يصطلح الورثة على إخراج بعضهم من الميراث بمال معلوم ظاهرة. لأن حق الوارث قبل
القسمة غير متأكد، يحتمل السقوط بالإسقاط. ولا يشترط أن تكون أعيان التركة معلومة له،
ولا يجوز إخراجه عن نقدين وغيرهما بأحد النقدين، إلا أن يكون ما أعطى له أكثر من حصته
من ذلك الجنس ولا بد من حضور النقدين عند الصلح، وعلمه بقدر نصيبه، ولو بعرض، جاز
مطلقا لعدم الربا، وكذا لو أنكروا إرثه، لأنه حينئذ ليس ببدل، بل لقطع المنازعة كذا فى
"الدر مع الشامية" (٧٣٧:٤).
وقول ابن عباس: "فإن توى لأحدهما" إلخ. أراد أن يفلس من عليه الدين، أو يموت
أو يجهد فيحلف حيث لا بينة، ففى كل ذلك لا رجوع لمن رضى بالدين. قال ابن المنير: ووجهه
أن من رضى بذلك فهلك، فهو فى ضمانه اهـ من "فتح البارى".
واعلم أن امرأة عبد الرحمن بن عوف، وهى تماضر الكلبية كان طلقها عبد الرحمن تطليقة
ثالثة فی مرضه فتوفی، وهی فی عدتها، فورثها عثمان برأى على رضى الله عنهما، وأنکر ورثة عبد
الرحمن إرثها لكونها قد بانت منه قبل موته، فلأجل ذلك، والله أعلم، أخرجوها بأحد النقدين.
وفى التر كة نقدان وغيرهما، أو أعطوها من أحد النقدین أکثر من حصتها من ذلك الجنس، وقد مر