Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
الرجوع عن الشهادة
إعلاء السنن
القدير ٥٣٩:٦)، واحتجاج المجتهد بحديث تصحيح له، كما ذكرناه فى "المقدمة".
الجديد: لا شىء عليهما. واتفقوا على أنه لا ينقض الحكم الذى حكم بشهادتهما فيه وأنهما إذا
رجعا قبل الحكم لم يحكم بشهادتهما اهـ (ص١٦٣).
ثم الشافعى رحمه الله استدل بحديث على فى فصلين أحدهما فى وجوب القصاص على
الشهود إذا رجعوا بعد ما استوفى العقوبة بشهادتهم وزعموا أنهم تعمدوا ذلك فی شهادتهم، وفی
أن اليدين تقطعان بيد واحدة فقد قال: ولو أنى أعلمكما فعلتما ذلك عمدا قطعت أيديكما، فإذا
جاز قطع اليدين فى يد واحدة بطريق الشهادة فبالمباشرة أولى ولكنّا نقول: هذا اللفظ منه على
سبيل التهديد بدون التحقيق، وقد يهدد الإمام بما لا يحقق، قال عمر رضى الله عنه: ولو تقدمت
فى المتعة لرجمت والمتعة لا توجب الرجم بالاتفاق.
ثم لم يكن هذا من على رضى الله عنه كذبا لأنه بما لا طريق إليه، وهو العلم بأنهما فعلا
ذلك عمدا، فلم يكن هذا كذبا بهذا التعليق ويحصل المقصود وهو الزجر، وهو نظير قوله تعالى
(حكاية عن إبراهيم صلوات الله عليه) ﴿بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم إن كانوا ينطقون﴾ ولم
يكن هذا من إبراهيم عليه السلام كذبا لأنه علقه بما لا يكون ومعناه: إن كانوا ينطقون فقد فعله
كبيرهم؛ والدليل عليه أن من مذهب على رضى الله عنه أن اليدين لا تقطعان بيد واحدة فقد روى
ذلك (محمد) عنه فى الكتاب فبهذا تبين أن مراده التهديد، كذا فى "المبسوط" (١٧٨:١٦) أيضا،
وفيه دلالة على كون الأثر محتجا به عند المجتهدين، والله تعالى أعلم.
وقول على رضى الله عنه: لا يقطع يدان بيد رواه إبراهيم النخعى رحمه الله عنه، كما فى
"المبسوط" (٢٢:١٧) أيضا، ومراسيل إبراهيم صحاح عندنا وعند القوم، واحتجاج محمد به
دلیل علی صحة إسناده عنده، فافهم.
الرد على ابن حزم فى قوله بنقض القضاء برجوع الشاهد عن شهادته:
وقال ابن حزم فى "المحلى": وإذا رجع الشاهد عن شهادته بعد أن حكم بها أو قبل أن
يحكم بها فسخ ما حكم بها فيه، واحتج بأن عدلين لو شهدا بجراحته حين شهدا لوجب رد ما
شهد به، وإقراره على نفسه بالكذب أو الغفلة أثبت عليه من شهادته غيره عليه بذلك اهـ
(٤٢٩:٩) قلنا: هذا احتجاج بما هو مختلف فيه بيننا وبينه، فإن القاضى لا يسمع الشهادة على
جرح عندنا ولا يحكم بذلك لأن الفسق مما لا يدخل تحت الحكم: لأن له الدفع بالتوبة، فلا يتحقق
الإلزام، ولأنه هتك الستر، والستر واجب والإشاعة حرام، كما فى "الهداية" (٤٩٥:٦)،

ج - ١٥
الرجوع عن الشهادة
٢٨٢
٥٠٤٣- وعن إبراهيم -هو النخعى رحمه الله- قال: إذا شهد شاهدان على قطع
يد فقضى القاضى بذلك ثم رجعا عن الشهادة فعليهما الدية، وإن رجع أحدهما فعليه
نصف الدية. وبه نأخذ. وذكره محمد فى "الأصل" كما فى "المبسوط" (١٨٠:١٦).
٥٠٤٤- وعن الشعبى أن رجلين شهدا على رجل أنه طلق امرأته ثلاثا وفرق
القاضی بینهما ثم تزوجها أحد الشاهدین ثم رجع عن شهادته فلم یفرق بينهما الشعبی،
وبه كان يأخذ أبو حنيفة رحمه الله، ذكره محمد فى "الأصل" (المبسوط ١٦: ١٨٠)
وقال أبو يوسف: كتب إلى شعبة بن الحجاج يرويه عن زيد فذكر الحديث. وفيه: قال
الشعبى: ذلك جائز، ذكره الجصاص فى "أحكام القرآن" له، وقد مر فى (باب نفاذ
قضاء القاضى ظاهراً وباطنًا)، وسنده صحيح.
٥٠٤٥- قال أبو يوسف: وحدثنى ابن جريج عن عطاء قال: أتى على رضى الله
وإنما يرخص ضرورة فى أن يخبر القاضى سرا تفاديا من إشاعة الفاحشة والتعادى، والضرورة إنما
هى قبل الحكم لا بعده، فلا يسمع القاضى جرح الشهود بعد ما حكم بشهادتهم لكون الجارح
متهما فى تأخيره الجرح عن وقت الحاجة، وكذلك الشاهد متهم فى رجوعه عن الشهادة لاحتمال
أن يكون المدعى عليه رشاه وأطمعه فى المال أو هدده بما يضره فى جسمه أو ماله إن لم يرجع مع ما
ذكرنا أن القاضى كما أنه لا يقضى بكلام متناقض كذلك لا ينقض قضاءه بكلام متناقض لكون
الكلامين معا محتملين للصدق والكذب جميعا، وقد ترجح الأول بالسبق، وباتصال القضاء به،
فلا ينقض الأقوى بالأدنى، والعجب ممن يقول بأن القياس كله باطل كيف يحتج على المجتهدين
بمثل هذا القياس الذى لا رجل له ولا رأس.
قوله: وعن إبراهيم إلخ دلالته على وجوب الضمان على الشهود إذا رجعوا عن الشهادة
ظاهرة.
قوله: وعن الشعبى إلخ فيه دلالة على أن القاضى لا يبطل قضاءه برجوع الشهود عن
شهادتهم.
قوله: قال أبو يوسف إلخ. دلالته على أن الشهود إذا رجعوا بعين شهادتهم قبل الحكم
لا يحكم بها ظاهرة، والله تعالى أعلم بالصواب. قال الموفق فى "المغنى": إن الشهود إذا رجعوا
عن شهاتهم بعد أداءها لم يخل من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يرجعوا قبل الحكم بها، فلا يجوز
الحكم بها فى قول عامة أهل العلم. وحكى عن أبى ثور أنه شذ عن أهل العلم، وقال: يحكم بها،

٢٨٣
الرجوع عن الشهادة
إعلاء السنن
عنه برجل فشهد عليه رجلان أنه سرق، قال: فأخذ فى شىء من أمور الناس ثم هدد
شهود الزور فقال: لا أوتى بشاهد زور إلا فعلت به كذا وكذا. ثم طلب الشاهدين فلم
يجدهما فخلى سبيل الرجل (كتاب الخراج ص ٢١٠)، وهذا سند صحيح مع انقطاع
فيه وهو لا يضرنا فى القرون الفاضلة.
لأن الشهادة قد أُدیت، فلا تبطل برجوع من شهد بها كما لو رجعا بعد الحکم، وهذا فاسد، لأن
الشهادة شرط الحكم فإذا أزالت قبله لم يجز کما لو فسقا، ولأنه زال ظنه فى أن ما شهد به حق،
فلم يجز له الحكم به، وفارق ما يعد الحكم فإنه تم بشرطه، ولأن الشك لا يزيل ما حكم به كما لو
تغير اجتهاده. الثانى: أن يرجعا بعد الحكم وقبل الاستيفاء، فينظر، فإن كان المحكوم به عقوبة كالحد
والقصاص لم يجز استيفاءه، لأن الحدود تدرأ بالشبهات ورجوعهما من أعظم الشبهات، وإن كان
المشهود به مالا استوفى ولم ينقض حكمه فى قول أهل الفتيا من علماء الأمصار، وحكى عن سعيد
ابن المسيب والأوزاعى أنهما قالا: ينقض الحكم وإن استوفى الحق، لأن الحق ثبت بشهادتهما، فإذا
رجعا زال ما ثبت به الحکم فنقض الحکم، کما لو تبين أنهما كانا كافرين.
ولنا: أن حق المشهود له وجب له فلا يسقط بقولهما، كما لو ادعياه لأنفسهما، تحقيق هذا
أن حق الإنسان لا يزول إلا ببينة أو إقرار، ورجوعهما ليس بشهادة، ولهذا لا يفتقر إلى لفظ
الشهادة، ولا هو إقرار من صاحب الحق، وفارق ما إذا تبين أنهما كانا كافرين لأننا تبينا أنه لم
يوجد شرط الحكم وهو شهادة العدول. وفى مسألتنا لم يتبين ذلك، لجواز أن يكونا عدلين صادقين
فى شهادتهما كاذبين فى رجوعهما، ويفارق العقوبات حيث لا تستوفى فإنها تدرأ بالشبهات.
الثالث: أن يرجعا بعد الاستيفاء فإنه لا يبطل الحكم ولا يلزم المشهود له شىء، كان المشهود
به مالا أو عقوبة، لأن الحكم قد تم باستيفاء المحكوم به ووصول الحق إلى مستحقه ویرجع به علی
الشاهدين. ثم ينظر فإن كان المشهود به إتلافا فى مثله القصاص- كالقتل والجرح- نظرنا فى
رجوعهما فإن قالا: عمدنا الشهادة عليه بالزور ليقتل أو يقطع فعليهما القصاص. وبهذا قال ابن
شبرمة وابن أبى ليلى والأوزاعى والشافعى وأبو عبيد، واحتجوا بحديث على المذكور فى المتن
أولا، قالوا: ولا مخالف له فى الصحابة، فيكون إجماعا. وقال أصحاب الرأى: لا قود عليهما
(وإنما عليهما الدية) لأنهما لم يباشرا الإتلاف، فأشبها حافر البئر، وناصب السكين إذا تلف بهما
شىء اهـ ملخصا (١٣٨:١٢)، وقد تقدم الجواب عن قول على: لو علمت أنكما تعمدتما
لقطعتكما. أنه محمول على التهديد دون التحقيق كقول عمر: لو تقدمت فى المتعة لرجمت،
فتذكر، وبقولنا قال إبراهيم النخعى، كما ذكرناه.

ج - ١٥
٢٨٤
باب الشهادة على ما تظاهرت به الأخبار بالتسامع کالنسب
قول الله تعالى: ﴿يعرفونه كما يعرفون أبنائهم﴾
٥٠٤٦- عن يزيد بن شريك بن طارق التميمى قال: رأيت عليا رضى الله عنه
على المنبر يخطب فسمعته يقول، فذكر الحديث ورفعه وفيه: ومن ادعى إلى غير أبيه، أو
انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة
صرفًا ولا عدلا رواه الشيخان والأربعة إلا ابن ماجه، ورواه أحمد وابن ماجه وابن حبان
باب الشهادة على ما تظاهرت به الأخبار بالتسامع کالنسب
قوله: عن يزيد بن شريك إلخ فى هذا الحديث أن الانتساب إلى أبيه ومولاه واجب على كل
حر وعبد، ولا يجوز لهما التحول عنهما إلى غيرهما، وهذا يقتضى وجوب التصديق بأمر الولادة
والنسب بالتسامع لعدم إمكان المشاهدة بذلك كما لا يخفى، والولاء لحمة كلحمة النسب،
ومقتضاه: صحة الشهادة بالتسامع فيها وما فى معناها.
قال الموفق فى "المغنى": وما تظاهرت به الأخبار واستقرت معرفته فى قلبه شهد به
كالشهادة على النسب والولادة، وهذا النوع الثانى من السماع وهو ما يعلمه بالاستفاضة، وأجمع
أهل العلم على صحة الشهادة بها فى النسب والولادة (وإن اختلفوا فيما يلحق بهما) قال ابن
المنذر: أما النسب فلا أعلم أحدا من أهل العلم منع منه، ولو منع ذلك لاستحالت معرفة الشهادة به
إذ لا سبيل إلى معرفته قطعا بغيره، ولا تمكن المشاهدة فيه، ولو اعتبرت المشاهدة لما عرف أحد أباه
ولا أمه ولا أحدا من أقاربه، وقد قال الله تعالى: ﴿يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ اهـ (٢٣:١٢).
وقال الحافظ فى الفتح: واختلف العلماء فى ضابط ما تقبل فيه الشهادة بالاستفاضة، فتصح
عند الشافعية فى النسب قطعا والولادة. (لأمر من إجماع العلم عليه) وفى الموت والعتق والولاء
والوقف والولاية والعزل والنكاح وتوابعه (من الخلوة والدخول بها ونحوهما) والتعديل والتجريح
والوصية والرشد والسفه والملك على الراجح فى جميع ذلك، وبلغها بعض المتأخرين من الشافعية
بضعة وعشرين موضعا وهى مستوفاة فى قواعد العلائى. وعن أبى حنيفة: تجوز فى النسب والموت
والنكاح والدخول وكونه قاضيا (أو واليا أو أميرا) زاد أبو يوسف: والولاء، وزاد محمد: والوقف.
قال صاحب "الهداية": وإنما أجيز استحسانا وإلا فالأصل أن الشهادة لا بد فيها من
المشاهدة؛ وشرط قبولها أن يسمعها من جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب وقيل: أقل ذلك أربعة
أنفس. وقيل: يكفى من عدلين، وقيل: يكفى من عدل واحد إذا سكن القلب إليه اهـ (١٨٦:٥)،

٢٨٥
الشهادة على ما تظاهرت به الأخبار بالتسامع کالنسب
إعلاء السنن
فى "صحيحه" عن ابن عباس، وأبو داود عن أنس، وله طرق عن جماعة من الصحابة
عند أصحاب السنن والمسانيد وابن حبان وغيرهم، كما فى "الترغيب" (ص٣٥٥).
وقال مالك: ليس عندنا من يشهد على أحباس أصحاب رسول الله عّ لّه إلا بالسماع. وقيل
لأحمد: تشهد أن فلانة امرأة فلان، ولم تشهد النكاح؟ فقال: نعم إذا كان مستفيضا فأشهد. أقول:
إن فاطمة ابنة رسول الله عَّ، وأن خديجة وعائشة زوجاه، وكل أحد يشهد بذلك من غير
مشاهدة اهـ من "المغنى" (٢٤:١٢).
وفى "البدائع": فلا تطلق الشهادة بالتسامع إلا فى أشياء مخصوصة، وهى النكاح والنسب
والموت، لأن مبنى هذه الأشياء على الاشتهار فقامت الشهرة فيها مقام المعاينة، وكذا إذا شهد
العرس والزفاف يجوز له أن يشهد بالنكاح، لأنه دليل النكاح. وكذا فى الموت إذا شهد جنازة
رجل، أو دفنه حل له أن يشهد بموته.
واختلفوا فى تفسير التسامع، فعند محمد: هو أن يشتهر ذلك ويستفيض وتواتر به الأخبار
عنده من غير تواطئ، لأن الثابت بالتواتر والمحسوس بحس البصر والسمع سواء، فكانت الشهادة
بالتسامع شهادة عن معاينة، فعلى هذا إذا أخبره بذلك رجلان أو رجل وامرأتان لا يحل له الشهادة
ما لم يدخل فى حد التواتر، وذكر الخصاف أنه يحل له الشهادة بذلك استدلالا بحكم الحاكم
وشهادته، فإنه بحكم بشهادة شاهدين من غير معاينة منه، ويجوز له أن يشهد بذلك بعد المعزل
كذا هذا اهـ ملخصا (٢٦٦:٦)، قال الموفق: فإن کان فى يد رجل دار أو عقار يتصرف فيها
تصرف الملاك بالسكنى والإجارة والعمارة والهدم والبناء من غير منازع (والناس ينسبونها إليه)
فقال أبو عبد الله بن حامد: يجوز أن يشهد له بملكها وهو قول أبى حنيفة والأصطخرى من
أصحاب الشافعی.
قال القاضى: ويحتمل أن لا يشهد إلا بما شاهده من (دليل) الملك واليد والتصرف، لأن اليد
ليست منحصرة فى الملك، قد تكون بإجارة وإعارة وغصب، وهذا قول بعض أصحاب الشافعى.
ووجه الأول أن اليد دليل الملك، واستمرارها من غير منازع يقويبها (بل لا دليل يشاهد فى الأموال
أقوى منها. بدائع)، فجرت مجرى الاستفاضة فجاز أن يشهد بها اهـ (٢٥:١٢)، وزاد أبو يوسف
فقال: لا تحل له الشهادة حتى يقع فى قلبه أيضا أنه له، وينبغى أن يكون هذا قولهم جميعا، واستثنى
فى "الجامع الصغير" العبد والأمة، فيقتضى أن لا تحل الشهادة بالملك لصاحب اليد فيهما إلا إذا أقرا
بأنفسهما وهما كبيران يعبران عن أنفسهما، إذ الأصل فى بنى آدم الحرية والرق عارض، فكانت

ج - ١٥
٢٨٦
باب التحكيم
٥٠٤٧- أخبرنا قتيبة ثنا يزيد - وهو ابن المقدام بن شريح- عن شريح(١) بن هانئ
عن أبيه أنه لما وفد إلى رسول الله مَ له وسمعهم وهم يكنون هانئا أبا الحكم فدعاه
رسول الله عَّه، فقال له: إن الله هو الحكم وإليه الحكم، فلم تكنى أبا الحكم؟ قال: إن
قومى إذا اختلفوا فى شىء أتونى فحكمت بينهم فرضى كلا الفريقين، قال: ما أحسن
من هذا(٢)! فما لك من الولد؟ قال: لى شريح وعبد الله ومسلم، قال: فمن أكبرهم؟ قال:
يده إلى نفسه أقرب من يد غيره فلم تصلح يد غيره دليل الملك فيه، ولأن الحر قد يخدم كأنه عبد
عادة وهذا أمر ظاهر فى معارف الناس وعاداتهم فتعارض الظاهران فلم تصلح اليد دليلا فيه، أما
إذا کان صغیرا لا يعبر عن نفسه کان حكمه حكم الثوب والبهيمة، لأنه لا یکون له فى نفسه يد،
فيلحق بالعروض والبهائم فتحل للرائى الشهادة بالملك فيه لصاحب اليد، والله سبحانه وتعالى أعلم
اهـ من "البدائع" ملخصا (٢٦٧:٦).
باب التحكيم
قوله: أخبرنا قتيبة إلخ، قال العبد الضعيف: والتحكيم جائز بالكتاب قوله تعالى: ﴿فابعثوا
حكما من أهله وحكما من أهلها﴾، وبالسنة فقد قال رسول الله مرتخية لأبى شريح: (ما أحسن هذا
حين أخبره أن قومه إذا اختلفوا فى شىء فأتوه فحكم بينهم رضى عنه الفريقان))، وقد أجمع على
أنه مَّ عمل بحكم سعد بن معاذ فى بنى قريظة، فإذا تحاكم رجلان إلى رجل حكماه بينهما
ورضياه وكان ممن يصلح للقضاء فحكم بينهما جاز ذلك ونفذ حكمه عليهما.
وبهذا قال أبو حنيفة (ومالك وأحمد) والشافعى قولان: أحدهما: لا يلزمهما حكمه إلا
بتراضيهما لأن حكمه إنما يلزم بالرضاء به ولا يكون الرضاء إلا بعد المعرفة، ولنا ما رويناه فى المتن،
ولو لا أن حكمه يلزمهما لما لحقه هذا الذم الدى ورد به الحديث، ولأن التحكيم لا يكون دون
الصلح، وبعد ما تم الصلح ليس لواحد أن يرجع)، وما ذكروه يبطل بما إذا رضى بتصرف وكيله
فإنه يلزمه قبل المعرفة به، كذا قال الموفق فى "المغنى" (٤٨٤:١١)، وأيضا: فلو لم يكن حكم
(١) ليس هو بشريح القاضى الكندى، بل هو غيره، قد اشتبه ذلك على بعض المحشين فظنهما واحدًا، وقد فرق بينهما الحافظ فى
"التهذيب"، فليراجع.
(٢) وفى نسخة: ما أحسن هذا.

٢٨٧
باب التحكيم
إعلاء السنن
شريح، قال: فأنت أبو شريح. فدعا له ولولده. رواه "النسائى" (٣٠٣:٢) وأبو داود،
وقال: حدثنا الربيع بن نافع عن يزيد بن المقدام بن شريح عن أبيه عن جده شريح عن
أبيه هانئ فذكر الحديث وسكت عنه هو والمنذرى (عون المعبود ٤٤٤:٤).
الحكم لازما على الفريقين لأنكر رسول الله عّ لّ على سعد بن معاذ قوله: عليكم بذلك عهد الله
ومیثاقه أن الحکم فيهم لما حکمت، وحيث لم ينكره بل قرره دل على أن حكم الحكم لازم نافذ
إلا أن يرجع المحكمان قبل حكمه لأنه مقلد من جهتهما فلا يحكم إلا برضاهما، كما أن للسلطان
أن يعزل القاضى قبل أن يحكم، ولو حكم قبل عرله نفذ وعزله بعد ذلك لا يبطله فكدا هذا، قاله
المحقق فى "الفتح" (٤٠٧٠٦).
لا يجوز التحكيم فى الحدود والقصاص.
ولا يجوز التحكيم فى الحدود والقصاص لما فى كتاب الحدود: كمان أبو عبد الله رجل من
الصحابة يقول: الزكاة والحدود والفىء والجمعة إلى السلطان، وذكرنا هناك آثارا عديدة تؤيده،
والقصاص قياس على الحدود، لكونه مما يندرأ بالشبهات، والحكم ليس بسلطان، ولا مولى منه،
فلا يملك الحكم فيما هو إلى السلطان شرعا. وأيضا فإن حكم الحكم بمنزلة الصلح ولا يجوز
استيفاء الحدود والقصاص بالصلح، ولأن حكم المحكم ليس بحجة فى حق غير المحكمين فكانت فيه
شبهة، لأنه حكم فى حقهما لا فى حق غيرهما، وأى شبهة أعظم من هذا؟ والحدود والقصاص
يندريئان بالشبهات.
وإذا عرفت ذلك فاعلم أنه إذا رفع حكمه إلى القاضى فإن وافق مذهبه أمضاه لأنه لا فائدة
فى نقضه. ثم فى إبرامه، وإن خالفه لم يجب على القاضى تنفيذ حكمه بل له أن يبطله أو ينفذه إلا
أن يكون جورا بينا لم يختلف فيه أهل العلم فعليه أن يبطله، وذلك لقصور ولاية الحكم عن ولاية
القاضى، فإن ولاية القاضى عامة على الناس لعموم ولاية الخليفة المقلد له، بخلاف المولين له إنما
لهما ولاية على أنفسهما فقط لا على القاضى، فلا يلزم حكمه القاضى لأنه لم يحكمه، ولأن
تقليدهما إياه بمنزلة اصطلاحهما على شىء فى المجتهدات، وللقاضى أن يبطل اصطلاحهما هذا،
أو ينفذه، فكذا هذا اهـ من "فتح القدير" (٤٠٨:٦) ملخصا.
وبهذا ظهر الجواب عما ذكره الموفق فى "المغنى": أن هذا حكم صحيح لازم فلم يجز
فسخه لمخالفته رأيه كحكم من له ولاية اه (٤٨٤:١١)، فإنا لا نسلم كون حكمه لازما غير

ج - ١٥
باب التحكيم
٢٨٨
٥٠٤٨- وعن النبی مګێ أنه قال: «من حکم بین اثنین تراضیا به فلم يعدل بينهما
فهو ملعون)) ذكره الموفق فى "المغنى" (٤٨٤:١١) واحتج به.
٥٠٤٩ - وصح أن النبى عَّ عمل بحكم سعد بن معاذ فى بنى قريظة لما اتفقت
اليهود على الرضاء بحكمه، وقال سعد لمن فى الناحية التى ليس فيها رسول الله عّ له:
عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيهم لما حكمت، قالوا: نعم. قال: وعلى من
ههنا فى الناحية التى فيها رسول الله عَّ له وهو معرض عنه إجلالا له، فقال رسول
الله عَُّلِّ: نعم. قال سعد: فإنى أحكم فيهم. الحديث ذكره ابن إسحاق فى المغازى كما
فى "سيرة ابن هشام" (١١٠:٢)، وأصله فى "الصحيحين" وغيرهما.
٥٠٥٠- وعن عائشة رضى الله عنها قالت: كان بينى وبين النبى معَّ كلام
فقال: اجعل بينى وبينك عمر فقلت: لا. قال: اجعل بينى وبينك أباك.
قلت: نعم. رواه الطبرانى فى الأوسط وفيه صالح بن أبى الأسود وهو
ضعيف (مجمع الزوائد ١٩٦:٤). قلت: وهو غير ابن أبى الأخضر وله ترجمة فى
"اللسان" (١٦٦:٣).
٥٠٥١- وإن عمر وأبيًا تحاكما إلى زيد وحاكم عمر أعرابيا إلى شريح قبل أن
يوليه، وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم ولم يكونوا قضاةً، وقد مرت الآثار
بذلك فى أبواب البيوع وفى (باب التسوية بين الخصمين) من كتاب القضاء.
المحكمين فلا يكون لازما على القاضى أو الوالى، وقد ذكرنا الفرق بين حكمه وحكم القاضى فلا
يصح القياس مع الفارق، والله تعالى أعلم.
قوله: وعن النبى معَّه إلخ. دلالته على لزوم حكم الحكم من حكمه من الفريقين ظاهرة،
وكذا دلالة قصة سعد على ذلك أيضا كما مر، فتذكر.
قوله: عن عائشة وقوله: وإن عمر وأبيا إلخ. دلالة الآثار على مشروعية التحكيم ظاهرة،
وهو أجماع المسلمين، وإنما أنكره الخوارج على على رضى الله عنه حين رضى بتحكيم الحكمين
بينه وبين معاوية رضى الله عنهما فقالوا: لا حكم إلا لله، كلمة حق أرادوا بها الباطل فقاتلهم على.
رضى الله عنه حين خرجوا عليه واستحلوا دماء المسلمين فشتتهم وبددهم وكفى الله شرهم فلا
يعتد بخلافهم.

ءـ
إعلاء السنن
٢٨٩
باب حبس المدیون وغيره ممن يتهم بالفساد
٥٠٥٢- عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول الله عَ لّه قال: ((لىّ الواجد
يحل عرضه وعقوبته)). قال ابن المبارك: يحل عرضه: يغلظ له. وعقوبته: يحبس له.
لیس للإمام أن یحکم لنفسه:
وفيها دلالة أيضا على أن ليس للإمام أن يحكم لنفسه، كما لا يجوز أن يشهد لنفسه،
فإن عرضت له حكومة مع بعض الناس، جاز أن يحاكمه إلى بعض خلفاءه من القضاة، والحكام،
أو بعض رعيته، فإن عمر حاكم أبيا إلى زيد، وحاكم عمر عراقيا إلى شريح، وحاكم عثمان طلحة
إلى جبير بن مطعم ولم يكونوا قضاة، وحاكم على اليهودى إلى شريح وهو قاض إذ ذاك، فافهم،
والله يتولى هداك. فإن عرضت حكومة لوالديه أو ولده أو من لا تقبل شهادته له، يجوز له الحكم
فيها بنفسه، وإن حكم لم ينفذ حكمه، وهذا قول أبى حنيفة والشافعي وبه قال أحمد فى رواية،
وقال أبو يوسف وابن المنذر وأبو ثور: ينفذ حكمه لأنه حكم لغيره لا لنفسه، فأشبه الأجانب، كذا
فى "المغنى" (٤٨٣:١١).
باب حبس المدیون و غیرہ ممن یتهم بالفساد
قوله: عن عمرو بن الشريد إلخ. قال العبد الضعيف: أحكام القضاء كثيرة ومنها الحبس،
وهو مشروع بالكتاب، لأنه المراد بالنفى المذكور بقوله تعالى: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾ قال الطبرى.
وقال آخرون: معنى النفى من الأرض فى هذا الموضع الحبس، وهو قول أبى حنيفة وأصحابه اهـ
(٦: ٦٤١) وفى "أحكام القرآن" للجصاص: قال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق: النفى هو الحبس،
لأن النفى عن جميع الأرض غير ممكن، وإلى بلدة أخرى استضرار بالغير، ومعلوم أن المراد بالنفى
زجره عن إخافة السبيل، وكف أذاه عن المسلمين، وهو إذا صار إلى بلد آخر فكان هناك مخلى
كانت معرته قائمة، وإن كان هناك محبوسا كما قاله مالك والشافعى فى رواية ، ففيه أن الحبس
يستوى فى اليد الذى أصاب فيه وفى غيره، فلا معنى لحبسه فى غير بلده (مع ما فيه من إرادة
معنيين بلفظ مشترك فيهما : أى الطرد والحبس - معا وهو غير جائز) ويمتنع أن يكون المراد نفيه عن
دار الإسلام إلى دار الحرب، لما فيه من تعريض المسلم للردة، فثبت أن المراد بالنفى نفيه عن سائر
الأرض إلا موضع حبسه الذى لا يمكنه فيه العبث والفساد اهـ (٤١٢:٢)، وبالسنة وهى ما فى المتن
أنه عَّ ◌ُلِّ حبس رجلا فى تهمة. وذكر الخصاف أن ناسا من أهل الحجاز اقتتلوا فقتلوا بينهم قتيلا،
فبعث عليهم رسول الله عَّ وحبسهم، كذا فى "فتح القدير" (٣٧٥:٦).

٢٩٠
حبس المديون وغيره ممن يتبهم بالفساد
ج - ١٥
رواه أبو داود (٣٤٩:٣) وسكت عنه هو والمنذرى، وأخرجه النسائي وابن ماجة وعلقه
قلت: روی أبو داود فى "سننه" وأحمد فى مسنده من طريق عبد الرزاق عن معمر عن بهز
ابن حكيم عن أبيه عن جده قال: أخذ النبى معَّهِ ناسا من قومى فى تهمة، فحبسهم فجاء رجل من
قومی إلی النبی مګێ وهو يخطب، فقال: يا محمد! علامَ تحبس جیرانی؟ فأعرض عنه مرتین، ثم
ذكر شيئا فقال النبى معَّ ◌ُّه: خلوا له عن جيرانه، كذا فى "عون المعبود" (٣: ٣٥٠)، فهذا يدل على
أنهم كانوا محبوسين. وأخرج ابن حزم عن الحسن أن قوما اقتتلوا: فقتل بينهم قتيل فبعث إليهم
رسول الله مَّ فحبسهم ولم يعله بشىء سوى الإرسال (١٦٩:٨).
وقال فى "البحر": يجب حبس من عليه الحق للإيفاء إجماعا إن طلب لحبسه عّ لّه من أعتق
شقصا فى عبد حتى غرم لشريكه قيمته ، وكذلك التقييد.
قال الشوكانى فى "النيل": والحديث الذى ذكره (صاحب البحر) أخرجه البيهقى وهو
منقطع اهـ (٧: ٦١)، قلت: وسيأتى تحقيقه ولم يكن فى عهده مَّه وأبى بكر سجن، إنما كان
يحبس فى المسجد أو الدهليز حتى اشترى عمر رضى الله عنه دارا بمكة بأربعة آلاف درهم واتخذه
محبسا، وقيل: بل لم يكن فى زمن عمر ولا عثمان أيضا إلى زمن على رضى الله عنهم فبناه وهو
أول سجن بنى فى الإسلام، قال فى الفائق: إن عليا بنى سجنا من قصب فسماه: نافعا، فنقبه
اللصوص و تسیب الناس منه، ثم بنی سجنا من مدر فسماه: مخیسا، وفى ذلك يقول على رضى
الله عنه:
ألا ترانی کیسا مکیسا
بنیت بعد نافع مخيسا(١)
بابا حصینا وأُمینا کیسا
قاله المحقق فى "الفتح" (٣٧٥:٦).
وفى الحديث الذى فتحنا به الباب دلالة على جواز الحبس فى الدين، لأنه معدّ ية جعل مطل
الغنى ظلما، والظالم لا محالة مستحق العقوبة وقد وقع التصريح به فى قوله: ((لی الواجد يحل
عرضه وعقوبته))، وفسره سفيان ووكيع وابن المبارك: يحل عرضه: يغلظ له، عقوبته: حبسه، وهو
كذلك لاتفاق الجميع على أنه لا يسحق العقوبة بالضرب، فوجب أن يكون حبسا لاتفاق الجميع
(١) أى موضع التخييس وهو التذليل.

٢٩١
حبس المديون وغيره ممن يتهم بالفساد
إعلاء السنن
البخارى. وقال: قال سفيان: عرضه: يقول: مطلتنى، وعقوبته حبسه، قال الحافظ فى
على أن ما عداه من العقوبات ساقط عنه فى الدنيا، ويؤيده حديث هرماس بن حبيب عن أبيه عن
جده وفيه قوله مّ للطالب: الزمه ثم قال: يا أخا تميم! ما تريد تفعل بأسيرك؟ وهذا يدل على أن
له حبس الغريم لأن الأسير يحبس، فلما سماه أسيرا له دل على أن له حبسه، وأيضا فإن تسليط ذى
الحق عليه وملازمته له نوع من الحبس أيضا، وقال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من علماء
الأمصار وقضاتهم يرون الحبس فى الدين، منهم مالك والشافعى والنعمان وأبو عبيد وسوار وعبيد
الله بن الحسن، وروى عن شريح والشعبى، وكان عمر بن عبد العزيز يقول: يقسم ماله بين الغرماء
ولا يحبس، وبه قال عبد الله بن جعفر والليث ابن سعد، كما فى "المغنى" (٥٠٣:٤).
قلنا: إنما یقسم ماله بین الغرماء إذا كان عنده مال من جنس حقهم، کان یکون لهم عليهم
دراهم وعنده دراهم أو دنانير مثلا، وأما إذا كان عليه دراهم أو دنانير، وعنده عروض، أو عقار،
فكيف يجوز قسمته بينهم، أو يباع عليه غير الجنس ما لم يبعه هو نفسه؟ لأن حق الغرماء إنما تعلق
بذمته لا بعين ماله، ولا يجوز بيع مال الرجل العاقل البالغ إلا بإذنه، وأما ما ورد فى حديث معاذ أن
رسول الله عَّ ◌ُلِّ باع ماله فى دين لزمه، فإن ذلك كان من رسول الله عَّه برضا معاذ بل بأمره، كما
فى "مجمع الزوائد": من طريق كعب بن مالك وفيه: قال معاذ: يا رسول الله! ما جعلت فى نفسى
حين أسلمت أن أبخل بمال ملكته، وإنى أنفقت مالى فى أمر الإسلام، فأبقى ذلك على دينا عظيما،
فادعو غرمائى فاسترفقهم فإن أرفقونى فسبيل ذلك، وإن أبوا فاجعل لهم من مالى الحديث
(١٤٣:٤)، وبهذا تبين أن احتجاج من احتج به على جواز حجر المديون وبيع الحاكم ماله ليس
على ما ينبغى، كما سيأتى تفصيله فى (باب الحجر)، إن شاء الله تعالى.
وأما ابن حزم: فقد عكس الأمر، وقال: "من ثبت للناس عليه حقوق من مال، أو مما يوجب
غرم مال ببينة عدل أو بإقرار منه صحيح بيع عليه كل ما يوجد له، وأنصف الغرماء، ولا يحل أن
یسجن إلا أن يوجد له من نوع ما علیه، فینصف الناس منه بغیر بیع، کمن علیه دراهم ووجدت له
دراهم أو عليه طعام، ووجد له طعام. واحتج بأنه لم يكن لرسول الله مرّه سجن، وبأن الله إنما
أوجب علينا وعلى كل أحد إنصاف ذى الحق من أنفسنا ومن غيرنا، ومنع تعالى من السجن بقوله:
﴿فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه﴾ وافترض حضور الجمعة والجماعات، والذين أجازوا الحبس
منعوا المدين من حضور الصلوات فى الجماعة ومن حضور الجمعة ومن المشى فى مناكب الأرض.
قال: فإن لم يوجد له مال فإن كانت الحقوق من بيع أو قرض ألزم الغرم وسجن حتى يثبت

ج - ١٥
حبس المديون وغيره ممن يتهم بالفساد
٢٩٢
الفتح (٤٦:٥): والحديث وصله أحمد وإسحاق وأبو داود والنسائى من حديث عمرو
العدم اهـ (١٧٢:٨)، قلنا: فهل كان لرسول الله عَّ ◌ُله سجن لحبس المعدمين ولم یکن له سجن
لحبس الواجدين؟ وهل فرض الله تعالى الجمعة والجماعات على الواجدين فقط ولم يفترضها على
المعدمين حيث أجزت منع المعدمين منها بالسجن ولم تجز منع غيرهم؟ وهل قوله تعالى:
﴿فامشوا فى مناكبها﴾ خاص بالواجدين حيث لا يجوز منعهم من المشى، ويجوز منع المعدمين
منه؟ وهل هذه إلا وساوس يضحك منها البله والصبيان. وأيضا فمن لم يوجد له مال أصلا ظاهر
حاله الفقر والعدم، ومثله لا يكون ظالما فى المطل، بخلاف من وجد له مال من غير نوع ما عليه
من الدين فظاهر حاله الغناء، ومثله ظالم فى المطل لقول رسول الله عَ ليه: ((مطل الغنى ظلم))،
فهل سمعتم بأعجب من تحريم حبس الظالم وإيجاب حبس المظلوم؟ هذا هو قياس أهل الظاهر،
فإلى الله المشتكى.
قال ابن حزم: فإن صح أن له مالا غيبه أدب وضرب حتى يحضره أو يموت لقول رسول
الله عَّ: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه)) الحديث. فأمر رسول
الله عَ ◌ّه بتغيير المنكر باليد، ومن المنكر مطل الغنى، فمن صح غناه ومنع خصمه فقد أتى منكرا
وظلما فواجب علی الحا کم تغييره باليد، قلنا: هذا هو دليلنا بعینه فی حبس من وجد له مال من غير
نوع ما عليه، فإن غناه أظهر ممن ثبت غناه بالبينة ولا مال يوجد له، ومطله أجلى من مطله، فمن أين
حرمت حبس هذا وأوجبت ضرب هذا؟ ومن أين علمت جواز ضرب المديون وحرمة حبسه؟ فإن
قوله مَّه: ((فليغيره بيده،)) لا يدل على الضرب، ومن التغيير باليد أن تكف الظالم عن الضرب
وتأخذ بيده وتحبسه فى بيتك حتى يقر المظلوم ويبلغ مأمنه، ومنه أيضا حبسه فى السجن، ومن
ادعى الفرق فعليه البيان، وأيضا: فقوله عّ لّه: ((لى الواجد يحل عرضه وعقوبته)) يدل بصراحته على
مشروعية عقوبة الواجد وأنت تحرم عقوبة المعدم وهل هذا إلا خلاف نص رسول الله عّ لّه صريحا.
وأيضا: فقد ثبت حبس المديون عن الصحابة والتابعين ولم یثبت عنهم ضربه، وهو مدلول
قوله عَّ لجد هرماس: الزمه، وقوله له: ما تفعل بأسيرك؟ ولم يثبت عنه عّ لّه ضرب المديون
بحديث صحيح ولا سقيم، فهل القول بذلك إلا القول بالرأى الذى تذمه بملأ فمك دائما، فإلى
الله المشتكى.
ومن أمعن النظر فى كلام الأئمة المجتهدين يجدهم أتبع الناس للأثر، وأهل الظاهر أبعدهم
منه، لأن أهل الظاهر يأخذون بالعمومات فى الغالب، وما من عام إلا وقد خص منه البعض، كما

٢٩٣
حبس المدیون وغيره ممن يتهم بالفساد
إعلاء السنن
ابن الشريد عن أبيه، وإسناده حسن، وذكر الطبرانى أنه لا يروى إلا بهذا الإسناد اهـ.
لا يخفى، فإن قيل: قوله ◌ّ: ((مطل الغنى ظلم ولى الواجد يحل عرضه وعقوبته)) يدل على أن
شرط استحقاق العقوبة وجود المال الذى يمكنه أداءه منه، فينبغى أن لا يجوز حبسه وعقوبته إلا
بعد أن يثبت أنه واجد ممتنع من أداء ما وجب عليه، وأنتم قائلون بحبس المديون بعد ثبوت الدين
عليه إذا طلبه الغريم موسرا كان المديو أو معسرا، وليس ثبوت الدين عليه علما لإمكان أدائه على
الدوام لجواز أن يحدث الإعسار بعد ثبوت الدين.
قلنا: أما الديون التى حصلت إبدالها فى يده فقد علمنا يساره بها يقينا ولم نعلم إعساره بها،
فوجب كونه باقيا على حكم اليسار، حتى يثبت الإعسار، وأما ما كان لزمه منها من غير بدل فإن
دخوله فى العقد الذى ألزمه ذلك اعتراف بلزوم أدائه وتوجه المطالبة عليه بقضاءه،وهذا اعتراف منه
بيساره لأدائه، ودعواه الإعسار به بمنزلة دعوى التأجيل للموسر فهو غير مصدق عليه، لأن كلا
المتعاقدين دخلا فى عقد، فدخولهما فيه اعتراف منهما بلزوم موجب العقد من الحقوق وغير
مصدق بعد العقد على نفى موجبه، ولا نعلم خلافا بين أهل العلم فى أن مدعى الفساد منهما بعد
وقوع العقد وصحته فى الظاهر غير مصدق عليه، وأن القول قول مدعى الصحة منهما، فكذلك
من ألزم نفسه دینا بعقد عقده على نفسه أنه يلزمه أداءه، ومحكوم عليه بأنه موسر به وغير مصدق
على الإعسار، كما لا يصدق على التاجيل بعد ثبوته عليه حالا.
وإنما قال أصحابنا: إن القاضى يحبسه فى أول ما يرفعه الطالب إلى القاضى، وطلب منه
ذلك ولا يسأل عنه لأنه قد توجهت عليه المطالبة بأداءه وهو محكوم عليه باليسار فى قضاءه،
فالواجب أن یستبرئ أمره بدیا، إذ جائز أن یکون له مال قد خبأه لا يقف عليه غيره، فلا يوقف
بذلك على إعساره، فينبغى له أن يحبسه استظهارا لما عسى أن يكون عنده، إذ كان فى الأغلب أنه
إن كان عنده، شىء آخر أضجره الحبس وألجاه إلى إخراجه، فإذا حبسه هذه المدة (أى شهرين
أو ثلاثة) فقد استظهر فى الغالب، فحينئذ يسئل عنه، لأنه جائز أن يكون هناك من يعلم يساره سرا،
فإذا ثبت عنده إعساره خلاه من الحبس، كذا فى " أحكام القرآن" للجصاص (٤٧٥:١) ملخصا.
وبالجملة فلم نقل بحبس المعسر أصلا، وإنما قلنا يحبس الموسر أعم من أن يكون موسرا
ظاهرا أو محكوما عليه باليسار كما مر، وإذا ثبت الإعسار بالحبس والبينة العادلة وجب على
القاضى الإنظار فليس قول الحنفية خلافا لقوله تعالى: ﴿فإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾،
فإن معناه من تحقق كونه ذا عسرة لا من ادعى العسرة، وإلا لم يبق فى الدنيا غريم موسر، لأن أكثر

٢٩٤
حبس المدیون وغيره ممن يتهم بالفساد
ج - ١٥
المديونين يدعى الإعسار إذا طولب بالحق، ولا من كان فى الظاهر معسرا لجواز أن يكون له مال
مخبوء، وقد أظهر الإعسار، فلا بد لتحقيق الإعسار من الاستظهار وهو بما قلنا، فافهم، فإن أهل
الظاهر لا يفقهون.
الرد على ابن حزم فى إنكاره الحبس والسجن:
وأما ما رواه ابن حزم من طريق أبى عبيد القاسم بن سلام: نا أحمد بن خالد الوهبى عن
محمد بن إسحاق عن محمد بن على بن الحسين قال: قال على بن أبى طالب رضى الله عنه: حبس
الرجل فى السجن بعد ما يعرف ما عليه من الدين ظلم (١٦٩:٨)، فلا ندرى أنه متى يكون المرسل
حجة عند ابن حزم، ومتى هو ليس بحجة؟ فإن محمد بن على بن الحسين لم يدرك غليا هو
ولا أبوه، وأيضا فأين فيه المنع من حبس المديون فى دينه إذا طلبه الغريم؟ وإنما معناه: منع الولاة من
حبس المديونين فى السجن بأدنى جريمة صدرت عنهم لما فى حبسهم من الإضرار بالغرماء،
ولا كذلك إذا كان حبسهم يطلب الغرماء، فافهم.
وهذا كقول القارى: حبس ذى العيال فى السجن ظلم. أى لكونه إضرارا بعياله، وكذلك
إذا طلب عياله حبسه. وأيضا قد عارض هذا المرسل ما رواه إسماعيل بن إبرهيم بن المهاجر عن عبد
الملك بن عمير قال: كان على بن أبى طالب إذا أتاه رجل بغريمه قال: هات بينة على مال أحبسه
فإن قال: فإنى إذا ألزمه قال: ما أمنعك من لزومه. أخرجه الجصاص فى "الأحكام" له (١: ٤٨٠)،
وهذا وإن كان ضعيفا لأجل إسماعيل ولكن المرسل ضعيف أيضا عند المحدثين فتساويا. وأما عندنا
فإن أبا يوسف قد احتج بإسماعيل هذا فهو ثقة عنده، و کفى بذلك حجة، وفيه دلالة على جواز
حبس المديون إذا ثبت بالبينة أن له مالا يماطله عن الغرماء.
ثم رأيت ابن حزم قد احتج بأثر أسماعيل هذا عن عبد الملك بن عمير قال: كان على بن أبى
طالب إذا أتاه رجل برجل له عليه دين فقال: أحبسه. قال له على: أله مال؟ فإن قال: نعم، قد لجأه
-أى أخفاه وغيبه- قال: أقم البينة على أنه لجأه، وإلا أحلفناه بالله ما لجأه اهـ (٨: ١٧١) ولا دلالة
فيه على نفى الحبس، بل مفهومه أنه لو أقام البينة على أن له مالا قد لجأه لحبسه، وقد وقع التصريح
به فى لفظ رواه الجصاص، ولكن ابن حزم لا يدرى ما يخرج من رأسه، فیورد على خصمه ما
لا یرد علیه، ولا یبالی أنه قد احتج بما لا حجة له فیه، قال ابن حزم: والرواية عن علی أنه حبس فی

٢٩٥
حبس المديون وغيره ممن يتهم بالفساد
إعلاء السنن
دين هى من طريق جابر الجعفى وهو كذاب اهـ قلت: قد مر غير مرة أنه مختلف فيه، وثقه شعبة
وسفيان ووكيع وشريك وضعفه آخرون ومثله حسن الحديث، ولا أقل من أن يعتبر به، ويؤيده ما
رواه سعيد بن المسيب أن عمر رضى الله عنه حبس عصبة منفوس ينفقون عليه الرجال دون النساء،
کما فی "المحلی" (١٧١:٨).
وأما قول ابن حزم: إن حبس عمر للعصبة للنفقة على الصبى إنما هو إمساك، وحكم وقصر
لا سجن، لأن من الباطل أن يسجنهم أبدا ولم يذكر عنهم امتناع، ثم هم لا يقولون بإيجاب النفقة
على العصبة فقد خالفوا عمر، فكيف يحتجون به فى شىء هم أول مخالف له؟ ففيه أن تفسير
الحبس بالإمساك والقصر دعوى بلا بينة، والمتبادر من حبس الحاكم رجلا حبسه فى السجن أو فى
ما هو فى معنى السجن، وبعيد من مثل عمر أن يحبس أحدا ما لم يمتنع عن امتثال الواجب، ونحن
لا نقول أنه سجنهم للأبد، سلمنا أنه سجنهم یوما أو یومین فذلك یکفینا، ویرد عليك كل ما
ذكرته فى إنكار الحبس والسجن ومن أخبرك أن الحنفية لا يقولون بإيجاب النفقة على العصبة؟ فقد
حكى ابن المنذر إجماع أهل العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين الذين لا كسب لهما ولا مال
واجبة فى مال الولد قال: وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن على المرأ نفقة أولاده
الأطفال الذين لا مال لهم.
قال الموفق فى "المغنى": ويجب الإنفاق على الأجداد والجدات وإن علوا وولد الولد وإن
سفلوا. وبذلك قال الشافعى والثورى وأصحاب الرأى لقول الله سبحانه: ﴿وعلى الوارث مثل
ذلك﴾ وإن امتنع الميراث مع وجود القرابة كأن يكون القريب محجوبا عن الميراث بمن هو أقرب
منه فينظر: فإن كان الأقرب موسرا فالنفقة عليه ولا شىء على المحجوب، وإن كان الأقرب معسرا
(والقريب مرسرا) وجبت نفقته على الموسر. ذكر القاضى فى أب معسر وجد موسر أن النفقة على
الجد. وقد قال أحمد: لا يدفع الزكاة إلى ولد ابنته لقول النبى ◌ّ له: (إن ابنى هذا سيد)). فسماه ابنا
وهو ابن بنته، وإذا منع من دفع الزكاة إليهم لقرابتهم يجب أن تلزمه نفقتهم عند حاجتهم، وهذا
مذهب الشافعی اهـ ملخصا (٢٥٩:٩).
وفى "الهداية": والنفقة لكل ذى رحم محرم إذا كان صغيرا فقيرا، أو كانت امرأة بالغة
فقيرة، أو كان ذكرا بالغا فقيرا زمنا أو أعمى، لأن الصلة فى القرابة القريبة واجبة دون البعيدة،
والفاصل أن يكون ذا رحم محرم. وقد قال الله تعالى: ﴿و علی الوارث مثل ذلك﴾، ويجب ذلك

ج - ١٥
حبس المديون وغيره ممن يتهم بالفساد
٢٩٦
على مقدار الميراث ويجبر عليه اهـ (٤٢٦:٢)، وقد مر كل ذلك فى باب النفقة مفصلا، فليراجع،
ويؤيد الجمهور القائلين بالحبس ما ذكرناه فى المتن عن عمر رضى الله عنه أنه اشترى دار صفوان
بمكة للسجن.
وأما قول ابن حزم: إن كلهم لا يراه بيعا صحيحا بل فاسدا مفسوخا، فكيف يستجيز مسلم
أن يحتج بحكم يراه باطلا؟ والمحفوظ عن عمر مثل قولنا على ما نذكره بعد هذا، إن شاء الله تعالى
اهـ (٨-١٧١)، فحاشاهم أن يروا بیع عمر رضى الله عنه فاسدا غیر صحیح، بل كلهم قد احتج به
ورأه صحيحا. فالجمهور حملوه على أن نافعا كان وكيلا لعمر، وللوكيل أن يأخذ المبيع لنفسه إذا
رده الموكل بالعيب ونحوه. قال المهلب: اشتراها نافع من صفوان للسجن وشرط عليه: إن رضى
عمر بالابتياع فهى لعمر، وإن لم يرض فله بالثمن المذكور، فالدار لنافع بأربعماة، وهذا بيع جائز.
وحمله أحمد على بيع العربون وقال بجوازه كما مر كل ذلك مفصلا فى أبواب البيوع. والعجب
من ابن حزم أنه كيف خفى عليه ذلك ومن أين قال: إن كلهم لا يراه بيعا صحيحا بل فاسدا
مفسوخا؟ فهل قاس الجميع على نفسه، وزعم أنهم يردون آثار الصحابة، كما يردها هو بقوله:
لا حجة فى أحد دون رسول الله عَ ليه؟ ولم يدر أن آثار الصحابة شارحة مبينة لمعنى حديث
النبى معَّ ◌ُّ كما أن حديث النبى معَّه بيان لكتاب الله عز وجل، فافهم.
وأما ما رواه من طريق مالك عن عمر (١) بن عبد الرحمن بن دلاف عن أبيه أن رجلا من
جهينة كان يشترى الرواحل إلى أجل، فيغالى بها فأفلس، فرفع إلى عمر بن الخطاب فقال: أما بعد!
أيها الناس! فإن الأسفع أسفع بنى جهينة رضى من دينه وأمانته بأن يقال: سبق الحاج، وأنه أدان
معرضا فأصبح قد دين به، فمن كان له عليه شىء فليفد بالغداة فإنا قاسمون ما له بالحصص اهـ
فأين فيه أن غرماءه طلبوا من عمر حبسه فامتنع من حبسه؟ وإنما نقول بحبس المديون إذا طلبه
الغرماء، وأين فيه أنه قسم ماله بين الغرماء من غير نوع ما هو عليه؟ سلمنا فأين فيه أنه فعل ذلك من
غير رضا المديون؟
(١) قلت: وهذا حديث مضطرب الإسناد جدا فقال بعضهم هكذا. وقال زبير بن معاوية عن عبد الله بن عمرو: ليس دون مالك فى
الحفظ والإتقان عن عمر بن عبد الرحمن عن أبيه عن بلال بن الحارث. وكذا رواه ابن أبى شيبة عن عبد الله بن إدريس عن
العمرى. وروى الدار قطنى فى غرائب مالك بن طريق بن مهدى عن مالك عن عمر بن عبد الرحمن بن عطية بن دلاف عن أبيه
عن جده، كذا فى "التلخيص" (٢٤٨:٢)، ولكن ابن حزم لا يبالى بالإرسال، ولا بالاضطراب ولا بشىء، إذا وافق غرضه، ظ.

٢٩٧
حبس المدیون وغيره ممن يتهم بالفساد
إعلاء السنن
وأما ما رواه من طريق أبى عبيد نا أحمد بن عثمان عن عبد الله بن المبارك عن محمد بن
سليم عن غالب القطان عن أبى المهزم عن أبى هريرة أن رجلا أتاه بآخر فقال له: إن لى على هذا
دينا. فقال للآخر: ما تقول؟ قال: صدق. قال: فاقضه. قال: إنى معسر. فقال للآخر: ما تريد؟ قال:
احبسه. قال أبو هريرة: لا ولكن يطلب لك ولنفسه ولعياله. قال غالب القطان: وشهدت الحسن
وهو على القضاء قضى بمثل ذلك اهـ (١٧١:٨).
ففيه أبو المهزم تركه ابن مهدى والقطان وضعفه ابن معين وغيره واتهمه شعبة بالوضع، كما
فى "التهذيب" (٢٤٩:١٢) أولا يستحيى ابن حزم من الاحتجاج بمثله؟ ولكنه لا يبالى بشىء إذا
وافق غرضه. وأيضا فأين فيه الدلالة على تحريم حبس المديون؟ بل غاية ما فيه أن أبا هريرة لم
يحبسه، وهذا لا يضرنا ولا يفيد الخصم، فإنا لم نقل بوجوب الحبس، وإنما قلنا بجوازه إذ رأه
القاضى، وله أيضا أن يحمل الخصمين على الصلح وهو محمل حديث أبى هريرة هذا بدليل أن
الغريم لم يذكر له مقدار الدين، ولا يجوز القضاء قبل معرفته، فالظاهر أن أبا هريرة حملها على
الصلح وهذا مما لا ننكره، ويحتمل أن يكون دينا لم ير أبو هريرة حبس الرجل به، وهذا وجه قد
ذهب إليه متأخرو أصحابنا، منهم محمد بن شجاع قالوا: إن کل دین کان أصله من مال وقع فى
يد المدين - كأثمان البياعات والعروض ونحوها- فإنه يحبسه به، وما لم یکن أصله من مال وقع
يده مثل المهر والجعل من الخلع والصلح من دم العمد والكفالة (ونحوها) لم يحبسه به حتى يثبت
وجوده وملاءه، كذا فى "الأحكام" للجصاص (٤٧٥:١).
وأيضا: فإن الحبس إنما هو لاستظهار الحال، فلو علم القاضى بحال المديون أنه لم يخبئ شيئا
لا يحبسه، فلعل أبا هريرة كان قد علم بذلك من حال الرجل. وأما قول ابن حزم: إن السجن مطل
وظلم لما فيه من منع الذى له الحق من تعجيل حقه ففيه أنا لم نقل بحبس المديون إلا إذا طلبه الغريم،
وهو إنما يطلبه إذا رأه سببا لتعجيل حقه، فكيف يكون مطلا وظلما؟ قال: ثم ترك من صح إفلاسه
لا يؤاجر لغرمائه مطل وظلم فلا يجوز، وهو مفترض عليه إنصاف غرمائه وإعطاءهم حقهم، فإن
امتنع من ذلك وهو قادر عليه بالإجارة أجبر على ذلك. واحتج بما روى من طريق عمرو بن ميمون
أن عمر بن عبد العزيز كان يؤاجر المفلس فى شر صنعته وهو قول الليث بن سعد اهـ (١٧٢:١٠).
قلنا: هذا خلاف الآية والآثار المروية عن رسول الله عَّ ◌ُّه، أما الآية فقوله تعالى: ﴿وإن كان
ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ ولم يقل: فليؤاجر بما عليه، وسائر الأخبار المروية عن رسول الله عد اله

٢٩٨
حبس المديون وغيره ممن يتهم بالفساد
ج - ١٥
٥٠٥٣- عن هرماس بن حبيب -رجل من أهل البادية- عن أبيه عن جده: قال:
ليس فى شىء منها إجارته وإنما فيها لزومه أو حبسه، وفى حديث أبى سعيد الخدرى عند مسلم أن
رجلا أصيب فى عهد رسول الله عَّ له فكثر دينه فقال رسول الله عزّ له: ((تصدقوا عليه)) فتصدق
الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول الله مرّ له: ((خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك»
فهذا نص جلی علی أنه ليس للغرماء غير ما وجدوا له، وليس لهم مؤجرته.
وبهذا اندحض قول ابن حزم: إن قول الله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾
لا يمنع من استجاره بل يوجبه لأن الميسرة لا تكون إلا بأحد وجهین: إما بسعى، أو بلا سعى،
وقد قال تعالى: ﴿وابتغوا من فضل الله﴾، فنحن نجبره على ابتغاء فضل الله إلخ (١٧٣:٨).
قلنا: لم يجعل الله ابتغاء فضله محصورا فى الإجارة فمن أين لك أن تجبره عليها ولا تأذن له
فى الغزو وابتغاء الفضل بالغنيمة؟ ومن أين لك أن تمنعه من الزراعة والتجارة وغيرهما؟ ولا يشك
عاقل فى أن إجبار المعسر على المؤاجرة للغرماء، ليس من الإنكار فى شىء، وإنما الإنظار أن يخلى
سبيله ويترك وشانه حتى يغنيه الله من فضله، إن شاء.
وأيضا: فلو كان ذلك من الإنظار لم يقل النبى عّ لّه لغرماء الذى أصيب فى ثمار ابتاعها:
((خذوا ما وجدتم ليس لكم إلا ذلك)) حين لم يجدوا غير ما أخذوا، بل قال لهم: ((خذوا ما وجدتم
وواجروه فيما بقى لكم)) والعجب من ابن حزم أنه رأى قوله مّ: ((ليس لكم إلا ذلك)) نصا جليا
على نفى الحبس ولم يشعر بأنه دليل صريح على نفى المؤاجرة أيضا، ولم يدر أنه ليس بوارد على
خصمه لأنه لا يقول بحبس المديون إلا إذا طلبه الغرماء، وليس فى الحديث أنهم طلبوه، وإذا طلبوه
فلا يحبسه الحاكم إلا استظهارا، وأما إذا كان عالما بحاله وعارفا بشانه فلا، ورسول الله عَ ليه كان
عالما یاعسار الرجل بدلیل أنه أمر الناس بالتصدق علیه، ومعنى قوله: ليس لكم إلا ذلك. أی لیس
لكم الآن إلا هذا، وخذمٍا ما بقى لكم إذا آتاه الله من فضله، لأنا لا نختلف فى ثبوت حقوقهم فيما
يكسبه فى المستقبل فقوله: ليس لكم إلا ذلك. لم ينف بقاء حقوقهم فيما يستفيده، فافهم.
وبالجملة فلا حجة لابن حزم على إنكار الحبس والسجن ولا تحريمه، وكل ما زعمه حجة،
فهو رد عليه، كما ذكرنا. وبعد ذلك فلنذكر حجة ما ذهبنا إليه ليتبين الحق ويتضح الصدق، فمنها
حديث عمرو بن الشريد الذى فتحنا به الباب، وفيه قوله عّ لّه: ((لى الواجد يحل عرضه وعقوبته))،
وقد مر تقریره.
قوله: عن هرماس بن حبيب إلخ. فى قوله معّ: الزمه وفى قوله: يا أخا تميم! ما تريد أن

٢٩٩
حبس المدیون وغيره ممن يتهم بالفساد
إعلاء السنن
عدّ بغريم لى فقال لى: الزمه. ثم قال لى: يا أخا تميم! ما تريد أن تفعل
أتيت النبي عَّ اله
بأسيرك؟ رواه أبو داود (٣٤٩:٣)، وسكت عنه. وحكى المنذرى عن أبى حاتم أن
هرماس شيخ أعرابى لم يرو عنه غير النضر بن شميل ولا يعرف أبوه ولا جده اهـ.
والحديث أخرجه ابن ماجه فى "الأحكام" أيضًا، وسكوت أبى داود يشعر بكونه صالحًا
للاحتجاج عنده.
تفعل بأسيرك؟ دلالة على جواز حبس المديون كما مر تقريره، ويؤيده ما رواه البيهقى من طريق
أبى مجلز أن عبدا كان بين رجلين فأعتق أحدهما نصيبه فحبسه النبى مدّ حتى باع غنيمة له،
وقال: هذا منقطع. وروى من وجه آخر عن القاسم بن عبد الرحمن عن جده عبد الله بن مسعود
وهوضعيف لأنه من طريق الحسن بن عمارة كذا فى "التلخيص" (٢٤٧:٢).
قلت: قد مر فى "المقدمة" أن المرسل إذا تعدد مخرجه صلح للاحتجاج به عند الكل،
وقد مر أيضا أن ابن حبان قد صرح بقبول مراسيل كبار التابعين فإنهم لا يرسلون إلا عن صحابى،
وأبو مجلز لاحق بن حميد من كبار التابعين جل روايته عن الصحابة، فاندحض قول ابن حزم.
وحديث الحبس: حتى باع غنيمته مرسل، ولا حجة فى المرسل اهـ (١٧٠:٨).
قلنا: ولكنك تحتج به إذا وافق غرضك كما نبهنا على ذلك غير مرة قال: ولو صح لما كان
لهم فيه حجة، لأنه قد يخاف عليه الهرب بغنيمته فحبس ليبيعها. قلنا: وأى حجة أقوى من
أنه مَّ ◌ُلِّ حبسه، ولم يبع عليه ماله، وهو يرد عليك قولك: من ثبت للناس عليه حقوق من مال،
أو غرم بيع عليه كل ما وجد له. قال: وليس فيه الحبس الذى يرون هم ولا أنه امتنع من بيعها،
قلنا: نعم، لم يحبسه فى السجن لأنه لم يكن يومئذ سجن فكان ماذا؟ فهل الحبس فى المسجد،
أو الدهليز، أو فى السجن إلا سواء، والظاهر من حبسه عّ لّ إياه أنه كان قد امتنع من بيع ماله ،
وإلا لم يكن للحبس معنى، ومن يخاف عليه الهرب بماله كيف لا يكون ممتنعا من بيعه، وهل هذا
إلا تناقض من القول وتهافت فيه.
قال: وقد يكون الضمير فى قوله: باعها راجعا إلى النبى عَّ ◌ُله قلنا: لو راجعت فيه نفسك لم
تصدقك فى هذا التأويل، وكذبتك لتحريفك الكلم عن مواضعه، وهل بأمثال هذه التأويلات
الباردة يفرح الظاهريون ويعدون أنفسهم من المتبعين للأثر؟ فإن كان هذا هو الاتباع، وفهم الحديث
فعلى هذا الاتباع والفهم السلام - قال: وقد يكون هذا الحبس إمساكا فى المدينة، وليس فيه أصلا
أنه حبس فى سجن فلا حجة لهم فيه أصلااه، قلنا: وأى فرق بين الحبس فى السجن وبين الحبس

ج - ١٥
حبس المدیون وغيره ممن يتهم بالفساد
٣٠٠
٥٠٥٤- عن طلق بن معاوية قال: كان لی دین علی رجل فخاصمته إلى شریح
فقال له: ﴿إن الله يأمر كم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ وأمر بحبسه. رواه ابن أبى
شيبة، وسكت عنه الحافظ فى "الفتح" (٤١:٥)، فهو حسن أو صحيح على أصله.
٥٠٥٥- حدثنا إبراهيم بن موسى الرازى أنا عبد الرزاق عن معمر عن بهز بن
حكيم عن أبيه عن جده أن النبى عّ لّه حبس رجلا فى تهمة. رواه أبو داود وسكت
فى بيت من المدينة؟ وهل هذا إلا كقول القائل: لا حق لأحد من المسلمين فى بيت المال بل كل ما
فيه للخليفة وحده، لأنه لم يكن فى عهد النبى معَّ له بيت مال قط، ونحن إنما نقول بحبس المديون
سواء كان فى ست أو فى سجن ونحوه، فافهم.
وبالجملة فمرسل أبى مجلز صالح للاحتجاج به وهو حجة لمن قال بحبس المديون فى دينه
إذا امتنع من أداءه، وهو شاهد لحديث هرماس بن حبيب أيضا، فانجبر به ما عسى أن يتوهم فيه من
الضعف، والله تعالى أعلم.
قوله: عن طلق بن معاوية إلخ: قلت: دلالته على معنى الباب ظاهرة وشريح من أجلة التابعين
الكبار استقضاه عمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم وكانت قضاياه تشتهر ولا تكاد تخفى على
الخلفاء، فلو كان حبس المديون بدينه ظلما وعدوانا، كما زعمه ابن حزم لأنكروا عليه، وإذا
لم يثبت ذلك فكان بمنزلة إجماعهم عليه، كما ذكره صاحب "البحر". وأما قول ابن حزم: وأما
شريح والشعبى فما علمنا حكمهما حجة (أى إذا خالف غرضه، وأما إذا وافق غرضه فقولهما بل
قول من دونهما حجة عنده، وإلا فلما ذا شحن ديوانه "المحلى" بأقوال التابعين وأتباعهم لا يزال
يسردها كسرد الأحاديث؟).
وأقرب ذلك أنهما قد ثبت عنهما أن الأجير والمستأجر كل واحد منهما يفسخ الإجارة إذا
شاء وإن كره الآخر وهم كلهم مخالف لهذا الحكم، فالشعبى وشريح حجة إذا اشتهوا، وليسا
حجة إذا اشتهوا، أف لهذه العقول والأديان اهـ (١٧١:٨)، ففيه أن قول التابعى الكبير حجة عندنا
إذا لم يخالفه أقوى منه نص أو قول صحابى ونحوه، وإلا فلا يترك الأعلى بالأدنى. ومسألة الإجارة التى
ذكرها من هذا النوع كما سنذكره إن شاء الله تعالى، والعجب ممن يجعل المرسل ورواية المجهول
والمتهم بالوضع كأبى المهزم وغيره حجة إذا اشتهى، ولا يجعله حجة إذا اشتهى أن يلزم خصمه
بأقل من ذلك، فأف لمن الجبل فى عينه قذاة عنده والقذاة فى عين غيره جبل، وإلى الله المشتكى.
قوله: حدثنا إبراهيم بن موسى إلخ. قال الشوكانى فى "النيل": فيه دليل على أن الحبس