Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
أفضلية الستر فى الحدود
إعلاء السنن
والنسائى وعبد الرزاق وغيرهم بأسانيد صحيحة وبألفاظ مختلفة.
عند النبى عَّ ◌ُّه بالزنااه لأنه ظهر من رواية أحمد أنه ذكر للنبى عّ لّه شيئا من أمر ماعز. وهذا هو
المراد فى قول صاحب "الهداية" من الشهادة فافهم.
قال العبد الضعيف: ولا يخفى ما فيه فإن صاحب " الهداية" قال أولا: إن الشاهد فى
الحدود يخير بين الستر والإظهار والستر أفضل، ثم احتج لذلك بأنه عّ لّه قال للذى شهد عنده:
(لو سترته بثوبك)) الحديث، وذلك يستدعى كون الذى قال له النبى عّ لّ هذا شاهد فى الحد،
والمعروف أنه لم يكن شاهدا لإن ماعزا إنما حد بالإقرار، والظاهر من طرق الحديث أن هزالا إنما
ذكر من أمر ماعز للنبى معَّ له ما ذكره بعد ما رجم ومات، ولا يكون مثل هذا الذكر من الشهادة
فى شىء، فلا يندفع، ما قاله الزيلعى بما ذكره بعض الأحباب، فالحق حمل الكلام على المسامحة،
والمعنى أن الستر أفضل؛ لقوله عليه السلام للذى اعترف ماعز عنده بالزنا أولا، فصار شاهدا على
إقراره به : ((لو سترته ثوبك لكان خيرا لك)). فدل أن الشاهد فى الحد سواء كان شاهد الواقعة، أو
شاهدا على اعتراف مرتكب الحد به يخير بين الستر والإظهار والستر أفضل له. والله تعالى أعلم.
وقد مرت دلائل مندوبية الستر فى أبواب الحدود فلتراجع، فإن قيل: هذا معارض لإطلاق
قوله تعالى: ﴿لا تكتموا الشهادة﴾ وغيره من النصوص المقتضية لوجوب الشهادة قلنا: هذه الآية
محمولة على الشهادة فى حقوق العباد بدليل سياقها وهو قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا
تداينتم بدين إلى أجل مسمى﴾ إلى أن قال: ﴿ولا يأب الشهداء﴾ إلى ﴿ولا تكتموا الشهادة﴾،
فكان الحديث والدليل العقلى الذى ذكره صاحب "الهداية" أنه بين حسبتين: إقامة الحد والتوقى
عن الهتكَ سالمين عن المعاوضة، والمعنى فيه أن الستر والكتمان إنما يحرم لخوف فوت حق المدعى
المحتاج إلى إحياء حقه، وذلك فى حقوق العباد. وأما الحدود فحق الله تعالى وهو موصوف بالكرم
والغنى، وليس فيه فوت حقه لقدرته على الاستيفاء فى الدنيا والآخرة، فجاز لذلك أن يختار
الشاهد جانب الستر وكان هو أفضل صيانة لهتك عرض أخيه المسلم، وأيضا فإن هذه الأخبار
الواردة فى طلب ستر الحدود قد بلغت مبلغا لا تنحط به عن درجة الشهرة لتعدد متونها مع قبول
الأمة لها فصح التخصيص بها، أو هى مستند الإجماع على تخيير الشاهد فى الحدود، فثبوت
الإجماع دليل ثبوت المخصص، كذا فى "فتح القدير" (٤٤٩:٦). وقال صاحب "العناية": والحق
أن يقال: القدر المشترك فيما نقل عن النبى ◌ّ له وأصحابه فى الستر والدرا متواتر فى المعنى،
فجازت الزيادة به اهـ.

ج - ١٥
١٦٢
باب تلقین الدرء
٤٩٦٣- عن أبى هريرة أن النبى عّ لّ أتى بسارق سرق شملة فقال عليه السلام:
ما أخاله سرق، فقال السارق: بلى يا رسول الله! فقال: ((اذهبوا به فاقطعوه)). رواه
الحاكم فى "المستدرك" وقال: صحيح على شرط مسلم. ورواه أبو داود فى المراسيل
عن يزيد بن خصيفة مرسلا، وفى الباب عن السائب بن يزيد عند الطبرانى وعن أبى أمية
الخزومی عند أبى داود وغيره بسند فيه مجهول.
٤٩٦٤- وروى البخارى عن النبى عَّ له أنه قال لماعز: ((لعلك قبلت أو غمزت
أو نظرت)).
٤٩٦٥- وعن أبى بكر الصديق قال: كنت عند النبى عّ لّه جالسًا فجاء ماعز
فاعترف عنده مرة، ثم جاء فاعترف عنده الثانية فرده، ثم جاء فاعترف الثالثة فرده،
فقلت له: إنك إن اعترفت الرابعة يرجمك، قال: فاعترف الرابعة فحبسه ثم سأل عنه
فقالوا: لا نعلم إلا خيرًا، فأمر به فرجم، أخرجه أحمد فى مسنده بسند فيه جابر الجعفى
وهو مختلف فيه.
باب فى تلقين الدرء
قوله: عن أبى هريرة إلخ. أقول: الحديثان نصان فى جواز التلقين وقد ورد فى هذا الباب آثار
من الصحابة كعمر وعلى وغيرهما، ذكرها الزيلعي فى "نصب الراية"، وقد مر هذا البحث فى
كتاب الحدود فارجع إليه، قال العبد الضعيف: وأما فى غير الحد فيكره تلقين الشاهد وهو أن يقول
له القاضى كلاما يستفيد به الشاهد علما، هذا هو قول الإمام أبى حنيفة ومحمد، وعليه الأئمة
الثلاثة، وعن أبى يوسف وهو وجه للشافعى رحمه الله: لا بأس به لمن استولته الحيرة أو الهيبة فترك
شيئا من شرائط الشهادة فيعينه بقوله: أتشهد بكذا وكذا بشرط كونه فى غير موضع التهمة، أما
فيها بأن ادعى المدعى ألفا وخمسماة والمدعى ينكر الخمس مائة وشهد الشاهد بألف فيقول
القاضى: يحتمل أنه أبرأه من الخمس مائة، واستفاد الشاهد بذلك فوفق به الشاهد فى شهادته، فهذا
لا يجوز بالاتفاق كما فى تلقين أحد الخصمين، وفى "المبسوط": ما قالاه عزيمة، لأن القاضى
منهى عن اكتساب ما يجر إليه تهمة الميل، وتلقين الشاهد لا يخلو منه، وقول أبى يوسف رخصة
فإنه لما ابتلى بالقضاء شاهد الحصر عند أداء الشهادة، لأن مجلس القضاء مهاب فيضيع الحق إذا

١٦٣
إعلاء السنن
باب السؤال عن الشهود إذا كان القاضى لا يعرفهم
بالعدالة والاكتفاء بتزكية الواحد
٤٩٦٦- عن داود بن رشيد عن الفضل بن زياد عن شيبان عن الأعمش سليمان
ابن مسهر عن خرشة بن الحر قال: إن شاهدين شهدا عند عمر فقال لهما: إنى
لم يعنه على أداء الشهادة، وأيضا أمر بإكرام الشهود فإن الله يحبى بهم الحقوق وهذا التلقين إعانة
وإكرام حيث لا ينسب إليه القصور، كذا فى " الهداية" مع "فتح القدير" (٣٧٤:٢).
حديث: أکرموا الشهود:
قلت: حديث إكرام الشهود رواه البانياسى أبو عبد الله مالك بن أحمد فى جزئه والخطيب
وابن عساكر فى تاريخه عن ابن عباس، قال المناوى: قال الخطيب: تفرد به عبد الله ابن موسى كذا
فى "العزيزى" (٢٧٥:١)، وفى "المقاصد الحسنة" بعد عزوه إلى النقاش والعقيلى والديلمى:
وبالجملة فقد قال العقيلى: إنه غير محفوظ بل صرح الصنعانى بأنه موضوع، ولم يستدرك ذلك
العراقى اهـ (ص ٣٨)، وفى "رحمة الأمة": اتفق الأئمة على أن الشهادة شرط فى النكاح، وأما
سائر العقود - كالبيع- فلا تشترط الشهادة فيها، (أى لثبوتها وصحتها فى نفس الأمر، وأما لإثباتها
عندالقاضى فلا بد من البينة إذا أنكرها الخصم) واتفقوا على أن القاضى ليس له أن يلقن الشهود بل
يسمع ما يقولون اهـ (ص ١٦٠).
باب السؤال عن الشهود إذا كان القاضى لا يعرفهما بالعدالة
والاكتفاء بتز كية الواحد
قوله: عن داود بن رشيد إلخ. قال العبد الضعيف: الفضل بن زیاد هذا هو البغدادى يباع
الطساس قد وثقه أبو زرعة وحدث عنه، کما فى "اللسان" (٤٤١:٤)، وقد روى عنه داود بن
رشيد أثر المتن، ومن روى عنه ثقتان ارفعت جهالة عينه عند المحدثين وإذا وثقه أحد من الناقدين
ارفعت جهالة حاله، فالأثر صحيح كما قاله ابن السكين، وذكره الموفق فى "المغنى" بلفظ: إنه إنى
بشاهدين فقال لهما عمر: لست أعرفكما ولا يضركما إن لم أعرفكما. جيئا بمن يعرفكما، فأتيا
برجل فقال له عمر تعرفهما؟ فقال: نعم. فقال عمر: صحبتهما فى السفر الذى تبين فيه جواهر
الناس؟ قال: لا، قال: عاملتهما فى الدنانير والدراهم التى تقطع فيها الرحم؟ قال: لا. قال: كنت
جارا لهما تعرف صباحهما ومساءهما؟ قال: لا. قال: يا ابن أخى! لست تعرفهما. جيثا بمن
يعرفكما (٤١٦:١١).

١٦٤
ج - ١٥
السؤال عن الشهود
لا أعرفكما ولا يضركما إن لا أعرفكما ائتيا بمن يعرفكما، فأتاه رجل فقال: بم تعرفهما؟
قال: بالصلاح والأمانة، قال: كنت جارًا لهما؟ قال: لا، قال: صحبتهما ى السفر الذى
وبالجملة فإن الشاهد يعتبر فيه أربعة شروط إجماعا: الإسلام والبلوغ والعقل والعدالة وليس
فيها ما يخفى ويحتاج إلى البحث إلا العدالة فيحتاج إلى البحث عنها لقول تعالى: ﴿من ترضون
من الشهداء﴾، ولا نعلم أنه مرضى حتى نعرفه أو نخبر عنه، فإن عرفهما عدلین حكم بشهادتهما،
وإن عرفهما فاسقين لم يقبل قولهما، وإن لم يعرفهما سأل عنهما، لأن معرفة العدالة شرط فى قبول
الشهادة بجميع الحقوق، وبهذا قال الشافعى وأبو يوسف ومحمد وأحمد، وعن أحمد رواية:
يحكم بشهادتهما إذا عرف إسلامهما بظاهر الحال إلا أن يقول الخصم: هما فاسقان. وهذا قول
الحسن، والمال والحد فى هذا سواء لأن الظاهر من المسلمين العدالة. ولهذا قال عمر(فى رسالته إلى
أبى موسى الأشعرى، وقد تقدم أنها متلقاة بالقبول احتج بها العلماء فى كل زمان، ورواه
الدار قطنى بسندين أحدهما جيد رجاله ثقات): المسلمون عدول بعضهم على بعض، ولأن
العدالة أمر خفى سببها الخوف من الله تعالى، ودليل ذلك الإسلام، فإذا وجد فليكتف به ما لم يقم
على خلافه دليل، وقال أبو حنيفة فى الحدود والقصاص كالرواية الأولى عن أحمد، وفى سائر
الحقوق كالثانية، لأن الحدود والقصاص مما يحتاط لها وتندرئ بالشبهات بخلاف غيرها، كذا
فى "المغنى" (٤١٥:١١).
وإذا عرفت ذلك، فلا يرد على أبى حنيفة ما روينا عن عمر فى المتن، وليس لقائل أن يقول
كما قال الموفق: وأما قول عمر: المسلمون عدول بعضهم على بعض، فالمراد به أن الظاهر العدالة،
ولا يمنع ذلك وجوب البحث ومعرفة حقيقة العدالة، فقد روى عنه أنه أتى بشاهدين فسأل عنهما،
وهذا بحث يدل على إنه لا يكتفى بدونه اهـ فلإبى حنيفة أن يحمله على الشهادة فى الحدود
والقصاص، ولا يخفى أن قوله: المسلمون عدول بعضهم على بعض بصيغة الجمع المحلى باللام يدل
على كونهم عدولا أجمعين، والحكم بعدالتهم ينافى وجوب البحث عنها، وإلا لم يصح الحكم
بها، هذا هو الظاهر وما أوله عليه الموفق بعيد جدا وصرف للكلام عن ظاهره، ومثل هذا الاحتمال
لا يضر الاستدلال.
وفى "الهداية": وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: لا بد أن يسأل عنهم فى السر
والعلانية فى سائر الحقوق، لأن القضاء مبناه على الحجة، وهى شهادة العدول، فيتعرف عن العدالة
وفيه صون قضاءه عن البطلان، قال المحقق فى "الفتح": ولا يخفى قوة دليل أبى حنيفة، وكونه

١٦٥
السؤال عن الشهود
إعلاء السنن
يسفر عن أخلاق الرجال؟ قال: لا. قال: فأنت لا تعرفهما، ائتيا بمن يعرفكما، أخرجه
العقيلى والخطيب فى "الكفاية" والبيهقى، فذكره أتم من هذا، قال العقيلى: الفضل
لا بد أن يثبت العدالة لم يخالف فيه أبو حنيفة، ولكن يقول: طريق الثبوت هو البناء على ظاهر
عدالة المسلم خصوصا مع ما روينا عن النبى معَّه (وهو ما أخرجه ابن أبى شيبة فى "مصنفه":
حدثنا عبد الرحیم بن سلیمان عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول.
الله عَّهِ: ((المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا فى فرية))، كذا فى "الزيلعى" (٢٠٩:٢)،
وهذا إسناد حسن)، والصحابة والسلف فإن السلف لم يكونوا يسألون قبل، وأول من سأل ابن
شبرمة، ومع ذلك الفتوى على قولهما لاختلاف حال الزمان، ولذلك قالوا: هذا الخلاف خلاف عصر
وزمان لا حجة وبرهان، فإن الغالب فى زمان أبى حنيفة الصلاح بخلاف زمانهما اهـ (٤٥٨:٦).
وفى أثر عمر حجة لأبى حنيفة فى الاكتفاء بتعديل الواحد فإنه قال: ائتيا بمن يعرفكما.
فأتيا برجل فلم يرده لكونه واحدا، وإنما رده لكونه لم يكن يعرفهما، والمسألة خلافية شهيرة قال
الموفق فى "المغنى": ولا يقبل الجرح والتعديل إلا من اثنين، وبهذا قال مالك والشافعى ومحمد
ابن الحسن وابن المنذر، وروى عن أحمد: يقبل ذلك من واحد، وهو اختيار أبى بكر وقول أبى
حنيفة لأنه خبر لا يعتبر فيه لفظ الشهادة فقبل من واحد كالرواية، قال: ولنا أنه إثبات صفة من
يبنى الحاكم حكمه على صفته فاعتبر فيه العدد، وفارق الرواية فإنها على المساهلة، ولا نسلم
أنها لا تفتقر إلى لفظ الشهادة ويعتبر فى التعديل والجرح لفظ الشهادة فيقول فى التعديل: أشهد
أنه عدل اهـ (٤٢١:١١).
قلنا: اعتبار لفظ الشهادة فى الجرح والتعديل والتزكية والترجمة لم يقل به أحد من السلف،
ومن ادعى فعليه البيان، وهذا عمر رضى الله عنه عدل عنده رجل ولم يقل: أشهد، وإنما قال:
أعرفهما بالصلاح والأمانة، ولما جاءه أبو جميلة بمنبوذ فاتهمه عمر، وقال: عسى الغوير أبوسا. قال
له عریفه: یا أمیر المؤمنین! إنه رجل صالح، قال: کذلك؟ قال: نعم، فقال عمر: اذهب به فهو حر
وعلينا نفقته. رواه عبد الرزاق (الزيلعى ١٦٢:٢)، فاكتفى بقول العريف: إنه رجل صالح ولم يقل
له: أتشهد بذلك؟ وأيضا: فقياسه على شهادة الشاهد غير صحيح، فإن التعدية تكون بجامع يعلم
اعتباره، واشتراط العدد فى الشهادة أمر تحكمى -أى تعبدى- وفى "المبسوط": هو بخلاف
القياس، إذ فى القياس يكفى الواحد العدل لأن خبره موجب للعمل لا علم اليقين، وكما لا يثبت
العلم بخبر الواحد لا يثبت بخبر الاثنين فلا يتعداها إلى التزكية قاله المحقق فى "الفتح" (٤٦١:٦).

١٦٦
ج - ١٥
السؤال عن الشهود
مجهول، وما فى هذا الكتاب حديث لمجهول أحسن من هذا، وصححه أبو على بن
وأذا ثبت هذا فالحق قول أبى حنيفة رحمه الله: إن التعديل والجرح إخبار لا شهادة، فيقبل
من واحد، وقد مر الكلام فيه فى (باب الاكتفاء بترجمان واحد) مستوفى، فليراجع، وفيه دلالة
أيضا على الاكتفاء بتعديل العلانية، قال المحقق فى "الفتح": وقد كانت العلانية فى الصدر الأول
لأنهم كان يغلب عليهم الصبر للحق، ووقع الاكتفاء بالسر فى زماننا لغلبة النفوس فيه، وقد روى
عن محمد أنه قال: تزكية العلانية بلاء وفتنة اهـ (٤٥٩:٦).
وفيه دلالة أيضا أن التعديل لا يقبل إلا من أهل الخبرة الباطنة والمعرفة المتقادمة، وهذا مذهب
الشافعى وبه قال أصحاب أحمد، لأن عادة الناس إظهار الصالحات وإسرار المعاصى، فإذا لم يكن
ذا خبرة باطنة ربما اغتر بحسن ظاهره وهو فاسق فى الباطن، وهذا يحتمل أن يريدوا به أن الحاكم
إذا علم أن المعدل لا خبرة له لم تقبل شهادته بالتعديل، كما فعل عمر رضى الله عنه، ويحتمل أنهم
أرادوا أنه لا تجوز للمعدل الشهادة بالعدالة إلا أن تكون له خبرة باطنة، فأما الحاكم إذا شهد عنده
العدل بالتعديل ولم يعرف حقيقة الحال فله أن يقبل الشهادة من غير كشف، وإن استكشف الحال،
كما فعل عمر رضى الله عنه فلا بأس. قاله الموفق فى "المغنى" (٤٢٣:١١).
قلت: وقد مر فى المقدمة عن فواتح الرحموت: أنه لا بد للمزكى أن يكون عدلا عارفا
بأسباب الجرح والتعديل وأن يكون منصفا ناصحا لا متعصبا ولا معجبا بنفسه اهـ.
حكم قضاء القاضى بشهادة الفاسق:
فائدة: هل العدالة شرط لأهلية الشهادة أو لقبولها وجوبا؟ ذهب الشافعى رحمه الله إلى
الأول، وقلنا بالثانى. وجه قوله: أن مبنى قبول الشهادات على الصدق، ولا يظهر الصدق إلا
بالعدالة، لأن خبر من ليس بمعصوم عن الكذب يحتمل الصدق والكذب، ولا يقع الترجيح إلا
بالعدالة، واحتج بقوله عليه السلام: ((لا نكاح إلا بولى وشاهدى عدل)) ولنا: عمومات، منها قوله
تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ ﴿واستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ والفاسق شاهد
لقوله سبحانه: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ قسم الشهود إلى مرضیین وغیر مرضیین، فیدل على
كون غير المرضى وهو الفاسق شاهدا، وأما الحديث فقد روى عن بعض نقلة الحديث أنه لم يثبت
(مرفوعا والمحفوظ وقفه على ابن عباس وقد صح عنه. («لا نكاح إلا بأربعة خاطب وولى وشاهدين))
من غیر تقیید بالعدل، وإن سلمنا فقد صح عنه: «لا نكاح إلا بولی مرشد وشاهدی عدل»، فلیکن

١٦٧
السؤال عن الشهود
إعلاء السنن
السكن (التلخيص الحبير ٤٠٧:٢) قلت: وهو مذكور بتمامه فى "كنز العمال" وعزاه
إلى الملخص فى أمالیه والبيهقى.
رشد الولى شرطا لصحة النكاح ولم يقل به أحد وإنما هو شرط الكمال فكذلك عدالة الشاهدين)
وإن ثبت فلا حجة له فيه بل هو حجة عليه، لأنه لم يجعل العدالة فيه صفة للشاهد، لأنه لو كان
كذلك لقال: لا نكاح إلا بولى وشاهدين عدلين، بل فيه إضافة الشاهدين إلى العدل(١) وهو كلمة
التوحيد، فكأنه قال: لا نكاح إلا بولى وقائلى كلمة العدل وهى كلمة الأسلام، والفاسق مسلم
فينعقد النكاح بحضرته، ثم النكاح يشتهر بعد وقوعه فيمكن دفع الجحود، والإنكار بالشهادة
بالتسامع وحضرة الشهود فى النكاح لدفع تهمة الزنا لا لدفع الجحود، والتهمة تندفع بحضرة
الفاسق فينعقد النكاح بحضرتهم، وأما قوله: الركن فى الشهادة هو صدق الشاهد فنعم لكن
الصدق لا يقف على العدالة لا محالة، فإن من الفسقة من لا يبالى بارتكابه أنواع من الفسق
ويستنكف عن الكذب، والكلام فى فاسق قد تحرى القاضى الصدق فى شهادته فغلب على ظنه
صدقه، ولو لم يكن كذلك لا يجوز القضاء بشهادته عندنا، كذا فى "البدائع" (٢٧١:٦).
والمعنى أن القاضى إن قضى بشهادة الفاسق وقد تحرى الصدق فى شهادته يصح وينفذ
عندنا ويكون القاضى عاصيا، ولا يصح قضاؤه من غير تحر بالإجماع، قال فى "الهداية": ولا بد
فى ذلك من العدالة ولفظة الشهادة، أما العدالة فلقوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ ولقوله:
﴿وأشهدوا ذوى عدل منكم﴾ وعن أبى يوسف: أن الفاسق إذا كان وجيها فى الناس ذا مروءة
تقبل شهادته لأنه لا يستأجر لشهادة الزور لوجاهته ويمتنع عن الكذب لمروءته، والأول أصح، لأن
هذا التعليل فى مقابلة النص فلا يقبل إلا أن القاضى إن قضى بشهادة الفاسق ينفذ عندنا ويكون
القاضى عاصيا، وقال الشافعى: لا يصح والمسألة معروفة اهـ من "فتح القدير" (٢٥٥:٦).
ومفاده أنه لا يجوز للقاضى القضاء بشهادة الفاسق اتفاقا، وإنما الخلاف فى صحته ونفاذه لو
قضى بها وقد تحرى الصدق فيها، ولا يصح من غير تحر بالإجماع فافهم، وهذا كقولنا: إن العدالة
ليست بشرط لأهلية القضاء حتى لو قلد الإمام فاسقا صار قاضيا عندنا، وصح قضاءه إذا
(١) لا يخفى ما فيه من البعد، والأسلم أن يقال: إن وصف العدالة فى الشاهدين كوصف الإرشاد فى الولى، فكما أن المراد
بالإرشاد هنا العقل والبلوغ دون درجة الكمال من الورع والتقوى كذلك المراد بالعدالة فى الشاهدين الإسلام دون درجة
الكمال، فافهم.

ج - ١٥
١٦٨
باب شهادة النساء
٤٩٦٧- عن جرير بن حازم عن الزبير بن خريت عن أبى لبيد أن عمر أجاز
شهادة النساء فى طلاق، أخرجه الجصاص فى "أحكام القرآن" (١٠٥:١).
لم يخالف الكتاب والسنة والإجماع، وعند الشافعى لا يصير قاضيا، وكان قضاءه كلا قضاء؟
ولا يخفى على من له معرفة بالأيام أن الصحابة رضى الله عنهم كانوا يصلون خلف أئمة الجور
ويجاهدون معهم ويتحاكمون إليهم فى النوائب ولم يجعلوا حكمهم كلا حكم ولا قضاءهم كلا
قضاء، وأيضا ففى إبطال قضاء الفاسق مطلقا من الفساد ما لا يخفى لكون العدل اليوم كالكبريت
الأحمر، فأكثر الحكام والقضاة فسقة جائرون راشون ومرتشون، فلو أبطلنا قضاياهم كلها لتعطلت
الأحكام وضاقت الأرض على أهل الإسلام، وإذا صح قضاء الفاسق ونفذ فلأن يصح القضاء
بشهادته وينفذ أولى وإن كان القاضى بها عاصيا، كما أن مقلد الفاسق القضاء عاص أيضا، فافهم
فإن بعض الأحباب قد طوى عن هذه المسألة كشحا ولم يتعرض لها أصلا، وكانت من أهم المسائل
عقلا ونقلا فاستدر کتها علیه ولله الحمد شکرا وله المن فضلا.
باب شهادة النساء
قلت: رجاله ثقات إلا أنه معلق ولكن لا ضير لأن من عادة المحدثين أن ما يسقطونه من أولى
السند لا يكون فيه كلام.
وأخرج الجصاص أيضا فقال: حدثنا عبد الباقى بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال:
حدثنا يحيى بن عباد قال: حدثنا شعبة عن الحجاج بن أرطاة عن عطاء بن أبى رباح أن عمر أجاز
شهادة رجل وامرأتين فى نكاح، وفيه الحجاج بن أرطاة وهو مختلف فيه، ورواه الدار قطنى فى
سننه (ص: ٥٢٤) من طريق بقية عن شعبة عن الحجاج عن عطاء عن عمر فقال: أجاز رسول
الله عَّ شهادة رجل وامرأتين فى النكاح، وبقية فيه مقال، وأخرج الجصاص معلقا عن الحجاج
عن عطاء أن ابن عمر كان يجيز شهادة النساء مع الرجال فى النكاح، وفيه الحجاج أيضا، وأخرج
الجصاص أيضا من طريق إسرائيل عن عبد الأعلى عن محمد بن الحنفية عن على قال: يجوز شهادة
النساء فى العقد، ويعل بالانقطاع بين عبد الأعلى ومحمد بن الحنفية، لأن عبد الأعلى لم يسمع من
ابن الحنفية، وإنما هو كتاب من رواية عامر بن هنى، وعامر ضعيف وكذا عبد الأعلى، كما فى
"التهذيب".
٠

١٦٩
شهادة النساء
إعلاء السنن
والجواب عنه أن عبد الأعلى قال فى "التقريب": صدوق بهم، وعامر قال فى اللسان: ذكره
أبو حاتم فى الثقات، ثم الروايات بعضها يشد بعضا، وفى هذه الروايات حجة لأبى حنيفة فى قوله:
إن شهادة النساء مقبولة فيما دون الحدود والقصاص، ومن قال: إنها لا تقبل إلا فى الأموال
ولواحقها وفيما لا يطلع عليه غيرهن كالولادة فلا حجة له لا من جهة الرواية ولا من جهة الدراية،
أما الرواية فلأن ما احتجوا به فى هذا الباب هو قول الزهرى: مضت السنة بأن لا تجوز شهادة
امرأتين مع الرجل فى القتل والطلاق والنكاح والحدود، أخرجه سحنون عن ابن وهب عن يونس
ابن يزيد عن الزهرى، ورواه سحنون أيضا عن ابن وهب عن عقيل عن ابن شهاب وقال: مضت
السنة من رسول الله عَّه، ورواه أيضا سحنون عن ابن وهب عن إسماعيل بن عياش عن الحجاج
عن الزهرى وقال: مضت السنة من رسول الله عَّه والخليفتين بعده، كما فى "المدونة" (٨٤:٤).
ولا حجة لهم فيه، لأنه من مراسيل الزهرى، ومراسيله ليس بشىء. قال فى "التهذيب":
قال أحمد بن سنان: كان يحيى بن سعيد لا يرى إرسال الزهرى وقتادة شيئا ويقول: هؤلاء قوم
حفاظ إذا سمعوا الشىء علقوه اهـ ثم يحتمل أن يكون مراد الزهرى من السنة سنة أهل المدينة،
وزعمه عقيل وغيره سنة النبى معَّ له فرواه بالمعنى؛ ثم ما روينا عن النبى معَّ وعمر وابن عمر وعلى
مقدم على قول الزهرى كما لا يخفى، فلا حجة لهم فى هذه الرواية، وأما الدراية فلا، فهم قبلوا
شهادة النساء فى الولادة ومثلها مع كونها غير مالى، فكيف لا يقبلون شهادتهن فى النكاح
والطلاق مع كونهما غير مالى؟ والفرق بالضرورة وعدمها فرق باطل، لأن شهادتهن لم تقبل فى
الأموال إلا للضرورة كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ فلما كان
فى الأموال ضرورة فكيف لا يكون فى النكاح والطلاق ضرورة؟
ثم قوله تعالى: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ يدل على أن المرأتين مثل رجل واحد
فى الشهادة، فما يقبل فيه شهادة الرجل ينبغى أن يقبل فيه شهادة المرأتين إلا أنه خص منه الحدود
والقصاص بالإجماع لأن فيها شبهة البدلية، والحدود والقصاص يؤثر فيها الشبهة، فلا تقبل
شهادتهن فيها، بخلاف غير الحدود والقصاص، فإنه لا يؤثر فيه الشبهة، فتقبل فیه شهادتهن
لكونهن كالرجال فى أهلية الشهادة، ويظهر منه أنه لو لم تكن فى الباب رواية كان مقتضى النظر
قبول شهادتهن فى النكاح والطلاق، فكيف إذا كان مؤيدا بالروايات هذا هو التحقيق فاحفظه.
قال العبد الضعيف: الإنصاف أولى بأهل العلم فكيف يقول بعض الأحباب: لا حجة لهم

١٧٠
شهادة النساء
ج - ١٥
فيه لأنه مرسل ومراسيل الزهرى ليس بشىء، وقد احتج الإمام أبو يوسف بمرسله هذا فى الخراج له
على عدم جواز شهادة النساء فى الحدود، فقال: وحدثنا الحجاج عن الزهرى قال: مضت السنة من
لدن رسول الله عَّه والخليفتين من بعده أن لا تجوز شهادة النساء فى الحدود (ص ١٩٦).
وقد ذكرنا فى المقدمة أن رد مراسيل الزهرى لا يتأتى على أصلنا وإنما يتأتى على مذهب
المحدثين الذين لا يحتجون بالمرسل، وهو مذهب الشافعى وأصحابه، وأما مالك فقد أكثر الاحتجاج
بمراسيله فى المؤطا وكذا أحمد لا يرد المرسل، فكان على بعض الأحباب أن يقول: ومراسيل
الزهری لیس بشىء عند المحدثین ثم یجیب عنه بعد تسليم كونها حجة لكون الحنفية يرونها حجة
فالأشبه أن يقال -والله أعلم- إن هذا الأثر معلول فقد رواه ابن وهب عن يونس بن یزید عن ابن
شهاب عن ابن المسيب أنه قال: الأثر لا تجوز شهادة النساء فى الحدود ولا فى الطلاق ولا فى
القتل، قال ابن شهاب: مضت السنة بذلك بأن لا تجوز شهادة النساء فى القتل والنكاح والطلاق
والحدود. كذا فى "المدونة" (٨٤:٤) فالأثر هذا وهو يدل على أن ابن شهاب روى ذلك أولا من
قول ابن المسيب ثم قال: مضت السنة بذلك؛ وهو يرجح كون المراد بالسنة عمل أهل المدينة، ولو
كان المراد عمل النبى معٍَّ وخلفاءه لم يذكره ابن شهاب من قول ابن المسيب أولا ثم يعقبه بقوله:
مضت السنة بذلك، بل عكس الأمر، ويونس بن يزيد أثبت فى الزهرى من الحجاج وليس عقيل
دونه، ولكن يونس قد زاد وميز، فيرجح لفظه على لفظ غيره، على أن الحجاج قد روى عن عطاء
عن عمر ما يرد على الزهرى قوله: مضت السنة من رسول الله مَّه والخليفتين بعده إلخ فإن عمر
أجاز شهادة النساء مع الرجال فى الطلاق والنكاح كما سيأتى، وروى سحنون فى "المدونة" من
طريق ابن مهدى عن شعبة عن الحكم عن إبراهيم قال: لا تجوز شهادة النساء فى الحدود، والطلاق
من أشد الحدود؛ ومن طريق ابن مهدى عن سفيان الثورى عن أبى حصين عن إبراهيم قال: لا تجوز
شهادة النساء فى الفرقة والنكاح، وقال الحسن: لا تجوز فى الحدود والطلاق من الحدود (٨٤:٤).
وهذا يدل على أنهم إنما منعوا شهادة النساء فى الطلاق لكونهم قاسوه بالحدود، فلو كانت
السنة مضت بذلك من رسول الله عَ ليه والخليفتين بعده لم يكن لهم حاجة إلى القياس، وتبين بذلك
أن عدم قبول شهادتين فى الحدود كان مجمعا عليه عندهم، وإلا لم يصح قياس الطلاق عليها،
وأيضا: فلم يقل أحد بقبول شهادتهن فى الحدود فالحجة فى ذلك الإجماع دون أثر حجاج الذى
ذكره أبو يوسف، وإنما ذكره من ذكره من أصحابنا تأييدا لا احتجاجا به، ودليل الإجماع ما قاله

١٧١
شهادة النساء
إعلاء السنن
فى رحمة الأمة: والنساء لا يقبلن فى الحدود والقصاص (ص: ١٦٠) ويذكر فيه خلافا، وقال ابن
المنذر: أجمع العلماء على القول بظاهر هذه الآية، أى قول الله تعالى: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل
وامرأتان﴾ فأجازوا شهادة النساء مع الرجال، وخص الجمهور ذلك بالديون والأموال وقالوا: لا
تجوز شهادتهن فى الحدود والقصاص.
وقال أبو عبيد: أما اتفاقهم على جواز شهادتهن فى الأموال فالآية المذكورة، وأما اتفاقهم
على منعها (١) فى الحدود والقصاص فلقوله تعالى: ﴿فإن لم يأتوا بأربعة(٢) شهداء﴾ وأما اختلافهم
فى النكاح ونحوه فمن ألحقها بالأموال، فذلك لما فيها من المهور والنفقات ونحو ذلك، ومن ألحقها
بالحدود فلأنها تكون استحلالا للفروج وتحريمها بها اهـ من "فتح البارى" (١٩٦:٥) وفيه دلالة
على أن من منع شهادتهن فى النكاح، والرجعة، والطلاق، والعتاق، ونحوها إنما منعها إلحاقا
بالأموال قياسا، ولو كان عندهم سنة من رسول الله عَ لّه وخلفائه ماضية لم يحتاجوا إلى القياس.
وقال الموفق فى "المغنى": إن العقوبات وهى الحدود والقصاص لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين إلا ما
روى عن عطاء وحماد أنهما قالا: يقبل فيه رجل وامرأتان قياسا على الشهادة فى الأموال، ولنا: أن
هذا مما يحتاط لدرئه وإسقاطه، ولهذا يندرئ بالشبهات ولا تدعو الحاجة إلى إثباته، وفى شهادة
النساء شبهة (البدلية) بدليل قوله تعالى: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ لاحتمال أن
يكون ذلك كقوله: ﴿فإن لم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا﴾، وقوله: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين﴾
وما جرى مجرى ذلك فى الأبدال التى أقيمت مقام أصل الفرض عند عدمه وشبهة القصور بدليل
قوله: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ (الدال على نقصان شهادتهن)، وأنه لا تقبل
شهادتهن وإن كثرن ما لم يكن معهن رجل (بالإجماع؛ خلافا لابن حزم وأمثاله من الظاهرية،
ولا يعتد بخلافهم) فوجب أن لا تقبل شهادتهن فيه، ولا يصح قياسه على المال لما ذكرنا من
الفرق، وبهذا قال سعيد بن المسيب والشعبى والنخعى وحماد والزهرى وربيعة ومالك والشافعى
وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأى اهـ (١٢:٦).
(١) وقال ابن حزم فى "المحلى": فإن ادعوا إجماعا على أن لا يقبلن فى الحدود أكذبهم عطاء، فإن قالوا: خالف جمهور العلماء؟ .
قلنا: وأنتم خالفتم فى أن لا يقبلن النساء متفردات فى الرضاع جمهور العلماء اهـ (٤٠١:٩). قلت: كلا فقد روينا عن عمر
وعلى والمغيرة بن شعبة وابن عباس أنهم لم يفرقوا بشهادة امرأة واحدة فى الرضاع، كما ذكره ابن حزم نفسه. (٩: ٤٠٠) وبه
قال الجماهير من العلماء، كما نذكره.
(٢) الصحيح: ﴿ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾.

ج - ١٥
شهادة النساء
١٧٢
قال الموفق، وما ليس بعقوبة من غير الأموال كالنكاح والرجعة والطلاق والعتاق والإيلاء
والظهار والنسب والتوكيل والوصية والولاء والكتابة وأشباه هذا - فالمعول عليه فى المذهب أن هذا
لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين ، ولا تقبل فيه شهادة النساء، وهو قول النخعى والزهرى ومالك
وأهل المدينة والشافعى، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وربيعة فى الطلاق، ورواية أخرى عن
أحمد: تقبل فيه شهادة رجلين ورجل وامرأتين، روى ذلك عن جابر بن زيد وإياس بن معاوية
والشعبى والثورى وإسحاق وأصحاب الرأى، وروى ذلك فى النكاح(١) عن عطاء، واحتجوا بأنه
لا يسقط بالشبهة فيثبت برجل وامرأتين اهـ.
قلت: وفى "المحلى" لابن حزم: صح عن شريح أنه أجاز شهادة امرأتين فى عتاقة مع رجل،
وصح عن الشعبى قبول شهادة رجل وامرأتين فى الطلاق وجراح الخطأ، ولم يجز شهادة النساء فى
جراح العمد ولا فى حد، وصح عن أبى الشعثاء جابر بن زيد قبول النساء مع رجل فى الطلاق
والنكاح، وصح عن أياس بن معاوية قبول امرأتين فى الطلاق -أى مع رجل- ومن طريق أبى عبيد
نا هيثم عن حجاج بن أرطاة عن عطاء قال: أجاز عمر بن الخطاب شهادة النساء مع الرجال فى
الطلاق والنكاح، ومن طريق أبى عبيد نا يزيد عن حجاج عن عطاء أنه أجاز شهادة النساء فى
النكاح، ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج عن عطاء بن أبى رباح قال: تجوز شهادة النساء مع
الرجال فى كل شىء وتجوز على الزنا امرأتان وثلاثة رجال اهـ ملخصا (٣٩٨:٩). قلت: قوله:
وتجوز على الزنا امرأتان وثلاثة رجال قياس فى مقابلة النص، فإن النص أوجب فيه أربعة شهداء،
ولا يقال: أربعة شهداء إلا على أربعة رجال، فإن ظاهر إتيان التاء فى العدد مشعر باشتراط كونهم
كذلك، فلا يصح القول بجواز شهادتهن فى الحدود إلا بنص مثله لا بمجرد الرأى.
الرد على ابن حزم فى قوله بجواز شهادة النساء
فى الحدود مجتمعات ومنفردات:
والعجب من ابن حزم أنه مع ادعائه بطلان الرأى والقیاس فی الدین جملة کیف أقدم على
القوم بجواز ثلاثة رجال وامرأتين، أو رجلين وأربع نسوة، أو رجل واحد وست نسوة، أو ثمان
نسوة فقط فى شهادة الزنا (كما فى "المحلى" ٣٩٦:٩) وخالف نص الكتاب برأيه وقال: إن شهادة
(١) قلت: بل فی کل شیء، كما سيأتى.

١٧٣
شهادة النساء
إعلاء السنن
ثلاثة رجال وامرأتين فى الزنا يقع عليهم وعلى واحدة منهما أربعة شهداء. قلنا: لا يقع ذلك إلا
مجازا وتغليبا، ولا يقع على أربع من ثمان نسوة ليس معهن رجل أبعة شهداء قط، فمن أين قلت
بجواز ثمان نسوة فيها؟ وإن سلمنا أن شهادة ثلاثة رجال مع امرأة يقع عليها أربعة شهداء، فأى
حاجة لك ألى امرأة أخرى معها؟
فإن قلت: أخذت ذلك من قوله: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأ تان﴾ قلنا: إنما ذلك
حكم ما يكفى فيه بشهادة رجلين، فمن أين لك أن تقيس عليه ما يجب فيه شهادة أربعة شهداء،
وأيضا قوله: ﴿فرجل وامرأتان﴾ يدل على أنه لا بد من رجل مع النساء، ولو جازت شهادتهن
منفردات لقيل: فإن لم يكونا رجلين فامرأتان مكان كل واحد منهما، فمن أين قلت بجواز
شهادتهن منفردات؟ وهل هذا إلا القياس الذى لا تزال تبطله وتذمه، بل هو من القياس بمعرض
النص الذى لم يقل أحد بجوازه فإلى الله المشتكى.
فإن قال: روينا من طريق محمد بن المثنى نا أبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير عن أبيه
عن عطاء قال: لو شهد عندى ثمان نسوة على امرأة بالزنا لرجمتها. (٣٩٨:٩) من "المحلى" قلنا:
لا يليق بمثلك وقد شحنت ديوانك "المحلى" بقولك: لا حجة فى أحد دون رسول الله عّ لّه أن
تحتج بقول عطاء وتترك به نص الكتاب، وكيف لك بقوله ، وقد خالف فى ذلك الجمهور، ،
ولم يقل بما قاله أحد ممن تقدمه ولا ممن تأخر عنه، ولكن ابن حزم وأتباعه الظاهر لا يزالون يتتبعون
الغرائب من الأقوال ليغروا بها العوام، ويفتنوهم عن دينهم، وأيضا فخازم أبو محمد بن خازم غير
معروف فى الرواة لم نر له رواية غير هذه التی رواها عنه ابنه، ولم یذ کره أحد ممن صنف فى
الرجال، فلا ندری متی یکون المجهول حجة عند ابن حزم متی هو ليس بحجة؟ كيف وقد صرح
ابن حزم نفسه أنه صح عن عطاء وعن عمر بن عبد العزيز أنه لا تجوز شهادة النساء بحتا حتى
یکون معهن رجل (٣٩٦:٩).
فكيف يصح ما رواه محمد بن خازم عن أبيه عنه: لو شهد عندى ثمان نسوة على امرأة -
بالزنا لرجمتها، ولوصح فإنه إنما قال بذلك إذا شهد ثمان نسوة على امرأة لا إذا شهدن علی رجل،
١
فمن أين قلت بجواز ثمان نسوة فى الزنا مطلقا على رجل أو على امرأة؟ وهل هذا إلا اختراع قول
١
لم يقل به أحد ممن تقدم وتأخر؟ ولكن ابن حزم لا يدرى ما يخرج من رأسه والله المستعان. فإن
قيل: روى أبو عبيد نا يزيد هو ابن هارون عن جرير بن حازم عن الزبير بن الخريت عن أبى لبيد

ج - ١٥
شهادة النساء
١٧٤
قال: إن سكرانا طلق امرأته ثلاثا فشهد عليه أربع نسوة فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فأجاز
شهادة النسوة وفرق بينهما (كما فى " المحلى" ٣٩٧:٩) قلنا: أراد بذلك أنه أجاز شهادتهن مع
رجل بدليل ما مر عن عطاء قال: أجاز عمر شهادة النساء مع الرجال فى الطلاق والنكاح، وإنما
اقتصر الراوى على ذكر النساء ردا على من قال: لا تقبل شهادتهن فى غير الأموال، فذكر أن عمر
أجاز شهادتهن فى الطلاق وليس بمال، وعليه يحمل ما رواه ابن أبى شيبة نا حفص بن غياث عن
أبى طلق عن أخته هند بنت طلق قالت: كنت فى نسوة وصبى مسيحى، فقامت امرأة فمرت
فوطأته، فقالت أم الصبى: قتلته والله! فشهد عند على عشر نسوة أنا عاشرتهن فقضى عليها بالدية
وأعانها بألفین، (المحلى ٣٩٨:٩).
ولا يبعد أن تكون المرأة قد اعترفت بالوطأ فكان القضاء عليها باعترافها، والحديث إنما سيق
لبيان أن القتل بالوطئ يوجب الدية دون القصاص، فاقتصرت الرواية على ذلك، ولم تتعرض
النصاب الشهادة، ولا لاعتراف المشهود عليها، وهذا كله بعد التسليم، وإلا فأبو طلق هذا وأخته
کلاهما مجهولان لم نقف لهما علی ترجمة، ولا جرح ولا تعدیل، ولکن ابن حزم لا یبالی
بالاحتجاج بالمجاهيل ولا بالضعفاء إذا وافق غرضه، وليس ذلك من أهل الظاهر ببعيد، فإن قيل: إن
اعتبار النساء فى الشهادة إنما ثبت على خلاف القياس لكون المرأة عورة يجب سترها، وشهادتها
بمحضر من القاضى والشهود وأعوان القضاء ينافى الستر، فلتكن مقتصرة على مورد النص، وهو
عقد المداينة وهو من باب الأموال فلا تقبل شهادتهن فى غير الأموال. قلنا: لا نسلم أن ذلك ينافى
الستر فإن المرأة إذا كانت من المخدرات تشهد مجلس القضاء متنقبة ويعرفها للقاضى واحد من
معارفها عدل أو يرسل القاضى إليها من يسمع شهادتها فى بيتها ويعرفها له عدل من معارفها.
وأيضا: فإن كان ذلك علة الاقتصار على مورد النص فلتكن شهادتها مقتصرة على عقود
المداينة إذ هى مورد النص حتما لا تتعداها إلى غيرها من عقود الأموال - كالبيع والشراء والإجارة
إذا خلت عن الدين- والخصم لا يقول به، فظهر أنه قائل فيها بالتعدية، وأذا كان كذلك فلاوجه
لاقتصارها على الأموال، فإن غير الأموال -من النكاح والطلاق والرجعة والظهار والإيلاء والنسب
والوصية- أولى بشهادة النساء من عقود الأموال، فإنهن بغير الأموال مما ذكرنا أعرف منهن بعقود
الأموال، کما لا يخفى.
وأما قول الشافعى رحمه الله ومن وافقه أن شهادة النساء حجة ضرورة لأنها جعلت حجةٍ

١٧٥
شهادة النساء
إعلاء السنن
فى باب الديانات عند عدم الرجال، ولا ضرورة فى الحقوق التى ليست بمال لاندفع الحاجة فيها
بشهادة الرجال، ولهذا لم تجعل حجة فى باب الحدود والقصاص وكذا لم تجعل حجة بانفرادهن
فيما يطلع عليه الرجال. فالجواب أن قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ الآية جعل
لرجل وامرأتين شهادة على الإطلاق أنه سبحانه جعلهم من الشهداء، والشاهد المطلق من له شهادة
على الإطلاق، فاقتضى إن یکون لهم شهادة فى سائر الأحكام إلا ما قید بدلیل، وروی عن سيدنا
عمر رضى الله عنه أنه أجاز شهادة النساء مع الرجال فى النكاح والطلاق، ولم ينقل أنه أنكر عليه
منكر من الصحابة بل روى عن ابنه عبد الله أنه وافق أباه فى ذلك، ولم نعلم لهما مخالفا من
الصحابة فكان إجماعا منهم على الجواز، ولأن شهادة رجل وامرأتين فى إظهار المشهود به مثل
شهادة رجلين لرجحان جانب الصدق فيها على جانب الكذب بالعدالة إلا أنها لم تجعل حجة فيما
يدرأ بالشبهات لنوع قصور وشبهة فيها لما ذكرنا، وهذه الحقوق مما لا تدرأ بالشبهات. وأما قوله:
بأنها ضرورة، فلا نسلم فإنها مع القدرة على شهادة الرجال فى باب الأموال مقبولة إجماعا، فدل
أنها شهادة مطلقة لا ضرورة، وبه تبين أن نقصان الأنوثة يصير مجبورا بالعدد فكانت شهادة مطلقة
اهـ من "البدائع" (٢٨٠:٦).
وأيضا: فظاهر آية المداينة يقتضى جواز شهادتهن مع الرجال فى سائر عقود المداينات، وهى
كل عقد واقع على دين سواء كان بدله مالا أو بضعا أو منافع أو دم عمد، لأنه عقد فيه دین، إذ
· المعلوم أنه ليس مراد الآية أن يكون المعقود عليهما من البدلين دينين لامتناع جواز ذلك إلى أجل
مسمى، فثبت أن المراد وجود مین عن بدل أی دین کان بأى بدل كان، فاقتضى ذلك جواز شهادة
النساء مع الرجال على عقد نكاح فيه مهر مؤجل، وكذا على الطلاق بمال، وكذلك الصلح من دم
العمد والخلع على مال والإجارات، إذ كل ذلك من عقد المداينة، فمن ادعى خروج شىء من هذه
العقود من ظاهر الآية لم ينلم له ذلك إلا بدلالة، إذ كان العموم مقتضيا لجوازها فى الجميع.
وأيضا: لما ثبت أن اسم الشهيدين واقع فى الشرع على الرجل والمرأتين وقد ثبت أن اسم
البينة يتناول الشهيدين واجب بعموم قوله معّ له: ((البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه))
القضاء بشهادة الرجل والمرأتين فى كل دعوى لشمول اسم البينة لهم، ألا ترى أنها بينة فى
الأموال؟ فلما وقع عليها الاسم وجب بحق العموم قبولها لكل مدع إلا أن تقوم الدلالة على
تخصيص شىء منه، وإنما خصصنا الحدود والقصاص لما ذكرنا، وأيضا: لما اتفق الجميع على قبول

١٧٦
ج - ١٥
باب شهادة الأ عمی
٤٩٦٨- عن محمد بن سليمان بن مشمول ثنا أبى ثنا عبيد الله بن مسلمة بن
شهادتهن مع الرجل فى الديون والأموال وجب قبولها فى كل حق لا تسقط الشبهة، إذ كان الدين
حقا لا يسقط بالشبهة.
ومما يدل على جوازها فى غير الأموال من الآية أن الله تعالى قد أجازها في الأجل بقوله:
﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ ثم قال: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾،
فأجاز شهادتها مع الرجل على الأجل، وليس بمال كما أجازها فى المال، فإن قيل: الأجل لا يجب
إلا فى المال؟ قيل له: هذا خطأ لأن الأجل قد يثبت فى منافع الأحرار التى ليست بمال، وأيضا فإن
البضع لا يستحق إلا بمال (بدليل قوله تعالى: ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾)، ولا يقع النكاح إلا بمال،
فينبغى أن تجيز فيه شهادة النساء، قاله الجصاص فى "أحكام القرآن" له (٥٠٢:١) هذا هو الفقه.
فلله دره من فقيه! والله أعلم بالصواب.
باب شهادة الأ عمی
قوله: عن محمد بن سليمان إلخ. أقول: قال الزيلعى بعد نقل التصحيح من الحاكم: تعقبه
الذهبى فى "مختصره"، وقال: بل هو حديث واه فإن محمد بن سليمان بن مشمول ضعفه غير
واحد اهـ. ثم قال: وزواه كذلك ابن عدى فى "الكامل"، والعقيلى فى كتابه، وأعلاه بمحمد بن
سليمان بن مشمول وأسند ابن عدى تضعيفه عن النسائى، ووافقه وقال: عامة ما يرويه لا يتابع
عليه لا إسنادا ولا متنا اه، ولكن قال ابن حجر فى "لسان الميزان": ذكره ابن حبان وابن شاسن
فى "الثقات"، وزعم أن یحیی پن معین وثقه، وذكره العقیلی والساجی والدولابی وابن الجارود فى
"الضعفاء"، وقال ابن حزم: منكر الحديث اهـ. فقد علم منه أن الرجل مختطف فيه والحديث حسن
على أصولنا، واستدل به الحنفية على عدم قبول شهادة الأعمى، والأوجه الاستدلال بقوله تعالى:
﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ لأن الشهاة والاستشهاد والشهيد مأخوذ من المشاهدة،
ولا مشاهدة الأعمى، فلا تقبل شهادته سواء كان أعمى عند التحمل، أو عند الأداء، أو عبد
القضاء أما عند التحمل والأداء فظاهر، وأما عند القضاء، فلأن الشهادة إنما يقر شهادة بالقضاء،
فوجب أن يبق الأهلية إلى ذلك الوقت.
قال العبد الضعيف: ولقائل أن يقول: إن شهادة الأعمى إنما أجازها من أجازها فى الأقوال

12
إعلاء السنن
شهادة الأعمى
١٧٧
دهرام عن أبيه عن طاوس عن ابن عباس أن رجلا سأل النبي عَّ لهم عن الشهادة، فقال:
فقط دون الأفعال، ومشاهدة الأقوال إنما تكون بالسماع دون البصر، والأعمى يعرف الصوت كما
يعرف البصير الصورة، فينبغى أن تقبل شهادته إذا تيقن الصوت، وجواز اشتباه الأصوات كجواز
اشتباه الصور، وملاك الأمر فى الشهادة إنما هو غلبة الظن دون اليقين، ألا ترى أنه يجوز الشهادة
بالنسب والموت والنكاح والدخول بالتسامع؟ ومن كان فى يده شىء سوى العبد والأمة وسعك أن
تشهد أنه له، والأعمى إذا تيقن الصوت يحصل له غلبة الظن حتما، ومن هنا جاز له وطأ امرأته إذا
عرفها بصوتها، وسيأتى الجواب عن ذلك فانتظر، وقال البخارى بجواز شهادته، واستدل له
بأحاديث: منها أنه بيّ عرف عبادا بصوته، و کذا عائشة عرفته به.
ووجه الاستدلال به أنه كما عرفه عّ لّه هو وعائشة بصوته من غير أن يرياه كذلك يمكن
للأعمى المعرفة بالصوت والشهادة به، وهو استدلال غير صحيح لأنا لا ننكر حصول المعرفة
بالصوت، ولكنا نقول: إن كل معرفة لا يكفى للشهادة بل لا بد فيه من المشاهدة.
ومنها: أن ابن أم مكتوم کان لا يؤذن حتی یقول له الناس: أصبحت. ووجه الاستدلال به
أن ابن أم مكتوم كان يعرف الصبح بقول الناس ثم يؤذن، وكان هذا التأذين شهادة منه بطلوع
الصبح، ويقبلها رسول الله عَّه وغيره، ويقاس عليه غيره، والجواب عنه أن هذا من جملة الأخبار
لا من قبيل الشهادة المتنازع فيها، وليس كل من يقبل خبره يقبل شهادته -لأن الشهادة تبتنى على
المشاهدة وليس الخبر كذلك، ثم الشهادة من باب الإلزام والخبر ليس كذلك، ثم الشهادة يشترط
فيها أن تكون عند القاضى، والخبر ليس كذلك، ثم الشهادة متعلق بما يدخل تحت القضاء والخبر
ليس كذلك، ثم الشهادة يشترط فيه لفظ: أشهد بخلاف الخبر فلما ظهر الفرق بينهما بطل القول
بكون التأذين شهادة وقياس غيره عليه، ومنها: أن رسول الله عّ لّ عرف مخرمة بصوته من غير
رؤيته، ووجه الاستدلال به والجواب عنه ما مر.
قال العبد الضعيف: واحتج البخارى أيضا بما علقه عن القاسم والحسن وابن سيرين
والزهرى وعطاء أنهم أجازوا شهادة الأعمى، وكان ابن عباس يبعث رجلا إذا غابت الشمس أفطر
ويسأل عن الفجر فإذا قيل: طلع، صلى ركعتين، ووجه التعلق به كونه يعتمد على خبر غيره مع أنه
لا يرى شخصه وإنما سمع صوته، وقال الزهرى: أرأيت ابن عباس لو شهد على شهادة أكنت
ترده؟ واحتجوا أيضا بجواز نكاح الأعمى زوجته وهو لا يعرفها إلا بصوتها. (فدل أن الصوت فى
الشرع قد أقيم مقام الشهادة، فإن الإقدام على استباحة الفرج أعظم من الشهادة فى الحقوق. قاله

١٧٨
شهادة الأعمى
ج - ١٥
هل ترى الشمس؟ قال: نعم، قال: على مثلها فاشهد أو دع، أخرجه الحاكم فى
ابن القصار اهـ من "العمدة" للعينى (٣٥٢:٦).
وقال الإسماعيلى: ليس فى أحاديث الباب دلالة على الجواز مطلقا، لأن نكاح الأعمى
يتعلق بنفسه لأنه فى زوجته وأمته وليس لغير فيه مدخل، وأما قصة عباد ومخرمة ففى شىء يتعلق
بهما لا يتعلق بغيرهما، وأما التأذين فقد قال فى بقية الحديث: كان لا يؤذن حتى يقال له:
أصبحت. فالاعتماد على الجمع الذين يخبرونه بالوقت، وكفى بخبر سيدنا رسول الله عَ ◌ّ شاهدا
له أنه لا يؤذن حتى يصبح، قال: وأما ما ذكره الزهرى فى حق ابن عباس، فهو مجرد تهويل لا
احتجاج تقوم به حجة، لأن ابن عباس كان أفقه من أن یشهد فیما لا تجوز فيه شهادته فإنه لو شهد
لأبيه أو ابنه أو مملوكه لما قبلت شهادته وقد أعاذه الله من ذلك اهـ من "فتح البارى" (١٩٥:٥).
قلت: وهذا هو الجواب عن قول ابن حزم فى "الحلى": وما نعلم فى الضلالة بعد الشرك
والكبائر أكبر ممن دان الله برد شهادة جابر بن عبد الله وابن أم مكتوم وابن عباس وابن عمر. ونعوذ
بالله من الخذلان اهـ (٤٣٤:٩).
قلنا: وما نعلم فى الضلالة بعد الشرك والكبائر أكبر ممن دان الله بأن هؤلاء الأجلة يشهدون
فیما لا تجوز فیه شهادتهم، وهل نسی ابن حزم أن عمر رضى الله عنه جلد أبا بكرة ومن معه حد
القذف ورد شهادته، فهل يدين الله برد شهادة هذا الصحابى ولا يدينه برد شهادة غيره من
الصحابة إذا شهد فيما لا تجوز فيه شهادته؟ وهل هذا إلا مجرد تهويل تغريرا للعوام وتمويها
بالباطل؟ ونعوذ بالله من إساءة الأدب.
بقى الجواب عن قول القائل أن مشاهدة الأقوال إنما تكون بالسماع دون البصر، والأعمى
يعرف الصوت ويسمعه كما يعرف البصير الصورة ويراها، فنقول: إن آلة السماع إنما تفيد العلم
بالقول دون القائل، ولا بد فى الشهادة من معرفة القول مع القائل، والأعمى لا يشاهد القائل البتة
وإنما يشاهد عليه بالاستدلال، قال فى "البدائع": إن الشرط هو السماع من الخصم (لا مجرد
السماع) لأن الشهادة تقع له (أو عليه) ولا يعرف كونه خصما إلا بالرؤية، لإن النغمات يشبه
بعضها بعضا اهـ (٢٦٦:٦)، فلا تصح شهادته ألا ترى أن الصوت قد يشبه الصوت وأن المتكلم قد
یحاکی صوت غیره ونغمته حتى لا يغادر منها شيئا، ولا يشك سامعه إذا كان بينه وبينه حجاب
أنه المحكى صوته، فغير جائز قبول شهادته على الصوت، إذا لا يرجع منه إلى يقين بالقائل يبنى أمره
على غالب الظن، والشاهد مأخوذ عليه بأن يأتى بلفظ الشهادة ولو عبر بلفظ غير لفظ الشهادة بان

١٧٩
شهادة الأعمى
إعلاء السنن
"المستدرك" وصححه (زيلعى ص ٢١٠).
يقول: أعلم أو أتيقن لم تقبل شهادته، فعلمنا أنها حين كانت مخصوصة بهذا اللفظ، هذا اللفظ
يقتضى مشاهدة المشهود به ومعاينته فلم تجز شهادة من خرج من هذا الحد وشهد عن غير معاينة،
قاله الجصاص فى "الأحكام" له (٤٩٨:١).
وبهذا خرج الجواب عن قول القائل: إن ملاك الأمر فى الشهادة إنما هو غلبة الظن دون
اليقين إلخ. فهذا مما لا نقول به ولا نذهب إليه، كيف وقد احتج أصحابنا بحديث ابن عباس
مرفوعا: سئل النبى معَّةٍ عن الشهادة، ((فقال: هل ترى الشمس؟ قال: نعم، قال: على مثلها فاشهد
أودع)). وقالوا: إن الشهادة لا بجوز إلا على ما حضره الشاهد وشاهده ولم يشك فيه. وأما جواز
الشهادة بالنسب والموت والنكاح ونحوه بالتسامع فمعناه جواز الشهادة بالخبر المستفيض فيما ليس
شرط الشهادة فيه معاينة المشهود به، لأنها أمور تختص بمعاينة أسبابها خواص من الناس كولاية
السلطان القاضى لا يحضرها إلا الخواص، وإنما تحضر العامة جلوسه وتصديه للأحكام، والحاسم
لمادة الشغب الإجماع على وجوب الشهادة بأن عائشة بنت أبى بكر رضى الله عنهما وأنها زوجة
النبى عَِّ، وأنه دخل بها، وأن عليا رضى الله عنه ابن أبى طالب، وعمر رضى الله عنه ابن
الخطاب، وأنهما كانا من أصحاب النبى معَّه وخلفائه، وأن شريحا كان قاضيا، فالشهادة بالخبر
المستفيض والمتواتر فى تلك الأمور بمنزلة الشهادة بالمعاينة بل فوقها، وأما أن من كان فى يده شىء
سوى الأمة والعبد وسعك أن تشهد أنه له، فلأن اليد أقصى ما يستدل به على الملك، إذ هى مرجع
الدلالة فى الأسباب كلها، ولا دليل سواه لأن غاية ما يمكن فيه أن يعاين سبب الملك من الشراء
والهبة، وموت المورث، وشىء من هذه الأسباب لا يفيد ملك الثانى، حتى يكون ملك الأول،
ولا دليل له سوى اليد بلا منازع، فالشهادة بها ليس من الشهادة بالظن بل باليقين، فافهم.
وأما قوله: إن جواز اشتباه الأصوات كجواز اشتباه الصور. فالجواب أن اشتباه الصور نادر
لا عبرة بالنادر، بخلاف اشتباه الأصوات فإن فيه كثرة، وأيضا فهذا إنما يرد على من أجاز الشهادة
حال الاشتباه فى الصور، ولم نقل بجوازه، فلا يجوز لأحد أن يشهد على أحد بشىء عندنا ما
لم يتقين بأنه هو الذى رآه وشاهده يفعل كذا أو يقول كذا، فافهم.
وأما قول القائل: يجوز للأعمى إقدامه على وطأ امرأته إذا عرف صوتها فعلمنا أنه يقين ليس
بشك إذ غير جائز لأحد الإقدام على الوطأ بالشك، فالجواب أنه يجوز له الأقدام على وطئ امرأته
بغالب الظن إذا شهد قلبه بصدق المخبر، فمن زفت إليه امرأة وقيل له: هذه امرأتك، وهو لا يعرفها

ج - ١٥
شهادة الأعمى
١٨٠
من قبل يحل له وطؤها، وكذلك جائز له قبول هدية الجارية بقول الرسول، ويجوز له الإقدام على
وطئها (وأما قول ابن حزم: لا يجوز لأحد وطأ من زفت عليه أول مرة حتى يوقن أنها التى تزوج
بها، فباطل بالمرة، لأنه لا سبيل إلى التيقن بذلك غير الاعتماد على من يخبره بذلك من واحد،
أو اثنين، وهو لا يفيد إلا غلبة الظن، فإن قال بأنه لا بد فى ذلك من شهادة جماعة عظيمة يستحيل
العقل تواطأهم على الكذب فهذا ما لم يقل به أحد، ولن يقول به إلا ظاهرى قد حرم الفقه
والدراية جملة، كيف وقد قبل النبى ◌ّ لتر هدية المقوقس أرسلها على يد خاطب وفيها جارية
مارية، فقبلها اعتمادا على خبر الواحد، وكذلك الصحابة كلهم والتابعون ألم يقل أحد منهم أنه
يشترط فى قبول هدية الجارية شهادة جماعة عظيمة بأن فلانا أهداها إليه، فافهم) ولو أخبره مخبر
عن أحد بإقرار أو بيع أو قذف لما جاز له إقامة الشهادة على المخبر عنه، لأن سبيل الشهادة اليقين
والمشاهدة وسائر الأشياء التى ذكرها الخصم يجوز فيها استعمال غلبة الظن وقبول قول الواحد،
فليس ذلك إذا أصلا للشهادة اهـ من "أحكام القرآن" للجصاص (٤٩٨:١).
وقد روى عن على بن أبى طالب كرم الله تعالى وجهه: لا تقبل شهادة الأعمى. رواه
الأسود بن قيس عن أشياخ من قومه، ورواه الحجاج بن أرطاة أيضا، والأسود بن قيس ثقة من
التابعين صدوق عظيم الأمانة كما فى "التهذيب"، والأشياخ من قومه لا يكونون إلا من التابعين
الكبار، وجهالة الراوى فى القرون الفاضلة لا يضرنا لا سيما وله طريق أخرى من الحجاج بن .
أرطاة، فقول ابن حزم فى "المحلى" (٤٣٤:٩): إنه لا يصح، رد عليه، و کم من حديث صحيح
قد رده إذا خالف غرضه، و کم من ضعیف قد احتج به إذا وافقه.
وأما قوله: وقد روى عن ان عباس خلاف ذلك فسقط هذا القول اهـ قلنا: إن أراد به ما-
علقه البخارى فى هذا الباب عن ابن عباس أنه كان يبعث رجلا إذا غابت الشمس أفطر ويسأل عن
الفجر فإذا قيل: طلع صلى ركعتين اهـ. فلا دلالة فيه على أن الأعمى يجوز له الشهادة بالسماع،
وغاية ما فيه أنه يجوز له الاعتماد على خبر الواحد فى الديانات، ولا نزاع فيه، وإن كان أراد غيره
فليأتنا ببيان. وقال الجصاص فى الأحكام له: واختلف فى شهادة الأعمى فقال أبو حنيفة ومحمد:
لا تجوز شهادة الأعمی بحال. وروی نحوه عن على بن أبى طالب رضى الله عنه، وروى عمرو بن
عبيد عن الحسن قال: لا تجوز شهادة الأعمى بحال، وروى عن أشعث مثله إلا أنه قال: إلا أن
تكون فى شىء رآه قبل أن يذهب بصره، ورى ابن لهيعة عن أبى طعمة عن سعيد بن جبير قال:
لا تجوز شهادة الأعمى.