Indexed OCR Text
Pages 1-20
إغلا الشُنِن تأليف الحَّالنَّائِ العَلامِ مُوَلاَنَظّفَرَ اجِدِ الجُمَانِى الَّهَانُوِيَِّاللّ علىضوء ما أفاده جَكَمِ الأُفِ الأَمْرِالففية الدّاعِيّ ◌ِكَيمَوَلانا الشيخ اشْفَة ◌َلِ التّارِي أول طبعة على الكمبيوتر مزينة بترقيم الأحاديث، وعنوان البحث فى أعلى كل صفحة، مع تصحيح الأخطاء المطبعية الواقعة فى الطبعة السابقة الجزء السادس عشر إِلَخَارَةُ القُرُوَالْعَلَوْمِ الإِسْلَمِيَةُ أشرف منزل د/٤٣٧، كاردن الست ، كراتشى، باكستان جميع الحقوق محفوظة لإدارة القران يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والتسجيل المرئى وغيرها. ALL RIGHTS RESERVED FOR IDARATU LOURIN No part of this book may be reproduced on utilized in any form or by any means ١٤٠١ هـ الطبعة الأولى : ١٤٠٥ هـ الطبعة الثانية : ١٤١٥ هـ الطبعة الثالثة بالصف على الكمبيوتر: .......... بإدارة القرآن كراتشى الصف والطبع: نال شرف تصميمه على الكمبيوتر ووضع العناوين نعيم أشرف نور أحمد ..... على رأس الصفحات والإشراف على تصحيح نصوصه: فهیم اشرف نور احمد أشرف على طباعته : من منشورات إدارة القرآن والعلوم الإسلامية ٤٣٧/٢ گارڈن ایسٹ کراتشي ٥ باكستان الهاتف: ٧٢١٦٤٨٨ = ٧٢٢٣٦٨٨ ويطلب أيضاً من : باب العمرة مكة المكرمة ....... المكتبة الإمدادية السمانية المدينة المنورة مكتبة الإيمان الرياض - السعودية مكتبة الرشد ١٩٠ انار كلى لاهور إداره اسلاميات ٣ إعلاء السنن بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الصلح باب جواز الصلح ٥١٩٦- قال الدار قطنى: ثنا أبو عبد الله الفارسى من أصله نا عبد الله بن الحسين المصيصى نا عفان نا حماد بن زيد عن ثابت عن أبى رافع عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله عَّ بله: ((الصلح جائز من المسلمين))، كذا فى أصله، انتهى (الدارقطنى ص٣٠٠)، ورجاله ثقات. باب جواز الصلح قوله: ((الصلح جائز)) أقول: هذا القدر من الإجمال متفق عليه، واختلفوا فى بعض تفاصيله، فقال الشافعى: لا يجوز الصلح على الإنكار، واحتج بما ورد فى بعض طرق الحديث المذكور: ((إلا صلحا أحل حراما أو حراما حلالا)). والجواب عنه: أن ليس فى الصلح على الإنكار تحليل الحرام، ولا تحريم الحلال، إذ المراد من الحلال والحرام ما هو معلوم الحل والحرمة، وليس المال الذى يعطيه المنكر على وجه الصلح معلوم الحرمة، إذ يحتمل أن يكون كاذبا فى إنكاره، فلا يحكم عليه بأنه صلح حلل حراما، وبأنه غير جائز. ولو سلم أنه صادق فيجوز أن يعطى المال لافتداء اليمين، وهو جائز، نعم! لا يجوز فى هذه الصورة الأخذ للمدعى إلا أنه حكم الديانة لا القضاء، وكلامنا فى القضاء لا الديانة، فتدبر. تحقیق معنی الصلح و تقسيمه: قال العبد الضعيف: الصلح معاقدة يتوصل بها إلى إصلاح بين المختلفين، ويتنوع أنواعا صلح بين المسلمين وأهل الحرب وصلح بين أهل العدل وأهل البغى وصلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما قال الله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله﴾ وقال: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾، وقال: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير﴾، وصلح بين المختلفين فى الأموال، وهو ٤ ج - ١٦ جواز الصلح ٥١٩٧- وأخرجه أيضاً من طريق كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبى هريرة، أن النبى عَّم قال: ((المسملون على شروطهم، والصلح جائز من المسلمين)). وأخرجه أيضاً أبو داود بهذه الطريق، وسكت عليه. وأخرجه أيضاً أحمد من طريق سليمان بن بلال عن العلاء عن أبيه عن أبى هريرة، كما فى "النيل" (١٢٦:٥)، وله شواهد من حديث عمرو بن عوف، أخرجه الترمذى، وغيره من طريق كثير بن عبد الله جائز بالسنة، قال النبى عّ: ((الصلح بين المسلمين جائز إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما)). رواه الترمذى، وقال: حديث حسن صحيح، ولا يضر ما تعقب به، فإن البخاری حسن حديث كثير بن عبد الله هذا فى الساعة التى ترجى يوم الجمعة، كما فى "التهذيب" (٤٢٢:٨). تحقيق حديث الصلح جائز بين المسلمين والجواب عن جرح ابن حزم فى راويه: وأيضا فالحديث رواه أبو داود من طريق كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبى هريرة، وهما اثنان اشتركا فى الاسم وسياق المتن، واختلفا فى النسب والسند، ولكن ابن حزم ظنهما واحدا، فقال: كثير بن عبد الله، وهو كثير بن زيد ساقط متفق على إطراحه، وأن الرواية لا تحل عنه، ورده عليه الخطيب ففرق بينهما، وقال: كثير بن زيد لم يوصف بشىء مما قال (التهذيب ٤١٥:٨)، بل وثقه ابن معين، فقال: ليس به بأس، وقال مرة: صالح، وقال ابن عمار الموصلى: ثقة، وقال أبو زرعة: صدوق فیه لین، وقال أبو حاتم: صالح ليس بالقوى يكتب حديثه، وقال ابن عدى: لم أر به بأسا، وأرجو أنه لا بأس به، وذكره ابن حبان فى "الثقات"، كما فى "التهذيب" أيضا: وروى عن عمر فى كتابه إلى أبى موسى الأشعرى رضى الله عنهما مثل ذلك. وقد تقدم أنه كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول. وهذا الباب للصلح بين المتخاصمين فى الأموال، وهو نوعان: صلح على إقرار، وصلح على إنكار، ولم يسلم الخرقى الصلح إلا فى الإنكار خاصة، وقال: من اعترف بحق فصالح على بعضه لم يكن ذلك صلحا، لأنه مضم للحق، لأنه صالح عن بعض ماله ببعض، وهذا باطل، سواء كان بلفظ الصلح أو بلفظ الإبراء، أو بلفظ الهبة المقرون بشرط، مثل أن يقول: أبرأتك عن خمس مائة، أو وهبت لك خمس مائة بشرط أن تعطينى ما بقى، ولم لم يشترط إلا أنه لم يعط بعض حقه إلا پاسقاط بعضه، فهو حرام أيضا، لأنه هضمه حقه. قال ابن أبى إسحاق: الصلح على الإقرار هضم للحق، فمتى ألزم المقر له ترك بعض حقه ٥ جواز الصلح إعلاء السنن ابن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده، وصححه. ونوقش تصحيحه بأن فيه كثير بن عبد الله، وقد رمی بالكذب. فتركه عن غير طيب نفس منه، لم يطب الأخذ، وإن تطوع المقر له بإسقاط بعض حقه بطيب من نفسه جاز، غير أن ذلك ليس بصلح، فإذا اعترف بشىء وقضاه من جنسه فهو وفاء، وإن قضاه من غير جنسه فهى معاوضة، وإن أبراه من بعض اختيارا منه فهو إبراء، وإن وهب له بعض العين بطيب نفس فھی هبة، فلا یسمی ذلك صلحا. ولأجل ذلك قال الخرقى: والصلح الذى يجوز هو الصلح على الإنكار، بإن يكون للمدعى حق لا يعلمه المدعى عليه، فيصطلحان على بعضه فإن كان يعلم ما عليه فجحده فالصلح باطل. قال ابن أبى موسى: وسماه أى الصلح على الإقرار القاضى وأصحابه صلحا، وهو قول الشافعى، والخلاف فى التسمية، أما المعنى فمتفق عليه، وهو فعل ما عدا وفاء الحق وإسقاطه على وجه يصح، كذا فى "المغنى" (٩:٥ و ١٠). الصلح على الإنكار صحيح، وإقامة الحجة على ذلك: وبالجملة إن الصلح على الإنكار صحيح، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد، وقال الشافعى: لا يصح. وهو قول ابن أبى ليلى، ولكنهما جوزا الصلح على السكوت الذى لا إقرار معه، ولا إنكار، وجوزه الشافعى على إسقاط اليمين، وأن يقر إنسان عن غيره ويصالح عنه بغير أمره. وقال أبو سليمان بجواز الصلح على إسقاط اليمين، وقال مالك وأبو حنيفة: الصلح على الإنكار وعلى السكوت الذى لا إقرار معه ولا إنكار جائز، وقال ابن حزم: لا يصح الصلح البتة على الإنكار، ولا على السكوت، ولا على إسقاط يمين قد وجبت، ولا على أن يصالح مقر على غيره وهو منكر، وإنما يجوز الصلح مع الإقرار بالحق فقط (المحلى ١٦٠:٨). واحتجوا بأنه عاوض على ما لم يثبت له فلم تصح المعاوضة. كما لو باع مال غيره، ولأنه عقد معاوضة خلا عن العوض فى أحد جانبيه فبطل، كالصلح على حد القذف، ولنا عموم قوله عليه السلام: ((الصلح بين المسلمين جائز)). فيدخل هذا فى عمومه ولأن الصلح يجب أن يكون معاوضة، وإنما هو عقد يتوصل به إلى إصلاح بين المتخاصمين، سواء كان معاوضة أو لا، بل الأصل فى الصلح أن لا يكون معاوضة، كما مر فى كلام الخرقى لأن عقد المعاوضة يسمى بيعا، أو إجارة، والصلح غيرهما، لدلالة افتراق اللفظ على افتراق المعنى. ٦٠٠ ج - ١٦ جواز الصلح ومن حديث أنس وعائشة عند الدار قطنى (ص ٣٠٠)، وفى إسنادهما عبد العزيز ابن عبد الرحمن، ضعفه أحمد والنسائى وابن حبان، وقال ابن حجر: "إسنادهما واهٍ". فإن قالوا: فقد قال عَّهِ: ((إلا صلحا أحل حراما)) وهذا داخل فيه، لأنه لم يكن له أن يأخذ من مال المدعى عليه، فحل بالصلح. قلنا: لا نسلم دخوله فيه ولا يصح حمل الحديث على ما ذكروه لوجهين: أحدهما: أن هذا يوجد فى الصلح على الإقرار بمعنى البيع أيضا، فإنه يحل لكل واحد منهما، ما كان محرما عليه قبله، وكذلك الصلح بمعنى الهبة فإنه يحل للموهوب له ما كان حراما عليه، والصلح بمعنى الإسقاط لأنه يحل له ترك أداء ما كان واجبا عليه. والثانى: أنه لو حل به المحرم لكان الصلح صحيحا. فإن هذا هو شأن العقود الشرعية الصحيحة. ألا ترى أن البيع يحل البائع والمشترى ما كان حراما عليهما قبله، والنكاح الصحيح يحل للزوجين من التمتع ما كان حراما عليهما. إنما معنى الحديث ما يتوصل به إلى تناول المحرم مع بقاءه على تحريمه. كما لو صالحه على استرقاق حر، أو إحلال بضع محرم، أو صالحه بخمر أو خنزير، وليس ما نحن فيه كذلك. على أنهم لا يقولون بهذا، فإنهم يبيحون لمن له حق يجحده غريمه أن يأخذ من ماله بقدره، أو دونه. كما مر فى باب مسألة الظفر. فإذا حل له ذلك من غير اختياره ولا علمه فلأن يحل برضاه وبذله بالصلح أولى. وكذلك إلى حل مع اعتراف الغريم، فلأن يحل مع جحده وعجزه عن الوصول إلى حقه إلا بذلك أولى. ولأن المدعى ههنا يأخذ عوض حقه الثابت له، والمدعى عليه يدفعه لدفع الشر عنه، وقطع الخصومة، ولم يرد الشرح بتحريم ذلك فى موضع. ومن ادعى فعليه البيان. ولأنه صلح يصح مع الأجنبى فصح مع الخصم كالصلح مع الإقرار. بيانه أنه إذا صح مع الأجنبى مع غناه عنه فلأن يصح مع الخصم مع حاجته إلیه أولی. وقولهم: إنه معاوضة، قلنا: فى حقهما أم فى حق أحدهما؟ الأول ممنوع، والثانى مسلم. وهذا لأن المدعى يأخذ عوض حقه من المنكر لعلمه بثبوت حقه عنده فهو معاوضة فى حقه. والمنكر يعتقد أنه يدفع المال لدفع الخصومة واليمين عنه، ويخلصه من شر المدعى، فهو إبراء فى حقه. وغير ممتنع ثبوت المعاوضة فى حق المتعاقدين دون الآخر. كما لو اشترى عبدا شهد بحريته، فإنه يصح. أو اشترى مسلما أسيرا فى دار الحرب ممن أسره واسترقه، ويكون معاوضة فى حق البائع، واستنقاذا له من الرق فى حق المشترى، كذا ههنا. ٧ جواز الصلح إعلاء السنن (النيل ١٢٦:٥)، ومن حديث عمر موقوفا، أخرجه الدار قطنى فى كتاب الأقضية (ص٥١٢٫). ومن حديث عطاء مرسلا، أخرجه ابن أبى شيبة (نيل الأوطار ١٢٦:٥). إذا ثبت هذا فلا يصح هذا الصلح فى الباطن، إلا أن يكون المدعى معتقدا أن ما ادعاه حق. والمدعى عليه يعتقد أنه لا حق عليه، فيدفع إلى المدعى شيئا، افتداء ليمينه، وقطعا للخصومة، وصيانة لنفسه عن التبذل وحضور مجلس الحاكم، فإن ذوى النفوس العالية الشريفة، وأصحاب المرؤة يصعب عليهم ذلك، ويرون دفع ضررها عنهم من أعظم المصالح، والشرع لا يمنعهم من وقاية أنفسهم وصيانتها، ودفع الشر عنهم ببذل أموالهم، كما مر فى باب افتداء اليمين بمال. والمدعى يأخذ ذلك عوضا عن حقه الثابت له فلا يمنعه الشرع من ذلك أيضا، سواء كان الماخوذ من جنس حقه، أو من غیر جنسه بقدر حقه، أو دونه، فإن أخذ من جنس حقه بقدره فهو مستوف له، وإن أخذ دونه فقد استوفى بعضه وترك بعضه، وإن أخذ من غير جنس حقه فقد أخذ عوضه، ولا يجوز أن يأخذ من جنس حقه أكثر مما ادعاه. لأن الزائد لا مقابل له، فيكون ربا، والآخذ ظالما بأخذه. وإن أخذ من غير جنسه جاز، ويكون بيعا فى حق المدعى لاعتقاده أخذه عوضا، فيلزمه حكم إقراره من الشفعة ونحوها، ويكون فى حق المنكر بمنزلة الإبراء، لأنه دفع المال افتداء ليمينه ودفعا للضرر عنه، لا عوضا عن حق يعتقده. فأما إن كان أحدهما كاذبا، مثل أن يدعى المدعى شيئا يعلم أنه ليس له، أو ينكر المنكر حقا يعلم أنه عليه، فالصلح باطل فى الباطن، لأن المدعى إذا كان كاذبا فما يأخذه أكل مال بالباطل. أخذه بشره وظلمه وبدعواه الباطلة، لا عوضا عن حق له، فيكون حراما عليه كمن خوف رجلا بالقتل حتى أخذ ماله. وإن كان صادقا، والمدعى عليه يعلم صدقه وثبوت حقه، فجحده لينتقص حقه أو يرضيه عنه بشىء، فهو هضم للحق، وأكل مال بالباطل، فيكون حراما. والصلح باطل. ولا يحل له مال المدعى بذلك، وأما الظاهر لنا فهو الصحة، لأننا لا نعلم باطن الحال، وإنما يبنى الأمر على الظاهر، والظاهر من المسلم السلامة، قاله الموفق فى "المغنى" (١٢:٥). وهو قولنا معشر الحنفية سواء. الرد على ابن حزم فى إبطاله الصلح على الإنكار مطلقاً: وبهذا ظهر بطلان احتجاج ابن حزم على إبطال الصلح بالإنكار مطلقا، بقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾. فقد عرفت أنه إنما يكون أكل مال بالباطل إذا ادعى المدعى شيئا يعلم أنه ليس له، أو يجحد المنكر حقا يعلم أنه عليه، فيكون الصلح باطلا فى الباطن، وأما إذا ٨ جواز الصلح ج - ١٦ وقال فى "النيل": لا يخفى أن الأحاديث المذكورة، والطرق يشهد بعضها لبعض، فأقل أحوالها أن يكون المتن الذى اجتمعت عليه حسنا (١٢٦:٥). ادعى المدعى شيئا يعتقد أنه له، وأنكره المدعى عليه لكونه لا يعلمه، فكيف يكون الصلح باطلا؟ وكيف يكون ذلك من أكل المال بالباطل؟ وبهذا اندحض قول ابن حزم: إن الصلح على الإنكار أو السكوت لا يخلو ضرورة من أحد وجهين: إما أن يكون الطالب طالب الحق، والمطلوب مانع حق، أو مما طلا لحق. أو يكون الطالب طالب باطل اهـ. قلنا: فاتك قسم ثالث. وهو أن يكون الباطل طالب حق، والمطلوب ناسيا لحقه، فلا يكون مانع حق ولا مماطلا له، وإذا كان الظاهر من المسلم السلامة، نحمل الصلح مع الإنكار على ذلك، ونكل الباطن إلى الله. ولعمرى! إننا يطول عجبنا كيف خفى هذا الذى هو أظهر من الشمس على من أنكر الصلح بغير إقرار. من العجائب احتجاج ابن حزم بقصة العسيف على إبطال الصلح: ومن العجائب احتجاجه بقصة العسيف، الذى زنى بامرأة من كان عسيفا عليه، فقالوا لأبيه: على ابنك الرجم، فقداه منه بمائة من الغنم، ووليدة. (وفى رواية أبى بكر الحنفى: فقال لى بالإفراد. وكذا عند أبى عوانة من رواية ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب. فإن ثبتت فالضمير فى قوله: ((فافتديت منه)) لخصمه. وكأنهم ظنوا أن ذلك حق له يستحقه، وله أن يعفو عنه على مال يأخذه. وهذا ظن باطل. كذا فى "فتح البارى" (١٢٣:١٢). فقال رسول الله عّ ◌ُله: ((أما الوليدة والغنم فرد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام)) الحديث. قال ابن حزم: فأبطل رسول الله عَ ل هذا الصلح وفسخه اهـ (١٦١:٨). قلت: ومن الذى يقول بجواز مثل هذا الصلح من خصومك؟ فقد اتفقوا على بطلان المصالحة عن الحدود، سواء كانت مع إقرار المدعى عليه، أو إنكاره. وأين فيه إبطال صلح المتخاصمين فى الأموال مع إنكار المدعى عليه؟ أفبمثل هذا تجارى العلماء وتعارض الأئمة الفقهاء؟ فانظروا معاشر من أنكر تقليد الأئمة من السلف إلى رئيسكم إمام أهل الظاهر، ودرجته فى فهم الحدیث وفقهه، فما ظنكم بغيره من علمائكم الذين هم فى الحقيقة مقلدون لابن حزم وتبع له فيما ينبحون على منواله. وأما قوله: إن قوله تعالى: ﴿والصلح خير وأوفوا بالعقود﴾ ليسا على عمومهما بإجماع المخالفين لنا. وأن الله تعالی لم یرد قط کل صلح، ولا کل عقد. وإن امرا لو صالح علی إباحة فرجه، ٩ جواز الصلح إعلاء السنن أو فرج امرأته، أو على خنزير، أو على خمر، أو على ترك صلاة، أو على إرقاق حر، لكان هذا صلحا باطلا لا يحل، وعقدا فاسدا مردودا اهـ. ففيه أن قوله تعالى ذلك إنما يعم كل ما يحتمل الخيرية بدليل قوله: خير، وما يصلح محلا، فعقد من أهل الإسلام بدليل الخطاب، وأما ما لا يحتمل الخيرية ولا يصلح محلا للعقد من المسلمين، فلا يعمه أصلا. وقد صح عنه عَ له: ((الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا، أو حلل حراما)). وقد أجبنا عن جرحك فيه، وهو يعم الصلح على الإقرار، وعلى الإنكار، والسكوت سواء. وأما قوله: إن الصلح على ترك اليمين لا تخلو تلك اليمين التى يطلب بها المنكر من أن تكون صادقة إن حلف بها، أو تكون کاذبة إن حلف بها، ولا سبیل إلی ثالث. قلت: بل فیه سبیل إلى ثالث ورابع كما سنبينه. فإن كان المطلوب كاذبا إن حلف، فقد قدمنا أنه آكل مال خصمه بالباطل، والظلم، والكذب قلت: نعم، هو كذلك عندنا فى الباطن. وإن كان المطلوب صادقا إن حلف فحرام على الطالب أن يأخذ منه فلسا فما فوقه بالباطل اهـ. قلنا: نعم! إذا كان المدعى يعلم كذبه وصدقه خصمه، ويحتمل أن يكون المطلوب صادقا فى زعمه إن حلف، وكاذبا عند المدعى، فكيف يحرم على الطالب أن يأخذ منه حقه؟ ويحتمل أن لا يكون المطلوب صادقا فى زعمه إن حلف، ولا كاذبا، بل يكون مترددا، والطالب يعتقد أن له عليه حقا، فكيف يكون الطالب آكلا ماله بالباطل والمطلوب آثما فى تركه اليمين للتردد، وافتداءه منه بما بذله من المال؟ والعجب ممن يتوحش من تقاسيم أبى حنيفة ومنشأها الجمع بين مختلف الأحاديث، كيف يفرح بهذه التقاسيم المخترعة التى لا يخفى فسادها على من له أدنى مسكة بالعلم وإلمام بالعقل، فاظروا معاشر من أنكر تقليد الأئمة الفقهاء! اجتهاد رئيسكم من علماء أهل الظاهر ودرجته فى الفهم والعقل. الجواب عن احتجاجه بأثر شريح: وأما ما رواه من طريق حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين، فقال: كان لرجل على رجل حق فصاحه عنه، ثم رجع فیه، فخاصمه إلی شریح فقال له شریح: شاهدان ذوا عدل أنه تركه، ولو شاء أديته إليه. فأين فيه إبطال الصلح على الإنكار؟ فيحتمل أن يكون المدعى كان قد ادعى الصلح على الإقرار، فقال له شريح: شاهدان ذوا عدل أنه تركه إلخ. وكذا لا حجة له فيما رواه من طريق ابن أبى شيبة نا ابن أبى زائدة عن اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى عن شريح، قال: أيما امرأة صولحت عن ثمنها ولم يبين لها ما ترك زوجها فتلك الريبة كلها. فأين فيه ١٠ ج - ١٦ جواز الصلح ٥١٩٨- روينا من طرق كثيرة، منها: عن سفيان بن عيينة وو کیع وهشیم وابن أبى زائدة كلهم عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى، قال: أتى على بن أبى طالب فى شىء، فقال: إنه لجور، ولولا أنه صلح لرددته (المحلى ١٦٢:٨) وسنده صحيح، والشعبى قد رأى على بن أبى طالب. وأخرج البخارى فى الرجم عنه عن على حين رجم المرأة قال: "رجمتها بسنة النبى معَّ". وذكر الخطيب: أن الشعبى سمع من على رضى الله عنه، وقد روى عنه عدة أحاديث. قاله المنذرى فى "مختصره". وقد نفى بعضهم سماعه من على، والمثبت مقدم على النافى. وقد مر غير مرة أن مراسيل الشعبى صحاح. إبطال هذا الصلح؟ وغاية ما فيه أنه ريبة. وأما إن الريبة تبطل الصلح، فالأثر ساكت عنه، وقد اعترفت بصحة البيع مع التصرية، وهى غش وغرور. فمن أين لك أن تبطل الصلح مع الريبة؟ ومن . ادعی فعلیه البيان. قوله: روينا من طرق كثيرة إلخ. قال العبد الضعيف: ومعنى الحديث أن المدعى كان يدعى على خصمه حقا وهو ينكره، ولم يكن للمدعى بينة، فصالحه المدعى عليه بشىء من المال، فقال على: إنه لجور. أى لم يكن للمدعى فى القضاء أن يأخذ من خضمه شيئا ولا بينة له، ولو لا أنهما تصالحا، وزال الجور بالصلح لرددته. تخطئة ابن حزم فى معنى قرل على فى الصلح: ولم يتنبه ابن حزم لهذا المعنى فرد الحديث، لكونه غير معقول المعنى عنده، فقال: هو خبر سوء يعيذ الله عليا فى سابقته وفضله وإمامته من أن ينفذ الجور، وهو يقر أنه جور، ويا سبحان الله! هل يجوز لمسلم أن ينفذ الجور؟ (١٦٤:٨). قلت: كلا! ولكنه إنما أنفذه لزوال الجور بالصلح وبرضا المتخاصمين. ومن عرف معنى الجور والصلح علم أنهما لا يجتمعان فى شىء أبدا، لكون الجور أخذ ملك الرجل من غير رضاه، وانعقاد الصلح بتراضى المتخاصمين. قال: والآفة فى هذا الخبر والبلية من قبل الإرسال، لأن الشعبى لم يسمع من على كلمة. قلت: هذا من إطلاقاته المردودة. فقد روى البخارى عنه عن على قصة . رجم المرأة وسماعه منه قوله: رجمتها بالسنة. فكيف يصح القول بأنه لم يسمع منه كلمة؟ وقد ذكرنا عن الخطيب: أنه سمع منه روى عنه عدة أحاديث. قال: وإنما أخذ هذا الخبر بلا شك من قبل الحارث وأشباهه. قلت: لم يتهم الشعبى أحد بالتدليس عن الضعفاء. أفلا يستحق ابن حزم من ١١ جواز الصلح إعلاء السنن ٥١٩٩- عن محارب بن دثار عن عمر، أنه قال: ردوا الخصوم حتى يصلطحوا، فإن فصل القضاء يورث بين القوم الضغائن (المحلى ١٦٢:٨ و٤٢٣:١١)، وقال: هو أحسن طرقه. ثم أعله بالإرسال، لأن محاربا لم يدرك عمر اهـ. قلت: ولكنه أدرك ابن اتهامه مثل الشعبى فى جلالته وإمامته بما لم يتهمه به أحد قبله؟ نعم، كان يرسل ولا يكاد يُرسل إلا صحيحا. وقد مر غير مرة قول العجلى: إن مرسل الشعبى صحيح، وذكرناه فى "المقدمة" أيضا. فجزم ابن حزم بكونه أخذه من الحارث وأشباهه رد عليه. فإن ذلك ليس بمحتمل، فضلا أن يجزم به من غير دليل، وهذا هو الظن الذى هو أكذب الحديث، وكم من أحاديث قد ردها ابن حزم بظنه ولا يبالى، ثم يطعن خصمه إذا رد حديثا لمخالفته الأصول القطعية الثابتة بنص الكتاب، أو السنة المشهورة، فإلى الله المشتكى. يستحب للقاضى أن يدعو الخصوم إلى الصلح، لا سيما فى موضع الاشتباه: قوله: عن محارب إلخ: قد مر فى أدب القاضى أن فيه دليلا على أن القاضى مندوب إلى أن يدعوا الخصم إلى الصلح، خصوصا فى موضع الاشتباه. فقد كتب عمر إلى معاوية رضى الله عنهما: عليك بالصلح بين الناس ما لم يستبن لك فصل القضاء. وقال الحافظ فى "الفتح": أشار البخارى بقوله: هل يشير الإمام بالصلح؟ إلى الخلاف فى ذلك فالجمهور استحبوا للحاكم أن يشير بالصلح وإن اتجه الحق لأحد الخصمين، ومنع من ذلك بعضهم، وهو عن المالكية. وحجة الجمهور حديث عائشة رضى الله عنها قالت: سمع رسول الله مَّ له صوت خصوم بالباب عالية أصواتهم، وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه فى شىء، وهو يقول: والله لا أفعل. فخرج عليهما رسول الله عَّه، فقال: ((أين المتألى على الله لا يفعل المعروف؟ فقال: أنا يا رسول الله! فله أى ذلك أحب)). وفيه أنه ◌ّ أشار بالصلح بعد معرفته باتجاه الحق لأحدهما، لكون الآخر يستوضعه ويسترفقه فيه، وهو اعتراف منه بأن الخصم يستحق عليه ما يطلبه. وبحديث كعب بن مالك: ((أنه كان له على عبد الله بن أبى حدرد الأسلمى مال، فلقيه، فلزمه، حتى ارتفعت أصواتهما، فقال رسول الله ◌ُ له: ((يا كعب! فأشار بيده كأنه يقول النصف فأخذ نصف ماله عليه وترك نصفا»، أخرجهما البخارى، وفيه أيضا إشارته عّ لّه: بالصلح بعد معرفته باتجاه الحق لأحدهما (١٣: ١٥٩). وممن رأى الإصلاح بين الخصمين شريح، وعبد الله بن عقبة، وأبو حنيفة، والشعبى، والعنبرى، وروى عن عمر رضى الله عنهم. قاله الموفق فى "المغنى" (٣٩٩:١١). ١٢ ج - ١٦ جواز الصلح عمر، وعبد الله بن يزيد الخطمى، وجابرا، وهو ثقة حجة مطلقا، ثقة مأمون، من رجال الجماعة، قد كملت فيه خصال السؤد وقال سفيان: "ما يخيل إلى أنى رأيت زاهدا أفضل من محارب" اهـ (التهذيب ٥٠:١٠). وإرسال مثله ليس بعلة عندنا، لا سيما ولم يتهمه أحد بالتدليس عن الضعفاء، ورواه البيهقى فى "السنن" (٦٦:٦) من رواية على بن بذيمة الجزرى عن عمر، والمرسل إذا تعدد مخرجه فهو حجة عند الكل. الرد على ابن حزم فى إنكاره قول عمر ردوا الخصوم حتى يصطلحوا: وأنكره ابن حزم، وقال: هذا لا يصح عن عمر أصلا، لأنه عن محارب عن عمر، ومحارب لم يدرك عمر، ومحارب ثقة فهو مرسل، اهـ. قلنا: فهو مرسل صحيح الإسناد لكون رواته كلهم ثقات، فبطل قولك: أنه لا يصح عن عمر أصلا، لا سيما وله طرق عديدة. وعهدنا بك أنك تحتج بالمرسل إذا وافق غرضك، كما نبهنا على ذلك غير مرة. وأما قولك: ما حد هذا الترديد؟ قلنا: هو موكول إلى رأى الحاكم إذا طمع أن يصطلح الخصمان يردهما المرة والمرتين، فإن لم يطمع فى ذلك فصل القضاء، وأما قولك: يعيذ الله عمر من أن يقول بترديد ذى الحق ولا يقضى له بحقه، هذا الظلم والجور اللذان نزه الله تعالى عمر فى إمامته ودينه وصرامته فى الحق من أن يفوه به اهـ، فمن أنبأك أنه قال برد الخصوم بعد ثبوت الحق لأحدهما بالبينة ونحوها؟ وإنما معناه ردهم قبل إقامة المدعى البينة أو يمين(١) المدعى عليه، وليس فى ذلك تردید ذی الحق لعدم تعیینه بعد. ولا يخفى أن القاضى ليس على يقين من إيصال الحق إلى مستحقه بفصل القضاء بالبينة، أو يمين المنكر، لاحتمال كذب الشهود، وكذب المدعى عليه فى يمينه، بدليل قوله معد له: ((إنكم تختصمون إلى وإنما أنا بشر، فلعل أحدكم أن يكون أعلم بحجته من بعض، فأقضى له بما أسمع وأظنه صادقا، فمن فضيت له بشىء من حق صاحبه فإنما هى قطعة من النار، فليأخذها أو ليدعها)»، رواه النسائي واللفظ له، فلما لم يكن رسول الله عرّ له على يقين فى حكمه وقضائه من إيصال الحق إلى مستحقه، فكيف بمن هو دونه؟ فليس فى ترديد الخصوم حتى يصطلحوا ترديد ذى الحق، ولا ترك القضاء بحقه. (١) قال فى "البحر": والصلح بعد الحلف لا يصح، كالصلح مع المودع بعد دعوى الاستهلاك اهـ (٢٥٦:٦)، وما مشى عليه فى "الأشباه" من أنه يصح رواية محمد عن أبى حنيفة، وما مشى عليه فى "البحر" قولهما، وهو الصحيح، كما فى "منحـ الخالق عن معين المفتى . ١٣ جواز الصلح إعلاء السنن ٥٢٠٠- عن عروة عن عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما: أنه حدثه أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند النبى عٍَّ فى شراج الحرة التى يسقون بها النخل، فقال بل حاصله حملهما على إصلاح ذات البين، ورفع الخصومة بتراضى الطرفين، يدل على ذلك قول عمر عند البيهقى: ردوا الخصوم لعلهم أن يصطلحوا فإنه أبرأ للصدق وأقل للخيات اهـ (٦٦:٦)، أى أقل للعداوة، وليس شىء من ذلك ظلما وجورا، كما لا يخفى على عاقل، وفيه الاجتناب عن فصل القضاء بشهادة شهود لا سبيل إلى العلم بصدقهم، فتحتمل الشهادة الصدق والكذب سواء، أو بيمين المطلوب، وهو غير مأمون عليها. وإنما يجب فصل القضاء على الحاكم إذا تحققت الخصومة واستقرت. وإلا فلو كان على رجا من ارتفاعها وزوالها بغير ذلك فلا يجب عليه، ومن ادعى فعليه البيان، وما ذا يقول ابن حزم فى حديث عائشة وكعب بن مالك وفيهما إشارته عَّ بالصلح بعد معرفته باتجاه الحق لأحد الخصمين؟ فاندحض بذلك قوله: إن ترك الحكم بينهم حتى ينزل المحق على حكم المبطل، أو بترك الطلب، أو يمل من طلب المبطل، فيعطيه ماله بالباطل، أشد توريثا للضغائن بين القوم من فصل القضاء بلا شك اهـ (١٦٤:٨). فإن ذلك خلاف المشاهد من أحوال الخصوم. فإنهم إذا اصطلحوا وتراضوا بينهم على شىء، تزول ما فى قلوبهم من الضغائن. فهل ترى رسول الله عّ لله أنه أنزل المحق على حكم المبطل، أو ترك الطلب فيعطيه ماله بالباطل؟ وإلا فما الفرق بين هذا وبين ما قاله الجمهور من استحباب أن يشير الحاكم على المتخاصمين بالصلح؟ ومن قال منهم بوجوب هذه الإشارة وترك الحكم وإنزال المحق على حكم المبطل حتى يترك الطلب، أو يمل من الطلب؟ فلم يقولو قط بترك الحكم إذا احتمل فيه ذلك، بل قالوا بوجوب فصل القضاء بينهم إذًا فافهم، فإن أهل الظاهر لا يفقهون. وبعد ذلك ففى قول عمر دليل على جواز الصلح مع الإقرار والإنكار سواء، لأنه أمر برد الخصوم حتى يصطلح، مطلقاً من غير تقييد بالإقرار، فالحمد لله الذى رزق الفقهاء علم الكتاب وفقها فى الدين، وآتاهم الحكمة وفصل الخطاب، ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا. الرد على ابن حزم: قوله: عن عروة عن عبد الله بن الزبير إلخ. فيه رد على قول ابن حزم ونصه: لم يأت فط عن رسول الله عّ لِّ أنه رد خصوما بعد ما ظهر الحق، بل قضى بالبينة على الطالب وألزم المنكر اليمين ١٤ جواز الصلح ج - ١٦ الأنصارى: سرح الماء يمر، فأبى عليه، فاختصما عند النبى معَّه، فقال رسول الله للزبير: (اسق يا زبير! ثم أرسل الماء إلى جارك))، فغضب الأنصارى، فقال: أن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله عَ ليه، ثم قال: ((اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر))، الحديث رواه البخارى فزاد فى التفسير من وجه آخر عن معمر ((ثم أرسل الماء إلى جارك)). واستوعى النبى عَّ، للزبير حقه فى صريح الحكم حين أحفظه الأنصارى)). وفى رواية شعيب فى الصلح ((فاستوعى للزبير حينئذ حقه. وكان قبل ذلك أشار على الزبير برأى فيه سعة له وللأنصارى)). قال الخطابي: هذه الزيادة يشبه أن تكون من كلام الزهرى. ورده الحافظ بأن الأصل فى الحديث أن يكون حكمه كله واحدا، حتى يرد ما يثبت ذلك ولا يثبت الإدراج بالاحتمال اهـ (فتح البارى ٢٩:٥). فى الوقت، وأمر المقر بالقضاء فى الوقت اهـ، فإن رسول الله عَ له قد" للزبير حين خاصمه الأنصارى فى الشراج: ((أسق يا زبير!))، فأمره بالمعروف، ثم قال: ((أرسله إلى جارك))، ثم قال حين أحفظه الأنصارى: ((أسق ثم أحبس حتى يرجع الماء إلى الجدر))، استوعى له حقه حينئذ، وفيه أن للحاكم أن يشير بالصلح بين الخصمين، ويأمر به ويرشد إليه، ولا يلزمه به إلا إذا رضى، وأن يستوفى لصاحب الحق حقه إذا لم يتراضيا قاله الحافظ فى "الفتح" (٣١:٥). الرد على ابن حزم: وفيه رد أيضا على قول ابن حزم: لا يجوز الصلح فى غير ما ذكرنا من الأموال الواجبة المعلومة بالإقرار والبينة إلا فى أربعة أوجه فقط: فى الخلع، أو فى كسر سن عمدا فيصالح الكاسر فى إسقاط القود، أو فى جراحة عمدا عوضا من القود، أو فى قتل نفس عوضا من القود. لأن الصلح شرط فهو باطل إلا حيث أباحه نص ولا مزيد، ولم يبح النص إلا حيث ذكرنا فقط اهـ (١٦٦:٨). قلنا: قد أباحه النص فى سقى الأرض أيضا، وليس هو بمال عندك، حتى لا يجوز بيعه منفردا، ولا مع الأرض، إلا أن يبيع النهر أو الساقية بعضها أو كلها، كما صرحت به فى "المحلى" (٧:٩)، فانظر ماذا ترى؟ وأيضا فقد مر إشارته عّ لّه بالصلح بعد معرفته باتجاه الحق لأحد الخصمين بإقرار الآخر فى غير ما حديث واحد، فالحق ما ذهب إليه الجمهور، وهو المذهب المنصور، وقد بسطنا الكلام فى ذلك فى باب آداب القضاء، فليراجع. ١٥ جواز الصلح إعلاء السنن ٥٢٠١- أخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن مسروق فى قوله تعالى: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان فى الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم﴾، قال: كان حرثهم عنبا نفشت فيه الغنم أى رعت ليلا، فقضى داود بالغنم لهم. فمروا على سليمان، فأخبروه الخبر، فقال سليمان: ((لا، ولكن أقضى بينهم أن يأخذوا الغنم، فيكون لهم لبنها، وصوفها، ومنفعتها. ويقوم هؤلاء على حرثهم، حتى إذا عاد كما كان ردوا عليهم غنمهم)). وأخرجه الطبرى من وجه آخر لين. فقال فيه: "عن مسروق عن ابن مسعود"، وأخرجه ابن مردويه، والبيهقى عن ابن مسعود، وسنده حسن (فتح البارى ١٣١:١٣). ٥٢٠٢- وقد وقع لعمر رضى الله عنه قريب مما وفق لسليمان عليه السلام، وذلك أن بعض الصحابة مات، وخلف مالا له نماء، وديونا، فأراد أصحاب الديون بيع المال فى وفاء الدين لهم، فاسترضاهم عمر بأن يؤخروا التقاضى حتى يقبضوا ديونهم من النماء، ويتوفر لأيتام المتوفى أصل المال، فاستحسن ذلك من نظره، ذكره الحافظ فى "الفتح" (١٣١:١٣) جازما به فهو صحيح، أو حسن على أصله. قوله: "أخرج عبد الرزاق"، وقوله: وقع لعمر رضى الله عنه إلخ. قال الحافظ فى "الفتح": قال ابن المنير: والأصح فى الواقعة أن داود أصاب الحكم، وسليمان أرشد إلى الصلح اهـ، وقال فى قصة عمر: ولو أن الخصوم امتنعوا لما منعهم من البيع، وعلى هذا التفصيل يمكن تنزيل قصة أصحاب الحرث والغنم، والله أعلم (١٣: ١٣٠ و ١٣١). قلت: فاندحض بذلك قول من ذهب إلى نسخ ما فى قصة داود وسليمان عليهما السلام. ولا يخفى ما فى مدح الله سليمان من ترجيح الإرشاد إلى الصلح على فصل القضاء وقد وقع مثله لعمر رضى الله عنه، فاستحسن ذلك من نظره. وكان بعد معرفة الحاكم باتجاه الحق لأحد الخصمين. فبطل قول ابن حزم: لا يحل التأنى فى إنفاذ الحكم إذا ظهر، ولا حمل الخصوم على الصلح، فافهم، والله تعالى أعلم. ** ١٦ ج - ١٦ باب الصلح عن دين بأقل منه من جنسه وصحة الإبراء من المجهول ٥٢٠٣- عن جابر أن أباه توفى، وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود، فاستنظره جابر، فأبى أن ينظره، فكلم جابر رسول الله عَ ليه يشفع له إليه، فجاء رسول الله عَ ليه، وكلم اليهودى ليأخذ ثمر نخله بالذى له فأبى، فدخل النبى عَ ليه، فمشى باب الصلح عن دين بأقل منه من جنسه وصحة الإبراء من المجهول أقول: الحديث يدل على أن ثمر الحائط كان أقل من الحق بيقين. والزيادة كانت معجزة لرسول الله مَّه، فلم يكن من المزابنة المنهى عنها. لأن حقيقة هذه المعاملة هو استيفاء بعض الحق والعفو عن البعض، لا بيع ثلثين وسقا بأقل منه. وقال الشوكانى فى "النيل" (١٢٧:٥): والحديث فيه دليل على جواز المصالحة بالمجهول عن المعلوم، ذلك لأن النبى معَ ◌ّ سأل الغريم أن يأخذ ثمر الحائط، وهو مجهول القدر، فى الأوساق التى له وهى معلومة. ولكنه ادعى فى "البحر" الإجماع على عدم الجواز، فقال ما لفظه: مسألة: ويصح بمعلوم عن معلوم اتفاقا. ولا يصح بمجهول إجماعا، ولو عن معلوم كان يصالح بشىء عن شىء، أو عن ألف بما يكسبه هذا العام فينبغى أن ينظر فى صحة هذا الإجماع، فإن الحديث مصرح بالجواز، اهـ. وهو خطأ، لأن ثمر الحائط كان معلوما بالمشاهدة فلم يكن صلحا بمجهول عن معلوم، بل صلحا بمعلوم عن معلوم. إلا أنه كان مجهول القدر. وهذا لا يجعله الصلح بمجهول عن معلوم اتفق على عدم جوازه، كما لا يخفى. لأن الجهالة المانعة عن الجواز هى الجهالة المفضية إلى النزاع، وجهالة القدر مع معلومية العين فيما نحن فيه ليست كذلك. فكلام "البحر" صحيح، والإشكال إنما نشأ من سوء الفهم. ثم قال الشوكانى: وقال المهلب: لا يجوز عند أحد من العلماء أن يأخذ من له دين تمر، تمرا مجارفة. لما فيه من الجهل والغرر. وإنما يجوز أن يأخذ مجارفة فى حقه أقل من دينه، إذا علم الآ خذ بذلك ورضى اهـ. وهكذا قال الدمياطى، وتعقبهما ابن المنير فقال: بيع المعلوم بالمجهول مزابنة، فإن كان تمرا نحوه فمزابنة وربا. لكن اغتفر ذلك فى الوفاء. تبعه الحافظ على ذلك، فقال: إنه يغتفر فی القضاء من المعاوضة ما لا يغتفر ابتداء لأن بيع الرطب بالتمر لا يجوز فى غير العرايا، ويجوز فى المعاوضة عند الوفاء. قال: وذلك بين فى حديث الباب اهـ. ١٧ الصلح عن دين بأقل منه من جنسه وصحة الإبراء من المجهول إعلاء السنن منها، ثم قال لجابر: ((جد له فأوف له الذى له))، فجده بعد ما رجع رسول الله عَ ليه فأوفاه ثلاثين وسقا وفضلت سبعة عشر وسقا، أخرجه البخارى (نيل الأوطار ١٢٧:٥). والحاصل أن هذا الحديث مخصص للعمومات المقدمة فى البيع القاضية لوجوب معرفة مقدار كل واحد من البدلين المتساويين جنسا وتقديرا. فيجوز القضاء مع الجهالة إذا ما وقع الرضا اهـ (١٢٧:٥). وهو أيضا فاسد، لأن العمومات المقدمة فى البيع باقية على عمومها، غير مخصصة. ومدلول الحديث ليس بمناف للعمومات المذكورة، حتى يقال بتخصيصها به، لأن حاصله جواز بيع قدر من الدين، وهو القدر المساوى لثمر الحائط، بثمر الحائط، والعفو عن الباقى. وهو لا ينافى العمومات المذكورة، لأن غاية ما فى الباب أنه لا يعلم قدر البدلين بخصوصه، وهذا ليس بشرط جواز البیع، لأنه يجوز بيع تمر بتمر پإناء بعينه لا يعلم قدرة، فيكون كل واحد من البدلين مجهول القدر مع العلم بالمساواة، وهذا موجود فيما نحن فيه، يظهر من كلامه أن الجهالة فى المعاوضة تجوز عند الوفاء مطلقا، وهو خطأ، لأن الجهالة المفضية إلى الربا غير جائزة عند الوفاء أيضا، والجهالة فيما نحن فيه ليس كذلك لأنه معلوم قطعا أن ثمر الحائط أقل من الدين، وهو لا يفضى إلى الربا، كما عرفت. ثم قال الشوكانى: ويؤيد هذا حديث أم سلمة السالف، فإنها وقعت فيه المصالحة بمعلوم عن مجهول، والمواريث الدارسة تطلق على الأجناس الربوية وغيرها، فهو يقضى بعمومه أنها تجوز المصالحة مع جهالة أحد العوضین، وإن كان المصالح به والمصالح عنه ربویین، ولكن لا بد من وقوع التحليل كما هو مصرح به فى الحديثين اهـ. وهذا الكلام أيضا فاسد لأن المواريث الدارسة فى حديث أم سلمة متعينة، فلا عموم لها حتى يستدل لعمومها. غاية ما فى الباب أنها تحتمل أن تكون ربوية، لأنه لم يقع بيان أجناسها فى الحديث والمحتمل لا يصلح للاستدلال كما لا يخفى. ثم الحديث لا يدل على أنه كان هناك صلح مع جهالة أحد العوضين بأى وجه، فكيف يصح الاستدلال به على جوازه؟ بالجملة جل ما قال الشوكانى فى هذا المبحث منشأه قلة التدبر، وسوء الفهم. والحق فى هذا المقام هو ما قال صاحب "البحر": إنه لا يجوز الصلح بمجهول اتفاقا، وما قال المهلب: إنه لا يجوز أن يأخذ من له دين تمر، تمرا مجازفة بدينه، إلا أن يكون المأخوذ أقل من دينه بيقين، إلا أنه أخطأ فى التعليل، لأنه علل عدم الجواز بالجهل والغرر، وهو غير صحيح، لأنه إذا ١٨ ج - ١٦ باب التحلل من المظلمة المالية أو العرضية وجواز الصلح عن مجهول ٥٢٠٤- عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو شیء فليتحلل منه الیوم قبل أن لا یکون دینار ولا درهم، إن کان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه))، رواه البخارى، وكذلك أحمد والترمذى، وصححه، قالا فيه: ((مظلمة من مال أو عرض)) اهـ (منتقى الأخبار). کان معلوما ومشارا إلیه فلا جهل ولا غرر بل هو معلل بلزوم الربا. لأنه يحتمل أن يكون أكثر من الدين، فيلزم بيع التمر بتمر أكثر منه فاحفظه وفى الحديث دليل أيضا على صحة الإبراء من المجهول، لأن عمر الحائط كان غير معلوم المقدار، وبجهالته صار باقى الدين المطلوب أبرأه مجهولا أيضا، فثبت صحة الإبراء من المجهول. قال البعد الضعيف: وصحة الإبراء عن المجهول تفيد جواز الصلح عن حق مجهول أيضا، فإن غايته الإبراء، كما لا يخفى، وسيأتى بسط الكلام فيه، فانتظر. باب التحلل من المظلمة المالية أو العرضية وجواز الصلح عن مجهول أقول: دل الحديث على جواز التحلل وقال الشوكانى: فيه دليل على صحة الإبراء من المجهول لإطلاقه اهـ (النيل ١٢٩:٥). قال العبد الضعيف: وأغرب بعض الأحباب حيث قال: إن الحديث ساكت عن طريق التحلل لا مطلق فيه. ولا يخفى على من له إلمام بالفقه، إنما قوله عّ له: ((من كانت عنده مظلمة لأخيه، أو شىء)) ولفظ أحمد والترمذى وصححه، ((مظلمة من مال أو عرض)) مطلق فى كل مظلمة معلومة كانت أو مجهولة. وكذا قوله: ((فليتحلل منه اليوم)) مطلق فى طلب التحلل من كل مظلمة، ولا يضره اختلاف طرقه بما يناسبها، فإنكار الإطلاق مكابرة. منشأها الغفلة عن معنى الإطلاق. قال الحافظ فى "الفتح": وإطلاق الحديث يقوى قول من ذهب إلى صحته أى صحة الإبراء من المجهول. زعم ابن بطال: أن فى حديث الباب حجة لاشتراط التعين. لأن قوله: ((مظلمة)) يقتضى أن تكون معلومة القدر مشارا إليها اهـ. ولا يخفى ما فيه، قال ابن المنير: إنما وقع التقدير حيث يقتص المظلوم من الظالم حتى يأخذ منه بقدر حقه، وهذا متفق عليه، والخلاف إنما هو فيما ١٩ التحلل من المظلمة المالية أو العرضية وجواز الصلح عن مجهول إعلاء السنن ٥٢٠٥- عن أم سلمة، قالت: كنت عند النبى عَ ◌ّ جالسة، فجاءه رجلان من الأنصار يختصمان فى أشياء قد درست وبادت. فقال النبى عرّ له: ((إنما أقضى بينكما فيما لم ينزل على فيه شىء (برأيى). فمن قضيت له بشىء بحجة أراها، فأقتطع بها من مال أخيه ظلما، أتى بها(١) أسطا ما فى عنقه يوم القيامة)). فبكى الرجلان. وقال كل واحد منهما: حقى له يا رسول الله! الذى أطلب، قال: ((لا، ولكن اذهبا فاستهما، وتوخیا، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه. رواه البيهقى فى "سننه" (٦٦:٦) من طريق زيد بن الحباب عن أسامة بن زيد عن عبد الله بن رافع، مولى أم سلمة، عنها. إذا أسقط المظلوم حقه فى الدنيا هل يشترط أن يعرف قدره أم لا؟ وقد أطلق ذلك فى الحديث. نعم! قام الإجماع على صحة التحليل من المعين المعلوم. فإن كانت العين موجودة صحت هبتها دون الإبراء منها اهـ (٧٣:٥). وقد ورد فى حديث الفضل بن عباس فى ما رواه من خطبة النبى ◌ِّ له فى مرضه، أنه قال: ((يا أيها الناس! إنى قد دنامنى خفوق من بين أظهر كم، فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهرى، فليستقدمنه)) ألا ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضى، فليستقدمنه، ومن كنت أخذت منه مالا فهذا مالى، فليستقدمنه، لا يقولن رجل: إنى أخشى الشحناء(٢) من قبل رسول الله عّ لّه، ألا وإن الشحناء ليست من طبيعتى، ولا من شأنى، ألا وإن من أحبكم إلى من أخذ حقا إن كان له أو حللنى، فلقيت الله وأنا طيب النفس)) الحديث بطوله، رواه الطبرانى فى "الكبير"، و"الأوسط"، وأبو يعلى بنحوه، وفى إسناد أبى يعلى عطاء بن مسلم، وثقه ابن حبان، وغيره، وضعفه جماعة وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٢٦:٩). فقوله: ((وإن من أحبكم إلى من أخذ حقا إن كان له أو حللنى)) صريح فى جواز التحليل والتحلل من المجهول، فإنه لم يقل أو عرفنى به وحللنى، وأنه معد له طلب التحلل من كل حق لأحد لم يكن يعلمه هو، فداه أبى وأمى، ما كان أتقاه لربه وأداه للأمانة، جزاه الله من نبى خيرا، كان لنا كالأب الرحيم، وأفضل ناصح شفيق، أدى رسالات الله عز وجل، وأبلغنا وحيه، ودعانا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، فجزاه الله عن أفضل ما جازى نبيا عن أمته وصلى عليه وسلم تسليما كثيرا كثيرا. قوله: "عن أم سلمة" إلخ: قال العبد الضعيف: قوله عّ لّه: ((لكن اذهبا فاستهما)) أى اقتسما، (١) هو مسعار حديدة مفتوحة يحرك بها النار، قاموس. (٢) البغض والعداوة. ج - ١٦ التحلل من المظلمة المالية أو العرضية وجواز الصلح عن مجهول ٢٠ ٥٢٠٦ - ورواه أبو داود من طريق ابن المبارك وعيسى، كلاهما عن أسامة به. لفظ الأول: قالت: أتى رسول الله عّ لّه رجلان يختصمان فى مواريث لهما، لم تكن لهما بينة إلا دعواهما، فذكر مثله، وفيه: فقال لهما النبى عّ لّه: ((أما إذا فعلتما ما فعلتما فاقتسما، وتوخيا الحق، ثم استهما، ثم تحالا)) ولفظ الثانى: قال: يختصمان فى مواريث وأشياء قد درست، فقال: ((إنى إنما أقضى بينكم برأيى فيما لم ينزل على فيه)) اهـ، سكت عنه أبو داود والمنذرى (عون ٣٢٩:٣). ((وتوخيا الحق)) أى تحريا إصابته. ((ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه))، أى عما عساه أن يكون قد بقى عليه. جواز البراءة عن الديون المجهولة: وفيه أيضا دليل على ما ذكرنا من جواز البراءة عن الديون المجهولة. إذا الاشياء الدارسة الأظهر أنها تكون مجهولة، ولأن الناس ما زالوا قديما وحديثا يتحاللون عند المعاقدات وعند الموت مع جهالة قدر ما يقع التحلل منه. وبالجملة فعمومات القرآن والآحاديث تدل على جوازه، وكذا هذا الحديث (الجوهر النقى ٢٩:٢). وفيه دلالة أيضا على جواز القضاء بالرأى فيما لا نص فيه، خلافا لابن حزم والظاهرية. وقد تقدم الكلام فيه مستوفى أول باب القضاء، ولا دلالة فيه على عدم نفاذ القضاء ظاهرا وباطنا فى العقود والفسوخ، لورود الأثر فى المواريث، وهى من الأملاك المرسلة، فافهم. وتذكر ما قدمناه فى كتاب القضاء. قال الموفق فى "المغنى": ويصح الصلح عن المجهول، سواء كان عينا أو دينا، إذا كان مما لا سبيل إلى معرفته، نقل عن أحمد: إذا اختلط قفيز حنطة بقفيز شعير، وطحنا، فإن عرف قيمة دقيق الحنطة ودقيق الشعير بيع هذا، وأعطى كل واحد منهما قيمة ماله، إلا أن يصطلحا على شىء ويتحالا. وقال ابن أبى موسى: الصلح الجائز هو صلح الزوجة من صداقها الذى لا بينة لها به، ولا علم لها ولا للورثة بمبلغه، وكذلك الرجلان، يكون بينهما المعاملة والحساب الذى قد مضى عليه الزمان الطويل، لا علم لكل واحد منهما بما عليه لصاحبه، فيجوز الصلح بينهما، وكذلك من عليه حق لا علم له بقدره، جاز أن يصالح عليه، وسواء كان صاحب الحق يعلم قدره ولا بينة له، أو لا علم له، ويقول القابض: إن كان لى عليك حق فأنت فى حل منه، ويقول الدافع: إن كنت أخذت منى أكثر من حقك فأنت منه فى حل. وقال الشافعى: لا يصح الصلح على مجهول لأنه فرع